بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
»  الأطعمة النباتية وتخفيض الوزن
أمس في 8:13 pm من طرف نباتية

» لا تَجعَلوا بُطونَكُم مَقابِرَ الحَيَوانِ
الخميس يونيو 08, 2017 9:08 pm من طرف سالم

» كل الخضار لا الأصدقاء Eat veggies not friends
الخميس يونيو 08, 2017 1:18 pm من طرف سالم

» ايفرغرين - مطعم نباتي في قطر
الثلاثاء مايو 30, 2017 1:06 pm من طرف سالم

» مطعم نباتي في الحمرا - شارع التنوخيين - بيروت
الثلاثاء مايو 30, 2017 10:17 am من طرف نباتية

» الفنان يوسف إسلام تراجع عن نباتيته
الإثنين مايو 29, 2017 10:03 am من طرف سوسن

» احذر اللحوم الحمراء فهي تقصر العمر
الجمعة مايو 26, 2017 2:48 pm من طرف نباتي جديد

» عسل طَرَخْشَقون نباتي vegan
الجمعة مايو 26, 2017 9:43 am من طرف ليلى

» الأغذية العضوية نمط صحي أم موضة رائجة؟
الثلاثاء مايو 23, 2017 10:43 pm من طرف ليلى

» النباتية اسلوب حياة: الاصناف الثلاثة للأغذية
الإثنين مايو 22, 2017 12:47 pm من طرف نباتي جديد

» من طعام الملوك والرؤساء
الإثنين مايو 22, 2017 10:42 am من طرف I ♥ vegan

» هل تناول اللحوم ضروري للصحة؟
الخميس مايو 11, 2017 6:13 pm من طرف هلال النباتي

» تناول الطعام النباتي يخفض التكاليف الاقتصادية
الخميس مايو 11, 2017 11:08 am من طرف هلال النباتي

»  الأطعمة النباتية تقلل من نسبة الإصابة بالأمراض
الأربعاء مايو 10, 2017 6:51 pm من طرف نباتية

» فوائد الإستغناء عن اللحوم واتباع نظام غذائي نباتي
الأربعاء مايو 10, 2017 11:07 am من طرف سالم

» نصائح للنباتيين الجدد في الجزائر
الأربعاء مايو 10, 2017 10:16 am من طرف سالم

» خالد بن الوليد بن طلال نباتي
الأحد مايو 07, 2017 9:14 pm من طرف نباتية

» النباتية والدعوة اليها: فتوى سماحة اية الله العظمى السيد علي خامنئي
الأربعاء مايو 03, 2017 2:54 pm من طرف I ♥ vegan

»  النباتي روبرتو مارتين مؤلف كتاب الطبخ النباتي للحوميين Roberto Martin
الثلاثاء مايو 02, 2017 4:27 pm من طرف I ♥ vegan

» النباتي اوميد جعفري Omid Jaffari
الخميس أبريل 20, 2017 9:19 pm من طرف I ♥ vegan

» أكل اللحوم - نظرة إلى حقوق الحيوان
الثلاثاء أبريل 11, 2017 5:58 pm من طرف نباتية

» ﺍﻟﻁﻼﺏ ﺍﻟﻌﺭﺏ في ﺍﻟﻬﻧﺩ والإﻗﺑﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﺍلطعام ﺍﻟﻧﺑﺎﺗﻲ
الجمعة أبريل 07, 2017 4:58 pm من طرف ليلى

» مطعم عربي نباتي جديد في فلسطين
الجمعة أبريل 07, 2017 2:01 pm من طرف سالم

» قراءة في كتاب "الخُضْرِيّة" -للأستاذ شربل بلوطين Sharbel Balloutine
الخميس أبريل 06, 2017 8:29 am من طرف ليلى

» vagan جديدة :)
السبت أبريل 01, 2017 4:00 pm من طرف emyyy

» مئة من المشاهير لا يأكلون اللحوم
الأحد مارس 26, 2017 6:37 am من طرف محمود اليوسف

» مارأيكم بأكل البيض هل هو يعتبر كائن حي أو كائن لم يخلق بعد ؟
الأحد مارس 19, 2017 9:31 am من طرف توم 1979

» وزيرة ألمانية تعارض تقديم اللحوم والأسماك للضيوف
السبت فبراير 18, 2017 8:33 pm من طرف نباتية

» أصبحت نباتي بعد وفاة أبي رحمه الله
الجمعة فبراير 17, 2017 1:58 pm من طرف توم 1979

» حين يرد الحصان على الايذاء المنكر
الإثنين فبراير 13, 2017 3:49 pm من طرف نباتي جديد

التبادل الاعلاني
besucherzähler

ذبح الأضاحي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ذبح الأضاحي

مُساهمة من طرف توم 1979 في الجمعة أكتوبر 04, 2013 5:05 pm

ذبح الأضاحي
الملمح الأول الذي وجدته نصوص الكلاتشاكرا إشكاليًّا وُجِد أيضا عند الهندوس في ذلك الوقت. فالمشكلة تتعلق بذبح الأضاحي باسم إله التايي، بسم الله. وهكذا يخطئ بونداريكا في "النور السَّاطع" في فهم الطريقة الحلال في القوانين الغذائية، وفهمها على أنها تقديم قرابين للإله، مشابهة للطقوس الفيدية. ويذكر بونداريكا، وهو يخاطب جمهورًا هندوسيًّا: "ستعتبرون أن تعاليم (الطائيين) ذات أثرٍ؛ وذلك بسبب الكلمات في الكتب (الفيدية)، "استخدموا الماشية من أجل التضحية."

التعاليم البوذية تمنع وبشدة ذبح الحيوانات، فطبقًا لبوذا تأخذ الكائنات الواعية عمليات إعادة ميلاد متكررة، كأي شكل للحياة ذي عقلٍ، بما فيها الإنسان والحيوان. ونتيجةً لذلك فأي حيوان قد يُضحِّي به المرءُ ربما يكون أمَّ المرء في حياةٍ سابقةٍ. وعلى الرغم من أن نصوص الكلاتشاكرا تسيء فهم طريقة الذبح الحلال لتكون تضحيةً، ولا تشير إلى شعيرة ذبح الهدي في الحج، فإن ذبح الأضاحي كان وما زال موقعًا إشكاليًّا بين البوذية والإسلام.

الصعوبة العقائدية البوذية فيما يتعلق بذبح الأضاحي – رغم ذلك – ليست قاصرةً على وجود هذه الشعيرة في الإسلام. فهي تتعلق بأشكالٍ معينة في الهندوسية. والمشكلة تمتد إلى أنواعٍ معينة من البوذية، التي اختلطت بعادات أهل البلد الأصليين. فعلى سبيل المثال، وخلال الاستهلال بالكلاتشاكرا الذي منحه الدالاي لاما في بودغايا بالهند، في يناير ١٩٧٥ م نصح البوذيين بالحضور من مناطق الهيمالايا البعيدة، ونصحهم بشدة بأنه يتوجب عليهم الامتناع عن ذبح الحيوانات لتقديمها قرابين.

في العصور الحديثة لم يعد البوذيون يربطون طريقة الذبح الحلال بالتضحية؛ فأثناء فترة ما قبل الحكم الشيوعي في التبت – على سبيل المثال – لم يكن يُسمح فقط للمسلمين بذبح الحيوانات بالطريقة الحلال، ولكن أيضًا العديد من البدو التبتيين أحضروا مواشيهم للجزارين المسلمين لذبحها وبيعها لحومًا. ومعظم التبتيين في الحقيقة شعروا بأن أحسن أطباق اللحوم تُقدَّمُ في المطاعم الإسلامية، ولم يترددوا أو يشعروا بوخز الضمير في رعايتها.

ألكسندر بيرزين : رؤية بوذية للإسلام
نوفمبر ٢٠٠٦ م
http://www.berzinarchives.com/web/ar/archives/study/islam/general/buddhist_view_islam.html

avatar
توم 1979
عضو نشيط
عضو نشيط

عدد المساهمات : 55
تاريخ التسجيل : 03/01/2011
العمر : 38
الموقع : منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

أسئلة أساسية عن الكارما وإعادة الميلاد

مُساهمة من طرف توم 1979 في السبت أكتوبر 05, 2013 3:10 pm

أسئلة أساسية عن الكارما وإعادة الميلاد

سؤال: هل نظرية الكارما تجريبية وعلمية، أم هي مقبولة اعتمادًا على الإيمان؟

الجواب: فكرة الكارما تعطي معنًى من نواحٍ عديدةٍ، فبعض الناس يعتقدون أن الكارما تعني القَدَر أو المصير؛ فلو أن شخصًا صدمته سيارة، أو فقد مالاً كثيرًا في مشروعٍ ما، فإنهم يقولون: "حسنًا، حظٌّ سيِّئ، هذه هي الكارما الخاصة بهم." وليست هذه هي الفكرة البوذية عن الكارما، وإنما هي في الحقيقة أقرب إلى إرادة الله، وهو شيءٌ ما لا نفهمه، أو لا سيطرةَ لنا عليه.

في البوذية تشير الكارما إلى الدوافع، وتنشأ الدوافع فِينَا اعتمادًا على الخبرات السابقة لتتصرف بطرق معينة الآن. وتشير الكارما إلى الدافع الذي يتبادر إلى ذهن الإنسان للاستثمار في البورصة قبل يومٍ من انهيارها، أو قبل أن ترتفعَ قيمتُها، أو قد يكون لدى إنسان الدافع لعبور الشارع تمامًا في اللحظة التي تصدمه سيارةٌ، وليس قبل ذلك، أو بعده بخمس دقائق.

نشأة الدافع في هذه اللحظة تمامًا هو نتيجة بعض الأفعال السابقة التي فعلها الإنسان في حياةٍ سابقة، فعلى سبيل المثال، ربما يكون هذا الشخص قد عَذَّب أو قَتَل إنسانًا، مثل هذا الفعل العدواني ينتج عنه أن مقترفَ الجريمةِ يعيشُ عُمرًا قصيرًا أيضًا ربما في حياةٍ أخرى. وهكذا نَشَأ الدافع لعبور الطريق في اللحظة نفسها التي تصدمه فيها سيارةٌ.

قد يكون لدى الشخص دافعٌ لأنْ يصرخَ، أو يؤذي شخصًا آخر، ويأتي هذا الدافع من عاداتٍ تراكمتْ بسلوكٍ مشابهٍ سابقٍ؛ فالصراخ أو إيذاء الآخرين يُنشئُ احتماليةً وميلاً وعادةً نحو هذا النوع من السلوك؛ لكي يمكننا في المستقبل فِعلُها ثانية بسهولة. الصراخ بغضبٍ يُنشئُ أكثر من ذلك احتماليةً وميلاً وعادةً للتسبب في مشهدٍ غاضبٍ مرةً ثانيةً.

مثالٌ آخر: هو تدخين سيجارة؛ فتدخين سيجارة واحدة هو احتمالٌ لتدخين سيجارة أخرى، وهو أيضًا يُنشِئُ ميلاً نحوَ عادةِ التدخين. ونتيجةً لذلك فحينما تكون الظروف مواتية - إما في هذه الحياة حينما يَعرِض شخصٌ ما علينا سيجارة، أو في حياة مستقبلية، حينما كنا أطفالاً ونرى الناس يدخنون - يأتي الهاجس في عقولنا للتدخين ونفعله.

إن الكارما تُفسِّر من أين أتى هذا الهاجس، فالتدخين لا يوجد فقط دافعًا عقليًّا لتكرار الفعل، لكنه أيضًا يُؤثِّر على الدوافع المادية داخل الجسم. فعلى سبيل المثال، إصابة المرء بالسرطان نتيجة التدخين. ففكرة الكارما تعطي معنًى كبيرًا؛ إذ إنها تفسر من أين أتت دوافعنا.

سؤال: هل يمكن للكارما أن تحدد سَلَفًا تلقِّي المرء وفَهْمَه للبوذية؟

الجواب: هناك فارق كبير بين كون شيءٍ ما يُحدَّد سلفًا، وكونِه يمكن تفسيرُه. فتلقِّينا وفهمُنا للبوذية يمكن تفسيره بالكارما؛ بمعنى أننا أكثر تلقيًا للتعاليم الآن؛ نتيجةً لدراستنا وممارستنا في دورات حياة سابقة. فلو كان لدينا فهمٌ جيدٌ للتعاليم في الماضي فعندئذٍ، وبصورة غريزية، سيكون لدينا فهمٌ جيد في دورة الحياة هذه، أو لو كان لدينا تشويش كبير في دورات الحياة السابقة فإن التشويش سيُؤجَّل إلى هذه الحياة.

ومع ذلك، فإن الأشياء - طِبقًا للبوذية - ليست مُقدَّرة سَلفًا، فليس هناك قَدَرٌ أو مصيرٌ. فحينما تُفسَّرُ الكارما باعتبارها دوافع فإن ذلك يعني أن الدوافع هي أشياء يمكننا اختيار العمل بها أو لا، وذلك اعتمادًا على الأفعال التي عملناها في هذه الحياة وفي السابق، ويمكننا أن نفسِّر أو نتنبأ بما قد يحدُث في المستقبل.

نحن نعرف أن الأعمالَ البنَّاءة تجلب نتائج سعيدة، والأعمال الهدَّامة تجلب نتائجَ غير مرغوب فيها، ومع ذلك فكيفية نُضْج عمل كارمي سوف تعتمد على عواملَ عديدةٍ، وهكذا فالعديد من الأشياء يمكنها التأثير عليه. ومثال ذلك: لو ألقَينا كرة لأعلى في الهواء يمكننا التنبؤ بأنها ستهبط. وبالمثل يمكننا التنبؤ بما سوف يحدث في المستقبل، اعتمادًا على الأفعال السابقة.

ومع ذلك، فلو أمسكنا بالكرة فلن تقع، وبالمثل بينما يمكننا التنبؤ من أفعالٍ سابقة بما سيحدث في المستقبل فهو ليس مطلقًا أو حَتْمًا، أو إنه منقوشٌ على الحجر أن هذه النتيجة هي التي ستحدث فقط؛ فهناك ميولٌ أخرى، وأفعال وظروف، إلخ، يمكنها التأثير على إنضاج الكارما.

حينما يأتي خاطرٌ في عقولنا لِنفعل فعلاً ما فلدينا الاختيار؛ فنحن لسنا كالأطفال الصغار، الذين يُنفِّذون أيَّ خاطر يخطُر ببالهم. وعلى أية حال فقد تعلَّمنا أن نكون مدرَّبين على دلا إله إلا الله محمد رسول الله الخلاء؛ فنحن لا ننفِّذ فورًا أي خاطر ينشأ.

الشيءِ ذاته ينطبق عليك إذا اندفعتَ فقلتَ شيئًا ما قد يؤذي الآخرين، أو أن تفعل شيئًا قاسيًا. وحينما يأتي مثل هذا الخاطر إلى أذهاننا يمكننا أن نختار: "هل سأضعه موضعَ التنفيذ، أم أمتنع عن التصرف بناءً عليه؟" هذه القدرة على التأمُّل والتمييز بين الأفعال البنَّاءة والأفعال المدمِّرة هي ما يُميِّز الإنسان عن الحيوان؛ وهذه هي المزية العظمى لكونك إنسانًا.

وهكذا، يمكننا اختيار ما الذي سنفعله، اعتمادًا على وجود مساحة في عقولنا للانتباه للخواطر الناجمة. وكثيرٌ من التدريب البوذي متضمنٌ في تطويرِ الانتباه، فكلما تأنَّيْنا وتمهَّلْنا أصبحنا أكثر إدراكًا لما نفكر فيه، وما سنقوله، أو نفعله.

التأمل في النَّفَس، الذي فيه نلاحظ الزفير والشهيق، يُعطينا فراغًا لنكون قادرين على ملاحظة الخواطر حالَ نشأتها. فنبدأ بالملاحظة: "لديَّ هذا الخاطر لأن أقول شيئًا ما سوف يؤذي شخصًا ما، فإذا قلتُه فسوف يُسبِّب صعوباتٍ، لذا فلن أقولَه." بمقدورنا الاختيار؛ إذ إننا لو لم ننتبه فسيكون لدينا اندفاعٌ في الأفكار والخواطر، لدرجة أننا لا نأخذ الفرصة لنختار بحكمة. فنحن نضع خواطرنا موضع التنفيذ فقط، وهذا غالبًا ما يسبب لنا مشكلاتٍ جمَّةً في حياتِنا.

وهكذا لا يمكننا القول إن كل شيء - مثل فهمنا وتلقينا للدارما - هو مُقدَّرٌ سلفًا، فيمكننا التنبؤ به، لكن أيضًا لدينا الفضاء الواسع لنستطيع تغييره.

سؤال: هل أصحاب المعتقدات الدينية الأخرى يمرُّون بالكارما؟

الجواب: نعم، ليس شرطًا أن يؤمن المرءُ بالكارما حتى يعايشَها، فلو ضربنا الأرض بأقدامنا بشدة فلا يجب أن نؤمن بالسبب والنتيجة حتى نشعرَ بالألم، حتى لو اعتقدنا أن السُّمَّ شرابٌ لذيذٌ، فحينما نحتسيه نمرض. وبالمثل، فلو تصرفنا بطريقةٍ معينةٍ فنتيجة هذا التصرف ستحدثُ، سواء اعتقدنا في السبب والنتيجة أم لا.

سؤال: هل أنا استمرارٌ لشخصٍ آخر عاش قبلي؟ وهل النظرية البوذية للولادة الجديدة نظرية ميتافيزيقية أم نظرية علمية؟ وقد ذكرتَ أن البوذية منطقية وعلمية، فهل هذا ينطبق على الولادة الجديدة أيضًا؟

الجواب: هناك نقاطٌ عديدة هنا، أولاً كيف نُثبِت أن شيئًا ما علمي؟ وهذا يتولَّد عنه التالي: كيف نعرف الأشياء بطريقةٍ صالحةٍ؟ طِبقًا للتعاليم البوذية يمكن معرفة الأشياء معرفةً صحيحةً بطريقتين: بالإدراك المباشر، وبالاستدلال.

فعن طريق إجراء تجربة في معمل يمكننا التثبت من وجود شيء ما من خلال الإدراك المباشر؛ فنحن نعرفها ببساطة من خلال حواسنا. ومع ذلك فبعض الأشياء لا يمكننا معرفتُها الآن بالإدراك المباشر، ولا بد أن نعتمد على العقل والمنطق والاستدلال. فالولادة الجديدة أمرٌ يتعذَّر إثباتُه جدًّا عن طريق الإدراك الحسي المباشر، رغم أن هناك قصةً عن عالم بوذي منذ وقتٍ طويل مضى في الهند مات، ثم ولد مرة أخرى، وعندئذٍ قال: "ها أنا ذا مرة ثانية." ليبين للمَلِك أن الولادة الجديدة موجودة. وهناك أمثلة عديدة لأناسٍ يتذكرون حياتَهم الماضية، ويمكنهم التعرف على متعلقاتهم الشخصية، أو أناس عرفوهم قبل ذلك.

وإذا وضعنا تلك القصص جانبًا فهناك المنطق المجرَّد للولادة الجديدة، فقد ذكر قداسة الدالاي لاما أنه إذا لم تتوافق نقاط معينة مع الواقع فهو على استعدادٍ لاستبعادها من البوذية. وهذا ينطبق أيضًا على الولادة الجديدة، وحقيقةً لقد صرَّح بهذا البيان أصلاً في هذا السياق، فلو استطاع العلماء أن يثبتوا أن الولادة الجديدة غير موجودة فساعتَها يجب علينا أن نتوقَّف عن الاعتقاد بأنها حقيقة.

ومع ذلك، إذا لم يستطع العلماء إثبات خطأها فذلك لأنهم يتبعون المنطق والطريقة العلمية، التي تنفتح على فهم الأشياء الجديدة، ويجب عليهم استقصاء وجودها من عدمه، ولذا فسيكون عليهم أن يثبتوا عدم وجودها؛ لكي يبرهنوا على عدم وجود الولادة الجديدة، فمجرد القول إن" الولادة الجديدة (إعادة الميلاد) غير موجودة؛ لأنني لا أراها بعيني" ليس إثباتًا لعدم وجودها، فهناك أشياء عديدة موجودة، ولا نستطيع رؤيتُها بأعيننا.

ولو لم يستطع العلماء إثبات عدم وجود الولادة الجديدة فإنه خليق بهم آنئذٍ أن يستقصوا هل الولادة الجديدة موجودةً أم لا، الطريقة العلمية هي أن تفترض نظريةً معتمدة على بياناتٍ معينة، ثم تختبر هل من الممكن إثبات صلاحيتها، ولهذا فنحن ننظر إلى البيانات.

فعلى سبيل المثال، نلاحظ أن الأطفال لا يُولَدون مثل شرائط كاسيت فارغة، فلديهم عادات معيَّنة وسمات شخصية يمكن ملاحظتُها، حتى وهم صغار جدًّا. فمِن أين تأتي هذه العادات وتلك السمات؟

ليس هناك معنى لأن نقول: إنها تأتي فقط من الاستمرارية السابقة للموادِ الطبيعيةِ للآباء، أي من الحيوان المنويِّ والبويضة؛ إذ ليس كل حيوان منوي وبويضة يلتقيان في الرحم يصبحان جنينًا. ما الذي يجعل الفرق بين الحالتين: حينما يصبحان طفلاً، وحينما لا يصبحان كذلك؟ ما الذي يسبب فعلاً العادات والغرائز المتباينة لدى الطفل؟ يمكن القول إنه الحمض النووي والجينات، وهذا هو الجانب المادي. لا أحد ينكر أن هذا هو المظهر المادي لكيفية خلق الطفل، ورغم ذلك، ماذا عن جانب الخبرة والتجربة؟ كيف نبرر العقل؟

الكلمة الإنجليزية mind لا تعطي المعنى نفسه الذي يعطيه المصطلحان السنسكريتي والتبتي اللذان يفترض ترجمتهما. ففي اللغات الأصلية يشير "العقل" إلى النشاط الذهني، أو الأحداث الذهنية، أكثر من إشارته لشيءٍ ما يفعل هذا النشاط.

فالنشاط أو الحدث هو النشأة المعرفية لأشياء معينة - أفكار ومشاهد وأصوات وانفعالات ومشاعر، وهلم جرًّا - والمشاركة المعرفية معها، برؤيتها وسماعها وفهمها، بل حتى عدم فهمها. هذان المَعْلَمان المميزان للعقل، وعادة ما يُترجمان: "وضوح"، و"إدراك"، غير أن الكلمتين الإنجليزيتين "clarity" و"awareness" أيضًا خادعتان.

من أين يأتي هذا النشاط العقلي لنشأة الأشياء المعرفية والمشاركة فيها في كائن مُتفرِّد؟ هنا نحن لا نتحدث عن المصدر الذي أتى منه الجسد؛ إذ إنه من الواضح أنه مِن الأبوين. ونحن لا نتحدث عن الذكاء وغيره؛ لأننا أيضًا يمكن أن نتعلَّل بأن هناك أساسًا جينيًّا لذلك. ومع ذلك فمن باب المبالغة أن نقول: إن تفضيلَ شخصٍ للآيس كريم بالشيكولاته يأتي من جيناته الوراثية.

يمكننا القول إن بعض اهتماماتنا قد تتأثر بعائلاتنا، أو بالوضع الاقتصادي والاجتماعي، الذي نحن فيه، وهذه العوامل قطعًا لها تأثير، لكنه من الصعب أن نفسر بصورة مطلقة كلَّ شيءٍ نفعله بهذه الطريقة. فعلى سبيل المثال، عندما كنت مهتمًّا باليوغا وأنا طفل فلم يكن أحد من أسرتي أو من المجتمع من حولي كذلك، ولكن كان هناك بعض الكتب موجودة في المنطقة التي عشتُ فيها، لذا يمكنك القول إنه كان هناك تأثير للمجتمع، لكن لماذا كنت مهتمًّا بهذا الكتاب خاصة عن الهاثا يوغا؟ لماذا التقطتُهُ؟ هذا سؤالٌ آخر.

ولنضع كل هذه الأشياء جانبًا، ولنعد إلى السؤال الرئيس: من أين يأتي هذا النشاط العقلي لنشأة الأشياء المعرفية والمشاركة المعرفية فيها؟ من أين تأتي هذه القدرة على الإدراك؟ من أين تأتي شرارة الحياة؟ ما الذي يجعل هذا التمازُج للحيوان المنوي والبويضة ذا حياة؟ ما الذي يجعله إنسانًا؟ ما الشيء الذي يُتاح بنشأة الأشياء؛ مثل الأفكار والمشاهد؟ وما الذي يسبب المشاركة المعرفية فيها؟ ما الجانب التجريبي للنشاط الكيميائي الكهربائي للمخ؟

من الصعب القول بأن النشاط العقلي لرضيعٍ يأتي من والديه؛ لأنه لو كان كذلك فكيف يتأتَّى من والديه؟ يجب أن يكون هناك آلية مشاركة. هل شرارة الحياة - التي تتسم بإدراك الأشياء - تأتي من الأبوين بطريقة الحيوان المنوي نفسها مع البويضة؟ هل تأتي مع النشوة، أم تأتي مع التبويض؟ هل هو الحيوان المنوي، أم هي البويضة؟ إذا لم نستطع أن نصل إلى دلالة علمية منطقية لموعد إتيانها من الوالدين فعلينا حينئذٍ أن نبحثَ عن حلٍّ آخَرَ.

إذا نظرنا بالمنطق المحض نجد أن الظواهر الطبيعية الوظيفية كلها تأتي من استمراريتها هي، أي من لحظاتٍ سابقة لشيء ما في تصنيف الظاهرة نفسه. فعلى سبيل المثال، الظاهرة الطبيعية الفيزيقية - مثل المادة أو الطاقة - تأتي من اللحظة السابقة لهذه المادة أو الطاقة، فهي سلسلة.

خذ الغضب مثالاً؛ يمكننا الحديث عن الطاقة الفيزيقية التي نشعر بها حينما نغضب، هذا أمرٌ، ومع ذلك اعتبر النشاط الذهني للشعور بالغضب هو الشعور بنشأة الانفعال والإدراك الواعي أو غير الواعي له. إن شعورَ المرء بالغضب له لحظاته السابقة الخاصة من الاستمرار داخل الحياة الحالية، لكن من أين أتت قبل ذلك؟ إما أنها أتت من الوالدين، ولا يبدو أن هناك آلية لوصف كيفية حدوث ذلك، أو أنها تأتي من إلهٍ خالقٍ.

ورغم ذلك، فبالنسبة لبعض الناس التناقض المنطقي في تفسير كيفية خَلْق كائن قدير يسبب مشكلة، ولتحاشي هذه المشكلات فإن البديل هو أن اللحظةَ الأولى للغضب في حياة أي إنسان تأتي من لحظتها السابقة الخاصة في السلسلة، ونظرية الولادة الجديدة تفسر هذا تمامًا.

ربما نحاول فهم الولادة الجديدة بتشبيهها بالسينما؛ فكما أن السينما استمرارٌ لإطارات الفيلم، فإن مسارنا الذهني أو تيار العقل هما استمرارٌ للحظات المتغيرة دومًا من إدراك الظواهر الطبيعية خلال الحياة، ومن حياةٍ إلى أخرى. ليس هناك هُوية صلبة يمكن العثور عليها؛ مثل "أنا"، أو "عقلي" الذي يُعاد ولادتُه.

فإعادة الميلاد ليست لا تشبه تمثالاً صغيرًا يجلس على حزام التوصيل، متنقلاً من حياة إلى أخرى. وبالأحرى هو مثل السينما، شيء ما يتغير باستمرار، وكلُّ صورة مختلفةٌ، لكن هناك استمرارية فيها، فالصورة تتعلق بلاحقتها.

وبالمثل، هناك استمرارية للحظات إدراك الظواهر الطبيعية، حتى لو بعض هذه اللحظات غير واعية. وعلاوة على ذلك، فكما أن كل الأفلام ليست الفيلم ذاته، وعلى الرغم من أنها كلها أفلام، فكل المسارات العقلية أو"العقول" ليست عقلاً واحدًا. هناك عددٌ لا يحصَى من التيارات الفردية لتواصل إدراك الظواهر الطبيعية.

هذه هي الحُجَجُ التي نبدأ بها لنفحص من وجهة نظر علمية وعقلانية، إذا كانت النظرية تعطي معنى منطقيًّا فعندئذٍ يمكننا النظر بجديةٍ أكثر في حقيقة أن هناك أناسًا يتذكرون حياتهم السابقة، وبهذه الطريقة نفحص ونستقصي وجود إعادة الميلاد من النهج العلمي.

سؤال: تقول البوذية إنه ليس هناك روح ولا نَفْس. إذن ما الذي يُولَد مرة أخرى؟

الجواب: مرة ثانية، مَثَلُ إعادة الميلاد ليس كبعض الروح، بل مِثْل تمثال أو شخص صغير حِسي، يسافر على حزام ناقلٍ من حياة إلى أخرى، ويمثل حزام التوصيل الزمن، والصورة التي تدل عليه إنما هي لشيءٍ راسخٍ، أو لشخصية ثابتة، أو روح تسمى "الأنا" تمر عبر الزمن: "الآن أنا صغير، الآن أنا كبير، الآن أنا في هذه الحياة، الآن أنا في تلك الحياة." ليس هذا هو المفهومَ البوذي لإعادة الميلاد. وبالأحرى الأمر يُشبهُ فيلمًا سينمائيًّا، فهناك استمرارية مع الفيلم السينمائي، فالصورُ تُكَوِّنُ استمراريةً وتواصلاً.

ولا تقول البوذية إنني أصبحتُ إياك، أو إننا أصبحنا واحدًا؛ إذ لو كنا واحدًا، وأنا أنت، فعندئذٍ لو جاع كلانا فيمكنك أن تنتظر في السيارة، بينما أذهب أنا لآكُل. ولكن الأمر ليس كذلك، فلكِلَيْنا تيارات التواصل الخاصة بكلٍّ منا، وتتابع الفيلم الخاص بي لن يتحول إلى الفيلم الخاص بك، لكن حياتنا تتقدم مثل الأفلام، بمعنى أنها ليست صلبة ثابتة، فالحياة تستمر، وتسير من صورة إلى أخرى، إنها تتبع نَسَقًا طبقًا للكارما، وهكذا تُشكِّلُ استمراريةً. `

سؤال: كيف تُخَزَّنُ الخواطرُ المتباينة في العقل، وكيف تنشأ؟

الجواب: إنه أمرٌ معقَّدٌ قليلاً، فنحن نتعامل بطريقةٍ معينة. فعلى سبيل المثال، نحن نُدخِّن سيجارة؛ لأن هناك طاقة متضمنة في تدخين سيجارة، وهذا الفعل يعمل إمكانيةً أو قوةً لتدخين سيجارة أخرى، فهناك طاقة هائلة، وهي تنتهي حينما ينتهي الفعل، لكن هناك أيضًا طاقة لطيفة، وهي الطاقة المحتملة لتكرار الحدث.

هذه الطاقة الخفية لاحتمالية التدخين تُحمَل إلى جانب الطاقة الألطف، التي تصاحب العقل الألطف، الذي يسير من حياة إلى أخرى. وفي أسلسِ عبارةٍ: يشير العقلُ الألطفُ إلى المستوى الألطف من النشاط الخيري والإدراك، بينما الطاقة الألطف تشير إلى الطاقة اللطيفة الداعمة للحياة التي تدعم هذا النشاط، وهما معًا يُكوِّنان ما يمكن أن نطلق عليه "شرارة الحياة"، وهما اللذان ينتقلان من حياة إلى أخرى. فالاستعدادات الكارمية تنتقلُ معًا مع شرارة الحياة.

الميول والعادات تنتقل أيضًا، لكنها ليست مادية، فما العادة؟ على سبيل المثال، لدينا عادة شرب الشاي، فقد شربْنا شايًا هذا الصباح، وصباح أمس، والأيام السابقة، فالعادة ليست كوبًا حقيقيًّا من الشاي؛ وليست أمرًا من عقولنا :"اشرب شايًا." إنها فقط تتابع لأحداث متشابهة - ألا وهي شُرب الشاي مراتٍ عديدة، واعتمادًا على هذا النسق - بوصفه طريقةً للتحدث - نحن نقول أو" ننسب" أن هناك عادة لشرب الشاي، ونسمي هذا النسق "عادة شرب الشاي". فالعادة ليست شيئًا ماديًّا، لكنها شيءٌ مجرَّد، وهي تتركَّب من طريقة الحديث عن نسق لأحداث متشابهة. واعتمادًا على ذلك يمكننا التنبؤ بأن شيئًا مشابهًا سوف يحدث في المستقبل.

أمرٌ مشابه حينما نتحدث عن العادات والغرائز والميول في استمراريتها إلى المستقبل، فليس هناك شيء مادي يُحمَل. ومع هذا، وعلى أساس لحظات المسار الذهني، يمكننا القول بأن هناك حالات مشابهة في هذا الوقت، ولهذا سيكون هناك حالات مشابهة في المستقبل.

سؤال: لو كانت الحياة تتضمن نقلَ الإدراك فهل هناك أي بداية؟

الجواب: حسب تعاليم البوذية ليس هناك بداية، فالبداية غير منطقية، واستمرار المادة والطاقة والعقول الفردية يكون بلا ابتداء؛ إذ لو كانت لهم بداية فمن أين تأتي هذه البداية؟ وماذا كان قبل البداية؟

بعض الناس يقولون: "نحن بحاجة إلى بداية، لهذا فالله خَلَق كل شيء." فهم يؤمنون بإلهٍ خالقٍ، له أسماء مختلفة باختلاف الأديان. ولكن السؤال الذي سيطرحه البوذي: من أين أتى الإله؟ هل الإله له بداية؟ فإما أن يجيبوا بأن الإله لا بدايةَ له، وآنئذٍ سيقول المناظر البوذي: هنا لا بداية. أو أنهم سيشيرون إلى شيء ما أو شخصٍ ما خَلَق الإله، وهو ما يناقض إيمانهم.

يقول الملحد: لا إله، وكل شيء جاء من عدم، فالكون نشأ من العدم، وأفكارنا أتت من عدم. وعندئذٍ نسأل: من أين أتى هذا العدم؟ سيقولون: "هذا العدم حولنا دومًا، فهناك دائما عدم، وهو لا بداية له. لذا نرجع ثانية إلى اللابداية، وبغض النظر عن أي إجابة فسنأتي ثانيةً لنقطة عدم الابتداء.

لو كان عدم الابتداء هو النتيجة المنطقية الوحيدة التي يمكننا الوصول إليها فيمكننا أن نتساءل: هل من الممكن لشيء ما يؤدي وظيفةً أن يأتي من العدم؟ وكيف لشيء غير موجود أن ينتج شيئًا؟ هذا يبدو هراء؛ فإن الأشياء يجب أن يكون لها أسباب، هل التفسير الآخر الخاص بوجود خالق يعطي معنًى؟

نحن نحتاج إلى أن نختبر هذا التأكيد بدقة أكثر. فعلى سبيل المثال، إذا كان هناك كائن قدير، أو حتى لو اعتبرنا أن نظرية الانفجار الكبير الفيزيقية المحضة خلقتْ كلَّ شيءٍ، فهل حدث الخَلْق عند نقطة معينة بسبب تأثير الدافعية، أو الهدف، أو الظروف؟ إذا كان الأمر كذلك إذن فما الذي أثَّر على خَلْق كل شيء وُجِدَ قبل خلق كل شيء، وهذا هراء. إذا كان الخالق رحيمًا، وهو الأول بلا بداية، فكيف أوجد هذا الخالق الرحمة؟ فهي موجودة بالفعل.

البديل الثالث الذي ينبغي اعتبارُهُ هو: هل الأشياء تستمر دون بداية؟ هذا هو نهجٌ علمي يتوافق كثيرًا مع فكرة أن المادة لم تُخلَق أو تفنى، لكنها فقط تتحوَّل، وهو الشيء نفسه مع الأفكار الفردية، فليس هناك بداية لها، وكل شيء يتحول بتبعيةٍ، بسبب الأسباب والظروف.

سؤال: أخبر بوذا أتباعه أنه الإله، فإذا كان هذا هو الحال فما دور الصلاة في البوذية؟

الجواب: القضية الأساسية فيما يتعلق بالصلاة هو أن نسأل: "هل من الممكن لشخصٍ آخر أن يقضي على معاناتنا ومشكلاتنا؟ لقد قال بوذا: إنه ليس هناك شخصٌ يمكنه أن يزيل معاناتنا بالطريقة نفسها التي يمسك بها شخصٌ أرنبًا من أذنيه، ويجذبه بعيدًا عن موقفٍ صعب. هذا مستحيل، لا بد أن نأخذ زمام المسئولية بأنفسنا عما يحدث لنا، ولهذا لو رغبنا في إيجاد أسباب السعادة، وتجنُّب أسباب الشقاء، نحتاج إلى اتِّباع الأخلاق النقيَّة، وإذا أردنا لحياتنا أن تتحسن فعلينا أن نُغيِّرَ سلوكياتنا واتجاهاتنا؛ لكي نؤثِّر على ما سيحدث في المستقبل.

حينما نصلي في البوذية فنحن لا نقول هكذا: "بوذا، من فضلك، أريد سيارة مرسيدس!" لا أحد في السماء يمكنه أن يمنحنا إياها، بل بالصلاة نحن نؤسِّس رغبةً قويةً لحدوث شيء ما، فاتجاهاتنا وأفعالنا تجعله يحدث، لكن رغم ذلك يمكن لبوذا والبوديساتفات أن يُلهِمونا.

أحيانًا مصطلح "يلهم" يُترجم بـ: "يُنعم"، لكن هذه ترجمة ركيكة جدًّا. يمكن للبوذات والبوديساتفات أن يلهمونا بمُثُلِهِم، ويمكن أن يعلمونا أو يبينوا لنا الطريق، لكن يجب علينا أن نفعل ذلك أنفسنا. وكما يقول المثل: "يمكنك أن تقودَ حصانًا إلى مورد الماء، لكنك لا تستطيع أن تشربَ نيابةً عنه." فعلى الحصان أن يشرب بنفسه.

وبالمثل نحن بحاجة إلى أن نتبع الطريق بأنفسنا، وكذلك نكتسب بأنفسنا تحقيق أهدافنا التي تُوقِف مشكلاتنا، ولا نستطيع أن نحمل كائنًا خارجيًّا، قادرًا وقاهرًا، هذه المسئولية، ونحن نفكر: "أنت قوي؛ افعل هذا الشيء لي، فأنا أُسَلِّمُ نفسي لك." بل بالأحرى في البوذية نحن ننظر إلى البوذات من أجل الإلهام ليرفَعونا بمُثُلِهم، فمن خلال إلهامهم وتعاليمهم يساعدوننا ويرشدوننا. ومع ذلك فنحن بحاجة إلى تطوير الممكن من جانبنا لنتلقى إلهامهم، فالعمل الأساسي ينبغي علينا فِعْله بأنفسنا.

كثيرٌ من سوء الفهم حيال البوذية ينشأ بسبب سوء ترجمة المصطلحات والمفاهيم البوذية إلى الإنجليزية واللغات الأجنبية الأخرى. فعلى سبيل المثال، معظم مصطلحات الترجمة المستخدمة في ترجمة البوذية إلى الإنجليزية قد صاغها واضعو المعجم البوذي في القرن الماضي، أو حتى قبل ذلك.

وهؤلاء الباحثون الأوائل غالبًا ما أتوا من خلفية الإرساليات النصرانية أو الفيكتورية، واختاروا مفرداتٍ لُغَويةً ومصطلحاتٍ نتجت عن ثقافتهم الخاصة، معظم الكلمات التي اختاروها - مع ذلك - لا تَنقُل بدقة المعاني المقصودة في البوذية، وحينما نقرأ هذه الكلمات نظن أنها تعني الشيء نفسه كما في بيئة نصرانية أو فيكتورية (مرتبطة بعصر الملكة فيكتوريا)، بينما هي في الحقيقة لا تعني ذلك.

من أمثلة ذلك كلمات مثل: نعمة، خطيئة، فاضل، غير فاضل، اعتراف، إلخ. في النصرانية هذه الكلمات لها دلالة من نوعٍ ما على الحكم الأخلاقي، والثواب والعقاب. ومع ذلك فالمفهوم البوذي ليس كذلك على الإطلاق. والشيء نفسه بالنسبة لكلمة "نعمة". هذه الكلمات أتت من خلفية ثقافية مختلفة، ولهذا ففي دراسة البوذية يُعَدُّ أمرًا مُهمًّا جِدًّا أن نُزِيل هذا الخلط الثقافي الذي استخدمه المترجمون الأوائل قدر استطاعتنا، فقد كانوا الرواد العظام للدراسات البوذية، ونحن بحاجة لأن نشكرهم على مجهوداتهم الهائلة. ومع ذلك فنحن الآن بحاجة للرجوع مرة ثانية إلى الغات الأصلية للنصوص، ونفهم المفاهيم البوذية بتعريفاتها في تلك اللغات، ونضعها في كلماتٍ أو عباراتٍ إنجليزية تتوافق مع معانيها.

سؤال: ماذا تقول البوذية عن نظرية النشوء لدارون؟

الجواب: نظرية دارون تتناول نشوء أجسام محتملة، ويمكن للأفكار أن تأخذ إعادة الميلاد عبر حِقَب عديدة من تاريخ الأرض، فهي لا تصف نشأة أجساد سوف يتخذها الفكر الفردي في دورات حياة لاحقة. هناك فارق كبير بين أشكال الحياة المادية الفعلية على هذا الكوكب، واستمرارية تيارات العقل التي تُعاد ولادتها فيها.

بعض التفسيرات عن النشوء في النصوص البوذية قد تبدو غريبةً إلى حدٍّ ما؛ فهي تتحدث عن أشياء كانت في موقف أحسن منا في الماضي، ثم تدهورت. وسواء كان هذا حقيقيًّا أم لا فهذا يحتاج إلى استقصاء.

فليس كل شيء عَلَّمه بوذا وأتباعه يمكن التثبت منه علميًّا، والأشياء التي لا نستطيع إثباتها علميًّا، فإن قداسة الدالاي لاما راغب في أن ينحيها جانبًا. وقد يكون السادة المعلمون قد أعطوا تفسيراتٍ غريبة ظاهريًّا لأسباب معينة، ولم يقصدوا بها أن تُفهَم حَرفيًّا، فهي ربما تشير إلى حقائقَ نفسية أو اجتماعية مختلفة.

ورغم ذلك، فداخل سياق النشوء نفسه كان هناك يومًا ما ديناصورات، ثم انقرضت بعد ذلك. فليس هناك كارما موجودة لكائنات تُولَد ثانيةً على هذا الكوكب الآن مثل الديناصورات، ولكن هناك قواعد فيزيقية مختلفة متوافرة لتيارات الذهن ليأخذها مثل الجسد الآن، وهي لا تناقض التفسيراتِ البوذية للقواعد الفيزيقية الموجودة لإعادة الميلاد حتى تتغيَّر عبر الزمن.

أثناء مناقشة لقداسة الدالاي لاما مع العلماء سُئِل: هل يمكن أن تكون أجهزة الحاسب الآلي كائنات واعية، وهل يمكن لتلك الحاسبات أن تكون يومًا ما ذوات عقول؟ فأجاب بطريقةٍ شيقة قائلاً: إنه لو وصل الحاسب الآلي أو الإنسان الآلي إلى نقطة متطورة تكفي لتكون بمثابة الأساس للنشاط الذهني، فليس هناك مانع في أن يتصل العقل بآلة غير عضوية بوصفها أساسًا ماديًّا لدورة من دورات حياتها، وهذا أبعد كثيرًا مما تخيله دارون.

ولا يعني هذا القول بأن الكمبيوتر عقل، ولا القول بأنه يمكننا خَلْق عَقْل بطريقة صناعية في الكمبيوتر، ومع ذلك، فلو تطوَّر الكمبيوتر بدرجة كافية فيمكن أن يتصل به العقلُ ويأخذه أساسًا ماديًّا له.

مثل هذه الأفكار بعيدة المدى في التخيل تجعل إنسان العصر الحديث مُهتمًّا بالبوذية. فالبوذيون شجعان، وراغبون في الدلا إله إلا الله محمد رسول الله في هذه المناقشات مع العلماء، ومواجهة قضايا شعبية مختلفة في العصر الحديث. والبوذية حية بهذه الطريقة، فهي ليس لديها الحكمة القديمة فقط من نسل مستمرٍّ لبوذا، لكنها أيضا حية، وتتعامل مع قضايا الحاضر والمستقبل.

سؤال: ما الذي يحدث لتيار العقل حينما يصبح الإنسان بوذا؟

الجواب: قبل الإجابة على هذا السؤال يجب أن أقول: إن بوذا علَّم أناسًا كثيرين، ولكنه ليسوا سواء، فالقدرات والميول تختلف من شخص لآخر. كان بوذا ماهرًا جدًّا، وأعطى تنوُّعًا في التعاليم حتى يجد كل شخص نهجًا مناسبًا لشخصيته وميوله. وهكذا فالتقاليد الشهيرة لتعاليم البوذية هي الهينايانا للممارسين متوسطي العقول والماهايانا للممارسين ذوي العقول الكبيرة. ومن بين الثماني عشرة مدرسة للهينايانا التي كانت موجودة في الماضي نجد مدرسة الثيرافادا هي الوحيدة الموجودة حاليًّا فقط.

فلو قال بوذا لإنسان متواضع في طموحاته وأهدافه: إن تيار العقل الخاص بكل إنسان يستمر للأبد. فقد يصيب هذا الشخص بالإحباط، فبعض الناس تسحقهم مشكلاتُهم الخاصة، ولهذا قال لهم بوذا: "يمكنكم الخلاص من مشكلاتكم، وتصبحوا كائناتٍ متحررة - أي آرهات - وتحققوا النيرفانا. وحينما تموتون فستحصلون على بارينيرفانا، وفي هذا الوقت ينتهي تيار عقلكم، تمامًا كما تنطفئ الشمعة حينما يُستهلك الشمع."

فمثل هذا التفسير لذلك الشخص سيكون مُشجِّعًا جدًّا؛ إذ إنه - أو إنها - يحاول الهروب من دائرة المشكلات المتكرِّرة دومًا وإعادة الميلاد، حتى لا يتضايق بعد ذلك مرة أخرى، وهكذا فإنه ذو فاعلية لهذا النوع من البشر. فرجاءً لاحظ أن بوذا - رغم ذلك - أن بوذا لم يُعلِّم أنه في النهاية ستصبح كل تيارات العقل واحدة؛ مثل أنهار الماء المختلط بالمحيط، فهذا هو تفسير الهندوسية.

يقول بوذا لشخص يتميز بعقل مُتفتِّح: "أعطيتُ التفسير السابق لأفيد هؤلاء المتواضعين، ومع ذلك فأنا لا أقصد ما شرحتُه حرفيًّا؛ لأن تيار العقل في الحقيقة يسير إلى لأبد، فبعد أن تخلَّصتَ من مشكلاتك، ونلتَ النيرفانا، تتغير نوعية عقلك، فلا يستمر عقلك بالطريقة المزعجة نفسها كما فَعَل من ذي قبل." وهكذا، وبالنسبة لذوي الأهداف الكبيرة لنيل التنوير، فقد شرح بوذا أن تيار العقل في الحقيقة يستمر للأبد؛ فلا بداية ولا نهاية. وحينما تترك الكائنات المستنيرة أجسامها الحالية فإن تيارات عقولها ما زالت تُواصِل.

هناك فرق بين الآرهاتات - الكائنات المتحررة - التي نالت النيرفانا ،والبوذات المستنيرين تمامًا. فبينما الأول قد تحرَّر من مشكلاته ومعاناته وكل ما يسببها، فإن البوذات قد تغلَّبوا على كل القيود، وحقَّقوا كل إمكاناتهم ليفيدوا الجميع بأكثر الطرق فعاليةً.

سؤال: هل حالة النيرفانا دائمة؟ وحينما ننال التنوير ننال حالة من الاتزان، وهي التي ليست سعيدة أو حزينة، أليس هذا مدعاةً للملل؟

الجواب: نحتاج أن نتوخَّى الحذر في استخدام كلمة دائم؛ فأحيانًا يكون لها معنى ساكن لا يتغير، والمعنى الآخر لكلمة "دائم" هو: أبدي. فحينما نحصل على النيرفانا نكون قد خلَّصْنا أنفسنا من كل مشكلاتنا، وهذه الحالة تستمر للأبد. فإذا ذهبت المشكلات فقد ولَّت إلى غير رجعة. والموقف الذي تذهب فيه كل القيود أيضا لا يتغير؛ سيكون دومًا هو الحال.

ومع ذلك يجب ألَّا نأخذ نظن أن النيرفانا صلبة جامدة ولا نفعل شيئا فيها بسبب أنها دائمة، فالأمر ليس كذلك؛ ولكننا حينما ننال النيرفانا يمكننا مواصلة مساعدة الآخرين، وأن نفعل أشياءَ. فالنيرفانا ليست دائمةً بمعنى توقُّف كل الأنشطة، وعدم حدوث أي شيءٍ. ويجب أن نكون دقيقين قليلاً حين نستخدم كلمة "دائم"، ونكون مدركين لدلالاتها. فحالة النيرفانا نفسها لا تتغير، وإنجاز إزالة القيود لا يتغيَّر؛ ولكنه يستمر للأبد. والشخص الذي يحقق مثل هذه الحالة - رغم ذلك - يستمر في التصرف.

"الاتزان" أيضًا له دلالات عديدة، ويمكن أن يعني شعورًا محايدًا لكون المرء غير سعيد وغير حزين، لكن ليس هذا ما عَلِمَه بوذا. بعض الآلهة العليا يستغرقون أنفسهم في نوباتِ غيبوبةٍ من التأمُّل العميق يتجاوز الشعور بالسعادة أو التعاسة؛ فهم يمرون بتجربة يشعرون فيها بشعور محايد تمامًا في هذه الغشيات.

أما البوذات فيخلصون أنفسهم من هذه المشاعر المحايدة أيضًا، إذ إنها مرتبطة بالتشويش. وحينما نُخلِّص أنفسنا من مشكلاتنا وقيودنا فنحن نُطلِق كَمًّا هائلاً من الطاقة، التي كانت مُقيَّدة في السابق بالعصبية والقلق والمخاوف، ونحن نعايش إطلاقَ كلِّ تلك الطاقة غير المرتبطة بأي اضطراب على أنها شعورٌ بالسعادة البالغة. هذا يختلف تمامًا عن السعادة العادية المرتبطة بالحيرة، وليست على الإطلاق محايدة أو مملة.

استخدام آخر لكلمة اتزان يشير إلى أن البوذات لديهم اتزان نحو الجميع، فكلمة "اتزان" هنا لا تعني عدم الاكتراث، لكنها تعني وجود اتجاه مساوٍ من العناية والاهتمام بالجميع، فالبوذات لا يُحابُون البعض، ويتجاهلون الآخرين أو لا يحبونه
avatar
توم 1979
عضو نشيط
عضو نشيط

عدد المساهمات : 55
تاريخ التسجيل : 03/01/2011
العمر : 38
الموقع : منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

نبذة تاريخية عن البوذية والإسلام

مُساهمة من طرف توم 1979 في السبت أكتوبر 05, 2013 3:39 pm

نبذة تاريخية عن البوذية والإسلام
في أفغانستان

الجغرافيا

وفق تراجم هينايانا البدائية لحياة بوذا، بما فيها نص السارفاستيفادا [1] في أفغانستان على امتداد الدول الواقعة على الطريق التجاري لآسيا الوسطى (ما وراء النهر). وقد كانت الدولتان الرئيستان هما غندهارا وباكتريا، واشتملت غندهارا على بعض المناطق من البنجاب الباكستاني والأطراف الأفغانية لممر خيبر، وأخيرًا سُمِّيَ القسم الأفغاني الممتد من ممر خيبر إلى وادي كابول بناغاراهارا، بينما احتفظ الجانب البنجابي باسم غندهارا. وامتدت باكتريا من وادي كابول إلى الجهة الشمالية، واشتملت على أوزبكستان الجنوبية وطاجيكستان، وقد وقعَت الصغديا في أوزبكستان الوسطى وشمال غرب طاجيكستان إلى الجهة الشمالية لباكتريا، وعُرِف القسم الجنوبي لباكتريا الواقعة في شمال وادي كابول بكابيشا، بينما سمي القسم الشمالي لاحقًا بتخارستان.

بداية تأسيس البوذية

وفق تراجم هينايانا البدائية لحياة بوذا، بما فيها نصّ السارفاستيفادا [2] "السوترا عن الرياضة الواسعة"، أصبح الشقيقان التاجران من باكتريا: تاباسو وباليكا من أوائل التلاميذ لقبول ما يعرف بعهود العوام، وحدث ذلك بعد ثمانية أسابيع من الفتح الروحي لشاكياموني، الذي تنسبه الروايات إلى سنة 537 ق.م. ولاحقًا أصبح باليكا راهبًا، وشيَّد ديرًا قرب محل ميلاده ببلخ الواقعة بجوار ما يسمى اليوم بمزار شريف، وقد أحضر معه ثماني شعرات من بوذا، واحتفظ بها آثارًا مقدسة، وشيد حولها مقامًا (ستوبا). وآنذك تقريبًا أصبحت باكتريا جزءًا من الإمبراطورية الأخمينية الإيرانية.

وفي سنة 349 ق.م، وبعد المجلس البوذي الثاني بعدة سنوات، انشق ماهاسانغيكا [3] التابع لهينايانا عن ثيرافادا [4]. وقد انتقل العديد من أعضاء ماهاسانغيكا إلى غندهارا، وأسَّسوا دير ناغارا فيهارا في مدينة حدة المركزية في الجانب الأفغاني، الواقعة بقرب ما يسمى اليوم بجلال آباد، وقد أحضروا معهم أثرًا مقدسًا عبارة عن بقايا جمجمة بوذا.

حاول سمبوتا سانافاسي أحد زعماء ثيرافادا المتأخرين في السن أن يتبع نفس النهج وأن يؤسس شريعته الخاصة في كابيشا، ولكنه لم ينجح في ذلك، واستقرت ماهاسانغيكا في أفغانستان، وأصبحت المذهب البوذي الرئيس.

وفي آخر الأمر تفرقت الماهاسانغيكا إلى خمسة مذاهب، وكان المذهب الرئيس في أفغانستان لوكوتارافادا الذي ترسخ لاحقًا في وادي باميان في سلسلة جبال الهندوكوش، وفي ما بين القرنين الثالث والخامس ميلاديًّا شيد بعض أتباعها هناك أكبر تمثال لبوذا في العالم، وذلك تمشيًا مع قولهم بكون بوذا شخصية متعالية وفوق البشر، وقد دمرت حركة طالبان هذا العملاق سنة 2001 م.

كان الإسكندر الأكبر (الإسكندر المقدوني) سنة 330 ق.م قد سيطر على غالبية أرجاء الإمبراطورية الأخمينية، بما فيها باكتريا وغندهارا، وكان متسامحًا تجاه التقاليد الدينية السائدة في تلك المناطق، ويبدو أنه كان مهتما أساسًا بالغزو العسكري، وقد أسس خلفاؤه السلالة السلوقية، وفي سنة 317 ق.م انتزعت سلالة الماوريين الهندية منطقة غندهارا من السلوقيين، وبهذا انتشرت الحضارة الهيلينية ظاهريًّا فقط في المنطقة خلال تلك الفترة القصيرة.

كان الإمبراطور الماوري أشوكا – تولى الحكم من سنة 273 إلى 232 ق.م - يؤيد البوذية الثيرافادا، وفي الشطر الأخير من حكمه أرسل بعثة تبشيرية تدعو إلى اتباع الثيرافادا إلى غندهارا بقيادة ماهاراكيتا، وقد نصبت البعثة بالجنوب الأقصى في قندهار "أعمدة أشوكا"، مع المراسيم المبنية على مبادئ بوذية، وكان وجود ثيرافادا ضئيلاً في أفغانستان بعد تلك البعثات.

مدرسة السارفاستيفادا والمملكة اليونانية-الباكتريانية

انفصلت مدرسة السارفاستيفادا التابعة لهينايانا عند نهاية حكم أشوكا، أي بعد المجلس البوذي الثالث، عن ثيرافادا. وبعد موت أشوكا أدخل ابنه جالوكا السارفاستيفادا إلى كشمير.

وفي سنة 239 ق.م ثار نبلاء يونانيون في باكتريا ضد الحكم السلوقي، وفازوا باستقلالهم. واحتلوا صغديا وكشمير خلال السنوات التالية، وأسسوا بذلك المملكة اليونانية-الباكتريانية، ونشر رهبان كشمير المذهب السارواستيفادا التابع لهينايانا في باكتريا.

وفي 197 ق.م، أخذ اليونانيون-الباكتريانيون غندهارا من الماوريين، وبالتالي وصلت السارفاستيفادا إلى منطقة جنوب شرق أفغانستان أيضًا، وقد أثرت الأساليب الهيلينية تأثيرًا بالغًا في الفن البوذي بفضل التفاعل القوي الذي حصل لاحقًا بين الثقافتين اليونانية والهندية، خاصةً فيما يتعلق بتمثيل الصورة الإنسانية وثني الأثواب.

بالرغم من أن ثيرافادا لم تكن لها سلطة في المملكة اليونانية-الباكتريانية، وكان أحد ملوكها ميناندروس (بالبالي: ميليندا، حكم من سنة 155 إلى 130 ق.م) من أتباع ثيرافادا؛ نتيجةً لتأثير زيارة الراهب الهندي ناغاسينا، فطرح الملك أسئلة عديدة على ذلك المعلم الهندي، وعُرف الحديث الذي دار بينهما بـ "أسئلة ميليندا". بعد ذلك بفترة قصيرة طورت الدولة اليونانية-الباكتريانية علاقاتها مع سريلانكا، وأرسلت وفدًا من الرهبان إلى مراسم تكريس المزار الإستوبا الكبير الذي شيد هناك الملك دوتاغاماني - حكم من سنة 101 إلى 77 ق.م - ونتيجة للعلاقة الثقافية التالية نَقَل رهبان اليونانية-الباكتريانية "أسئلة ميليندا" إلى سريلانكا، ثم أصبحت نصًّا ثانويًّا خارج النصوص المعتمدة لمذهب الثيرافادا.

الفترة الكوشانية

بين عامي 177 و165 ق.م دفع توسع امبراطورية هان الصينية غربًا نحو قانسو وتركستان الشرقية (شينجيانغ) بالقبائل البدوية المحلية من آسيا الوسطى تجاه الغرب، فشنت إحدى تلك القبائل وهي سيونغنو هجومًا على قبيلة أخرى، وهي يويجيين، وضَمَّت قسمًا كبيرًا منها، وكان اليويجيون شعبًا قوقازيًّا يتكلم لغة هندي-أوروية غربية قديمة، وقد مثلوا الهجرة الشرقية للعِرْق القوقازي، وحسب بعض المصادر هاجرت إحدى القبائل اليويجية الأرستقراطية الخمس، المعروفة في المصادر اليونانية باسم التخاريين، إلى ما يسمى اليوم بكازاخستان الشرقية، دافعين قبائل الشاكيين (ساكا) البدوية إلى الجنوب، وكانوا معروفين عند اليونانيين باسم الإسكوثيين. على أية حال كان يتكلم كل من التخاريين والإشاكيين لغات إيرانية. وبسبب هذا الاختلاف في اللغات فهناك خلاف حول وجود صلة بين هؤلاء التخاريين وسلالة اليويجيين، المعروفين أيضا بالـ "تخاريين"، والذين أنشئوا حضارات مزدهرة في كوتشا وتورفان في تركستان الشرقية في القرن الثاني للميلاد، لكن من الواضح أنه لا صلة بين الشاكيين وقبيلة الشاكيا في وسط شمال الهند، التي ولد فيها البوذا شاكياموني.

وقد انتزع شاكيون أولاً منطقة صغديا من اليونانية-الباكتريانيين، ثم احتلوا باكتريا أيضًا سنة 139 ق.م في عهد الملك ميناندروس، وهناك اعتنق أفراد قبيلة الشاكيين البوذية، وفي عام 100 ق.م أخذ التخاريون صغديا وباكتريا من الشاكيين، واستقروا في تلك المنطقة وقبلوا البوذية. هذه كانت بداية السلالة الكوشانية التي امتدت أخيرًا إلى كشمير باكستان الشمالية، وشمال غرب الهند.

أشهر ملوك الكوشانيين كان اسمه كانيشكا - حكم من سنة 78 إلى 102 ميلاديًّا - وكانت عاصمته الغربية في كابيشا، وكان هذا الملك يؤيد مذهب السارفاستيفادا من هينايانا، وقد اشتهر قسم الفايباشيكا منه خصوصًا في تخارستان، وكان الراهب التوخاري غوشاكا أحد مجمعي تفاسير فايباشيكا الأبيدارما [5] (موضوعات علمية خاصة)، المتبناة في المجلس البوذي الرابع الذي انعقد بأمر كانيشكا. وعندما عاد غوشاكا إلى تخارستان بعد المجلس أسسوا مدرسة الفايباشيكا الغربية (بالهيكا)، وأصبح نافا فيهارا الدير الرئيس في بلخ، مركز الدراسات البوذية العليا عبر آسيا الوسطى، مقارنة بدير نالاندا في وسط شمال الهند، وتركزت الدراسة أساسًا على دراسة أبيدارما فايباشيكا، وكان يسمح بالالتحاق بالرهبان الذين ألفوا نصوصًا حول هذا الموضوع فقط. ومنذ أن احتفظ الدير ببقايا واحدة من أسنان بوذا كان أيضًا أحد المراكز الرئيسة للحجاج البوذيين على امتداد طريق الحرير من الصين إلى الهند.

كانت بلخ مسقط رأس زرادشت، الذي ولد سنة 600 ق.م تقريبًا. وكانت تعتبر مدينة مقدسة للزرداشتية؛ الديانة الإيرانية التي نبعت من تعاليمه، وهي التي تؤكد على تقديس النار، وتبنى كانيشكا سياسة التسامح الديني المأخوذة من اليونانية-الباكتريانية؛ لهذا تعايشت الزرادشتية والبوذية بسلام في بلخ، وكان لكل منهما تأثيرٌ على تطور الديانة الأخرى. فعلى سبيل المثال وجدت على جدران الأديرة تصاوير بوذا مع هالات من اللهب، وكلمات منقوشة: "بوذا-مزدا"، وكان ذلك مزيجًا بين بوذا وأهورا مزدا إله الزرادشتية الأعظم.

وفي سنة 226 م هزمت الإمبراطورية الساسانية الفارسية الحكومةَ الكوشانية في أفغانستان، وبالرغم من كون الساسانيين من أشد المؤيدين للزرادشتية فإنهم تسامحوا مع البوذية، وسمحوا بتشييد كثير من الأديرة البوذية، وقد أقام أتباع اللوكوتارافادا[6] في الحكومة الساسانية تمثالين ضخمين لبوذا في باميان.

الاستثناء الوحيد للتسامح الساساني وجد في النصف الثاني من القرن الثالث، وذلك عندما سيطر الراهب الزرادشتي الأكبر کرتير على السياسة الدينية في الدولة، فأمر بهدم عدة أديرة بوذية في أفغانستان؛ لأن مزيج البوذية والزرادشتية كان بالنسبة له هرقطة، لكن البوذية سرعان ما استعادت مكانتها بعد وفاته.

الهون البيض والشاهيون الأتراك

في بداية القرن الخامس أخذ الهون البيض - المعروفون لدى اليونانيين باسم "الهفثاليين" (الهياطليين) ولدى الهنود باسم "التوروشكيين" - غالبية الأراضي الكوشانية، ومن ضمنها أفغانستان، من أيدي الساسانيين، واتبع الهون البيض ديانتهم المشابهة بالزرادشتية في البداية، ولكنهم أصبحوا بعد ذلك بفترة قصيرة من أشد المؤيدين للبوذية، وقد زار الحاج البوذي الهاني الصيني فاشيان أراضيهم بين سنتي 399 و414 م، وأخبر عن ازدهار عدة مدارس الهينايانا.

كان الشاهيون الأتراك شعبًا تركيًّا انحدروا من الكوشانيين، وذلك بعد سقوط الأسرة الكوشانية في أيدي الساسانيين، ثم سيطروا على بعض أجزاء الإمبراطورية السابقة الواقعة في شمال غرب وشمال الهند، وحكموا البلاد حتى تأسيس أسرة غوبتا الهندية في بداية القرن الرابع، ووفرُّوا بعدها إلى ناغاراهارا، وقد أخذوا بعض أجزائها من الهون البيض، وحتى منتصف القرن الخامس وسعُوا نفوذهم نحو وادي كابول وكابيشا، وقد اتبع الشاهيون الأتراك البوذية في أفغانستان، كما فعل الهون البيض والكوشانيون من قبلهم.

وفي سنة 515 قمع ميهيراكولا ملك الهون البيض البوذية متأثرًا ببعض الفرق الحاقدة غير البوذية في بلاطه. وقد دمر الأديرة، وقتل العديد من الرهبان في جميع أرجاء شمال غرب الهند في غندهارا، وخاصة في كشمير، وكان الاضطهاد أقل شدة في أرجاء ناغاراهارا، التي كانت تحت نفوذه أيضًا، لكن ابنه تبنى سياسة معاكسة لوالده، وبنى الأديرة في تلك المناطق كلها.

الأتراك الغربيون

قَدِم االأتراك الغربيون من تركستان الغربية الشمالية، وسيطروا على القسم الغربي من طريق الحرير في آسيا الوسطى سنة 560 م، وتوسعوا تدريجيًّا إلى باكتريا ودفعوا الشاهيين الأتراك نحو الشرق في ناغاراهارا، وقد أخذ كثير من القادة الأتراك الغربيين البوذية من السكان المحليين واعتنقوها، وفي سنة 590 م شيدوا ديرًا بوذيًّا جديدًا في كابيشا، وفي سنة 622 م تبنى حاكم الأتراك الغربيين تونغشيهو خاقان البوذية رسميًّا تحت إرشاد راهب بوذي زائر من الهند الشمالي اسمه برابارا كاميترا.

زار الحاج البوذي الهاني الصيني شوانزانغ الأتراك الغربيين سنة 630 م تقريبًا وهو في طريقه إلى الهند، وقد تحدث عن ازدهار البوذية في القسم الباكتري من مملكتهم، خاصةً في دير نافا فيهارا في بلخ، وقد ذكر الجامعة الرهبانية، ليس لمستواها العلمي فحسب، بل أيضًا لوجود تماثيل بوذا الجميلة هناك، المكسوة بالأردية الحريرية، والمزينة بالحلي والمجوهرات وفقًا لتقاليد الزرادشتية المحلية. وكان للدير آنذاك صلة وثيقة بمملكة خوتان البوذية المتشددة الواقعة في تركستان الشرقية، وهي التي أرسلت إليه رهبانًا كثيرين للتدري،. بالإضافة إلى ذلك وصف شوانزانغ ديرًا بقرب نافا فيهارا، المعد لممارسة التأمل هينايانا بأسلوب فيباسانا، وهو: إدراك المعنى الاستثنائي للصيرورة، وبأنه لا توجد هوية مستقلة للإنسان.

وجد شوانزانغ البوذية في ناغاراهارا في وضع أسوأ بكثير من وضعها أثناء فترة حكم الشاهيين الأتراك، كما حدث في الجانب البنجابي لغندهارا، بدأت المنطقة كأنها لم تُشفَ تمامًا من الاضطهاد الذي مارسه الملك ميهيراكولا منذ قرن من الزمن. رغم أن ناغارا فيهارا المحتفظة ببقايا جمجمة بوذا كانت أعظم الأماكن المقدسة التي يقصدها الحجاج من العالم البوذي، فقد أخبر شوانزانغ بأن رهبانها قد فسدوا؛ إذ كانوا يطلبون من كل واحد من الحجاج البوذيين قطعة ذهبية لمشاهدة بقايا الجمجمة، وكذلك لم يكن هناك أي مراكز تعليمية في المنطقة كلها.

بالإضافة إلى ذلك، وبالرغم من تقدم الماهايانا [7] في أفغانستان قادمةً من كشمير وغندهارا البنجابية خلال القرنين الخامس والسادس، كما أشار شوانزانغ إلى وجود البوذية في كابيشا والمناطق الهندوكوشية إلى الغرب من ناغاراهارا فقط. وقد بقيت السارفاستيفادا مدرسة بوذية سائدة في ناغاراهارا وباكتريا الشمالية.

الفترة الأموية والتمهيد لقدوم الإسلام

هزم العربُ الذين أسسوا الخلافة الأموية سنة 661 م الفُرسَ الساسانيين بعد وفاة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) بثلاثين سنة، وحكم الخلفاء الأمويون إيران والشرق الأوسط كله تقريبًا. وهجم الأمويون سنة 663 م على باكتريا التي أخذها الشاهيون الأتراك من الأتراك الغربيين، وأخذت القوات الأموية المنطقة المحيطة ببلخ، بما فيها دير نافا فيهارا، ودفعت الشاهيين الأتراك إلى الانسحاب إلى وادي كابول.

ولكنَّ المسلمين سمحوا لأتباع الديانات غير المسلمة، القاطنين في المناطق المحتلة بالحفاظ على عقائدهم إن استسلموا بهدوء، ودفعوا الجزية. وبالرغم من اعتناق بعض البوذيين من باكتريا، بما فيهم رئيس الدير نافا فيهارا، الإسلام فقد رضيت غالبية البوذيين في المنطقة بوضع أهل الذمة، مثل الرعايا غير المسلمين الذين تحميهم الدولة الإسلامية، وقد بقي نافا فيهارا مفتوحًا يعمل بشكل منتظم. وزار الحاج البوذي الهاني الصيني يجينغ نافا فيهارا في الثمانينات من القرن السابع، وأشار إلى ازدهاره مركزًا تعليميًّا للسارفاستيفادا.

وقد كتب الكرماني أحد المؤلفين العرب الأمويين تقريرًا مفصلاً عن نافا فيهارا، وذلك في بداية القرن الثامن، ذلك التقرير المحفوظ ضمن أعمال القرن العاشر، وهو "كتاب البلدان" للهمداني. وقد وصف الكرماني الدير بطريقة يفهمها المسلمون بسهولة؛ إذ شبهه بالكعبة الموجودة في مكة، أهم الأماكن المقدسة الإسلامية، وبيَّن أن المعبد الرئيس له مكعبٌ في وسطه تكسوه الملابس، وأن المتعبدين كانوا يطوفون حوله، وكانوا يسجدون متوجهين إليه كما هو الحال في الكعبة، ويشير المكعب الحجري هذا إلى منصة عليها إستوبا، كما كان معتادًا في معابد باكتريا، وكان الثوب الذي كسا المكعب وفق التقليد الإيراني لإظهار التعظيم، الذي كان موجهًا لتماثيل بوذا وللإستوبات على السواء. ويشير تصوير الكرماني إلى موقف منفتح ومتسم بالاحترام لدى العرب الأمويين في محاولتهم لفهم الديانات غير الإسلامية، مثل البوذية التي واجهوها في الأراضي المفتوحة حديثًا.

التحالف التبتي

قاد الحسين بن علي بن أبي طالب ثورة غير ناجحة في العراق ضد الأمويين سنة 680 م، وقد حوَّل هذا الصراع أنظار العرب عن آسيا الوسطى، وأضعف سيطرتهم هناك، فانتهز التبتيون الفرصة وتحالفوا مع الشاهيين الأتراك سنة 705 م، وقد حاولوا معًا محاولة فاشلة لإبعاد القوات الأموية عن باكتريا، وقد اكتشف التبتيون البوذية في الصين ونيبال منذ ستين عامًا تقريبًا، رغم أنه لم يكن لديهم أي أديرة حينئذٍ. وفي سنة 708 م نجح أمير الشاهيين الأتراك نازاكتار خان في طرد الأمويين، وأنشأ في باكتريا حُكمًا بوذيًّا متعصبًا، وضرب عنق رئيس الدير نافا فيهارا الذي اعتنق الإسلام.

ثم استعاد القائد العربي قتيبة باكتريا سنة 715 م من الشاهيين التُّرك وحلفائهم التبتيين، وقد ألحق أضرارًا جسيمة بنافا فيهارا عقابًا جرَّاء العصيان السابق، وفر كثير من الرهبان شرقًا إلى خوتان وكشمير، مما أدى إلى نمو البوذية، خاصةً في كشمير. وبدأ التبتيون آنذاك في التكيف مع السياسة الجديدة، فتحالفوا مع القوات الأموية التي كانوا يقاتلونها منذ وقت قليل.

وسرعان ما تحسن وضع نافا فيهارا، فواصل عمله كما كان في الماضي، وفي ذلك إشارة إلى أن تدمير المسلمين للأديرة البوذية في باكتريا لم يكن حقيقةً نتيجة دوافع دينية، فلو لم يكن الأمر كذلك ما سمح المسلمون بإعادة بنائها. وكان الأمويون يتبعون نفس السياسة تجاه البوذية التي تبنوها سابقًا في ذلك القرن، عند احتلالهم مناطق السند التابعة لما يسمى اليوم بباكستان الجنوبية. فما دمر الأمويون إلا أديرة مختارة، وهي التي ارتابوا في أنها تأوي معارضين للغزو الإسلامي، لكنهم سمحوا لهم بإعادة بنائها بعد ذلك، وتركوا الأخرى مزدهرة، فقد كان هدفهم الأساسي الاستثمار الاقتصادي، ولذا فرضوا جزية على البوذيين، وضريبة على الحجاج الذين يزورون الأضرحة المقدسة.

ورغم الاتجاه العام إلى التسامح الديني الذي تحلَّى به الخلفاء الأمويون السابقون، فقد أراد الخليفة عمر بن عبد العزيز - حكم من سنة 717 إلى 720 م - أن يدخل حلفاء الأمويين كلهم الإسلام، ولكنه قرر أن يكون ذلك برغبتهم بعد أن يتعلموا مبادئ الإسلام، فأرسل التبتيون سنة 717 م مندوبًا إلى البلاط الأموي ليسترضوا حلفاءهم فيرسلوا إليهم معلمًا مسلمًا، فأرسل الخليفة معلمًا يعرف بالحنفي، ولكن عجز هذا المعلم عن إقناع أكبر عدد ممكن من التبتيين إلى الإسلام يدل على عدم تصميم الأمويين على مساعيهم في نشر ديانتهم. أضف إلى ذلك الاستقبال الجاف الذي حظي به الحنفي؛ وذلك نتيجة الخوف من الأجانب، وهو الأمر الذي نشرته الفصائل المعارضة داخل البلاط التبتي.

وخلال العقود التالية، تبدلت التحالفات العسكرية والسياسية كثيرًا، إذ تصارع العرب والصينيون والتبتيون والشاهيون الترك وقبائل تركية أخرى لفرض سيطرتهم على آسيا الوسطى، فاستعاد الشاهيون الترك كابيشا من أيدي الأمويين، وأنشأ التبتيون مجددًا تحالفًا مع الترك الشاهيين سنة 739 م خلال زيارة الإمبراطور التبتي لكابول؛ للاحتفال بعقد زواج جرى بين الشاهيين الترك والخوتان، بينما استمر حكم الأمويين في باكتريا الشمالية.

الفترة العباسية المبكرة

وفي عام 750 م انتهى حكم الدولة الأموية وبدأ حكم الدولة العباسية التي فرضت سيطرتها على باكتريا الشمالية، بالإضافة إلى استمرار العباسيين في اعتبار البوذيين أهل ذمة، واهتموا اهتمامًا شديدًا بالثقافة الأجنبية، خاصةً الثقافة الهندية. وفي سنة 762 م وظَّف الخليفة المنصور - حكم من سنة 754 إلى 755م - مهندسين معماريين لتصميم العاصمة العباسية الجديدة: بغداد. وقد أخذ اسم عاصمته من السنسكريتية "بهاغا-دادا" ومعناها "هدية الله". وأسَّس الخليفة أيضًا بيت الحكمة، مع مكتب خاص بالترجمة، ودعا العلماء من ثقافات وديانات مختلفة إلى ترجمة النصوص إلى العربية خاصة في مجالات المنطق والموضوعات العلمية.

كان المنصور أول الخلفاء العباسيين من أنصار المذهب الإسلامي "المعتزلة"، والذي حاول تفسير مبادئ القرآن بالعقل، فكان التركيز الأساسي على التعاليم اليونانية القديمة، ولكن التقاليد السنسكريتية جذبت انتباههم أيضًا. ولم يقتصر بيت الحكمة على ترجمة النصوص العلمية فحسب، بل ترجم العلماء البوذيون إلى العربية بعض سوترات [8] الماهايانا والهينايانا التي تتناول موضوعات تعبدية وأخلاقية.

ثم أمر الخليفة التالي: المهدي - حكم من سنة 775 إلى 785 م - الجيش الإسلامي في السِّند بمهاجمة سوراشترا في جنوب الشرق، وذلك في مواجهة منافس آخر في شبه الجزيرة العربية، الذي يدعي أنه المهدي، أي المخلِّص الإسلامي، وكان الغزو جزءًا من الحملة التي نظمها الخليفة لفرض نفوذه وسيادته بوصفه خليفة المسلمين، ودمر الجيش الأديرة البوذية والمعابد الجاينية في فالابي، ولكنه كما حدث عند احتلال الأمويين للسند دُمِّرت المراكز المشتبهة بإيواء المعارضة للحكم فقط، وحتى تحت حكم الخليفة المهدي أبقى العباسيون الأديرة البوذية على حالها في باقي أرجاء إمبراطوريتهم، وفضلوا استغلالها مصدرًا للدخل، وبالإضافة إلى ذلك فقد واصل المهدي توسيع نشاطات الترجمة في بيت الحكمة في بغداد؛ إذ لم يرغب في تدمير الثقافة الهندية حتى يتعلم منها المسلمون.

وكان يحيى البرمكي - الحفيد المسلم لأحد الرؤساء الإداريين البوذيين لدير نافا فيهارا - وزيرًا للخليفة العباسي التالي: الرشيد - حكم من سنة 786 إلى 808 م – وقد دعا الخليفة خلال فترة حكمه العديد من العلماء والمدرسين الهنود، خاصة البوذيين إلى بغداد، وقد ورد في "كتاب الفهرست"، وهو فهرس للكتب المؤلفة حين ذاك داخل الإسلام وخارجه، قائمة بالكتب البوذية، وكان من بينها نسخة عربية عن أعمار بوذا السابقة، المسمى ب"كتاب البد".

كان الإسلام على طريق البروز في باكتريا آنذاك بين ملاك الأراضي والطبقات العليا الحضرية المثقفة، من أجل جاذبية مستواه الأعلى الثقافي والتعليمي، وكان من المفروض للمهتمين بدراسة البوذية أن يلتحقوا بأحد الأديرة، وبالرغم من أن دير نافا فيهارا كان يعمل كالمعتاد في تلك الفترة، فقد كانت قدراته محدودة، وكان الطلاب محتاجين إلى تدريبات واسعة النطاق قبل الالتحاق به، وفي الجانب الآخر كانت الثقافة العليا والدراسات الإسلامية ميسرة وسهلة المنال، بينما حافظت البوذية على قوتها في أوساط الريفيين المنتمين إلى الطبقات الشديدة الفقر، خاصة من خلال التعبد في الأضرحة المقدسة.

وكانتالديانة الهندوسية موجودة أيضًا في جميع أرجاء المنطقة، وفي سنة 753 م تحدث الحاج ووكونغ الهاني الصيني خلال زيارة له عن وجود دير بوذي وآخر هندوسي، خاصة في وادي كابول. ومع ضعف البوذية في أوساط التجار ازدادت الهندوسية قوة.

الثورات ضد العباسيين

واجه العباسيون الأُوَل عدة ثورات، فبعد وفاة الخليفة الرشيد سنة 808 م، وهو في طريقه لإخماد إحدى الثورات في سمرقند عاصمة صغديا، قسم الرشيد الإمبراطورية بين ولديه قبل وفاته، فكان لابنه المأمون الذي رافقه خلال حملته في صغديا الجزء الشرقي بما فيه باكتريا. بينما كان لابنه الآخر الأمين، وهو أقوى من أخيه، الجزء الغربي وفيه مكة وبغداد وهاتان البلدتان لهما احترام وهيبة عند المسلمين.

فوزع المأمون االأموال والأراضي على الناس في صغديا كي يحظى بالدعم الجماهيري للاستيلاء على حصة الأمين من الإمبراطورية العباسية، ثم شن هجومًا على شقيقه، وانضم الشاهيون الأتراك في كابول وحلفاؤهم التبتيون إلى قوات الثوار المعادين للعباسيين في صغديا وباكتريا خلال الحرب الطاحنة الذي اندلعت؛ لاستغلال الوضع الحاصل هناك، وللإطاحة بالحكم العباسي. وحث الفضل وزير المأمون وقائد جيشه الخليفة على إعلان الجهاد، أي الحرب المقدسة، ضد هذا التحالف لتعزيز مكانة الخليفة الحاكم؛ إذ لا يُعلِن الجهادَ ضد المعتدين على الإسلام إلا الحكامُ الذين يرفعون لواء الإيمان الخالص.

أعلن المأمون الجهاد بعد التغلب على شقيقه، وهزم حاكمَ الشاهيين الأتراك، المعروف باسم كابول شاه سنة 815 م، وأجبره على اعتناق الإسلام، فقد كانت عبادة الأوثان من أشد الأمور انتهاكًا للعقيدة الإسلامية، وكانت الديانات الوثنية العربية التي سبقت النبي محمد تعبد الأصنام، واحتفظت ببعضها في مكة، تحديدًا في الكعبة المشرفة، ودمر النبي الأصنام كلها عند إتيانه بالإسلام، فأمر المأمون الشاه بذلك، وللتدليل على طاعته أرسل تمثال بوذا الذهبي إلى مكة، فاحتفظ به المأمون في مكان عام في الكعبة لمدة سنتين، وذلك لضمان شرعيته في الحكم فقط، مشيرًا إلى أن الله هَدى ملك التبت إلى الإسلام. فقد اختلط الأمر على العرب ما بين الملك التبتي وأحد أتباعه: شاه كابول التركي. وفي سنة 817 م أذاب العباسيون تمثال بوذا لتصنيع العملات الذهبية.

بعد تحقيق النجاح على الشاهيين الأتراك، شن العباسيون هجومًا على المنطقة الواقعة تحت نفوذ التبتيين، وهي منطقة جيلجيت الواقعة فيما يسمى اليوم بباكستان الشمالية، وخلال فترة وجيزة ضموها أيضًا، وأعادوا القائد التبتي أسيرًا ذليلاً إلى بغداد.

الأسر الطاهرية والصفارية وشاهية الهندو

في تلك الفترة بدأ القادة العسكريون المحليون في عدة مناطق من الإمبراطورية العباسية بتأسيس ولايات إسلامية مستقلة، وكان ولاؤهم لخليفة بغداد اسميًّا فقط. كانت باكتريا الشمالية المنطقة الأولى التي تعلن استقلالها؛ حيث أنشأ القائد طاهر السلالة الطاهرية سنة 819 م.

ثم استعاد التبتيون والشاهيون الأتراك ممتلكاتهم السابقة بانسحاب العباسيين من كابول وجيلجيت لانشغالهم بأمور أكثر أهمية. وبالرغم من إجبار العباسيين زعماءَ تلك المنطقة على اعتناق الإسلام لم يضطهدوا البوذية هناك، ففي الواقع حافظ العرب على العلاقات التجارية مع التبتيين خلال تلك الفترة.

القائد الإسلامي التالي الذي أعلن استقلاله عن الحكم العباسي كان الصفار، فأنشأ خليفته سنة 861 م السلالة الصفارية في جنوب شرق إيران، وبعد السيطرة على باقي مناطق إيران غزا بنو الصفار وادي كابول سنة 870، وفي وجه تلك الهزيمة الوشيكة أطاح بالحاكم التركي الشاهي البوذي وزيرُه البرهمي كالار، وأنشأ كالار أسرة الشاهية الهندو في غندهارا البنجابية بمغادرته كابول وناغاراهارا وتركهما لبني الصفار.

كان غزو بني الصفار أساسًا للانتقام؛ فنهبوا الأديرة البوذية في وادي كابول وباميان، وأرسلوا "أصنام بوذا" إلى الخليفة غنائمَ حرب، وكان هذا الاحتلال العسكري القاسي الضربة الحقيقية الأولى للبوذية في منطقة كابول، وكانت للهزيمة السابقة واعتناق شاه كابول الإسلام سنة 815 م نتائج غير مباشرة على الوضع العام للبوذية في المنطقة.

استمر بنو الصفار في حملات الفتح والدمار متجهين نحو الشمال، وانتزعوا باكتريا من الطاهريين سنة 873 م، لكن الشاهية استعادوا كابول وناغاراهارا سنة 879 م، وظلوا يتبعون سياسة دعم الهندوس والبوذيين من أبناء الشعب، فاستعادت أديرة كابول البوذية ثراءها السابق سريعًا.

الأسر السامانية والغزنوية والسلاجقة

أعلن اسماعيل بن أحمد حاكم صغديا الفارسي استقلاله بعد ذلك مباشرة، وأنشأ الأسرة السامانية سنة 892 م، وانتزع باكتريا من بني الصفار سنة 903 م، وشجع السامانيين على العودة إلى الثقافة الإيرانية التقليدية، ولكنهم تعاملوا بتسامح مع البوذية، فكانت تماثيل بوذا لا تزال تُنحَت وتباع في بخارى العاصمة السامانية زمن نصر الثاني - حكم من سنة 913 إلى 942 م - لأنها ما حُرِّمت بوصفها "أصنام بوذا".

وقد استعبد السامانيون رجال القبائل التركية في بلادهم وجنَّدوهم إلزاميًّا، وكانوا يمنحون الجنود حريتهم شكليًّا فقط إذا اعتنقوا الإسلام، لكن السامانيين واجهوا صعوبة في السيطرة على هؤلاء. ففي سنة 962 م استولى أحد القادة العسكريين الترك الذين اعتنقوا الإسلام، واسمه ألبتكين على غزنة حتى وصل إلى جنوب كابول. وهناك وفي عام 976 م أنشأ خليفته سبكتكين - حكم من سنة 976 إلى 997 م - امبراطورية الغزنويين التابعة للعباسيين، وبعد ذلك بقليل أخذ وادي كابول من الشاهية، وأعادهم إلى غندهارا.

وقد ازدهرت البوذية في وادي كابول تحت حكم الشاهية. ووصف أسدي الطوسي في كتابه المؤلف سنة 1048 م المسمى بـ "غرشاسب نامه"، ثراء الدير الرئيس: سوباهار (سو فيهارا) حين اجتاح الغزنويون كابول، وهذا يدل على أن الغزنويين لم يدمروه.

أطاح الحاكم الغزنوي التالي محمود الغزنوي - حكم من سنة 998 إلى 1030 م - السامانيين سنة 999 م بدعم الجنود التُّرك المستعبدين من خدمة السامانيين. وضمت الإمبراطورية الغزنوية باكتريا وصغديا الجنوبية، واحتل محمود الغزنوي إيران كلها تقريبًا، وحافظ على سياسة السامانيين في تشجيع الثقافة الفارسية، والتسامح مع الديانات غير المسلمة. قال البيروني، وهو عالم فارسي، وكاتب في الديوان الملكي الغزنوي، في مطلع الألفية: "إن المعابد البوذية في باكتريا، بما فيها نافا فيهارا، كانت لا تزال تعمل كالمعتاد".

لكن محمود الغزنوي الذي كان يتبع منهج أهل السنة والجماعة الأصولي لم يكن متسامحًا تجاه المذاهب الإسلامية الأخرى، فهاجم ملتان في السند الشمالية سنة 1005 م، ثم سنة 1010 م؛ ليحارب الفرقة الإسماعيلية المنتمية للشيعة التي حظيت بتأييد الدولة، وفضلها السامانيون أيضًا، فكانت الأسرة الفاطمية الإسماعيلية (910 – 1171 م) ومقرها في مصر منذ سنة 969 م، المنافس الرئيس للعباسيين السنيين في السيادة على العالم الإسلامي، وقد أراد السلطان محمود إكمال حملته على الشاهية الهندو التي بدأها والده؛ لذا هاجمهم وطردهم من غندهارا، ثم تقدم من غندهارا متجهًا نحو ملتان للسيطرة عليها.

ثم وسع محمود إمبراطوريته في السنوات التالية من خلال احتلاله المناطق الشرقية وصولاً إلى أغرا في الهند الشمالية، وقد كان نَهْبه وتدميره للمعابد الهندوسية والأديرة البوذية في طريقه جزءًا من فكره وخطته في الغزو، كما كانت الحروب في الأغلب تُلحِق القوات المحتلة دمارًا قدر الإمكان لإقناع السكان المحليين بالاستسلام، وخاصة إذا كانت هناك مقاومة في خلال حملاته في شبه القارة الهندية، وحافظ محمود الغزنوي على الأديرة البوذية ضمن المناطق الواقعة تحت سيطرته في كابول وباكتريا فقط.

وفي سنة 1040 م ثار الأتراك السلاجقة من أتباع الغزنويين في صغديا، وأنشئوا أسرة السلاجقة، ثم انتزعوا بعد ذلك بقليل باكتريا ومعظم إيران من الغزنويين الذين انسحبوا نحو وادي كابول، وفي نهاية المطاف امتدت إمبراطورية السلاجقة إلى بغداد وتركيا وفلسطين، وكان السلاجقة هم "الكفار" سيئي السمعة الذين أعلن البابا أوربانوس الثاني الحملة الصليبية الأولى عليهم سنة 1096 م.

كان السلاجقة نَفْعِيِّين فيما يتعلق بحكمهم؛ فأسَّسوا المراكز الإسلامية للتعليم (أي المدارس) في بغداد وآسيا الوسطى، وذلك لتعليم البيروقراطية المدنية لتدير الأقسام المختلفة من إمبراطوريتهم، وكانوا متسامحين في وجود ديانات غير إسلامية في بلادهم؛ مثل البوذية. لهذا نشر الشهرستاني في بغداد "كتابه الملل والنحل" - وهو كتاب باللغة العربية حول الديانات والطوائف غير المسلمة - ويتضمن الكتاب شرحًا مبسطًا حول العقائد البوذية، ويعيد ذكر ما كُتِب في كتاب البيروني في القرن السابق حول قول الهنود بكون بوذا نبيًّا.

وتشهد المصادر البوذية المتعددة ضمن الأدب الفارسي على العلاقات الثقافية الإسلامية-البوذية، فعلى سبيل المثال يشبه الشعر الفارسي القصور بنوباهار (نافا فيهارا) في جمالها، بالإضافة إلى ذلك تضمنت صور بوذا - خاصة الميتريا، أي: بوذا المستقبل - في نافا فيهارا وباميان أقراصًا بشكل القمر، وضعت خلف رأس بوذا، ومن هنا نبع الوصف الشعري لمن هم في غاية الجمال كمن تحلوا بـ"وجه قمري كوجه بوذا". هكذا وظفت القصائد الفارسية مثل "ورقه وغل‌شاه" للشاعر عيوقي، كلمة "بوت" بمعناها الإيجابي، أي: "بوذا"، وليس بمعناها المستقبح وهو: "صنم". وتوحي الكلمة بالجمال عديم الجنس لدى كل من النساء والرجال، تشير هذه المصادر إلى وجود الصور والأديرة البوذية في تلك المناطق ذات الثقافة الإيرانية، على الأقل طوال الفترة المنغولية الأولى في القرن الثالث عشر، أو إلى احتفاظ البوذيين الذين أسلموا بتراثهم البوذي.

الأسر القراقيتية والغورية

انهزمت السلاجقة في سمرقند سنة 1141 م على يد شعب منغولي اللغة، وهو الذي كان يحكم تركستان الشرقية وشمال تركستان الغربية، وقد ضم زعيمهم ييلو داشي صغديا وباكتريا إلى مملكته، ولم تزل منطقة وادي كابول الشرقية تحت سيطرة الغزنويين، وقد اتبع القراقيتيون مزيجًا من البوذية والطاوية والكونفوشيوسية والشامانية، وكان ييلو داشي متسامحًا جدًّا، ووفر الحماية لجميع الديانات في بلده، بما فيها الإسلام.

ثم أخذ علاء الدين - من الأوغوزيين الأتراك الرُّحَّل القادمين من جبال أفغانستان الوسطى - باكتريا من القراخيتانيين سنة 1148 م، وأنشأ الأسرة الغورية، ونزع غزنة وكابول من الغزنويين سنة 1161 م، وجعل شقيقه محمد غوري حاكمًا لغزنة سنة 1173 م، وشجعه على الاستيلاء على شبه القارة الهندية.

ثم سيطر محمد غوري مثل محمود الغزنوي قبله، أولاً سنة 1178 م على مملكة ملتان الإسماعيلية الواقعة في السند الشمالية، التي كانت قد حصلت مجددًا على استقلالها من الحكم الغزنوي، وتقدم بعدها لاحتلال منطقة بنجاب باكستان بأكلمها شمال الهند، وبعد ذلك سَهْل الغانج إلى ما يسمى اليوم ببيهار وغرب البنغال، ونهب خلال حملته كثيرًا من الأديرة البوذية الضخمة ودمرها، بما فيها فيكراماشيلا وأودانتابوري سنة 1200 م، وقد حولها الملك السيني المحلي إلى ثكنات عسكرية من أجل التصدي للغزو.

كان باستطاعة القادة الغوريين تشجيع جنودهم في المعارك بالوعظ الديني، مثلما تفعل أي أمة في مجالي السياسية والوطنية، لكن هدفهم الرئيس كان مثل معظم المحتلين؛ أخذ الأراضي والثروة والقوة. لهذا دمر الغوريون الأديرة التي كانت تقع على خط الغزو المباشر فقط. فمثلاً: دير آن نالاندا وبودغايا، اللذان كانا بعيدين عن الطريق الرئيس، قد وجدهما المترجم التبتي تشاغ لوتساوا سنة 1235 م في زيارة له مدمريْنِ ومنهوبيْنِ، لكنهما واصلا عملهما مع عدد قليل من الرهبان، في حين أنه لم يُصَب دير جاغادالا في البنغال الشمالية بأي سوء، واستمر في الازدهار.

بالإضافة إلى أن الغوريين لم يريدوا احتلال كشمير، وإجبار البوذيين هناك على اعتناق الإسلام، فقد كانت كشمير فقيرة آنذاك، ولم تكن لدى الأديرة أي ثروة تُنهَب. وبما أن الغوريين لم يدفعوا شيئًا لحكامهم وقادة جيوشهم، ولم يزودوهم بأي مؤن، فإنهم توقعوا منهم إعالة أنفسهم وقواتهم من المكاسب المحلية، فإنَّ الحكام لو أجبروا جميع رعاياهم على اعتناق الإسلام لَما استطاعوا استغلال القسم الأكبر من السكان بفرض ضرائب إضافية. لهذا، وكما كان الحال في أفغانستان، استمر الغوريون في منح مكانة أهل الذمة لغير المسلمين في الهند، وفرض الجزية عليهم.

الفترة المنغولية

في عام 1215 م انتزع جنكيز خان مؤسس الإمبراطورية المنغولية أفغانستان من الغوريين، وأباد جنكيز وفقًا للسياسة السائدة في الأماكن الأخرى كل من اعترض على احتلاله، وخرب أراضيهم. وظلت الكيفية التي نجت بها آثار البوذية في أفغانستان من التدمير آنذاك مجهولة، وكان جنكيز متسامحًا تجاه جميع الديانات، طالما صلى قادتها لإطالة عمره ولتحقيق إنجازاته العسكرية. فمثلاً استدعى زعيمًا طاويًّا شهيرًا من الصين إلى أفغانستان سنة 1219 م؛ لإقامة طقوس تطيل عمره، وتجهز إكسير [9] الخلود له.

ثم ورث جغتاي بن جنكيز خان الحكم على صغديا وأفغانستان، وأسس خاقانات جغتاي بعد وفاة أبيه سنة 1227 م، وبعد تقسيم إمبراطوريته بين الوارثين، ثم احتل أحد أحفاد جنكيز وهو هولاكو إيران، وأطاح بالخلافة العباسية في بغداد سنة 1258 م، ثم أسس السيادة الإلخانية، وسرعان ما دعا رهبانًا بوذيين من التبت وكشمير ولداخ إلى بلاطه في شمال غرب إيران. كانت إلخانات أكثر قوة من خاقانات جغتاي؛ حيث غلبت في بادئ الأمر على القربى هناك، وبما أنه كان على الرهبان البوذيين المرور بأفغانستان في طريقهم إلى إيران، فقد تلقوا دون شك الدعم الرسمي في طريقهم.

ويبدو كما يرى بعض العلماء أن غالبية الرهبان التبتيين الذين قدموا إلى إيران كانوا ينتمون إلى طائفة دريغُنغ كاغيو، وعلى الأرجح يمكن أن يكون سبب دعوة هولاكو لهم سياسيًّا. فقد أعلن ابن عمه قوبلاي خان سنة 1260 م الحاكم المنغولي للصين الشمالية نفسه الخان الأكبر لجميع المنغول، وقد دعم قوبلاي طائفة الساكيا من البوذية التبتية، ومنح زعماءهم السلطة العليا على التبت. التي كانت قبل ذلك تحت هيمنة زعماء دريغُنغ كاغيو. وكان المنافس الأساس لقوبلاي أحد أبناء عمه، ويدعى قايدو، وهو الذي حكم تركستان الشرقية، ودعم نسب الدريغُنغ كاغيو، وقد أراد هولاكو الوقوف أمام قايدو في هذا الصراع القوي.

ويظن البعض أن تحول قوبلاي وقايدو إلى البوذية التبتية كان من أجل الحصول على الدعم بخوارق العادات والمعجزات من ماهاكالا، وهو الحامي البوذي الذي تُجرى له الطقوس في تياري الساكيا والكاغيو، وكان الماهاكالا حامي التانغوتيين الذين حكموا مناطق ما بين التبت ومنغوليا. وبعد ذلك بفترة قُتل جدهما جنكيز خان في معركة مع التانغوتيين الذين تلقوا دعمًا عن طريق المعجزات وخوارق العادات، ولا يبدو أن الزعماء المنغوليين، بما فيهم هولاكو، قد اختاروا البوذية التبتية بسبب تعاليمها الفلسفية العميقة.

أصبحت خاقانات جغتاي بعد ذلك أكثر استقلالاً عن الإلخانات بعد وفاة هولاكو سنة 1266 م، وأنشأت تحالفًا مع قايدو في صراعه ضد قوبلاي خان، وفي الوقت نفسه تناوب خلفاء هولاكو في دعمهم للبوذية التبتية والإسلام، ويبدو أن ذلك أيضًا كان للمنفعة السياسية. ثم استمر أباقا بن هولاكو في دعم البوذية التبتية، لكنَّ تكودار شقيق أباقا الذي خلفه سنة 1282 اعتنق الإسلام؛ كي يحظى بالدعم المحلي عند غزوه واحتلاله مصر. ثم هزم أرغون بن أباقا عمه تكودار، وأصبح الزعيم الإلخاني سنة 1284 م، فجعل البوذية الديانة الرسمية للدولة، وأسس عدة أديرة هناك. وبعد موت آراغون سنة 1291 م أصبح شقيقه جايخاتو إلخان، وقد منح الرهبان التبتيين جايخاتو الاسم التبتي رينتشين دورجي، لكنه كان سكِّيرا فاسدًا، غير مُشرِّف للعقيدة البوذية، وقد أدخل الأوراق النقدية إلى إيران من الصين، مما تسبب في كارثة اقتصادية.

وتوفي جايخاتو سنة 1295 م بعد سنة من وفاة قوبلاي خان، وقد نجح محمود غازان بن أرغون في الاستيلاء على الحكم، وأعلن أن الإسلام هو الديانة الرسمية في الإمبراطورية الإلخانية، ودمر الأديرة البوذية الجديدة هناك. ويؤكد بعض العلماء أن تغيير غازان خان سياسة والده الدينية كان هدفها الابتعاد عن معتقدات عمه وإصلاحاته، وللتأكيد على استقلاله عن الصين المنغولية.

بالرغم من أن غازان خان قد أصدر أوامره بهدم الأديرة البوذية، فيبدو أنه لم يشأ تدمير كل ما له صلة بالبوذية، فقد كلف على سبيل المثال رشيد الدين بكتابة "جامع التواريخ" باللغتين الفارسية والعربية، وأدخل "حياة بوذا وتعاليمه" في فصل عن تاريخ الشعوب التي احتلها المنغول وثقافاتها، وقد دعا غازان خان بكشي كامالاشريي راهبًا بوذيًّا من كشمير إلى بلاطه؛ وذلك تأسيًّا بكتاب الكرماني قبله، فقدَّم رشيد الدين "البوذية" بشكل يسهل فهمه عند المسلمين؛ مثل تسمية بوذا بالنبي، وآلهة الداواس بالملائكة، والمارا بالشيطان.

وقد كتب رشيد الدين في كتابه أن 11 نصًّا بوذيًّا باللغة العربية كانت متداولة في إيران، وقد تضمنت نصوص ماهايانا، مثل: "السوترا أرض السعادة الطاهرة"، وتتناول موضوع أرض أميتابها الطاهرة، و"السوترا السلة المنسوجة"، وتتناول موضوع تجسد الرحمة، و"تفسير الميتريا"، وتتناول موضوع بوذا الموعود وتجسد الحب. ولا شك أن هذه الكتب كانت من بين النصوص التي ترجمت زمن الخلافة العباسية في بيت الحكمة ببغداد ابتداءً من القرن الثامن.

انتهى رشيد الدين من كتابة مؤلفه التاريخي سنة 1305 م، خلال عهد أولجاتو خليفة غازان، لكن يبدو أن الرهبان البوذيين تواجدوا في إيران على الأقل حتى وفاة أولجاتو سنة 1316 م؛ لأنهم حاولوا هباءً إعادة الحاكم المنغولي إلى اعتناق البوذية. هكذا، وحتى تلك الفترة، تجول الرهبان البوذيون إيابًا وذهابًا في جميع أرجاء أفغانستان، ولعلهم قد لاقوا ترحيبًا في بلاط جغتاي.

ثم انقسمت إمبراطورية جغتاي إلى قسمين سنة 1321 م، فضمت خاقانات جغتاي الغربية صغديا وأفغانستان، وبدايةً اعتنق حكامها الإسلام. أما في إيران فقد تجزأت الإلخانات وانهارت سنة 1336 م. وليس هناك ما يشير إلى وجود البوذية في أفغانستان بعد تلك الفترة، وقد وجدت هناك طوال 1900سنة، لكن المعرفة بالبوذية لم تندثر، واحتل تغلق تيمور خاقانات جغتاي الغربية سنة 1364 م، بينما احتل الولايات الصغيرة سنة 1385 م، وكلَّف شاهرخ بن تغلق تيمور وخليفته المؤرخ حافظ أبرو بكتابة "مجمع التواريخ" باللغة الفارسية، وقد انتهى المؤلف من كتابته سنة 1425 م، في هرات عاصمة شاهرخ بأفغانستان، وقد حوى الكتاب تقريرًا عن البوذية، وكُتِب على طراز كتاب رشيد الدين الذي سبقه بقرن من الزمان.

[للاطّلاع على البحث التّفصيليّ، انظر الي: التفاعل التاريخي بين الثقافتين البوذية والإسلامية قبل الإمبراطورية المنغولية.]

[1] العربة الصغيرة.
[2] مدرسة بوذية قديمة تؤمن بوجود الدارما، أي الماضي والحاضر والمستقبل الآن وفي وقت واحد.
[3] أعضاء المجلس الكبير.
[4] أحد المذهبين الرئيسين للبوذية.
[5] المجموعة الأخيرة من الكتابات البوذية التي تختص بقضايا الفلسفة والعقائد.
[6] إحدى مدارس البوذية.
[7] أحد المذهبين الرئيسين للبوذية، وينتشر غالبًا في دول شرق آسيا، ويهدف إلى تنوير جميع الكائنات الحية واع.
[8] نصوص من البوذا شاكياموني تناقش موضوعات في ممارسة التأمل.
[9] مادة تطيل العمر بزعمهم
avatar
توم 1979
عضو نشيط
عضو نشيط

عدد المساهمات : 55
تاريخ التسجيل : 03/01/2011
العمر : 38
الموقع : منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

البوذيَّة والإسلام في تركستان الغربية

مُساهمة من طرف توم 1979 في السبت أكتوبر 05, 2013 3:41 pm

لمحة تاريخية موجزة عن البوذيَّة والإسلام
في تركستان الغربية

بارثيا وباكتريا

وُجدت البوذيَّة تاريخيًّا في كل من الجمهوريَّات الخمس السُّوفياتيَّة سابقًا لآسيا الوسطى، وهي الجمهوريات التي تشكِّل تركستان الغربية (بلاد ما وراء النهر): تركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان وقرغيزستان وكازاخستان. وقد انتشرت بدايةً في القرن الأول قبل الميلاد من غندهارا (باكستان) وأفغانستان إلى مملكتي بارثيا [1] وباكتريا، وقد شكلت تركمانستان وشمال شرق إيران مملكة بارثيا، بينما شكلت أوزبكستان الجنوبية وطاجيكستان وأفغانستان الشمالية مملكة باكتريا [2].

صغديا

انتشرت البوذية في صغديا [3] الواقعة في أوزبكستان الوسطى وشمال غرب طاجيكستان قادمة أساسًا من باكتريا، وقد كشف الراهب الصيني شوانزانغ في القرن السادس وجود ديرين بوذيين عظيمين في العاصمة الصغدية في سمرقند..

الإمبراطورية التركية الغربية

عندما فتح الشعب التركي من منغوليا غالبية آسيا الوسطى في القرن السابع انتشرت البوذية على يد الصغديين، ومن كاشغار / خوتان في جنوب تركستان الشرقية إلى وادي نهر طلاس الواقع في كازاخستان الجنوبية، ووادي نهر تشو الواقع في قرغيزستان الشمالية. وقد شكلت هذه المناطق أجزاء من الإمبراطورية التركية الغربية [4]. واحتل التبتيون قرغيزستان الشرقية أيضًا في القرن الثامن عندما كانوا يحكمون تركستان الشرقية، وبهذا أدخلوا البوذية التبتية المبكرة [5].

بالرغم من دلا إله إلا الله محمد رسول الله الإسلام إلى الجزء الجنوبي من جمهوريات آسيا الوسطى في القرنين التاسع والعاشر، والجزء الشمالي في القرن الحادي عشر، فإن البوذية لم تمحَ نهائيًّا من الشمال، وكان وجودا الإسلام ضعيفًا جدًّا هناك، ومختلطاً بالشامانية والبوذية. إن منهج الصوفية هو المنهج الإسلامي الرئيس الذي اتبع على امتداد المنطقة، وهو منهج غير مرتكز على العقائد، بل يدعو إلى التأمل، وتمارسه مجموعة من المتبعين المخلصين إخلاصًا كاملاً، ويعيشون حول شيخ مربٍّ.

المنغوليون الجونغاريون

المنغوليون الجونغاريون [6]، من تركستان الشرقية، وهم الذين تبنوا تقاليد الطائفة البوذية التبتية المعروفة "غيلوك"، والذين انشق عنهم المنغول الكالميكيون في القرن السابع عشر، وكانت لهم أديرة على شكل خيام ممتدة من منطقة سيميريتشية الواقعة في كازاخستان الشرقية، إلى شرق بحيرة بلخاش وجنوبها منذ القرن السادس عشر إلى منتصف القرن الثامن عشر، وحول بحيرة إيسيك كول في قرغيزستان من منتصف القرن السابع عشر حتى منتصف القرن الثامن عشر، هذا وقد بنى الكالميكيون أديرة الخيام في عدة أنحاء من كازاخستان عند هجرتهم عبرها إلى الفولغا.

شيد الجونغاريون أيضًا الأديرة الحجرية [7] في مناطق كازاخستان الشرقية حول بحيرة بلخاش، وقد بقيت الأديرة الغيلوكية [8] حتى منتصف القرن التاسع عشر، إلى أن احتلت روسيا كازاخستان. وليس من الواضح بعدُ إنْ كانت هذه الأديرة قد بُنيت قبل هزيمة الجونغاريين على يد المانشو في منتصف القرن الثامن عشر، ونجت من الدمار الذي لحق بها، أو أنها بُنيت على يد المغول الجونغار اللاجئين الذين فروا إلى كازاخستان بعد الإبادة الكاملة، وبعد ضم تركستان الشرقية إلى إمبراطورية مانشو الصينية. وقد يكون البعض الآخر من الأديرة شيدها المغول الكالميكيون من الفولغا إلى تركستان الشرقية في نهاية القرن الثامن عشر، ولكن مع ذلك استقروا في كازاخستان. إن هذا السؤال هو مربك جدًّا؛ لأن الجونغاريين يُعرفون في اللغة الروسية أيضًا بالكالميكيين.

التبادل الثقافي بين البوذية والإسلام

توجد في كل أنحاء المنطقة مؤشرات عديدة توحي بوجود تبادلات ثقافية بين البوذية والإسلام. فمثلاً، الصوفية الكازاخيون لا يؤمنون بالتجدد الروحي فحسب، بل يعينون تقمص شيوخ الصوفية الأوائل، مثلما يفعله البوذيون المغول والتبتيون تجاه معلميهم. ويبني الصوفية الأضرحة المقدسة والمَزارات لأسلافهم، يطوفون حولها ويشعلون المصابيح التي تُدهن بالزُّبْد، وهو الذي يشبه أحد الطقوس التي يمارسها البوذيون حول أضرحة شيوخهم. وكذلك فإن التأمل الصوفي يحتوي على الإنشاد الإسلامي الذي يعادل التغني بالمنترا، وغالبًا ما ترافقه دورة التنفس، بالإضافة إلى تخيل النبي والمرشدين الروحيين.

--------------------------------------------------------------------------------
[1] وجدت بقايا اثنين من ستوبا بوذا البارثيني في تركمانستان، تحديدًا في مدينة ماري (مرو)، وبجوار مدينة عشق آباد. وقد وجدت أيضًا كهوف بوذية بالقرب من عشق آباد.
[2] وجدت آثار أديرة باكتريا البوذية بالقرب من ترمذ في أوزبكستان الجنوبية، في كارا تيبه وفاياس تيبه ودالفيرزين تيبه. ووُجدت في زورمالا بقايا إحدى الستوبا، بينما وجدت في بالاليك تيبه جداريات بوذية، وذلك في منطقة سرخان دريا، وقد بحث عن آثار دير في أجينا تيبه في طاجيكستان الجنوبية.
[3] وجدت آثار بوذية تنتمي للحضارة الصغدية بالقرب من سمرقند، وذلك في يركورغان الواقعة في أوزبكستان، وفي بنجكنت الواقعة في طاجيكستان. وقد اكتُشفت بعض الآثار أيضًا في كوفا، في وادي فرغانة الواقع في أوزبكستان الشرقية، وقد تواجدت أيضًا معظم آثار مواقع باكترا المذكورة آنفاً حتى العصر الصغدي.
[4] اكتُشِفت بعض الآثار في وادي نهر تاراز (طلاس) في سايرام قيلي بالقرب من شمكنت وتكتور ماس في منطقة جامبيل، ويأمل علماء الآثار اكتشاف آثار بوذية في كوس توب قرب تاراز (جامبيل). وقد وُجدت أيضًا مواقع بوذية على امتداد وادي نهر تشو في قيزيل أوزين، بالقرب من مدينة شولبون آتا الحديثة، على الشاطئ الشمالي لبحيرة إيسيك كول، وفي أكبيشيم (سويان) وبلاساغون بالقرب من توكموك (توكماك)، وعلى امتداد نهر كراسنويا، وهو رافد لنهر تشو.
[5] وجدت حول بحيرة إيسيك كول أحجار "ماني" في أعماق المياه بجوار كاراكول، وعلى امتداد الشاطئ الجنوبي في الخانق تامغا، بالإضافة إلى ممريْ جولكو وبارسكاون جنوبي البحيرة، وممر أيسيكآتا شمالي البحيرة.
[6] وجدت أحجار "ماني" التي تعود إلى هذه الفترة في تانغلالي طاس الواقعة في سيميريتشية في عدة مواقع بالقرب من ألماتي، وفي الخانق زانكا على الشاطئ الجنوبي لبحيرة إيسيك كول.
[7] وجدت آثار دير جونغار الحجري البوذية في ألماليك وكازاخستان على امتداد نهر إيلي إلى بحيرة بلخاش، بجوار الحدود الكازاخية-الصينية، وفي قيزيل كينت القريبة من جيزكازغان على امتداد نهر ساري سو بغرب بحيرة بلخاش، وعلى امتداد نهر إيرتيش بجنوب بحيرة بلخاش، وبجوار الحدود الكازاخية-الروسية، ووُجد دير بوذي عظيم في سيمية (سيميبالاتينسك)، بينما وجدت آثار دير آخر في أبليكيت، بالقرب من أوسكيمين (أوست كيمينوغورسك). وبشرقي ألماتي على امتداد القسم الشمالي لجبال زايليسكي ألا تاو، التي تفصل كازاخستان عن بحيرة إيسيك كول، ووجدت أديرة بوذية على الحدود الصينية الحالية، ولا تزال هناك بعض الآثار في تلغار بالقرب من ألماتي، وفي سومبه الواقعة في منطقة نارينكول على الحدود.
[8] بني آخر الأديرة، وهو دير خشبي، في ميديو بالقرب من ألماتي، وذلك في بداية القرن التاسع عشر
avatar
توم 1979
عضو نشيط
عضو نشيط

عدد المساهمات : 55
تاريخ التسجيل : 03/01/2011
العمر : 38
الموقع : منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

انتشار البوذيَّة في آسيا

مُساهمة من طرف توم 1979 في السبت أكتوبر 05, 2013 3:49 pm

انتشار البوذيَّة في آسيا

لمحة تاريخية موجَزة

رغم أن البوذيَّة لم تنشئ أيَّة حركة تبشيريَّة أبدًا، إلا أنَّ تعاليم بوذا انتشرت في طول الأرض وعرضها، وفي شبه القارَّة الهنديَّة، ومن هناك عبرت لآسيا. وفي كلِّ حضارة وصلتها عُدِّلت الطرق والأساليب البوذيَّة لتلائم العقليَّة المحليَّة، دون التنازل عن النقاط الجوهريَّة الخاصَّة بالحِكمة والشفقة. لكن البوذيّة لم تصنع أبدًا هرمًا شاملاً للسلطة الدينيَّة برئاسة عُليا، بل طوَّرت كلُّ دولة وصلت إليها البوذيَّة نُظُمها وبنيتها الدينيَّة ورئاستها الروحيَّة الخاصة بها. وإحدى هذه السُّلطات المعروفة جدًّا، وهي التي تحظى باحترامٍ دوليٍّ حاليًّا، هي قداسة الدالاي لاما في التبيت.

هناك قسمان رئيسان للبوذيَّة :

•الهينايانا ، أو الواسطة المتواضعة، التي تؤكِّد على التحرُّر الشخصيِّ،

•في حين أنَّ الماهايانا أو الواسطة العظيمة تؤكِّد على العمل للوصول إلى أن يصير المرء بوذا مستنيرًا على نحوٍ كامل، من أجل أن يكون المرء قادرًا بشكلٍ أفضل على مساعدة الآخرين.

لكلِّ جزء أقسام فرعيَّة، لكن في الوقت الحاليِّ لم يتبقَّ سوى ثلاثة نماذج مهمَّة: أحدها الهينايانا، التي تُعرف بالثيرافادا، في جنوب شرق آسيا. واثنان من ماهايانا، وهما التقليدان: الصينيُّ والتبيتيُّ.

انتشر تقليد الثيرافادا من الهند إلى سريلانكا وبورما في القرن الثالث ق.م، ومن هناك إلى ينان جنوب غرب الصين وتايلاند ولاوس وكامبوديا وجنوب فيتنام وإندونيسيا. وقد عُثِر لاحقًا على أكياس للنقود تابعة للتجار الهنود البوذيين على ساحل شبه الجزيرة العربيَّة حتى الإسكندريَّة بمصر. وقد انتشرت نماذج أخرى من الهينايانا منذ ذلك الوقت في باكستان وكشمير وأفغانستان وإيران الشرقيَّة والساحليَّة وأوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان الحاليَّة. وكانت تلك الولايات القديمة غندهارا وباكتريا وبارثيا وسغديا في آسيا الصغرى هي القاعدة التي انطلقت منها تعاليم البوذية وانتشرت في القرن الثاني الميلادي، ووصلت إلى تركستان الشرقية (شينجيانغ) وتوغلت داخل الصين، وفي نهاية القرن السابع استمرَّ انتشارها حتى قرغيزستان وكازاخستان. وقد دُمِجت تلك النماذج من الهينايانا لاحقًا مع فروع الماهاياما التي قدِمَت من الهند؛ لتُصبح الماهايانا في النهاية النموذجَ السائد للبوذيَّة في معظم بلاد آسيا الوسطى.

وقد انتشر النموذج الصيني للماهيانا حتى وصل إلى كوريا واليابان وشمال فيتنام، وانتشرت كذلك موجة مبكِّرة من الماهايانا المختلطة بالنماذج الشافيتية من الهندوسية، ومن الهند إلى نيبال وإندونيسيا وماليزيا وبعض المناطق من جنوب شرق آسيا، وبدءًا من القرن الخامس تقريبًا انتشرت التقاليد الماهايانية التبتية، التي بدأت في القرن السابع، والتي ورثَت التطوُّر التاريخي الكامل للبوذيَّة الهنديَّة عبر مناطق الهيمالايا، وحتى منغوليا وتركستان الشرقية وقرغيزستان وكازاخستان، وشمال الصين الداخليَّة ومنشوريا وسيبيريا ومنطقة منغوليا الكالميكيَّة قرب بحر قزوين في روسيا الأوربية.
avatar
توم 1979
عضو نشيط
عضو نشيط

عدد المساهمات : 55
تاريخ التسجيل : 03/01/2011
العمر : 38
الموقع : منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

البوذية ديانة سماوية وبوذا نبي

مُساهمة من طرف توم 1979 في الأحد أكتوبر 06, 2013 4:11 pm

أعتقد أن البوذي الحقيقي قد يكون أكثر إيمانا بالله من الكثير من أتباع الديانات التي تسمى بالسماوية، فقد توصلت من خلال دراسة لي إلى أن البوذية ديانة سماوية وبوذا نبي.

إن اعتبار البوذية ديانة وثنية وضعية مختلقة، هو عين التجني غير العلمي وغير الموضوعي على الديانة البوذية وعلى مؤسسها الرجل الصالح العظيم بوذا، بل إن المتمعن في النصوص الأولى للبوذية يجد أنها نصوص دينية عظيمة تمتاز بالعمق والتأمل الكبيرين، ولقد جانب الصواب الكثير من الباحثين الغربيين والعرب على السواء، في ادعاءهم أن البوذية كانت دعوة فلسفية تأملية إلحادية، وأنها ليست دعوة دينية، فمن الأسباب التي دفعت الكثير من الباحثين إلى تبني هذا الرأي، أن بوذا لم يدعي النبوة على حد قولهم، وأيضا الغموض الكبير الذي يحيط ببعض التعاليم والنصوص المنسوبة لبوذا. وهنا تثور بعض التساؤلات حول هذه الآراء ومنها: هل عدم ادعاء بوذا للنبوة ينفي أنه ليس بنبي؟ وهل غموض بعض تعاليم بوذا أو استعصائها على الفهم يدعو إلى نفي الدين والنبوة عن بوذا ووصمه بالإلحاد؟؟ كلا، فقد توصلت من خلال قراءتي وتأملي للنصوص الأولى لبوذا أن بوذا نبي، والبوذية ديانة سماوية.

فإن كان أتباع البوذية قد قاموا بعد بوذا بتحريف ديانته وأدخلوا عليها الكثير من المعتقدات الوثنية، فهذا لا يمنع من أن ما بقى من النصوص والتعاليم الأولى المنسوبة لبوذا نفسه، يدل دلالة واضحة على نبوته وسماوية تعاليمه، حتى وإن كان معظم تلك النصوص والتعاليم قد اندثر وأدخل فيها التحريف والزيادة والنقصان، وتلك هي سنة البشر مع جميع الديانات بما فيها الإسلام، فقد تم تحريف الإسلام بإدخال مجموعة من المصادر والتشريعات والعقائد الدينية فيه وإضفاء الشرعية السماوية الإلهية على تلك المصادر والتشريعات والعقائد، حتى راجت بين المسلمين جميعا، وأصبحت جزء لا يتجزأ من الإسلام، ومن ثم أصبحت الديانة الإسلامية اليوم لا تقل وثنية عن البوذية المحرفة أو أية ديانة محرفة أخرى، وأصبح المسلمون لا يقلوا وثنية عن أتباع أية ديانة أخرى.

البوذية ديانة سماوية وبوذا نبي
نهرو طنطاوي في الجمعة 23 مارس 2007
avatar
توم 1979
عضو نشيط
عضو نشيط

عدد المساهمات : 55
تاريخ التسجيل : 03/01/2011
العمر : 38
الموقع : منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى