بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» التغذية تؤثر على الحالة النفسية للإنسان
الثلاثاء أكتوبر 31, 2017 10:03 am من طرف ليلى

» النباتية والنزعة الإنسانية
السبت أكتوبر 14, 2017 9:35 am من طرف نباتي جديد

» لحوم نظيفة قريبا في الأسواق - لا تتطلب ذبح الحيوانات؟!
الأربعاء سبتمبر 20, 2017 1:12 pm من طرف نباتي جديد

» اشجار الظل السبعة لحَلَبَ وَمُوْصِّلَ
الأحد يوليو 30, 2017 12:45 am من طرف wara_qa

» اشجار الظل السبعة لحَلَبَ وَمُوْصِّلَ
الأحد يوليو 30, 2017 12:38 am من طرف wara_qa

»  الأطعمة النباتية وتخفيض الوزن
الخميس يوليو 27, 2017 8:13 pm من طرف نباتية

» لا تَجعَلوا بُطونَكُم مَقابِرَ الحَيَوانِ
الخميس يونيو 08, 2017 9:08 pm من طرف سالم

» كل الخضار لا الأصدقاء Eat veggies not friends
الخميس يونيو 08, 2017 1:18 pm من طرف سالم

» ايفرغرين - مطعم نباتي في قطر
الثلاثاء مايو 30, 2017 1:06 pm من طرف سالم

» مطعم نباتي في الحمرا - شارع التنوخيين - بيروت
الثلاثاء مايو 30, 2017 10:17 am من طرف نباتية

» الفنان يوسف إسلام تراجع عن نباتيته
الإثنين مايو 29, 2017 10:03 am من طرف سوسن

» احذر اللحوم الحمراء فهي تقصر العمر
الجمعة مايو 26, 2017 2:48 pm من طرف نباتي جديد

» عسل طَرَخْشَقون نباتي vegan
الجمعة مايو 26, 2017 9:43 am من طرف ليلى

» الأغذية العضوية نمط صحي أم موضة رائجة؟
الثلاثاء مايو 23, 2017 10:43 pm من طرف ليلى

» النباتية اسلوب حياة: الاصناف الثلاثة للأغذية
الإثنين مايو 22, 2017 12:47 pm من طرف نباتي جديد

» من طعام الملوك والرؤساء
الإثنين مايو 22, 2017 10:42 am من طرف I ♥ vegan

» هل تناول اللحوم ضروري للصحة؟
الخميس مايو 11, 2017 6:13 pm من طرف هلال النباتي

» تناول الطعام النباتي يخفض التكاليف الاقتصادية
الخميس مايو 11, 2017 11:08 am من طرف هلال النباتي

»  الأطعمة النباتية تقلل من نسبة الإصابة بالأمراض
الأربعاء مايو 10, 2017 6:51 pm من طرف نباتية

» فوائد الإستغناء عن اللحوم واتباع نظام غذائي نباتي
الأربعاء مايو 10, 2017 11:07 am من طرف سالم

» نصائح للنباتيين الجدد في الجزائر
الأربعاء مايو 10, 2017 10:16 am من طرف سالم

» خالد بن الوليد بن طلال نباتي
الأحد مايو 07, 2017 9:14 pm من طرف نباتية

» النباتية والدعوة اليها: فتوى سماحة اية الله العظمى السيد علي خامنئي
الأربعاء مايو 03, 2017 2:54 pm من طرف I ♥ vegan

»  النباتي روبرتو مارتين مؤلف كتاب الطبخ النباتي للحوميين Roberto Martin
الثلاثاء مايو 02, 2017 4:27 pm من طرف I ♥ vegan

» النباتي اوميد جعفري Omid Jaffari
الخميس أبريل 20, 2017 9:19 pm من طرف I ♥ vegan

» أكل اللحوم - نظرة إلى حقوق الحيوان
الثلاثاء أبريل 11, 2017 5:58 pm من طرف نباتية

» ﺍﻟﻁﻼﺏ ﺍﻟﻌﺭﺏ في ﺍﻟﻬﻧﺩ والإﻗﺑﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﺍلطعام ﺍﻟﻧﺑﺎﺗﻲ
الجمعة أبريل 07, 2017 4:58 pm من طرف ليلى

» مطعم عربي نباتي جديد في فلسطين
الجمعة أبريل 07, 2017 2:01 pm من طرف سالم

» قراءة في كتاب "الخُضْرِيّة" -للأستاذ شربل بلوطين Sharbel Balloutine
الخميس أبريل 06, 2017 8:29 am من طرف ليلى

» vagan جديدة :)
السبت أبريل 01, 2017 4:00 pm من طرف emyyy

التبادل الاعلاني
besucherzähler

اشجار كتاب الفلاحة النبطية لأبي بكر ابن وحشية

صفحة 1 من اصل 3 1, 2, 3  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

اشجار كتاب الفلاحة النبطية لأبي بكر ابن وحشية

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 7:47 pm

اشجار كتاب الفلاحة النبطية لأبي بكر ابن وحشية


الفلاحة النبطية لأبي بكر ابن وحشية


الفلاحة النبطية لأبي بكر ابن وحشية


اسماء اشجار الفلاحة النبطية


اسماء اشجار الفلاحة النبطية


اسماء اشجار الفلاحة النبطية


اسماء اشجار الفلاحة النبطية


اسماء اشجار الفلاحة النبطية


اسماء اشجار الفلاحة النبطية


اسماء اشجار الفلاحة النبطية


اسماء اشجار الفلاحة النبطية


باب ذكر الزيتون Olea
باب ذكر الآس و هو سيد الرياحين Myrtus
باب ذكر شجرة الغار Laurus
باب ذكر شجرة الخروع Ricinus
باب ذكر شجرة الخطمي Hibiscus
باب ذكر شجرة البطم Terebinthus
باب ذكر شجرة الانبرباريس Berberis
باب ذكر شجرة الزعرور Azarolus
باب ذكر شجرة الازادرخت - أهليلج - Azedarach
باب ذكر شجرة الدلب Platanus

باب ذكر شجرة الخلاف Salix
باب ذكر شجرة العشر Calotropis
باب ذكر شجرة الدردار Ulmus
باب ذكر شجرة القرمز Q. coccifera, Kermes oak
باب ذكر شجرة العيشوم Combretum
باب ذكر شجرة الموز Musa
باب ذكر شجرة النارنج Citrus aurantium
باب ذكر شجرة الاترج Citrus medica
باب ذكر شجرة الحسبا - الحسبنا , ليموا , مختم - Citrus limon
باب ذكر شجرة الدفلى Nerium

باب ذكر شجرة الخروب الشامي Ceratonia
باب ذكر شجرة الغبيراء Sorbus
باب ذكر شجرة ابراهيم Vitex agnus-castus
باب ذكر شجرة العوسج Lycium
باب ذكر الكروم Vitis
باب ذكر الرمان Punica granatum
باب ذكر الجوز Juglans regia
باب ذكر الجوز الهندي Cocos nucifera
باب ذكر اللوز Prunus dulcis
باب ذكر البندق Corylus

باب ذكر الفستق Pistacia
باب ذكر البلوط Quercus
باب ذكر الشاهبلوط Castanea
باب ذكر الزيتون Olea
باب ذكر المشمش Armeniaca
باب ذكر الخوخ Prunus persica
باب ذكر الاجاص Prunus domestica subsp. domestica
باب ذكر الشاهلوج Prunus domestica ذو الطعم الحلو و اللون الابيض
باب ذكر العناب Ziziphus jujuba
باب ذكر النبق Rhamnus

باب ذكر الاجاص الجبلي Prunus spinosa
باب ذكر القطلب Arbutus
باب ذكر شجر القراسيا Cerasus
باب ذكر البوقاسيا
باب ذكر التين  Ficus carica
باب ذكر الجميز Ficus sycomorus
باب ذكر الكمثرى Pyrus
باب ذكر السفرجل Cydonia
باب ذكر التفاح Malus
باب ذكر التوت Morus

باب ذكر الصنوبر Pinus
باب ذكر اشتركوهي Prunus mahaleb
باب ذكر التنوب Picea
باب ذكر الحبلتا
باب ذكر شجرة الارزي Cedrus
باب ذكر شجرة الشربين - شجرة الحياة - عفس - صلابه Thuya orientalis
باب ذكر شجرة حوشيصا
باب ذكر شجرة بغاميصا
باب ذكر شجرة فيلازهرا - فيل زهرج  Lycium barbarum
باب ذكر شجرة عوشنار - عوشر - عشار Calotropis gigantea

باب ذكر شجرة ماركيوا - ناركيوا -
باب ذكر شجرة ميلقاصوا
باب ذكر شجرة اسيرياثا
باب ذكر شجرة كركرهارا
باب ذكر شجرة بريثا
باب ذكر القيقب Acer
باب ذكر شجرة الحور النبطي Populus
باب ذكر شجرة الشوحط Fagus
باب ذكر شجرة الزرنب Taxus
باب ذكر شجرة السنديان Quercus

باب ذكر شجرة الصلاناي
باب ذكر شجرة روخوشي
باب ذكر شجرة موطرسييت
باب ذكر شجرة القسط Costus speciosus
باب ذكر شجرة السليخة Cinnamomum aromaticum
باب ذكر شجرة الحمامي Cinnamomum racemosum
باب ذكر شجرة الفو Valeriana wallichii
باب ذكر شجرة الاذخر Andropogon schoenanthus
باب ذكر شجرة رباكشانا - دار شيشعان - Calycotome spinosa
باب ذكر شجرة المر Commiphora myrrha

باب ذكر شجرة الحضض Lycium afrum
باب ذكر شجرة الاقاقيا Acacia arabica
باب ذكر شجرة السماق Rhus coriaria
باب ذكر شجرة القاريثا
باب ذكر شجرة لاذن - قسطوس - Cistus Hypocistis
باب ذكر شجرة الحنا Lawsonia inermis
باب ذكر شجرة المروتا - امرود، مرو و مرود - Psidium guajava
باب ذكر شجرة الطرفا Tamarix gallica
باب ذكر شجرة المران Fraxinus excelsior
باب ذكر شجرة ماخزوجي

باب ذكر سطركا - اصطرك - Styrax officinalis
باب ذكر شجرة المقل الازرق Balsamodendron mukul
باب ذكر شجرة المراقاس - المُو - Meum athamanticum
باب ذكر شجرة الابهل - دبيدار, دبيدارويه, شجرة الغول - Juniperus sabina
باب ذكر شجرة الملوخيا  Corchorus olitorius
باب ذكر شجرة الشاباهي Paliurus spina-christi
باب ذكر شجرة الافرساخ - الكلخ - افرسق - سرخس - Dryopteris filix-mas
باب ذكر شجرة سكلاسي - سكلاس - الهوائية -
باب ذكر شجرة المقشيري - البقسيري -
باب ذكر شجرة الشمشار - البقس - Buxus sempervirens
باب ذكر النخل - Phoenix

...  ~~~  ...  ~~~ ...


عدل سابقا من قبل wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 10:10 pm عدل 1 مرات
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مقدمة كتاب الفلاحة النبطية لأبي بكر ابن وحشية

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 9:06 pm

مقدمة كتاب الفلاحة النبطية لأبي بكر ابن وحشية

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليما

هذا كتاب الفلاحة النبطية، نقله من لسان الكسدانيين إلى العربية
أبو بكر أحمد بن علي بن قيس الكسداني القسيتي، المعروف بابن وحشية،
في سنه إحدى وتسعين و مائتين من تاريخ العرب من الهجرة، و أملاه على
أبي طالب أحمد بن الحسين بن علي بن احمد بن محمد بن الملك الزيات،
في سنه ثماني عشره و ثلاثمائة من تاريخ العرب من الهجرة.
فقال له اعلم بابني أنني وجدت هذا الكتاب، في جملة ما وجدت من كتب الكسدانيين،
مترجما بترجمة معناها بالعربية
كتاب أفلاح الأرض و إصلاح الزرع و الشجر و الثمار
و دفع الآفات عنها فاستكبرته و استطلته و خطر ببالي اختصاره.
ثم فكرت فإذا ذلك خطأ غير صواب، من اجل أن قصدي الأول
و غرضي إنما هو إيصال علوم هؤلاء القوم،
اعني النبط الكسدانيين منهم، إلى الناس و بثها فيهم ليعلموا مقدار عقولهم
و نعم الله تبارك و تعالى عندهم في إدراك العلوم النافعة الغامضة،
و استنباط ما عجز عنه غيرهم من الأمم.

و ذلك إنني وصلت إلى كتبهم في زمان قد درس فيه ذكرهم و نسخت فيه إخبارهم و عدم إعلامهم،
حتى لم يبق إلا ذكرهم فقط و ذكر بعض علومهم،
ذكرا كالخرافات بلا معرفه ممن يذكرها بها.
فلما رأيت ذلك اجتهدت في طلب كتبهم فوجدتها عند قوم هم بقايا الكسدانيين
و على دينهم و سنتهم و لغتهم، و وجدت ما وجدت عندهم من الكتب،
و هم في نهاية الكتمان و الإخفاء و الجحود لها و الجزع من إظهارها.
وكان الله تعالى عز وجل قد ترزقني قبل ذلك من المعرفة بلغتهم، التي هي
السريانية القديمة، ما لم أره مع كثير احد.
و ذلك إنني منهم، اعني من نسل بعضهم،
و مكنني الله تعالى من المال و الدنانير، فله الحمد، فوصلت إلى ما أحببت من كتبهم
بهذه الوجوه التي عددتها، من إنني منهم و إني عارف بلغتهم
و إنني متمكن من المال. فاستعملت المداراة و البذل و لطيف الحيلة،
إلى أن وصلت إلى ما أمكن من كتبهم.

و نظر الذي هو في يده انه محتاج إلي في فهم ما فيها، إذ كانت الكافة من هؤلاء القوم،
الذين هم بقاياهم، كالبقر والحمير و العاجزين عن فهم شيء من علوم أسلافهم.
إلا أن الإنسان الذي وجدت هذه الكتب مجموعه عنده، يتميز عن هذه الجملة
و ينفصل عن حماريه هذه الكافة.
فلمته على الإفراط في كتمان هذه الكتب و خبي هذه العلوم، و قلت له انك تزيد من الاحتياط
بفعل شيء هو درس ذكر قومك و طمر محاسنهم.
و هذا الذي تعلمه اقتديت فيه بمن مضى قبلك. و أنت و الماضون مخطئون في ذلك
على من تقدم من علمائكم الذين هم علمائي وأسلافي معكم.
و هذا الفعل كان الطريق إلى اندراس ذكر أسلافنا و غيبوبة علومهم
عن الناس و اختفاء محاسنهم عنهم.
و لو نقلت هذه الكتب أو بعضها إلى العربية، حتى ينظر الناس فيها،
عرفوا مقدار علومنا و انتفعوا بما وضع أسلافنا
و صار في ذلك ضرب من الفخر لنا و التنبيه على فضلنا.
فاستبشع الرجل، الذي خاطبته بهذا، ما كلمته به، جدا و قال لي يا با بكر،
أتريد أن تخالف رسم شيوخنا و أسلافنا و وصاياهم إيانا بكتمان ديننا
و سنتنا قلت له انك هوذا تخطي على شيوخنا أسلافك لا،
فهم وصوا بكتمان الدين و استعمال الشريعة، لما علموا من مضادته لما ظهر في الناس،
و احتاطوا لدينهم بذلك. و لعمري أن كتمانه صواب.
فإما العلوم النافعة للناس الدارسة عنهم، التي لو علموها و عرفوا من هم و اضعوها،
لكبروا في نفوسهم و عظموا عندهم. فان هذه العلوم غير جاريه مجرى الدين و الشريعة،
و لا داخله في الوصية بالكتمان.

قال و أي فائدة في إظهار غريب علوم دارسه، و أن كانت نافعة للناس، فبثها فيهم فينتفعون بها،
و ديننا عندهم بالصورة التي تعلم،
بل نعم ما رأى أسلافنا من كتمان الدين و العلوم عنهم جميعا، إذ كانوا لا يستحقونها جميعا.
قلت له فاني أخالف أسلافنا و أسلافك في كتمان العلوم
و أوافقهم في كتمان الشريعة، أن كانوا أمروا بكتمان العلوم،
و أن كانوا لم يأمروا بذلك فاني موافق لهم غير مخالف.
يا هذا، إلا ترى و تعلم، في زمانك هذا، ما عليه كافه الناس من فرط الجهل،
و ما أدخلت هذه الأديان و الشرائع، الظاهرة فيهم، عليهم من العياء و الغفلة،
حتى صاروا كالبهايم أو شر منها أو دونها في بعض الأحوال؟
فو الله أن الغيرة على الناس تحملني على إظهار بعض علومنا لهم،
لعلهم أن ينتهوا عن ثلب النبط، و ينتبهوا من رقدتهم، و يعيشوا قليلا من موتهم،
إذ كان كل الناس مهيئين مشكلين لفهم كل شيء،
و كان فيهم الواحد بعد الأخر في نهاية الذكاء وجودة القريحة.
فمثل هؤلاء من ظلمهم كتمانهم العلم و أزواه عنهم، إذ كانوا مع تلك الإفهام التي فيهم
و القرايح التي لهم مغفلين، قد صاروا كذلك لعدم سماع علوم و وجوه طرقها و استنباطها.
فاطعني يا أيها الرجل و دعني انقل إلى العربية بعض
ما أرى نقله من هذه الكتب، فلست بأحرص مني على طاعة أسلافنا و لا أشد مواظبة على كتمان ما ينبغي أن يكتم.
و أيضا فان لك في سماع هذه العلوم
التي لم تفهمها من شده حرصك على أطاعه أسلافك، فيما تزعم عنهم إنهم أمروا بكتمانها.
و لو قد نظرت في بعضها لكان لك في ذلك أعظم الفوايد
و أجزل المنافع تنتفع بها. فأفكر فيما أقوله لك، فانك تجده كما أقول و يراه عقلك صوابا.

فأطاعني و أمكنني من الكتب، فجعلت اقرأها عليه فيستعيد ما اقرأه عليه و يتفهمه،
إلى أن قال لي في بعض الأيام أحييتني و الله، يا با بكر، فجزاك الله عني خيرا.
قلت له فما يصنع الإنسان بكتب مخبوة مرفوعة عنده، لا يقرأها و لا يتفهمها،
فهي كائنة عنده بمنزلة الحجارة و المدر. فصدقني فيما قلته له
و اتبع قبول رأيي فيما رأيت. و ابتدأت أنقل كتابا بعد كتاب من كتب النبط
و اقرأه عليه بالعربية، فيزداد فهما إلى فهمه و يعجبه ذلك.
فلم أزل به حتى شكرني أتم شكر و عرف صواب رأيي و صحته في ذلك.
لكن لم يستو لي ذلك معه إلا ببذل الدراهم و الدنانير له،
حتى انقاد لاجتماع الرغبة بالمال مع إلزام الحجة له و استحسان بما يسمع
و موقع الفائدة له من نفسه.

فكان أول كتاب نقلته إلى العربية كتاب دواناي البابلي في أسرار الفلك
و الأحكام على الحوادث من حركات النجوم.
و هو كتاب عظيم المحل و القدر نفيس، و لم يستو لي نقله كله، بل نقلت من صدرا،
لأنني وجدته في نحو إلفي ورقة، من الورق المسمى الرق،
في مقادير أتم ما يكون من الكاغد ألطلحي الموجود في زماننا هذا،
بأحسن خط و أصحه و أقومه و أبينه.
فعجزت و الله، يا بني، عن استتمام نقله لطوله فقط لا لغير ذلك،
و نقلت معه كتابهم في الأدوار، و هو الأدوار الكبير.
و نقلت هذا الكتاب مع غيره بعد عدة كتب، أعني بهذا الكتاب
كتاب الفلاحة، و نقلته كله على تمامه و كماله،
لاستحساني له وعظم ما رأيت من فائدته و جميل موقعه في أفلاح الأرض
و علاج الشجر و زكا الثمار و تجويدها و زكا الزروع
و الكلام على خواص الأشياء و خواص البلدان و الأزمنة
و مواقع أفعال فصول الأزمنة و اختلاف طباع الأهوية
و عجيب أفعالها و تراكيب الشجر و غروسها و أفلاحها و دفع الآفات عنها
و استخراج منافع المنابت و الحشايش و المداواة بها
و دفع العاهات عن أبدان الحيوانات و دفع آفات الشجر
و المنابت بعضها ببعض و طرايف ما ركبوا من الأشياء
حتى حدث عنها أشياء هي غيرها، إما قريبة منها أو بعيدة.

فلما رأيت ذلك فيه أكملت نقله، و ها نذا الآن قد أمليته على ابني،
أبي طالب بن الحسين بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الملك الزيات،
و وصيته بأن لا يمنعه أحدا يلتمسه، طالبا للانتفاع به، فأنه نافع لجميع الناس، عظيم المنفعة لهم في معايشتهم،
مع وصيتي له بكتمان أشياء أخر غيره.

و وجدت كتاب الفلاحة هذا منسوبا إلى ثلاثة من حكماء الكسدانيين القدماء، ذكروا أن أحدهم ابتدأه،
و أن الثاني أضاف إلى ذلك المبتدأ شيئا أخر، و أن الثالث تممه.
و كان مكتوبا بالسريانية القديمة، في نحو ألف و خمس مائة ورقة.

فأما الأول الذي ابتدأه فذكروا أنه رجل ظهر في الألف السابع من سبعة آلاف من سني زحل،
وهي الألف التي يشارك فيها زحل القمر، كان أسمه ضغريث،
و أن الذي أضاف إليه شيئا آخر رجل ظهر في آخر هذه ألاف، كان أسمه ينتو شار،
و أن الثالث الذي تممه رجل ظهر بعد مضي أربعة آلاف سنة من دور الشمس، في هذه الدورة،
أعني في الدورة التي كان لزحل فيها، تلك الألف التي ظهر فيها الرجلان.
فنظرت إلى مابين الزمانيين فإذا هو إحدى وعشرون إلف سنة.
و ذلك إن اسم هذا الثالث كان قوثامى. و قال انه ظهر بعد مضي أربعة آلاف من دور الشمس،
التي هي سبعة آلاف سنة، فكان بينهما ما ذكرت لك من المدة.

و كانت زيادة كل واحد من الاثنين على ما ألفه الأول الذي كان اسمه ضغريث،
زيادة في كل باب من الأبواب التي رسمها ضغريث في كتبهم،
لم يغيروا شيئا من قوله ورسمه الذي رسمه و تكلم به على المعاني التي ذكها، و ترتيبه الذي رتبه.
و إنما زادوا على كل شيء دونه بحسب استخراجهم و استنباطهم بعده.

فصار صدر الكتاب و ابتداؤه لضغريث، فابتدأ الكتاب بأن قال التمجيد منا
و التعظيم و الصلاة و العبادة،
و نحن قيام على أرجلنا منتصبين، لألهنا الحي القديم، الذي لم يزل و لا يزال،
المتوحد بالربوبية لجميع الأشياء كلها،
الآلة الكبير، لا أله ألا الله وحده لا شريك له، الكبير الدائم في سمائه، النافذ في قدرته،
المنفرد بالجبروت و الكبرياء و العظمة، المحيط بالكل،
و القادر على الكل، الذي له ما يرى و لا يرى، و له ما في الأرض و الأعلى،
الذي أمد الأرض من حياته فأحياها،
فبقيت ببقايه، و أمد الماء بقدرته و قوته فأبقاه فدام بدوامه، و ثبت الأرض فثبتت إلى الأبد أبدا،
و أجرى الماء كجريانه فجرى حيا كحياته،
باردا لعظم سلطانه على البرد، و ثقلت الأرض مع بقائها لثقل حركته،
و لو شاء لجعل كل شيء على غير ما هو عليه، لكنه حكيم فاعل بقوته الحكيمة،
عليم نافذ العلم في الكل تباركت، يا رب السماء و غيرها، و تقدست أسماؤك الكريمة الحسنى،
نعبدك و نصلي لقدمك و كرمك، و نسألك بأسمائك و قدمك
و بكرمك أن تثبت عقولنا، مادمنا أحياء، على سبيلها، و ترفق بأجسادنا بعد مفارقة الحياة لها في البلى،
و تطرد الدود عن لحومنا، لأنك رب رحيم قديم لا ترحم لقسوتك،
و أنت عسوف لا تندم، و طويل الباع غير بطيء النفوذ في الأفعال.
و أنت الرب الذي من أعطيته فلا مانع يقدر على منعه و لا معطي يقدر على إعطائه.
و أنت الرب المنفرد بالربوبية، المتوحد في سلطانك بالسلطانية،
رب الكواكب و النجوم الدائرة السائرة في دوائر هي تفزع من صوت حركتك و تفرق من خشيتك.

نسألك أن تؤمنا غضبك و تدفع عنا سطوتك و ترحمنا من عظيم شرتك.
اللهم إنا ندفع عنا سطواتك بأسمائك الحسنى التي من توسل بها إلى رحمتك رحمته.
فارحمنا ارحمنا بقدرتك وباسمك العالي الرفيع العظيم، يا عالي رفيع عظيم، الكريم عليك.
و حياتي نسألك أن ترحمنا أمين.

احذروا شر هذا الإله، إذا كان غايظا أو مغربا من الشمس أو مستترا بشعائها أو في وسط رجوعه.
فصلوا له هذه الصلاة التي قدمنا بها له هاهنا، و دخنوا لصنمه،
و أنتم تصلون له هذه الصلاة، بالجلود العتق و الشحم و القدود و الخشاف الموتى،
و أحرقوا له أربعة عشر خشافه موتى و مثلها من الفار.
خذوا رمادها فاسجدوا عليه بين صنمه، و اسجدوا له على صخرة سوداء لها رمل اسود،
و تعوذوا به من شره،
فانه، يا خوتي و أحبابي، سبب تلف كل تالف و بلى كل بال و بوار كل مبار و حزن كل حزين
و بكا كل باك و هارب شر الفسق و القذر و الوسخ و المسكنة.
هذا فعله في أبناء البشر، إذا كان ساخطا. و أما إذا كان راض فأنه يعطيهم ألبقا
و طول الأعمار و رفعة الذكر بعد موتهم
و القبول من الناظرين إليهم و حلاوة المنطق و سخطه على ما و صفته لك آنفا،
و رضاه أن يكون مشرقا من الشمس و في وسط استقامته
و في مواضع موافقة فعله و في سرعة سيره و في صعوده في دايرة صعوده
قال أبو بكر بن وحشية يعني في فلك أوجه.

فإذا صليتم له و هو ساخط، فأعيدوا له الصلاة و القربان و هو راض،
و ذكروه تلك الصلاة و كرروا عليه ذكر ذلك، فلعلكم أن تنجحون من شره آمين.
و اعلموا أنه معطي الفلاحة للأرض و النما و الضد من النما للنبات.

و هو أوحى إلى القمر بما أودعته كتابي هذا و أوحاه القمر إلى صنمه
و علمنيه صنم القمر، كما علمتكم.
فاحتفظوا بذلك فانه معاشكم الذي إليه تسكنون، و زكا زروعكم و ثماركم الذي هو مادة حياتكم،
و رجاكم في مدة أعماركم من الرخا و السعة و السلامة والعافية الكلية.
و اعلموا أنني قد صليت لهذا الإله زحل صلاة
و سالت صنمه فيها أن ينفع بكتابي هذا كل من يقرأه.
فأوحى إلي الصنم إن دعاك قد استجيب و قربانك قد قبل.

و إنما فعلت ذلك رحمة لأبناء جنسي من مضض ضيق المعاش و كثرة الشقاية.
فتعوذوا بالشمس من ذلك تعوذا طويلا كثيرا مكررا، فلعله أن ينفعكم، و هو نافع لكم،
و تعوذوا بهذا الإله من شره تعوذا طويلا، فأنه ينفعكم ذلك من ضيق المعاش و الحزن عليه...
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر الزيتون

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 10:46 pm

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر الزيتون

واعلموا أن كل حيوان أسود اللون فهو لزحل، و كل حجر كذلك فهو له، و كل نبات أسود رزين فهو له. و اعلموا أن الشجرة الزيتون قد اجتمع فيها السواد في ثمرتها و الرزانة في خشبها و البقاء لشخصها و الدوام في الأرض لها. فمن خواص منافع زحل في الفلاحة أن رجلا اسودا إذا أخذ بيمينه ملوها من الزيتون الأسود، و أخذ بيساره فأسا نصابه حديد، و حفر بذلك الفأس في أصل شجرة الزيتون التي قد نقص حملها أو حالت عنه أو تغير ببعض التغيرات المذمومة، و كان فعله لذلك في يوم السبت، و دفن الكف من الزيتون الأسود النضيج في أصل شجرة الزيتون، و غوصه في التراب مقدار ما يظن أن هذه الثمرة من الزيتون قد وقعت على العروق من الشجرة، و دفنه بالتراب جيدا و صب عليه من أول الليل، ليلة الأحد، مقدارا من الماء فيه كفاية، ثم صب عليه كذلك ليلتين متواليتين، ثم تركه أحد و عشرين يوما، يتبين في تلك الشجرة أشياء تخالف بها ساير أشباهها من شجر الزيتون. منها أن ورقها يكثر ويحسن ويشتبك عليها، و أن ثمرتها تزكو وتنمي و تكثر حتى تصير أضعاف ما كانت، وتجود و تجتمع مع ذلك و تحسن، و إذا بلغ ثمرها لم يسود كما يسود غيره، بل يكون مسفر اللون في البياض الذي يشوبه غبرة، فأفهموا، و أيضا فأن أغصانها تكثر و تقوى و تشتد كثيرا، و عروقها تغلظ و تسمن و تمعن في الغوص في الأرض، فيكون ذلك سببا لطول بقائها وكثرة مكثها. و أن عدمت الماء لم يضرها كما يضر بغيرها. و يكون لها صنوف من عجائب تركيبها، أعني تركيب أشياء من الشجر عليها، يظهر منها عجائب كثيرة.
فمن ذلك أنه أن أخذ آخذ من شجرة الأترج غصنا غليظا، وليكن أخذه ذلك والقمر زايد في ضوئه، فحذفه من شجرته بكلاب مسقى ماض على تأريب، ثم أخذه وهو على هيئه رأس القلم الذي يكتب به الكاتب، ثم أمر رجلا أصغر سنا منه أن يأتي شجرة الزيتون فيقطع من أغصانها غصنا يكون على مقدار امتلاء الغصن الذي حذفه من الأترج، وليكن ذلك في أول النهار إلى انتصافه، فحذفه على استواء، لا على تأريب، كما كان فعل بالأترج، ثم حفر في وسط موضع قطع منه حفرا يكون بمقدار ما يغوص فيه الغصن من الأترج، ثم رش على الموضع بفيه قليلا من الماء، ثم أخذ الغصن من الأترج فركبه في الموضع الذي حفره من غصن الزيتونة و مكنه جيدا، ثم نفخ على الموضع من الماء الذي في فيه كالرش فقط من جميع جوانب الغصن المركب، ثم جعل فوق رأس الغصن المركب من أترج خرقة مروى متوسطة في الكبر و الصغر، و مكنها من أعلاه جيدا لئلا ترمي بها الريح عند هبوبها، و سقى شجرة الزيتون من الماء كالعادة أو أزيد قليلا. و ليكن فعل الفاعل ذلك في شهر شباط، أو في النصف الأول من آذار، فهو أجود. فأن الغصن من شجرة الأترج يورق و يحتوي أغصانا و يحمل بعد سنتين، أما في الثالثة أو في الثانية، من تاريخ وقت التركيب، أترجأ لطيفا على شكل الزيتون سواء، لأن وسط الزيتونة مغمور وطرفاها بارزان، ألا أنه يكون أصغر جسما من الأترج كثيرا، و يكون لونه بين الحمرة و الصفرة، إذا بلغ، فأما قبل ذلك فيكون أخضر حسن الخضرة طيب الريح جدا، عبق الرايحة بالثوب و اليد. و يستخرج منه دهن أترج حاد الرايحة جدا، طيب مع الحدة، يبطئ الشيب، إذا دهن به الشعر دايما متواليا، أبطاء كثيرا، و يقوي الشعر مع ذلك و يزيل عنه الآفات العارضة من تشقق أطرافه من الحزازة و الانتثار و الضعف و التعزل. و يزيل باشتمامه ضرر الزكام، لأنه يجففه كثيرا و يحدر الرطوبة من المنخرين بسرعة، فيكون ذلك سببا لسرعة البرء من الزكام. و يكون خروج دهن هذا الأترج أكثر كثيرا من خروجه من غيره من جميع أنواع الأترج، حتى أن المخرج لدهنه يعجب من كثرة خروجه. و يكون لون هذا الدهن، إذا بقي، كلون الزيت سواء، و ريحه ريح الأترج، و يكون شعر الذي يدهن به كأنه مخضوب بسواد، و كأن شبابه لم يفارقه، و لو عاش من يدهن شعره بهذا الدهن برهة من الدهر، لازداد سواده و بقي عليه شبابه و لم يبيض شعره و لم ينصل هذا السواد عن الشعر كما ينصل الخصاب.
و من منافع دهن هذا الأترج أنه يسكن وجع الأسنان و ضربان الأضراس، إذا تمضمض بشيء منه و دلكت اللثة بالأصبع دلكا كثيرا دايما، فأنه سكن وجع الأسنان و يقوي اللثة جدا. و أن ابتلع منه إنسان طرد الريح من معدته و ما قاربها و جشأه جشأ كثيرا متواتر و أصلح معدته، أن كان ضعفها من برودة و بلغم أو ريح غليظة. فأما أن كان من صفراء فلا، لأنه لا ينتفع به، لأن فعله الأسخان والتحليل.
ومن منافع هذا الدهن أنه يزيل الصفرة عن الوجه و عن ساير البدن، إذا دهن به الوجه و تمرغ به في الحمام و صبر الفاعل لذلك عليه بعد التمريغ ساعة، ثم نثر عليه الأشنان و تدلك، و فعل ذلك سبع مرات في سبعة أيام، فأن الصفرة تزول و تذهب عنه بأذن الله، و تظهر في اللون حمرة حسنة.
و من منافع هذا الدهن طرده الريح من المفاصل و الأحشاء بالتمريغ به في الحمام، و تقويته للأعصاب الضعيفة، و أزالته للرعشة في العنق و اليدين و غير هذه المواضع، إذا تمرغ به في الحمام و صبر المتمرغ به عليه ساعة، ثم صب عليه ماء حارا. و ليدلك غيره بدنه بيديه دلكا كثيرا بالدهن حتى تكاد جلدته أن تحمر من إدمان ألدالك. فأنه هكذا ينبغي له أن يستعمل.
و من منافع هذا الدهن أنه يبري القروح التي في الرأس المزمنة الوحشة، رطبة كانت أو يابسة، بأن يؤخذ من الزيت الجيد الصافي جزء، و من هذا الدهن جزءان، و من الشمع الصافي الأبيض جزء واحد، فيخلط الجميع و يذر عليها، و هي على نار لينة، وردا مطحونا جيدا، جزءا واحدا، و يخلط خلطا جيدا، ثم يؤخذ هذا بعد أن يبرد جيدا، فتدلك القروح بالخرق الخشنة دلكا رفيقا حتى تحمر، ثم يطلى عليها هذا الدهن و الشمع و الورد طلاء ثخينا، و يقوم صاحبه، أعني الفاعل هذا، أما في الشمس و أما في حمام حار، فأن كان قيامة في الشمس، فليطل القيام فيها، و أن كان في الحمام، فليقم فيه ساعة واحدة و أكثر قليلا، ثم يخرج منه و يغسل ذلك، بعد تركه يوما كاملا كما هو، بماء حار، فأنه أن فعل ذلك هكذا ثلثا أو ربعا برى بعون الله و قوته. و هو بالجملة يزيل كل داء حدث من البلغم و البرد و الريح الغليظة في جميع أجساد الناس، إذا مرغت به ودلك عليها دلكا جيدا، فاعرفوا ذلك، ثم غسل بعد أن صب عليه أما ماء فاترا أو ماء حارا، و السلام.
فأما منافع الأترج نفسه فأنه يصلح المعدة من فسادها إذا أكل، إذا كان فسادها من البرد و الرطوبة و الريح الغليظة، و يقوي هضمها و ينفذ الطعام منها، هذا إذا أكل قشره و لحمه. و يطيب النكهة و يشد اللثة و يقوي القلب و يزيل الخفقان و التوحش. و كذلك يفعل ورقه، إذا أكل غضا و جرع عليه شيء من سكنجبين ممزوج بما ورد. و هو أيضا يقطع اللعاب السايل من الفم في النوم لشدة رطوبة اللهوات و برد المعدة، إذا أكل قشره فقط. و يحدر البلغم عن المعدة أحداراً بليغا، و يسكن أوجاعها الحادة من البرد، و يقوي الأعصاب و المفاصل.
وأما منافع حماضه فأنه بليغ، إذا أكل أو شرب عصيره، في منفعة الصفراء و المختلطة بالبلغم أيضا، و أزالتها عن المعدة و الأمعاء، و أحدارها إلى الأسفل، و إخراجها بسرعة، و تطييب النفس، و تسكين ألغشي، و الإذهاب بالسداد و الدوار، و شفا من يعتاده ألغشي من الأسباب الفاعلة ألغشي، كما قدمنا، لأنه يقوي القلب تقوية بليغة.
و ينبغي للعاقل أن يقيس على ما وصفته من هذه المنافع، و يجرب ما أدركه بالقياس، فيعمل عليه بعد التجربة. فأنه أن كان قياسه صحيحا و وجد ذلك بعد التجربة صحيحا، فليصفه فأنه يزيد به على هذا الذي وصفنا و كتبنا هاهنا.
فأما منافع حب هذا الأترج فأنه شفاء من السموم كلها حارها و باردها، بأن يدق و يرمى بقشره و يسقى لبه اللديغ مع الشراب أو ماء العسل أو مع شراب التفاح، فأنه يشفي من لدغ ذوات السموم كلها و من أكل الطعام الذي قد خالطه البيش أو قد خلط به الفربيون و الأبيون أو الفجل المعفن و السمك المدبر للقتل و سائر الدبيب القاتل بلحمه، و الذي يطرح منه في السويق و يخلط بالفتيت من لحم الأفعى الخبيث اللحم، السريع القتل، القاتل بشدة العطش. و يشفي بالجملة من كل سم قاتل، فأنه يزيل ضرره. و ينبغي، متى أراد مريد أفراد لب حب الأترج، أن يدق شيئا من قشور الأرز و يلقيه على مقلي و يلقي الحب المنزوع من الأترج معه، و يجعل المقلي على نار لينة، فأن قشور الأرز تحرق قشور حب الأترج، و يبقى لبه صحيحا، فيقشره بيديه بالفرك، بفرك بعضه بعضا، فأن قشوره تنتثر منه و يبقى لبه صحيحا، و في شم لبه النار شيء عجيب و معنى ظريف هو زايد في قوته، فيزداد فعله. و لو لم يكن في هذا الأترج المركب على الزيتون ألا هذه المنفعة الواحدة لكان فيها كفاية، و هي أن لب حبة يشفي من سم لحم الدابة الخبيثة التي تختنق بالزيت. فكيف و هو يشفي مع ذلك من سم الأفاعي و من البيش، فأن في هذا كفاية. و مع ذلك فقد استدركنا من منافعه في هذه الأشياء التي ذكرناها من السموم القواتل و غير ذلك ما فيه للناس منافع عظيمه و شفاء كثير من أزالته حمى الربع العسرة البرء، المتطاولة الزمان. و ذلك بأن يؤخذ منه وزن خمسة دراهم، أعني من لب حب الأترج الملقى عنه قشره، كما وصفنا، فيدق جيدا و يخلط به وزن درهم و نصف من جوز بوأ و وزن درهم و نصف من الكندر الذكر و مثل ذلك بوزنه جميعا من السكر النقي و الجيد، و يخلط كله مسحوقا كالذرور، فيصير الجميع ستة عشر درهما مع السكر، فيستعمل منه المحموم في كل يوم وزن ثلثه دراهم، ثم يجرع بعده جرعة بعد ذلك جرعة كبيرة من ماء قراح عذب صاف، يفعل ذلك ثلثه أيام و يغبه يومين ثم يعود أليه، فأنه يستأصل هذه الحمى جيدا جيداً في زمان قصير قريب، على حسب كثرة الخلط و قلته. فاعرفوا ذلك و اعلموا به و قيسوا عليه، فأنه يخرج لكم زيادة كثيرة. فأثبتوها و دونوها تنتفعوا منها، يا بنا جنسنا الذين هم تحت بلايا هذا العالم المملوء آفات و عاهات.
فتعوذوا بإله ألآلهة من شر حوادث الدهر و سوء مخبيات الزمان المغيبة عن عقولنا و التي لا نعرفها قبل حدوثها، تعوذا دايماً أبدا مكررا عدد النجوم و الشجر و الرمل و الحصى، و استعينوا في الاستنباط و الاستخراج بهذا ألآله الكبير و بابنه عطارد، فأنهما أن نظرا إلى المستنبط نظرة واحدة أدركا ما ينتفع به و ينتفع غيره بمشيئة هذين الإلهين.
واعلموا أني بدأت بذكر شجرة الزيتون، قبل دخولي في الكتاب، لعله بقائها، فأنها أبقى النبات كله، فيما يلينا. فلذلك أضافها قدمانا إلى زحل، و قوم منهم أضافوها مع زحل إلى الشعري اليمانية، و هو كوكب المضيء الذي هو على عنق صورة الكلب. فقالوا أنها لهذين الإلهين، فهما يمجدانها و يحوطانها. و لعمري أنهم أصابوا و أحسنوا. فبدأت بذكرها، لأن هذا الكتاب أنما حركني على نظمه إلهنا زحل، لأن الفلاحة له كلها و عمارة الأرضيين و أصلاح النبات له أيضا، فبدأت بها لذلك.
فاعرفوا مقدار هذه الشجرة و موقعها، فأن قدماءنا كانوا يأخذون من ثمرها شيئا و من ورقها في أغصانه شيئا منه عند نزول الشمس برأس الحمل و برأس السرطان و برأس الميزان و برأس الجدي، فيدعونه في منازلهم و يعلقونه عليهم و على نسائهم و أولادهم. فكانت منازلهم لا تخلو من ورقة و ثمرة و أغصانه، تبركا منهم به و تفاءلا للبقاء و السلامة من الآفات. فلقد كانوا لعمري طوال أعمارهم صحيحة أجسامهم. و ها نحن في زماننا قد استعملنا ذلك، و نحن نستعمله دايماً فنجد من بركة هذه الشجرة ما نسر به، و نقتدي بمن مضى قبلنا فنجده صوابا من الفعل و صحيحا في العمل.
ولهذه، شجرة الأترج المركبة على شجرة الزيتون، منافع كثيرة يطول شرحها و تعديدها. و لما كان قصدي منافع أبناء جنسي، صار واجبا علي أن أذكر جميع ما قدرت عليه و جربته من منافع الزيتون. فقد ذكرت ما مضى، و فيه منافع كثيرة، و أنا أذكر أيضا مضافا إلى ذلك ما استدركناه من منافع هذه الشجرة في استعمالها مفردة، و منافعها في أفلاحها ضروب الأفلاح، أما بتركيب ما يركب عليها، و أما تركيبها هي على غيرها، و أما بما يدفن في أصل شجرتها، و أما بما يحرق تحتها، و أما بما يعمل بها من غير ذلك من الأعمال التي هي من طريق الفلاحة، فيعمل بعقبة ما يحدث لها. و فيها من الخاصية عجايب الأعمال و طرايف الأفعال و فنون المنافع.
واعلموا أنه ليس على وجه الأرض شيء نافع ألا و هو ضار من وجه أخر. و الذي لا يشك فيه أحد من الناس، بليدهم و ذكيهم، أن كل شيء ينفع بمقدار ما، فهو يضر بأكثر من ذلك المقدار. فهذا من طريق الكمية لا يقدر أحد على دفعه، حتى أن الطعام المحمود و الماء القراح الصافي الذين هما مادتي الحياة، إذا تناول منهما المتناول أكثر من مقدار الكفاية، صارا كالسم في الفعل و ضرا أضرارا كثيرا، ربما لم يتلاف و ربما تلوفي. هكذا ينبغي إن يعلم قاري كتابي هذا أن كل ما ذكرته و أذكره في هذا الكتاب من منافع شيء، فأن ذلك الشيء مضر بالكمية الزائدة ضررا كثيرا.
و ليعلم أيضا أني لا أذكر منفعة كل ما أذكر إصلاحه و أفلاحة، لأن قصدي في هذا الكتاب هو تعليم الفلاحة لا المنافع الطبية و شفا الأسقام. و أنما ذكرت منافع الأترج المركب على الزيتون، لأن ذلك من أصلاح الناس و علاجهم و توليدهم. فلما كان من فلاحتهم ذكرت منفعة، و ألا ففي شجرة الزيتون من المنافع و المضار ما يطول شرحه و تعديده، ليس هذا الكتاب موضع ذكره، بل موضع ذلك في الكتاب المذكور فيه مادة علاج أبدان الناس على طريق الطب من إدخال العقاقير عليهم، أما لحفظ الصحة و أما لدفع عوارض الأسقام لهم.
فهكذا ينبغي أن تعلم يا قاري كتابي هذا أني أنما أذكر الفلاحة فقط و أذكر منافع بعض ما يركب و يفلح، لا كله على التمام و الكمال. و المانع لي من التكميل ما ذكرته آنفا، أنني أنما أترك تقصي المنافع والمضار لما ذكرته و قدمت القول فيه. و أنا أدخل في ذكر الفلاحة بعد فراغي من تدبير فلاحة الزيتون. و قد عرفتكم أني بدأت به من بين المنابت كلها على كثرتها، لأنه لزحل و لأنه أبقى النبات و أطوله مدة و أكثره للناس منافع و أغرزه بركة و أحسنه منظرا لا يسلخ ورقه الدهر كله و لا يفسد ثمره و خشبه. و متى أوقدت خشبه بالنار كان له إضاءة و موقعا عجيبا. و متى صب من دهنه في مصباح كان أفضل المصابيح ضوءا و أشرقها إشراقاً و أحسنها حسناً. و أن في ثجير ثمرته بعد عصر الزيت منها من المنافع أشياء كثيرة يطول تعديدها، فكيف بكثرة منافع الزيت الذي هو دهن هذه الشجرة المباركة، فأنه شيء يطول ذكره و تعديده.
فأول علاج فلاح هذه الشجرة أنه متى أراد مريد غرسها و تكثرها فأن الذي يوافقها من البلدان هي القريبة من الاعتدال، المائلة عن الاعتدال إلى البرد، التي تكون تربتها مع ذلك تربه علكة شديدة غروية قليله التخلخل. فأن كانت يشتد بردها مع ذلك أفلحت فيها هذه الشجرة، و أن هذه صفة أرضها أو ما أشبهها، و مالت عن الاعتدال إلى الحر يسير قليل أفلحت فيها أيضا هذه الشجرة. و كل بلدة تسامتها الشمس فأن هذه الشجرة لا تفلح فيها البتة. فأن نبتت فيها كانت ضعيفة جدا، على حسب وقوع تلك المسامتة. و كل بلد يسامتها زحل في دوره فهذه الشجرة تنجب فيها و تفلح. و كذلك أيضا ما سامته من الكواكب الثابتة التي هي مشبهة زحل، فأن شجرة الزيتون تنجب فيها و تنمى و تفلح. و ينبغي على هذا أن تكون موافقة الهواء، الذي يكثر في هذه البلدان التي وصفناها لها، موافقة جيدة. و ليس بصفة هذا الهواء الخفاء فاحتاج أن أزيد في وصفه. فأن هواء البحر البارد يوافقها أيضا. و ليس البارد الشديد البرد، بل البارد الذي يشوبه سخونة ما. فأن الهواء و الريح المارين على البحر، ثم على المياه العذبة بعده يكتسبان من هذا بعد هذا كيفية جيدة صالحه يصلحان بها الشجر و النبات أصلاحا جيدا. و ذلك أن الهواء البحري مرطب جدا ترطيبا كثيرا شديدا و مع ذلك رديء فهو لذلك لا يبرد الماء، لأنه لا يجففه البتة و لا ينشفه لفرط رطوبته. فإذا مر هذا الهواء الفاسد كثر الرطوبة على المياه العذبة و على الأرضيين الخالية و البراري و القفار أنقلب بالطبع انقلابا ظريفا هو في نهاية المضادة لما كان عليه من الترطيب، و صار مجففا مصلحا ملقحا للشجر و النبات، و هو محيي لذلك.
واعلموا أن الهواء سريع القبول لكل ما يرد عليه من كيفية حارة و باردة، سريع التغير في طرفة عين من حالة إلى غيرها. فالهواء المبرد للماء هو الهواء اليابس، باردا كان أو حارا،ألا أن البارد اليابس منه أشد تبريدا من الحار اليابس و أنشف للماء، و ذلك لسرعة قبول الماء له و شدة دخوله هو في جسم الماء.
واعلموا أن أفعال الطبايع في هذا العالم، أعني عالم الكون و الفساد، أنما تتممن فعل فاعل في قابل، فكأنه يتم من فعل في قابل لذلك الفعل، و على حسب مصادفة الفاعل للحال التي عليها القابل يكون تأثير الفعل. فلهذا عسر على قدمائنا معرفه علم الطبايع علم التحصيل، و مع ذلك كأنهم قد أدركوا منه ما لم يدركه أحد من الأمم البتة. و معرفة فعل الطبايع في الجوهر هو أصل عظيم لكل علم و محتاج أليه أبناء البشر أعظم حاجه. فأن الهواء الذي يهب من المشرق، و هو وجهة طلوع الشمس، هو هواء بارد يابس. و الريح الهابه من جهة القطب الذي يدور حوله الدب الكبيرة، و هو بنات نعش، باردة خالصة البرد يابسة خالصة اليبس. قال أبو بكر هذه هي الريح الشمال، و الشرقية التي ذكرها قبل هذا هي ريح الصبا، و قد قال أنها باردة يابسة، و هي عند العلماء حارة يابسة، و ريح الشمال باردة يابسة، كما قال، و لعل هذا أن يكون غلطا من الناسخ، فأن مثل هذا لا يذهب على مثل هذا الرجل.
قال صغريث فأما الريح التي تهب من جهة غروب الشمس فأنها ريح باردة رطبة، الرطوبة فيها أكثر من البرد، فهي لذلك مبردة تبريدا قليلا و مرطبة ترطيبا كثيرا. و أما الريح التي تهب من جهة القطب الذي يدور حوله كوكب سهيل فأنها ريح حارة حرارة كثيرة، رطبة رطوبة عظيمة. فالحرارة فيها أضعاف الرطوبة، فلذلك هي محرقة بشدة حرارتها. قال أبو بكر بن وحشية هذه هي ريح الجنوب.
قال صغريث و قد تهب رياح أربع من بين هذه الرياح الأربع و من بين جهاتها، هي منكبه بين الريحين الهابين من الجهتين التي تلك الرياح هابه من بينهما، و فعلها مركب من الفعلين و طبعها كذلك. و قد تهب أيضا أربع رياح هي من بين كل ريحين من الثمانية، و هي أيضا منكبه من الريحين التي تهب من بينهما. فاعلموا أن هذه اثنا عشر ريحا، يضاف أليها أربعه أخر أيضا منكبه من بين جهتين، فيكون ذلك ستة عشر ريحا، لكل ريح منها مزاج موافق لبعض الحيوان و مخالف لبعضه، و موافق بعض النبات و مخالف لبعضه، و موافق لشيء من المعدنية و مخالف لبعضه، و مكسب بكثرة هبوبه للبلدان اختلافات كثيرة مثيرة لشيء أو دائرة لشيء. و كل ريح فأن الريح التي تقابلها هي تضادها، أعني تقابل الجهات. فإذا تقابلت الجهات تضادت الرياح، فلذلك اختلفت المنابت في النبات و النشو و الفلاح أو في الفساد و الثوى و الدثور و الأبلال. فأن شجرة البلسان لا تنبت و تفلح ألا في موضع بعينه من أرض مصر، لا ينبت في غيرها، و كذلك شجرة الصبار تنبت في مواضع بعينها لا تفلح في غيرها، و كذلك شجرة الموز، و كذلك شجرة الزيتون، و كذلك النخلة، و كثير من الرياحين و المنابت. فلذلك صار بعض النبات يفلح في بلدة و لا يفلح في أخرى، و يفلح في بلدة أخرى و هي بعيدة من البلدة التي أفلحت تلك فيها، و بينهما من البلدان بلدان لا يفلح فيها، و ذلك بحسب هبوب الرياح و اختلاف الأهوية و اختلاف الترب و المياه. و أصل ذلك مسامتة الكواكب المتحيرة أولا، ثم الثابتة ثانيا، فأنه ربما اتفقت بلدتان، أحداهما شرقية و الأخرى غربية، في السمت و الهواء فأفلح في هذه ما أفلح في هذه، و ربما كان الأمر بخلاف ذلك، فكان الخلاف كذلك.
واعلموا أن هذا الفلاح لبعض النبات و هلاك بعضه في بعض البلدان ليس بالوفاق للهواء يكون ذلك فقط، بل قد يفلح بعض النبات في بعض الأهوية بالوفاق، و ربما أفلح بالخلاف. و أن الفعل في النبات ليس للهواء وحده، و أن كان أقوى الفاعلين، بل باتفاق طبع البلد في تربته و مائه و المسامتات و بعد الشمس و القمر في مدارهما و قوتهما و قرب المسامتة و بعدها أو تجفيفها. فباجتماع بعض هذه مع بعض تتفق المخالفة و الموافقة، فيكون الخلاف و الوفاق بحسب ذلك، فيقع الفلاح أو عدم الصلاح. فأن شجرة الورد لا تفلح في بعض البلدان و تفلح في بعض، فنظرنا في ذلك فوجدنا تحصيله عسيرا على التحقيق، فأما التقريب فهو موجود رخيص. لكنا طالبنا أنفسنا بمعرفة ذلك على التحقيق و التحصيل الموجود البين، فوجدناه بعيدا جدا. و ذلك أنها شجرة اشترك فيها كوكبان متضادان و احتاجت من الهواء إلى هوائين متضادين، و اتفق لها مع ذلك من اللطافة ورقة الطبع ما فاقت به النبات كله، و اتفق لها مع ذلك غلظ ما و كدر لا يكاد يجتمع مع ضده. فلما نظرنا في التطرق إلى معرفة طبعها و مزاجها على التحصيل للمزاج و طبع هوايها و كيفية تربيتها و معرفة تربتها، عسر علينا تحصيل ذلك جدا.
واعلموا أن الهواء، و أن كان فعله في النبات بالوفاق و الخلاف، فهو فعلان ينبغي أن يضافا أليه، لأنه فاعلهما على التحقيق. و أنما قلنا هذا لئلا يظن ظان أن فعله المنسوب أليه هو الفعل الذي له بالوفاق، بل ينبغي أن تعلموا أن الفعل بالخلاف أيضا هو فعله و منسوب أليه بالتحقيق. فأما الفعل بالوفاق فهو الذي سماه قدماؤنا الفعل الطبيعي، و أما الفعل بالخلاف فهو الذي سماه قدماءنا الفعل بالعرض، فقالوا فعل طبيعي و فعل عرضي. فإذا كان على هذا فأن الفعل ليس للهواء وحده، بل قد يشاركه أشياء لم يكن له بالفعل خاصة، بل يشاركه غيره في الفعل و في التأثير، فتتركب الأشياء تركيبا لا يحصى و لا يحاط به علما، بل يقال عليه أنه غير متناه، أعني تراكيب الأشياء كلها على العموم بعضها على بعض.
ثم رجعت إلى قولي في أفلاح شجرة الزيتون و ما يوافقها فتنتمي فيه من البلدان. أما السبب الأول في ذلك فهي البلدان التي يسامتها زحل أما مسامتته و هو في بعض البروج، و أما المسامتة التي تكون له و لغيره من الكواكب في دورها الدايرة العظمى التي عن حركتها يحدث الليل و النهار. و أن هاتين المسامتتين لجميع الكواكب تعرض، أعني لجميع الكواكب المتحيرة خاصة. فأما الثابتة فأن مسامتتها أنما تكون في هذه الدورة العظمى فقط، و أما المسامته الأخرى التي هي عارضة للكواكب المتحيرة فأنها تكون لها في مدة من السنين كثيرة، على مذهب من يقول أن الكواكب الثابتة تنتقل في الصور من صورة إلى أخرى، فأنه أن صح ذلك فأن المسامتتين العارضتين للكواكب المتحيرة هي عارضة للثابتة أيضا. فأما قولي على مذهب من يقول أن الكواكب الثابتة تنتقل في الصور، فلعمري هو موضع للشك شديد، و قد ذهب أليه قوم من قدماؤنا و دفعة آخرون. و لكل فرقة منهما حجج كثيرة على دعواه، و ليس هذا موضع تقصي هذا المعنى، بل نرجع إلى ذكر الشجرة الزيتونة، فنقول أن تكونها في الأصل و نشوها و تمامها بعد، أنما يكون في البلدان التي يسامتها زحل و ما وافقه من الكواكب الثابتة، ثم من بعد ذلك فأن هذه البلدان في الأكثر يتفق أن يكون البرد عليها أغلب من الحر واليبس أكثر فيها من الرطوبة، فيكون ماؤها و تربتها موافقين لهاتين الطبيعتين، و يكون الهواء الناشئ منها كذلك أيضا أو شبيه به. و بعد ذلك فأنه ينبغي أن يكون غرسها بأن يؤخذ أما أصول فيها عروق أو أغصان محذوفة على استواء، و ليكن ذلك من الزمان و الشمس في النصف الأخير من الحوت إلى كونها في النصف الأول من برج الثور فقط، و ليكن اليوم الذي يغرس فيه و القمر أما في أحد بيتي زحل، و أما ناظر أليه من بعض المناظرات. أن كان ذلك فهو الأجود. و الأيام التي يكون فيها القمر زايدا في الضوء هي أوفق الأيام لذلك. و ليكم المتولي غرسها أسمر اللون أو أسود، و لا يكون سنه ألا فوق الثلثين سنه إلى الشيخوخة. فليحفر لها الحفاير التي جرت عادة الجرامقه بحفرها لهذه الشجرة خاصة، و يقطع الأرض تقطيعهم لها، و يصب فيها من الماء بمقدار قصد، ثم يغرسها كما يغرس ساير أمثالها، و يدوس التراب برجله في أصلها دوستين ثلثه، ثم يعمل في سقيها و إمدادها بالماء ما ينبغي أن يعمل في أمثالها.
فأما هوميا الجرمقاني فأنه زعم أنها تحمل في أربعة سنة شمسية، و أما طامثرى الكنعاني فأنه قال أن هذه الشجرة، إذا غرست كما وصفنا، فسبيل الذي يغرسها أن يصب في أصلها، إي في أصل كل غصن محذوف أو شجرة يغرسها منها أو على فروعها أيضا حتى يسيل إلى أصلها، مقدار أوقتين من الزيت الجيد، مخلط بمثله ماء عذب، قال فأن هذا يحييها و يثبتها و يدفع الآفات عنها. ثم قال و ينبغي أن يعلق على كل أصل غرسه هكذا شيء من الحديد مشدود في خيط صوف، و لا يبالي بمقدار الحديد ما كان من القلة و الكثرة. قال فأن هذا معين على نشوها و على دفع الآفات عنها. فإذا ابتدأت تحمل، و ذلك على رأي أهل إقليم بابل، يكون بعد سبع سنين، فينبغي أن يلقط حملها منها فيجمع من كل أصل حمله ثم يحفر له حفرة و يدفن في أصلها. قالوا فأن ذلك ينميها و يعجل نشوها. فأما أن صب عليها بعد دخولها في الحمل شيء من الزيت مخلطا بالماء، يأخذه الإنسان بفيه ثم يرشه عليها من فيه رشا كما تدور الشجرة، قالوا فأن ذلك ينميها و يعجل نشوها و يحسن فروعها و يجود حملها فيما بعد.
قال طامثرى الكنعاني أنه إذا أشعلت، تحت الأصل الذي قد ذبل و كاد يموت، سراجا كبيرا أو نفاطة عظيمة، ليلة السبت و ليلة الأحد و الاثنين و الثلاثاء، و يرش عليها بالفم، في كل يوم من هذه الأيام، الزيت مخلطا بالماء، فأنها تعيش و ترجع إلى الحياة و الطرا و السلامة من العاهات، و تنمي نموا حسنا. قال، ذلك أن ضوء النار يوافقها موافقة عجيبة و يحييها حياة حسنة سريعة، لأن هذا أسها و طبيعتها. قال صغريث و قد استدركنا في فلاحتها و من طبيعتها أنه أن حفر إنسان في أصل الشجرة الكبيرة منها كهيئة الخندق مدورا كما تدور الشجرة، ثم أحرق فيه بالنار اثنا عشر غصنا يقطعها من شجرة الورد، و لتكن الأغصان مملوءة من الورد، و ليكم إحراقه إياها بشيء من خشب التين، فإذا احترقت هذه الأغصان كلها، فليبادر إلى اثني عشر طاقه من النرجس، فليلقها على النار و يروحها بالمروحة حتى تحترق أيضا، ثم يمهل حتى تنطفي النار، ثم يدوسها برجله حتى تتداخل مع التراب الذي هو في أصل شجرة الزيتون، ثم يضرب الشجرة أربع ضربات بخشبة غليظة، بمقدار ما لا يكسر من أغصانها شيء، بل كأنه يهزها بذلك الضرب هزا، فأن هذه الشجرة، بعد أن يفعل بها هذا، تحمل زيتونا ابيضا في بياض الثلج، و يبقى على ذلك البياض إلى بلوغه. فأن عصر إي وقت عصر، أما قبل بلوغه أو بعده، خرج منه الزيت أبيضا، كأنه غسل بالماء، و لا يكون في هذا الزيت سواد و لا احتراق كساير أدهان الزيت. و استدركنا أيضا أنه أن يحرق في أرضها، على الصفة المتقدمة، ثلث حزم من الخشخاش الأبيض، يكون في كل حزمة أربعة عشر خشخاشه مع قضبانها و ورقها، ثم يعمل به كما وصفنا من الدوس بالرجل، فأن هذه الشجرة تحمل زيتونا في كبر الخيار، اللطيف منه، و يكون طيب الطعم جدا، كثير الدهن، يكاد يقطر من كثرة دهنه، و يجد الأكل له لذة عجيبة و طيب طعم لذيذ.
فأما من أراد أن يغير حمل هذه الشجرة في الطعم، حتى يصير طعمه مثل طعم الجوز سواء، يضرب مع ذلك إلى شيء من الحلاوة و يعدم القبض الكائن في الزيتون البتة، بل يلطف حتى يصير أكبر من البندق قليلا و يسود سوادا شديدا، فليأخذ من ورق الموز مقدارا ما، و من ورق شجرة الجوز، فيلف في كل ورقه من ورق الموز موزة و في كل ورقة من ورق الجوز جوزه، يلف ذلك لفا جيدا، ثم يحفر أصل شجرة الزيتون حفرة مدورة كما تدور الشجرة، ثم يطم ذلك في تلك الحفيرة، يطمها بالتراب، و يدوس التراب عليها جيدا، ثم يصب عليها من الماء بقدر ما يكون بمثله تسقى الشجرة، ثم يدعه يوما و ليلة، ثم يصب عليه أيضا مثل ذلك و يدعه يومين و ليلتين، ثم يصب عليه أيضا مثل ذلك و يدعه أربعة أيام بلياليها، ثم يأخذ بعد ذلك مجمراً كبيراً فيه نار، فيدخن تحت الشجرة بقشور الجوز ست ساعات تمضي من الليل أو النهار، تدخينا دايما، ثم يدع القشور تدخن و ينصرف تمام اليوم أو الليل، فأن هذه الشجرة تحمل زيتونا لطيفا جدا اسودا كثير الدهن جدا، طعمه أطيب من طعم الجوز، يحدث له طعم عجيب. و كذلك يكون طعم زيته من الطيب، بحسب طعم الزيتون وأطيب.
فاعرفوا ذلك و اعلموا أن داء الزيتون المهلك له هو أولا عطش شجرة عطشا شديدا مفرطا، فأنه يهلكه و يهلك كل الشجر و النبات. ألا أن شجر الزيتون يختص من العطش أنه، إذا بلغ منه، حدث فيه داء يسمى اليرقان، و داء يسمى قنطاا. و أن شرب بعد شدة العطش ماءا كثيرا، فأن هذين الداءين يعرضان له من شدة العطش و لا يكاد يسلك منهما أو من أحدهما. فأما اليرقان فأنه يصفر ما لطف من ورقه، فكان في أعلى أغصانه بمنزلة اللب له ولغيره، و ربما اصفرت أطراف الأغصان اصفرارا هو دون اصفرار الورق. فزوال هذا الداء عنه يكون بأحد شيئين، أما بمطر عظيم يدوم عليه فيقلع هذا الداء عنه، لأن هذا الداء يضعفه و يمرر طعم حمله و يضر به و يقميه و يقلل دهن ثمرته. فأن كان شجر الزيتون في بلد قليل الأمطار فأنه يحتاج إلى العلاج. و صفه علاجه أن يؤخذ له ماء من نهر جار عذب خفيف طيب، فيصب على الشجرة بحسب الإمكان أو يرش عليها رشا كثيرا متتابعا، حتى تغرق كلها كما يغرقها المطر، يفعل بها ذلك اثنين و أربعين يوما، يوما بين يومين، فهو أجود، و معنى ذلك أن يغرق بهذا الماء يوما و يغب ذلك عنها يوما، حتى تحصل أيام التغريق لها اثنين و أربعين يوما، و أيام الأغباب مثلها، فيكون جملة ذلك أربعة و ثمانين يوما. و أن خلط بالماء شيء يسير من الزيت كان ابلغ و أجود. فأن أكتفت بذلك زال الاصفرار عنها، و ألا فليعاد ذلك العمل عليها يوما و يوم اغباب، حتى يزول الاصفرار و الضعف عنها. و ضرر هذا عليها أنه ينقص من حملها و يصغره و يلطفه و يقلل دهنه، و يذوي ورقها و يذبله ويذبل أغصانها و ينقص من خضرتها و نضارتها.
و أما الداء الأخر، الذي يقال له قنطاا، فهو داء شديد يكون أصله من العطش أيضا، و ربما كان من ملوحة الأرض و ملوحة الماء الذي تشربه هذه الشجرة.
وعلامته أن ورق هذه الشجرة يعرض له انفتال و انقلاب، كأنه هوذا يجف و يتساقط مع ذلك أكثره و يذبل ما بقي منه في الشجرة و يتمرط، و ربما حالت عن الحمل البتة. فأن حملت كان حملها متحشفا ضاوياً و ضامراً من جانبيه، عديم الدهن بعد البلوغ و الاسوداد، قليل الماء أيضا. و كلما ازدادت الشجرة ريا ازداد بها هذا الداء.
فعلاجه و زواله عنها يكون بأن يغلى لها ماء حار أو يجعل الماء ي الشمس حتى يسخن، و هو أجود، ثم يرش أو يصب عليها حتى يغرق كما يغرق من المطر. و يحفر حولها على بعد ذراع و نصف من أصلها، كهيئة الخندق، على تدوير الشجرة، و يصب فيه ماء صافيا عذبا قد طبخ في النار حتى ذهب منه سدسه و نحوه، و يصب على الماء يسير من زيت. و ليطبخ مع الماء شيء من الكرنب المقطع صغارا، أو من بزره، فيدق و يلقى على الماء، ثم يغلى معه حتى يذهب منه ما قلنا، و يرش عليها و يصب في أصلها حتى يقوم بمقدار ذراع في السمك. فإذا شربته و نضب عنها فليعاد مرة أخرى و يصب عليها. يفعل بها ذلك مرارا على سبيل علاج اليرقان في الدومان و الأغباب، حتى يزول عنها هذا العارض. و ليغرس حولها أصول الخس المحمول من أرض طينها حر أحمر، مقدار عشرين أصلا من الخس، أقل أو أكثر، و يسقى من الماء العذب بمقدار كفايته، فأن ذلك معين على انسلاخ قنطاا عنها. و ليترك الخس ثابتا في أصلها ما بقي الخس وقام، فإذا عطب فليقلع بأصله و عروقه و ليدفن في أصلها. فأن تعذر أنقلاع هذا الداء عنها و لم ينجح هذا العلاج فيها، فليؤخذ ثلاثون خشخاشه، رؤوسها مع بزرها، فليدق ناعما و يخلط بالماء و يطبخ معه جيدا، و يصب في أصلها و يصب منه على فروعها حتى ينقط الماء منها و تتغرق به جيدا. و ليغرس أيضا في أصلها أو يزرع شيء من الخشخاش، و قبل غرسه في أصلها فليحرق منه مقدار صالح بالنار في أصلها، ثم يغرس منه أو يزرع في موضع إحراق ذلك. و ليطبخ مع الماء أيضا الكرنب و يغرس الكرنب في أصلها ثم يترك هو و الخشخاش ما بقيا و قاما، ثم يقلعان و يدفنان في أصلها. فأن هذا الداء ينقلع عنها و يزول.
و متى حالت هذه الشجرة و تفرعت من حملها، فينبغي أن تسبخ، لا على سبيل ما يعلمه أهل الشام من تسبيخها، بل على طريق أخر يحدث منه خاصية فعل. و هو أن يأخذ الفلاح كلاب حديد كبيرا، فيأتيها عند مغيب الشمس فيسبخ من أغصانها شيئا صالحا، ثم يضرب الشجرة بالكلاب عرضا، مرات متتابعة، و يقول أني سأقلعك عن مكانك و أجعلك حطبا أن لم تحملين، و يكرر هذا الكلام مرارا، فأن هذه الشجرة تحمل بعد أن تطرأ و تحسن، و لا تتخلف عن الحمل. و قد جربنا هذا فوجدناه صحيحا.
و أن تغير حملها إلى نقصان من المقدار الذي قد جرت لها العادة بحمله، فأن ذلك داء يعرض لها، هو غير الأدواء التي قدمنا ذكرها. و أنما يعرض هذا من ريح من بين الجنوب و المشرق، فتمرض هذه الريح هذه الشجرة إذا دام هبوبها. و هذا الداء هو بين أن تحول و بين أن تحمل حملها على الكمال. فإذا عرض لها هذا النقصان فدواؤه أن يرش عليها ماء قد زاد فيه من ورق شجرة الزيتون مدقوقا قبل أن يطبخ، مثل نصف الماء، و يجعل معه كفين بورق و يغلي غليانا شديدا حتى تخرج قوه الورق فيه و يتحلل البورق كله، ثم ينزل و يفتر أو يبرد و يرش على الشجرة منه حتى يعرق ورقها و أغصانها و ينتثر ذلك الورق المطبوخ عليها، فأنه لن يحتاج أن يعمل هذا بها ألا مرتين وأكثره ثلثه، حتى يزول عنها الداء و ترجع إلى وفور الحمل، كما كانت.
و متى اتفق أن يبول دب على أصل شجرة الزيتون أو على بعض أغصانها، فأن ذلك يمرضها و يذهب بحملها، و كذلك أن بال الذيب على أصلها و بعض أغصانها، فأنه يمرضها أيضا و ينقص حملها و تتغير أغصانها من الغضاضة و الطرا و تذبل و لا تكاد تشرب الماء إذا جرى إلى أصلها. فدواء هذا الداء أن يؤخذ الدب أو الذيب الذي بال عليها، أن عرف بعينه، و ألا فليؤخذ دب غيره أو ذيب غير ذلك الذيب، فيحرق في أصلها حتى يرتفع قتاره إليها، بعد أن يخنق أولا حتى يموت. فأن تعذر ذلك فليؤخذ من قضبان الكرم و ورقه شيء صالح بالسوية و يرش عليها شيء من الخمر الجيد و يحرقان تحت شجرة الزيتون و يدفن الرماد في أصلها. فأن هذا الداء يزول عنها. و أن عرف موضع البول بعينه فغسل عنها بماء المطر، لم تحتج الشجرة إلى غيره، لكن ربما يكون قد بال في موضع و سال البول إلى غير ذلك الموضع فتلوث منها مواضع عدة، فأن ذلك لا يضبط و لا يعلم أين هو على الأحاطه، فينبغي أن يعمل بها ما وصفناه، فأنه شيء قد جربناه فوجدناه صحيحا.
وإن غرست شجرة الزيتون فأبطأ نباتها أو تأخر حملها عن وقته أو خرجت على غير حال الصحة، من مثل أن تكون أغصانها كأنها منتوفة و ورقها لطاف متقلب و ثمرها لطيف شديد القبض بطيء النضج، أو هي متغيرة عن حال الشجر الطبيعية، بأي ضرب كان، فينبغي أن تعالج بأن يؤخذ شيء من عظام السمك المصطاد من انهار تلك المدينة التي هذا الشجر بقربها أو فيها، ثم يوزن من العظام و روس السمك أربعون أستارا، و يحفر في أصل الشجرة كهيئة الخندق و يدفن ذلك في الخندق ويهال عليه التراب و يصب عليه الماء، و ربما أوقد فوق التراب الذي قد طمر به عظام السمك شيء من النار يسير، كما تدور الشجرة، ثم يسقى بعد يومين من الماء أيضا مثل ذلك، و ربما أحتاج إلى ثانية و ثالثة و رابعة. و ليكن الوقود للنار بعد السقية الأولى من الماء، فأن هذا يزيل عنها ذلك الداء و يصححها.
واعلموا أن هذه الشجرة لا يوافقها أن تمسها امرأة حايض و لا نجسه بإحدى النجاسات و لا رجل نجس أيضا. و هذه النجاسات هي أن تكون المرأة أو الرجل قد مسوا ميتا من أي الحيوانات كان، و أشدها نجاسة الإنسان الميت، أو تقدموا إليه حتى ماسوه، فلأنه متى مس هذه الشجرة امرأة أو رجل نجسان من أي ضرب من ضروب النجاسة كان مما ذكرت و ما لم أذكر، لأن النجاسات كثيرة، فأن هذه الشجرة عند ذلك تحول عن الحمل. فأن حملت فيصير خناق ربما قتل آكله.
وربما نبت في أصل شجرة الزيتون فطر قاتل، و علامته أن يكون أسود أو أغبر شديد الغبرة. فأن كان ذلك و رأيتم هذه العلامة التي أخبرتكم بها، فاعلموا أن امرأة حايضاً قد مستها، أو نجسة، أو رجلا نجسا. فينبغي أن تعالجوها بالعلاج الذي يزيل ذلك عنها، فأنا نسمي هذا بهذا الاسم نقول أن شجرة الزيتون قد غضبت، و نسمي علاجها أن أرضوها حتى ترضى. فرضاها يكون بأن يؤخذ من الزيت الصافي لكل أصل واحد أوقيتين، و من الخمر الجيد أوقيتين، و من بزر السذاب أوقية، و من الشمع الصافي الجيد أوقية، فيدق بزر السذاب مع الشمع حتى يختلطا، و يجعلا على نار فحم لينة في أناء، و يصب عليها من الخمر قليلا ثم الزيت مثل ذلك أيضا، و يساط بخشبة من خشب الزيتون حتى يختلط الجميع جيدا، ثم يؤخذ أناء من نحاس فيصب فيه ماء قد أستقي من بير نظيفة ويطبخ حتى يغلى عليه، ثم يلقى ذلك المختلط أولا عليها و يغلى غليتين ثلثه أخر، ثم يترك حتى يبرد أو يفتر، ثم يرش على هذه الشجرة و أغصانها حتى تعرق من كثرة الرش و يقطر الماء منها إلى الأرض شيء منه كثير. يفعل بها ذلك غدوة و عشية، ثم يترك و يعاود عليها هذا بعد يومين، غدوة أيضا و عشية.
ومن أحب أن يعلم، في ابتداء و استقبال زمان حملها، هل تحمل في تلك السنة حملا كثيرا أو قليلا، فأن ذلك يعلم في وقت تكون الشمس في الخمسة عشر درجة الأخيرة من برج الحوت و إلى عشر درجات من برج الحمل، فلينظر إليها في مدة هذه الخمسة و عشرين يوما إلى روس أغصانها، و هو الذي فيه الورق الصغار، و سبيله أن ينظر إلى أطراف الأغصان و رؤوسها، فأن رأى الورقتين اللطاف اللتين هما أصغر الورق و هما آخر الغصن في رأسه و في لبه منقلبتين، كأنهما مفروكتين أو كأنهما مايلتين إلى خلاف وجهة خروجهما، و كذلك ما تحتها من الورق الأخضر الصغار، فأنه ربما تبين أيضا في عدة ورق، ألا أنه كله بقرب طرف الغصن، فأن الشجر تحمل في تلك السنة حملا كثيرا وافرا. و أن رأى الورق كما هو منتصب على الحال التي يكون عليها الورق، لم يتغير عن ذلك البتة، فان حملها يكون في تلك السنة خفيفا نزرا. و أن رأى في إطراف الأغصان، في الورق الذي في أطرافه، شبيها بالذبول و الاسترخاء في كل غصن على العموم، فأن الشجرة تحول في تلك السنة عن الحمل. فاعرفوه و قد جربنا من علاجات هذه الشجرة و رأينا من عوارضها العارضة لها في الفصول المختلفة من الأدواء أشياء كثيرة. و هي أكثر مما كتبنا، لكن فيما ذكرنا كفاية و صلاح.
واعلموا أن فلاح هذه الشجرة و غيرها من الشجر الذي هو مثلها و غير ذلك من النبات إلى أن يبلغ إلى أصغر النبات و أدونه، ليس يكون أفلاحة و غرسه و دفع ما يندفع عنه من العاهات في كل البلدان متساويا بل يختلف جميع ذلك فيه بحسب البلدان. فلذلك لا نوغل و نتقصى أفلاح شيء شيء من أمر هذه الشجرة، لما نعلم أن ذلك ينجح فيها في موضع و في موضع أخر لا ينجح و لا يؤثر أثرا. و الذي أذكره في هذا الكتاب من الفلاحة للشجر والنبات كله هو ما كان موافقا لإقليم بابل خاصة و لما أشبه مزاجه مزاج إقليم بابل من الأقاليم و البلدان. فأما ما مال عن مزاج هذا الإقليم إلى برد أو حر أو رطوبة أو يبس فليس في قوة أحد من الناس أن يعرف بمقدار كم مال و بمقدار كم زاد من أجزاء الحر و البرد و الرطوبة و اليبوسة و درجاته عن هواء و مزاج إقليم بابل. فلذلك قلنا أن هذا الأفلاح أنما هو لما ينبت في هذا الإقليم. فأما غيره فربما أنجب إذا وافق هذا الإقليم، و ربما لم ينجب إذا كان مخالفا له. فينبغي أن يعمل على هذا من يريده. و قد كان يمكننا أن نعلم الفلاحة في إقليم إقليم بحسب مزاجه و مسامتة الكواكب له. لكن كان يعظم هذا الكتاب و يطول حتى يخرج عن حد الاعتدال المحمود الذي هو متوسط بين غاية الطول و غاية القصر. فالحال المحمودة في الكتاب و في غيره هو أن يكون كذلك، أعني متوسطا في الحالتين الذين ذكرنهما.
فلنذكر الآن بعد ذلك ما استدركنا من خواص ثمرة هذه الشجرة و غير ثمرتها من أجزايها.

avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر الزيتون

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 10:47 pm

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر الزيتون

باب ذكر خواص الزيتون

فمن ذلك عروق هذه الشجرة، إذا علق منه شيء على الذي يشتكي ضرسه سكن عنه الوجع في تسع ساعات من الزمان و نحوها. و أن طبخ بالماء مع ورق هذه الشجرة و تمضمض به الذي يشتكي رأسه من برد، و الماء حار، سكن الوجع. و كذلك يشفي بالمضمضة من يشتكي أسنانه، و يشد اللثة و يقويها. و أن صبه المزكوم على رأسه، أعني الماء المطبوخ فيه العروق و الورق، حلل رطوبة كثيرة من رأسه و أحدرها و خفف الزكام. و أن انكب على بخار هذا الماء و صبر على ذلك حتى يبرد الماء و ينفذ بخاره أحدر الرطوبة من الرأس في المنخرين و أجراها سفلاً. و هو دواء جليل لهذه العلة. و كذلك أن تبخر بالعروق مع شيء من الورق الذين يجدون طنيناً في آذانهم واكب بأذنه على الدخان حتى يدخل في جوف الأذن، أزال الطنين، و أن كان مع ذلك وجع سكن الوجع. و أن وضع في أصل شجرة الزيتون، بمقدار ما يسع زنبيل متوسط، من روث الحمار، و رش عليه ماء حار ثم ماء بارد، بعده من الغد، بعد أن يخلط الروث بالتراب أولاً، نبت في ذلك الروث المخلط بالتراب فطر أسود قاتل، و هو سم حاد يقتل في ثلث ساعات النهار. فمتى نال الإنسان منه شيء فينبغي أن يبادر و يسقى من اللبن، و أن كان لبن امرأة فهو أنجع، و قذفه و أعطه من الشليثا وزن نصف درهم مع وزن درهم من دهن الجوز، و أطعمه سمناً عتيقاً بقرياً، ثم اسقه ماء حاراً و قذفه أيضاً، فأنه يتخلص بأذن الله تعالى.
وأن دفنت أترجه كما هي في أصل شجرة الزيتون و عمق لها في الحفر حتى تماس الأترجمة عروق شجرة الزيتون، و طم التراب فوقها ذراعاً و أكثر، و لا يصب عليها ماء، فأنها بعد سبعة عشر يوماً تنبت في ذلك الموضع حشيشه دقيقة تشبه نبات الأرز، تشتعل بالنار و هي رطبة خضراء، فيها منافع و مضار قال أبو بر أحمد بن وحشية ينبغي أن تدفن هذه الأترجة و القمر مقارن عطارد في برج الجوزاء.
قال ضغريث فمن منافعها أنها تنضج الدمامل و الأورام و تفتح الدبيلات بعد أربع ساعات من وضعها عليها. و صفة استعمالها أن تؤخذ الحشيشة فتدق في هاون صفر و يرش عليها شيء من بول البقر يسير، ثم يخلط بشيء من بورق، و يضمد بها ما يريد نضجه و انفتاحه، فأنها تكون بليغة في ذلك جداً. و هي محللة للخنازير الظاهرة في الرقبة، و كذلك الورم الذي يستدير حول الرقبة فيسد مجرى الطعام والشراب. و وجه استعمالها أن تخلط بورق السذاب البري و يدقان جميعاً أخضران، ثم يضمد بهما الموضع الذي تريد أن تحلله. فأنها مفشية محللة جداً. و أن سقي من عصارتها وزن درهمين الذي به عسر البول، أطلق البول في ساعة من الزمان. و كذلك هي محللة لما يراد تحليله من الثآليل و السلع و ما أشبه ذلك. فأما مضارها فلم أذكر منها شيئاً، لأن قصدنا في هذا الكتاب منافع أبناء جنسنا لا مضارهم التي يجد الأشرار من الناس السبيل إلى التسلط بها و المضرة.
فأما منافع ورق الزيتون و أغصانه فأنه أن أخذ إنسان منها دايماً عند رأس كل هلال يهل هلاله، في أول يوم من الشهر، نهاراً، في الساعة الأولى من النهار، أغصاناً فيها ورق خضر لا فيها ورقة صفراء، و جعلها في منزله، فإذا أهل الشهر الثاني، أخذ منها أيضا كذلك وجففها ووضعها، ثم أخذ تلك الأولى فأوقدها في مجمر من طين، و يسخن بجرها، و ترك الثانية مكانها، فأن خباطياث يقول أن الفاعل هذا الفعل دايماً يندفع عنه الآفات الزحليه كلها، و لا يزال مسروراً في نفسه و ساير أحواله، و لا يرى عياله بؤساً على مقدار حاله و حالهم. و زعم أنه يتسع رزقه و تطيب نفسه و يندفع عنه الموت إلى زمان الهرم. قال و أوكد لهذه الأفعال أن أضاف إلى أغصان الزيتون كفا من خوص النخلة التي تدعى شهريزاي قال أحمد بن وحشية هو هذا الشهريز و يعمل بها في الشهر الثاني ما وصفنا قبل هذا الموضع. قال فأنه يصح أبدان أهل تلك الدار و يندفع عنهم إعلال الرأس الباردة كلها. و أن كان بهم نقرس في أرجلهم سكن، و يزيد ضوء أبصارهم إذا نظروا في كل يوم إلى هذه الأغصان التي فيها ورقها.
فأما خواص رماد حطب الزيتون فأن الإنسان إذا جمع رماد حطب هذه الشجرة من غير أن يخالطه في الإحراق شيء من النبات أو مما يكون له رماد، ثم يخلط منه وزن درهمين بأوقيتين شراب التفاح و شربه الذي يجد بله عظيمة في معدته، أنه يبريه و يزيل البله و يقوي المعدة. فأن فعل ذلك مرة فلم ير منفعته، فليعاود ثانية و ثالثة و رابعة حتى يرى قوة في معدته و زوال ذاك الأذى من الرطوبة. و أن طبخ هذا الرماد بالماء طبخاً بليغاً، و جمد في الشمس أو وضع ذلك على النار أيضاً حتى يطير الماء عنه البتة، فأنه يستحيل ملحاً أبيض. ففي هذا الملح من المنافع دخول الفردساى فافهموا يا بناء جنسنا الضعفاء، فأن رحمتنا لكم متتابعة.
اعلموا أن هذا الملح يشفي من الجرب و يستأصله، إذا خلط بدهن و أطلى به في الحمام، ثم دخل بعد ساعة إلى هواء، يجوز أن يعرق فيه، يفعل ذلك مراراً. فأن خلط هذا الرماد بالزيت حتى يصير مثل الحسو الرقيق و طلى به بدنه، و كان في بدنه أي العلل التي تنفضها الطبيعة إلى سطح البدن، أبراها كلها و جففها و شفى منها. و أن كان قد ظهر في بعض الأعضاء وجع لا يدري ما هو، سكنه و أزاله. و هو يقوي البدن و ينقي البشرة إذا زدت في الزيت حتى يكون رقيقاً كالدهن، ثم أنه ينبغي أن يدخل بعد الطلي إلى الحمام و يغتسل أولاً بماء حار ثم يتدلك بدقيق الباقلي مرة بكثير منه، ثم يتدلك بالاشنان بعده.
فأما خواص الزيت الذي هو دهن هذه الشجرة فأنه أن اكتحل إنسان بعينه ريح السبل أو في أجفانه رطوبة غليظة باردة بيسير من زيت عتيق قد أحمر، أزال عنه ذلك، ثم أنه يقوي بصره و يزيده نوراً إلى نوره. و أن أخذت امرأة بها وجع الأرحام، أي أوجاعها كان، فشربت صوفه لينة أو قطنه خشنة الزيت العكر، و تركت القطنه ناحية من الزيت، ثم رددتها كذلك تسع مرات، و ليكن ذلك في زيادة القمر في الضوء، ثم تحملتها في قبلها، و فعلت ذلك مراراً، أذهب هذا العكر كل علة وجد به و أبراها، و يصح بدن تلك المرأة. فأن تحسبت هذه المرأة، في حال تحملها في قبلها القطنه مقدار نصف أستار من الزيت الصافي العتيق، صح جسمها و كان أبلغ لذهاب الأوجاع عن رحمها، و ذهب عنها جميع التشكي في ساير بدنها. و هو يمنع، أعني الزيت، إذا تحملته امرأة قبيل الجماع، من الحبل، أن كان مزاج المرأة حاراً أي الحرارات كان، فأن كان مزاجها بارداً شديد البرد، أعان على الحمل إذا تحملته قبيل الجماع، وأنجبت في الولادة. ففعله فيهن بحسب أمزجتهن. فاعرفوا ذلك و اعلموا به تجربة تجدوه كما قلنا.
وأن أخذ إنسان أناء من بلور أو من زجاج في نهاية البياض و الصفا و ملأ أحدهما من الزيت الصافي وجود ضمام رأسه أليه في كل يوم مراراً، ما أمكنه، زاد في ضوء بصره و دفع عن أجفانه الآفات. فأن نظر إلى هذا الإناء و فيه الزيت في الشمس، و ليكن الناظر إليه قاعداً في الفيء، زاد في ضوء البصر و تقوية العضو و دفع الآفات عن الأجفان زيادة كثيرة، و أحدث له نظره إليه في نفسه سروراً، و ربما أقبل في معاشه و زينه ذلك في عين من رآه وأن غلي الزيت بالنار اللينة حتى يصير كالنار، ثم صب منه على بدن الإنسان، لم يشطه و لم ينفطه كما تفعل الادهان و غيرها، و ربما آلمه ألماً يسيراً ثم سكن عنه للوقت. و أن اكتحل من هذا الزيت المطبوخ بعد أن يبرد جيداً من في عينيه أي الأوجاع الحادثة من البرد و البلغم، أبراها و أزالها و أستأصلها بأذن اله الآلهة. و قد أفادنا السيد دواثانى الأب الرحيم، و هو الصادق في هذا و في جميع أقاويله، أن النظر إلى الزيت و الاكتحال به و إدمان التأدم به مع الخبز يزيل المرض السوداوي كله، مثل العلة التي تسمى مركاث قال أبو بكر محمد بن وحشية هذه العلة، يعني المالنخوليا و العلة المسماة سوفنطا، و العلة التي تدعى مرخايا و العلة التي تدعى مرشاصا و الخيالات الردية و السهر و المنامات المفزعة و جميع أعراض الدماغ الردية. قال أبو بكر بن وحشية فأنه ليس يخرج لي معنى هذه الأسماء بالسريانية فانقلها إلى العربية على صحة، ألا أنني أعلم أنه أراد ما قلته من علل الدماغ.
قال و اشتمام ريح الزيت و إدمان أكله و النظر أليه يزيد في الذهن و يفتق الفطنة و يبعث على التوقي المنجي و يكسب النفس الآداب الحسنة و الأخلاق الجميلة التي تحبب صاحبها إلى الناس. وهو إذا عبق على الماء العذب الصافي، سيما ماء أنهار إقليم بابل، كان دواء كبيراً و شفاء عظيماً لكثير من عوارض النفس خاصة عوارض الجسم عامة بخاصية فعله المباركة، فيزيل عن النفس الخبث و سوء الرجاء و الأقدام الأهوج المهلك و غير ذلك من أداويها المضرة. و يزيل عن الجسد في مشاركته النفس الشره العارض للنفس، فأنه الشره مما تفعله النفس بمشاركة الجسد لها، و إفراط الحرص، و هذا بمشاركة الجسد أيضاً، و جميع أعراض مشاركة الجسد للنفس. و يزيل التخيلات الردية جملة، و ذلك يكون من فعله إذا أغتسل الإنسان من ماية، فليلطخ جسده بالزيت القايم على الماء، ثم خرج من الجميع فوقف ثلث ساعات و نحوها في هواء يمكن أن يقف فيه، و دلك جسده بيده بالزيت في تلك الساعات دايماً، ثم لبس ثوباً من صوف لين لا يؤذي بدنه بالخشونة و أقام كذلك يتصرف فيما يريد، ثم ليدخل من الغد الحمام و يتدلك فيه بالبورق اليسير مع ورق السدر مطحون مخلط بمثل نصفه أشنآن مطحون. و ليفعل ذلك في الشهر أربع مرات، ثم يغبه شهوراً ثم يعاوده، فأنه دواء جليل نافع بخاصية ظريفة.
قال أبو بكر أحمد بن وحشية ينبغي لفاعل هذا أن يقوم في الشمس ثم في الفيء بحسب أمكانة وعلى مقدار حرارة الشمس، و ينظر إلى الشمس وقتاً، ثم يطرق، و هو في ذلك يدلك بدنه بيديه و يجعل في قلبه أنه يريد أن يدخل الزيت بذلك الدلك إلى بدنه، فأن هذا في خاصية ظريفة من الخواص المضافة إلى عطارد. و هذا موضع كلام كثير في هذا المعنى، و لكن يمنعني من ذلك أن يصير الكتاب كلامي و يضيع كلام صاحب الكتاب على الفلاحة.
ومتى ابيض الزيت بالطبخ بالماء و النار اللينة حتى ينقى من أدناسه، ثم يمرغ به من فيه وجع المفاصل الحار أو البارد، و دخل بعقب ذلك إلى الحمام، بري من الوجع في دفعات بحسب تمكن العلة منه. و من اكتحل بهذا الزيت الأبيض و في عينيه بياض و يدمنه، أذاب ذلك البياض وأزاله على ممر الأيام و شفاه أيضاً من جميع العلل العارضة من زيادة الرطوبة. و هو يقوم للعين النازل فيها الماء مقام القدح بالحديدة، إذا قطر منه فيها و حكت برأس الميل حكاً كثيراً. و هذه الأفعال بالعين تكون لهذا الزيت إذا عتق سنة و ما زاد على ذلك. فأما و هو طري فلا يفعل شيئاً، و كلما عتق كان أجود لفعله. و ينبغي أن لا يستعمل ألا بعد ثلث سنين من طبخه و من بياضه، فأنه يجيد فعله.
وإذا عمل بهذا الزيت مرهماً بالشمع و طلي على جميع الأوجاع الحادثة في الأعضاء أبراها و سكنها، حتى وجع الأسنان و وجع الأنف و الأذن. و هو يحلل، إذا خلط بالشمع الأبيض، جميع السلع و الخراجات و الدبيلات و الزوايد في البدن و الداحس الذي يظهر في أصول الأظفار و أوجاع السفل من العلل الظاهرة فيه، مثل البواسير و التوت و السرطان و الأورام و الشقاق، و يسكن أوجاع هذه كلها و يبطل أوجاعها و يضمرها. و أن أدمن طلية عليها و تحملها صاحبها في صوفه اذهب البواسير على ممر الأيام، ألا السرطان فأنه لا يقوى على أزالته، لكن يسكن ضربانه و يقوره و يدمله. و هذه الأفعال كلها ليست من طريق فعل الحرارة في البرودة و لا البرودة في الحرارة، بل هي أفعال بالخاصية التي هي لهذه الشجرة بقوة أعطاها إياها ألاهها. فأنه لما نظر إليها أودعها هذه الأفعال النافعة المباركة.
فأما نوى ثمرة هذه الشجرة، و هو المسمى الزيتون، فأنه إذا حك منه تسعون نواة حتى تزول الخشونة الظاهرة عليها منها، ثم ثقب و نظم في خيط ابريسم اسود غليظ متوسط في ذلك، ثم علقه عليه من يتوحش في الظلمة و الوحدة، أزال ذلك عنه و أحدث أنساً بالناس. و كذلك يفعل بمن هو في طبعه وحشي من الناس بعيد الأنس بهم، فأنه يؤنسه و يزيل عنه النفور و سوء الأخلاق و زعارتها، و يحدث فيه خواطر جيدة في قلبه. و تعليق ذلك يكون في رقبته حتى يبلغ صدره و تحت صدره قليلاً.
و أن حرق هذا النوى و طبخ رماده بماء المطر و جمد حتى يجمد ملحاً كان هذا الملح محللاً لعسر البول، إذا شرب منه وزن ثلثه دراهم بأوقيتين سكنجبين، و هو المعمول بخل و سكر و ماء قراح منزوع الرغوة حتى يذهب بالماء عنه و يبقى مقدار الخل. فهذا دواء جليل من أشربه القدماء، محلل لجميع الحصر و الرياح السوطاماني قال أبو بكر بن وحشية لما ذكر صاحب هذا الكتاب السكنجبين ذكره بغير هذا الاسم، فلما وصفه، بعد أن لم أدر ما أسميه، عرفت أنه السكنجبين، فنقلته إلى العربية السكنجبين، و أن كانت لفظة فارسية فأن العرب قد استعملوها معربة.
قال و أن أخذ من هذا النوى سبع نوايات و قام الآخذ لهن حيال الشمس، ثم رمى تلقاء الشمس بواحدة واحدة منهن بكل قوة له، و قال يا له الآلهة أرحمني و أزل عني العلة، زالت تلك العلة عنه بأذن الإله، و لو أن لها سنيناً كثيرة. و ليفعل ذلك سبع مرار، فيكون فعله بتسع و أربعين نواة. و أن أخذ إنسان من هذا النوى ماية و سبعة عشر نواة فغسلها بالماء الحار جيداً، ثم بالماء البارد جيداً أيضاً، ثم نشف النداوة منها بميزر نظيف و دهنها بزيت، و قام على نهر جار و النوى في كمه الأيسر، ثم نظر إلى الماء و قال أيها الماء الجاري الذي هو ضد النار الملتهبة، سكن عني غضب فلان و أزل عني بغضه لي من قلبه و حببني أليه، و رمى بنواة نواة في جرية الماء، وكرر هذا الكلام و هذه الأستعاذه ماية و سبعة عشر مرة، سكن غضب من قد غضب عليه، و لو أنه ملك جبار عنيد لا يرام و لا يطاق، و لو أنه قد نذر دمه و حنق عليه نهاية الحنق، زال ذلك كله عن قلبه في وقت رؤيته و قلبه أحسن قبول، مع انطفاء ما كان في قلبه عليه من الحنق.
فأن أخذ إنسان من عروق شجرة الزيتون، وهي رطبة غضة، جزءاً، و من ورقها الغض الخضر ثلثه أجزاء، و من أغصانها الخضر الغض جزأين، و من ثمرتها، و هي خضراء قبل أن تبلغ وهي في قدر اللوز المر، و نحو ذلك، خمسة أجزاء، فخلط بعض هذه ببعض ورش عليها، بعد دقها في هاون حجارة، يسيراً من ماء مطر، وجود دق الجميع و خلطه حتى يصير ناعماً، ثم اعتصر ماءه ورده إلى الدق و الرش، و اعتصره أيضاً هكذا حتى لا يبقى فيه من الماء شيء يخرج بالعصر، و خزن هذا الماء في أناء زجاج محكم الرأس، و أقره فيه في موضع ندي بارد أحد و عشرين يوماً، ثم أستعمله بعد ذلك، فأن في هذا الماء منافع كثيرة، أولها أن الذي به حمى دق، أن سقى منه وزن نصف درهم سبعة أيام متوالية على الريق، ثم اغبه سبعاً، ثم شربه سبعاً، أزال هذا عنه تلك الحمى، و يرطب بدنه بعد أنقلاع الحمى الدق عنه. و كذلك أن شرب منه الذي في صدره قرحة و به منها سعال اهتاج من شدة الحرارة، فشرب منه وزن دانقين، في كل يوم، ثلثه أيام، مع وزن عشرين درهماً شراب البنفسج الخالص، ثم اغبه سبعاً، ثم شربه ثلثاً، ثم كذلك حتى يزول عنه ما يجد من الحمى و السعال و تبرى تلك القرحة و يستأصلها. و هو شفاء وحي سريع لمن يعرض له الماشرا و جميع العلل الدموية، إذا سقوا منه وزن درهم مع شراب العناب أو مع السكنجبين قال أبو بكر بن وحشية يعني سكنجبين معمول بخل و سكر فقط، بلا بزور و لا أصول، و هذا الذي كان يستعمله القوم. قال صاحب الكتاب و هو يشفي من الطاعون متى عرض لإنسان ، أما لإنسان واحد من الناس و أما العام الذي يعرض لجميع الناس من فساد الهواء، فأنه يؤخذ منه وزن درهم فيصب في قدح على وزن ثلثه دراهم طين أحمر أرمني و وزن درهم كاربا مسحوق و وزن عشرة دراهم ماء ورد و وزن عشرة دراهم ماء قراح صاف بارد، و يخلط الجميع في القدح جيداً و يسقى للإنسان، فأنه يطرد الطاعون طرداً وحياً سريعاً، و ينجو الإنسان من الطاعون فلا يعود أليه أبداً.
فأن عاوده فليعاود هذا التداوي الذي وصفنا، و ليس يكاد يعود. و هو دواء كبير من أدوية داء الحية الذي ينسلخ معه الجلد، بأن يسقى العليل منه وزن نصف درهم، ثلثه أيام، ثم يغب ثلثاً ثم يسقى كذلك، يفعل أربع مرات، ثلاثة أيام يسقى و ثلاثة يغبه، مع وزن عشرة دراهم ماء ورد و وزن درهم طباشير مسحوق، ثم يشرب بعده شيئاً يقويه، أما من ماء الشعير المستخرج منه بالطبخ، و أما من سويق الشعير الناعم الطحن. و هو دواء يزيل حمى الكبد و اللهيب العارض في الوجه و في الصدر من حماه، إذا شرب منه وزن دانقين بوزن عشرين درهماً سكنجبين و عشرة دراهم ماء ورد و ثلثين درهماً ماء قراح صاف بارد. و هو درياق للدغة الزنبور و نهشه الحية، إذا سقي المنهوش وزن درهم مع وزن درهمين جعده مسحوقة و وزن ثلاثة دراهم يزر البقلة اللينة مع وزن ثلثين درهماً ماء قراح عذب صاف بارد، فأنه يزيل ضرر السم و يقاومه و يقابله حتى يزول الألم عن الإنسان.
وهو يسمن المهزول الذي سبب هزاله شدة الحرارة و اليبس، أن يؤخذ خمسة دراهم من دهن هذه الشجرة مع خمسة دراهم من الماء المعتصر، فيلت به وزن مايتي درهم من بزر الكزبرة مسحوق و يخلط الجميع. و أن خلطت هذه الأوزان بوزن ثلثمايه درهم من الخبز المسحوق الحار، و هو أجود، ثم يشرب منه المهزول كل يوم وزن خمسين درهماً بماء قراح صاف، أن شاء أن يتركه حتى يشرب الخبز المسحوق الماء، ثم يأكله، فعل ذلك، و أن شاء شربه مع الماء بمقدار الكفاية، فعل ذلك. و أن أستعمل هذا على هذا الوصف و لم يسمن، فليخلط من هذا الماء سبعة دراهم مع مثله دهن الشجرة مغسول مبيض مع مثله من الكزبرة اليابسة، فيسحق الجميع ناعماً و يعزل، و يؤخذ وزن سبعة دراهم مغاث أبيض فيسحق حتى يصير كالذرور، و يخلط بتلك المسحوقة، ثم يخلط هذا بوزن أربع ماية درهم خبز مجفف في الظل مدقوق دقاً متوسطاً، فأن هذا خلط أيضاً به وزن ماية درهم سويق الحنطة و شرب بالماء الصافي، كما قدمنا، فأنه يسمن و يزيل اللهيب و اليبس و الجفاف عن من هو عارض له.
ومتى عرض لإنسان وجع العين المسمى الرمد، فليكتحل منه بمقدار يسير في كل ليلة قبل النوم، ثم ينام عليه. و ليكن اكتحاله منه بثلثه أميال، ثم يجعل على عينيه هندباً مدقوقاً و يشد عينيه فوق الهندبا بعصابة كتان، ثم ينام، فأنه لم يفعل ذلك ألا أربع مرار في أربع ليال متتابعة حتى يزول الرمد عن عينيه. فافهموا.
فأن جمع الإنسان من ثمرة هذه الشجرة شيئاً كثيراً، و الثمرة لم تكبر بعد بل هي في قدر اللوبيا أو أنفس قليلاً، ثم دقها و هي خضراء في هاون حجر، ثم رش عليها يسيراً من ماء مطر، ثم غطى عليها و تركها كذلك أربعة عشر يوماً، ثم أعاد دقها و عصرها عصراً شديداً، أما بيديه أما بمعصرة، حنى يخرج ماؤها كله، ثم دقها أيضاً و عصرها حتى لا يبقى فيها من الماء شيء بالتكرير للعصر، و رفع الماء في أناء زجاج و تركه في موضع ندي بارد ثمانية و عشرون يوماً، ثم استعمله فيما وصفنا، فأنه يكون بليغاً. و الصفة هي أن هذا الماء يفعل بخاصيته، مثل الذي وصفنا قبله، و يزيد عليه بأشياء سأذكرها.
فأولها أنه طلي من هذا الماء على كبد إنسان حامية متوجعة من فرط الحرارة أربع طليات، أبراها وسكن وجعها. و متى وجد إنسان خفقاناً شديداً مخيفاً من اهتياج الصفراء أو الدم، فطلى على صدره وزن حبتين، و كذلك على الكبد بهذا الوزن سواء، سكن الخفقان و أطفأ الحرارة و أزال عاديتها. و هو يعمل في إزالة قرحة السل عملاً هو أبلغ من عمل ذلك الماء الأول، و ذلك أن يسقى منه صاحب القرحة زن حبتين مع وزن أوقيتين ماء الشعير و يسير من سكر، فأنه يزيل القرحة و يقطع النفث و سيلان الدم و يطفي و يبرد الموضع. و كذلك أن سحق وزن مثقالين توتيا مرتفع جيد بوزن قيراط من هذا الماء و اكتحل به بعد جفافه و تجويد سحقه، و كحل به كل عين اشتكت من فرط الحرارة، أبراها و قوى أجفانها. و كذلك أن سحق يسير منه بالأثمد فعل في تقوية العين مثل ذلك.
ومتى غلب على شجرة الزيتون أو النخل أو غيرهما من جميع الشجر و النبات جملة ضرر من شدة العطش أو نقصان في الثمرة من ذلك و غلبة الحر و إحراق الشمس، ثم خلط بمقدار ثلثين رطلاً من الماء إلى خمسين رطلاً وزن مثقالين من هذا الماء، ثم صب في أصل تلك الشجرة، و سقيه ذلك النبات، زال عنه الاحتراق و تطرى و عاش. فأن كرر عليه سقي هذا الماء المخلط فيه هذا الماء المستخرج من ثمرة الزيتون عشر مرار، في كل أسبوع مرة، عاش و بقي على حال من الطراء و القوة لا يكاد يضره فقد الماء، فأن ضره كان ضرره له أقل من الضرر الأول.
ومتى أراد مريد تركيب شيء من الشجر على شيء أخر كالعادة في تركيب الأشجار، فليقطع الغصن من الشجرة المركب عليها و ليطل موضع القطع بشيء من هذا الماء يسير. ثم ليطل الغصن الذي يريد تركيبه في أسفله أيضاً بشيء من هذا الماء، ثم ليركبه، فأنه يخرج له كما يريد فيما قصد له من ذلك. مثال ذلك أنك إذا أردت تركيب غصن من كمثرى على شجرة كمثرى أخرى، تريد بذلك أن تجود حملها، و هو أخذك غصناً من شجرة الكمثرى التي تدعى شنداب، تريد تركيبه على الشجرة التي تدعى من الكمثرى سختاني، فقطعت من شجرة سختاني غصناً، ثم طليت موضع القطع منه بشيء من هذه الرطوبة، ثم قطعت من شجرة شنداب غصناً و طليت موضع القطع منه بشيء من هذه الرطوبة أيضاً، ثم ركبته كما تركب، فأن ذلك ينمى و يخرج لك كما تريد فيما قصدت له.
ومتى أخذت من هذا الماء وزن خمسة دراهم خلطته في ماء جار يدخل إلى الجداول فيها بقل، أي البقول كان، مزروع، و ليكن إدخال هذه لخمسة دراهم في الماء قليلاً قليّلاً و هو يجري، فأنه يحدث في ذلك البقل من الغضاضة و النعومة و سهولة المضغ و النفوذ من المعدة شيء بين كثير. و لتكن هذه الخمسة دراهم في ماء مقداره أن يسقى عشرة أجريه من البقل، فأن كان أقل أو أكثر فزد أو أنقص بحسب ذلك.
ولهذا الماء خاصية في إبراء المنهوش من الأفعى، ليست لشيء غيره، و ذلك أن يدارك المنهوش قبل أن يفقد عقله فيسقى من هذا الماء بوزن مثقالين بأوقية شراب معتدل و أوقية ماء قراح، شفاه بأذن الله تعالى ساعة يصل إلى معدته. و معنى قولي شفاه أنه يمسك حياته في سده الى أن تبرأ القرحة من ألنهشه، و يحلل السم عن البدن قليلاً قليّلاً. فإذا مضى على المنهوش من شربه هذا ثلث ساعات فليطل على موضع النهشة من الماء بمقدار الكفاية، و ليأخذ آخذ هذا الماء فيغمس فيه أصغر أصابع يده، ثم ليدخلها في دبر المنهوش، يفعل هذا به بعد سقيه الماء و قبل أن يطلي موضع النهشة، فأن لهذا فعلاً عجيباً في شفاء المنهوش بليغاً. فاعلموا ذلك.
ومتى غلب على شيء من الشجر الكبار القشف و القحل، أما من طول زمانها و أما من ارض آخر عرض لها فيبسها و جففها، فأخذ إنسان من هذا الماء وزن خمسة دراهم فخلطه بماية رطل من ماء قراح عذب صاف، ثم رشه على تلك الشجرة دائماً، في كل يومين رشاً شاملاً لها مستقصى، و فعل ذلك بها عشر مرار، عاشت و زال عنها العارض من القحل و القشف.
وهذه الأمور استدللنا على بعضها بالتجربة و بعضها من وحي الآلهة إلى أسلافنا، و بعضه أوحته ألينا، و بعض بإلهامها لنا و للأصنام، فعلمتنا ذلك الأصنام، و بعض بالرؤيا من الآلهة، و ربما كان رؤيا من الأصنام، فجرينا جميع ذلك فاستدللنا على صحته من تمام فعله و عمله. فالشكر لهم منا إلى ذلك، كما نطيق من الشكر لا كما تستحق الآلهة، فأن استحقاقهم شيء لا يناله قولنا أبداً.
واعلموا أن كل ما يوحي أليكم به في هذا الكتاب من منافع شيء و مضاره أو خاصية فعل له أو تركيب شيء على شيء أخر، و غير ذلك من فنون المعاني، فأصل وقوعه ألينا و علمنا به أنما هو مما قدمنا لكم ذكره من نعمة الآلهة علينا، أما بفعلها أو بإلقائها إلى الأصنام و تلقي ذلك الأصنام ألينا، و استنباطاً وجدناه بعقولنا التي وضعتها فينا الآلهة، أو شيء مأثور عن أسلافنا و حكماينا، أخذوه أوليك من هذه الوجوه التي عددناها. فاعلموا.
واعلموا أن اختيار الزمان لجميع الأعمال التي نصفها في هذا الكتاب من تركيب شيء على شيء أو سقي شيء من الشجر و النبات الماء أو رشه عليه أو علاجه بشيء من الماء أو غيره من الرطوبات، أن يكون القمر زايداً في الضوء، و يكون ذلك دايماً بعد الاجتماع و الفصول عن الشمس و إلى بعد الاستقبال بأربعة أيام، أولها الثالث عشر، ثم أخرها السادس عشر، ثم لا يعمل العامل بعد ذلك شيئاً البتة. و ليكن القمر وقت العمل في احد أوتاد الطالع، و هي الرابع و السابع و العاشر، و أن كان الطالع من البروج المائية، و هي السرطان و العقرب و الحوت، و الهوائية و هي الجوزاء و الميزان و الدلو، فجيد جيد، و أن كانت الأرضية فهو تال لهذه في الجودة. و ليتجنب البروج النارية، و هي الحمل و القوس و الأسد، أن تكون طالعة أو يكون فيها القمر. و نظر القمر في أوقات عمل أفلاح هذه الأشياء إلى الزهرة و اتصاله بها و كونه في أحد بيتيها، هو الجيد المختار.
واعلموا أن في هذه الشجرة خواص كثيرة و لها أخبار طويلة و فيها أعمال نفسية، هي أضعاف ما عددنا و أكثر مما وصفنا. لكن اعتمد على ما صح عندي بالتجربة و أوجبه القياس الصحيح، أو كان عندنا مأثور عن بعض قدمائنا العلماء الموثوق بعلمهم و صدقهم و صحة حديثهم و استنباطهم. فهذا أيضاً وجه من وجوه الصحة عندنا. فأما غير ذلك ما ذكر عن بعض القدماء، مما لم يدل عليه و على صحته قياس مقبول أو شاهد بالوحي أو خطاب الأصنام، و الوحي عندنا على ضروب، فيكون على أحد ضروب الوحي فأنا لا نذكره في هذا الكتاب الشريف العظيم، إذ كان محله عندنا محل أعظم وجوه المعايش، و كانت عمارة الأرض و أفلاح منابتها و أشجارها عندنا أعظم الصنايع قدراً و أجل الأعمال مرتبة و أعظمها منفعة، و كان صاحب الأكروب و الفلاح و الزارع هم عماد الدنيا و أصول العيش و الملك، هم الذين لم يتم للملك و لا للسوقة تسوق و لا للصناع صناعة ألا بعد وجودهم مع سلامتهم و همتهم في عملهم الذي هو مادة الحياة،و الذي لو عدم لما بقي على ظهر الأرض ساكن ألا كالبهايم التي لا عقول لها. فاعرفوا قدر الأكار الفلاح و الزراع، فبمعرفتكم قدرهم يكون رضي الآلهة عنكم، لأن الآلهة تحب عمارة الدنيا و دوامها، وهي، تقدست أسماوها، دايبة في إمدادها بالصلاح و الفلاح و الزيادة في العمارة،ألا النحسين. و لا أقول هذا طعناً على النحسين، و هما ألهين كريمين قادرين طايعين لإله الآلهة، نافذي القدرة ناميي القوة، فيتفق لهما على طريق العرض بحركتهما خراب البلاد و بوار العباد و نقصان عدد الحيوان و النبات، حتى أن أله الآلهة دايب يمحو أضرار أفعالهم الحادثة منهم على طريق العرض، و يزيل تحيف الطبايع الجارية بتحريكهما و المنفعلة عنهما. هو القمر بعده، و السعدان يعيناهما على ذلك، فليس يمتحي العالم أبداً و لا يبيد و لا يضمحل، و هو دايم، تكون الزيادة فيه بمقدار النقصان منه. فهو محفوظ الصورة أبد الآبدين و دهر الداهرين ، بلا زوال و لا ابتداء و لا انتهاء كدوام ممديه. تعاليت يا اله الآلهة القوي الشديد الرحيم الذي عم برحمته و حياته جميع عباده سفلاً و علواً.
و قد ذكر ها هنا طالى كرناش لشجرة الزيتون مدايحاً كثيرة في شعره الذي ألفه في الفلاحة، لو أردنا حكايته لطال، حتى أنه قال أن هذه الشجرة فاخرت جميع الشجر و افتخرت على جميع النبات، فقالت أنا أطولكن عمراً و أقواكن قوة و أصبركن على الجدب و أقواكن على ضرر القشف الكاين من العطش، لآن عودي صليب دهني و ورقي ثابت لا ينسلخ عني كما تنسلخ أوراقكن عنكن، لا يتغير الأخضر منه عن خضرته على ممر السنين، بل أن اصفر بعضه أخلفت مكانه أبداً. و أنا التي لا يكاد يضرني عدم سقي الماء لي كما يضركن، و أنا التي لا يخيب زارعي و غارسي من نجابتي و ثباتي و صحتي، و أنا التي أن أحرقت النار شيئاً من أجزائي كان في رماده من المنافع و العوض ما هو أكثر من عدمي. و أنا الدهنية التي دهني يشبه لون الذهب، و فيه شفاء من ثمانية و تسعين علة و مرضاً. و ليس في الادهان ما يقوي القلب و يشد المتن و يسر النفس غير دهني. و أنا المباركة التي من أقتنى من أغصاني و ورقي و ثمرتي شيئاً فخزنه في منزله، لا يرى بؤساً و لا غماً و لا هماً، و عاش هو و أهله في أنعم عيش، و أطرد عنه الوحشة و الوسواس السوداوي و الخيالات الردية. و أنا المباركة التي من نظر ألي في كل يوم طلوع الشمس، و احتضنني بيديه و أنضم ألي، سررته و فرحته و دفعت عنه بأذن الإله، يومه ذلك، جميع الأوصاب و الهموم و العاهات و الأحزان كلها و الخيالات الردية. أنا الباقية أبداً إذا وجدت الغذاء، و أنا أم البقاء و الدلملماتي. و أنا الثقيلة الثابتة الصابرة الدهر كله. أنا شجرة زحل الثقيل البطيء الحركة السرمدي، الذي يمدني من حياته بحياة و من بقائه ببقاء، و من ثقله بثقل و من سواده بسواد و من رايحته في الثرى برايحة الحياة، فلي في الهواء مثوى و في الأرض منزل. أطرد عن مجاوري تعدي السكاين وأختارهن على أبناء البشر.أنا أسم الهي زحل الأعظم الأكبر، أنا التي سكنت في كل أرض مقدسة مباركة، و من أجلي و لموضعي تقدست بعض البلدان و تباركت بعض البقاع أنا التي يأنس بي كل مستوحش، و أنا التي أزيل عن المشؤوم شؤمه. أنا صنم زحل من سجد لي في كل يوم ثلث سجدات و صلى لي ثلث صلوات و قرب لي ثلث قربانات أحييته مع الهي حياة الكشونا و أدرجته وقت أدراجه جوف المشتى بلا دبيب و لا بلى و لا تقطيع، لأنه وقت يدفن، أن دفنت معه في مدفنه، من كل جزء من أجزائي جزء مع اجزايه، لم يبل جسده أبداً. أنا التي عمرت الخرابات، و بي فضل إقليم بلاد فارس و ساكن الجرامقه و السورانيين. و بي ارتفع ذو اللون الفاضل الشأن للناس، حتى صار معبوداً ممجداً مخزوناً مكرماً في سائر الأمم معظماً، ذاك الباقي السرمدي الذي لا يضمحل و لا يبيد و لا يتغير أبد الأبد، خالد كخلودي، سرمدي كسرمدية الهي، تبهج النفوس به و تفرح القلوب عند رؤيته و تحن المهج إليه حنين الناقة على طفلها. من يرحل ألي معظماً لي، و بقدري عارف أحييته أبداً حياة طول عمري في لذاذة عيش و رغد الحياة. لي من الأيام أولها و أثبتها و من المساكن أجلها و من الحفاير أقدمها و من الزريابات أصفرها و أحمرها و من الخضر أبقاها و أثبتها و من الأنهار أكبرها و أمدها و من الرياح أبردها و من الجهات أصفاها و من الأفلاك أعلاها و من الذوايب أطولها و من الأحوال أغناها و أجلها. فهل يداني شرفي شرف، أم هل يقرب مني موصوف، أم هل يرى مثلي في الأرض مستودع و مستقر، أو هل في الهواء ذاهب و مستقيم؟ حزت الشرف كله و كمل في الفضل و تم لي الكمال. فمن عبدني فاز و من أعرض عني خاب.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر ألآس

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 10:58 pm

باب ذكر ألآس
و هو سيّد الرياحين
هذا نبات طيّب الريح، و هو مشهور في إقليمنا، و ربما طال و أمتدّ إلى فوق حتى يصير كالشجرة. فيه خواص عجيبة و منافع كثيرة. و قال أنه نبات أشرك فيه زحل و الزهرة. و أفعاله في المنافع كثيرة حيّاً و ميتاً. أما حيّا إذا كان كهيئته أخضر رطب، و أما ميتاً فاليابس المسحوق و المحروق. و هو ثلاثة ألوان تحت ثلاثة أجناس، و مع ذلك فثلاثة أشكال. فأما الأوان الثلاثة، فالأخضر و هو المعروف المشهور الكثير، و لون ثان أزرق، و هو كالمعدوم، و يسميه بعض طايفتنا الرومي، و هو مع زرقته لطيف الورقة مشرق الزرقة. و أنما قلت أنه معدوم، أعني في إقليم بابل. و لون ثالث أصفر، و هو موجود في اللون الأول الذي هو أخضر، لأن ما فسد من ورقه افر. و هذا ألآس الأصفر الفاسد هو مثل النبات المسمىّ بالماذريون، و هو مسهل للطبع إذا أخذ، فان الماذريون هو آس ما، بل قد زعم قوم أنه أصل ألآس كلّه، ألا أنه أصفر اللون، و مثل الماذريون أيضاً النبات المسمىّ عند العرب الزرنب، و هو نبت طيب الريح، صورته صورة ألآس سواء، ألا أنه أقل عملاً من الماذريون و من ألآس أيضاً.
فأما أجناسه الثلاثة فالريحان الطيب الرايحة، و هو المشهور في إقليمنا، ثمّ المسمىّ، و هو مثل الماذريون، و الأصفر منه. فهذان جنسان، ألا أن المسمىّ من هذين ثلاثة أجناس أيضاً، فالريحاني جنسان. أما أجناس المسمىّ فأولها الماذريون، ثمّ الزرنب، ثمّ ما أصفرّ لونه لنفسه من الريحان، فأما صاحب الكتاب فسمّاه المصلحاني، و لا أدري ما معنى هذا الاسم، ألا أنه يجري مجرى الأسماء فيما أظنّ. قال صاحب الكتاب، و المصلحاني هو الورق العريض الكبار، و أما الثاني فهو الدقاق الورق المعروف، و أما الثالث فهو الأزرق الذي قدمنا ذكره و قلنا أنه رومي. و هذا فربما سمّاه قوم زهر الأرض، و ربما وجد في إقليمنا، في الفرط، أصل بعد أصل، من هذا ألآس المعروف، يخرج ورقه أزرقاً مشرقاً، ألا أن ذلك عزيز قليل جداً. و أما الأشكال فالدقيق و العريض الكبار و الطوال الذي هو الريحاني المشهور، فأما الدقيق و ربما كان طويلاً و ربما كان دقيقاً قصيراً.

فأما طبع ألآس و فعله فأن فيه قوّة قابضه مسخنة أسخاناً يسيراً، و هو ينبت و ينشو في جميع الأرضيين، ألا الشديدة الملوحة. فأنها تضره بتلك الملوحة. و هو يصبر على العطش بعض الصبر، و ليس يحتاج في إفلاحه و خدمته إلى أكثر من أن تكون أرضه نقية من الدغل و الحشيش المختلف المغرق لما يجاوره من النبات، و عروقه و أصوله مرّة، و ربما أفسدت الأرض فجعلت طعمها مرّاً.
ومن فعله أنه يشدّ الأعضاء الذي قد نالها استرخاء، إذا طحن بعد جفافه و ذرّ عليها و شدّ بعد ذلك، أما مبلولاً بماء أو فوق الدهن. و هو من أبلغ شيء في تنفيذ الطعام من المعدة، أن لو أمكن الناس استعماله في الفم، لكن تمنع من ذلك مرارته، ألا أنه أن ابتلع الإنسان من ورقه ورقات يسيرة بلا مضغ جشأه و قوّى معدته و شدّها و نفذ طعامه. و له خاصية في تحليل لحم البقر من المعدة باستعماله كما هو، ألا أن مرارته تمنع من التمكن من استعماله، و ربما أفسد المعدة أن أكثر منه أو مضغ. فينبغي أن لا يستعمل ألا بان يبلع من ورقه بلعاً ورقات يسيرة، من أربعة إلى سبعة. و لقوم من طايفتنا فيه الكلام كثير من أفعاله لم أعرض لذكرها، إذ كانت تجري مجرى الخرافات، و هي إلى المحال أقرب منها إلى الصحة و إلى الإقناع أقرب منها إلى الوجوب، فتركتها لذلك.
ومن منافع ألآس هذا الريحاني المشهور أنه إذا دقّ في هاون حجارة، و أعتصر ماؤه و اكتحل به للطفرة في العين، قلعها و ابرأ منها، و عمل الأزرق، إذا وجد و قدر الإنسان عليه، ابلغ، و زعموا أنه يبري الطفرة من العين في يوم واحد. فأما هذا الريحاني فأنه، إذا اكتحل بماية أياماً متوالية قلعها و قد ذكر رواهطا أبن طوشان الطبيب الجليل أنه ربّى الأثمد بماية و كحّل به الأزرق عدّة مرار كثيرة ردّه أكحل. و قال فيه أيضاً أنه إذا أحرق و جمع رماده فرُبّى في الهاون بمآيه المعتصر منه حتى يصير كالذرور، ثمّ الصق على أي جرح كان، لحمه في مدّة قريبة جداً. و أما نحن فأنا جرّبنا أن ماء ألآس الريحاني المعتصر منه، إذا سعط به المزكوم و من به نزلة عظيمة، باردة كانت أم حارّة، ابرأها و قلعها البتة، و عمله في النزلة الباردة أبلغ و أجود، و ربما لم يحتاج إلى أكثر من مرتين يسعط حتى تزول النزلة. و كذلك يزيل الخشام، و هو عدم الشمّ، إذا سعط به في ثلث مرار فقط. و نحن استعملناه كما أصف: اعتصرنا من مايه شيئاً كثيراً و جففناه في أواني مغطاة بخرق من الغبار و خبّأناه لذلك، فلما احتجنا إلى استعماله أدفئنا ما نريد منه بماء الورد و يجوز أن يداف بماء المطر، فأنه أجود و أبلغ، و سعطناه فكان نافعاً لما وصفناه. و له عمل أيضاً، أعني لمايه، في إزالة ريح السبل من العيون و الجرب أيضاً، ألا أنني ما جربته لهذا، و أخلق به أن يكون صحيحاً عاملاً في هذه ما قيل فيها.
و قد زعم قوم من أسلافنا أنه يحفظ جثث الموتى، و ذاك بأن يجفف من الأخضر منه و الأصفر، ثم يطحن طحناً بليغاً، ثم يبلّ بالعسل الرقيق حتى يمكن أن يطلى به، ثم تطلى جثة الميت، فأنهم زعموا أنه يحفظها من البلى ألوف سنين. و قالوا أيضاً أنه أن أتخذ منه حبّ على الصفة التي أصف، مع الصبر و العسل و الحماما، و أخذ بأن يبتلع منه وزن درهمين في الأسبوع، مرّتين أو ثلثا، و أديم ذلك مدّة حياة الإنسان، أن هذا الإنسان المستعمل لهذا، إذا مات، لم تبل جثته أبداً. و صفة عمل هذا الحبّ أن يطحن ألآس ناعماً ثم يطحن الصبر و الحماما كذلك، ثم يأخذ من طين ألآس جزوأ، و من الصبر نصف جزوء، و من الحماما نصف جزوء، ثم يسحق الجميع بالعسل الجيّد حتى يصير في قوام يمكن أن يحّبب حبّاً، ثمّ يحّبب، ثم يترك في الهواء في شيء واسع متفرّق، لا تماسّ حبّة بحبّة، فأنه يقبّ و ليس يكاد يكمل جفافه، أو تمضي عليه مدة طويلة، لكن لا بد أن يبقى فيه ليونة، و أنا أرى أن يضاف إلى العسل زيت و يخلطا خلطاً جيداً، ثم تجبل بهذا المخلوط تلك الأدوية المطحونة، ، فأنه يكون أبلغ في العمل و أبقى. و هذا البقاء للجثة يتم بأن يجعل الميت إما في خشب أو جرن حجارة، و يطبق طبق حجر، و للرخام الشامي في ذلك خاصية عمل في حفظ جثث الموتى ليست لشيء غيره. و إن استعمل في هذا جميع أصناف ألآس، بأن يجمع بينها كلها و تطحن و تخلط بما وصفنا كان أبلغ. فأما الخشب فليكن من الساج أو من خشب السرو أو الخشب المسمى الزنجي، يشق ألواحا و يعمل منه تابوت و تلصق الألواح بعضها ببعض بالإلصاق المسمى لاثا، و لا يسمّر إلا بالقنا فقط، لأنه لا بد من التسمير لها في مواضع، و الرخام أجود على كل حال. فأما أهل تكريت و نواحي باجرما فأنهم يعملون صناديق كباراً واسعة من خشب السرو خاصة، و يقولون إنه أصبر الخشب على النزّ و التراب، و يعلون فيها موتاهم. و قد استعمل أوليك الموتى في حياتهم ما وصفنا من إدمان أخذ ذلك الحبّ، و ربما جعلوا في هذه الصناديق عظام موتاهم الذين قد بلوا، فيروا أنها، تبقى في هذا الخشب فضل بقاء. و ليس يمكن تقصي ذكر حفظ الخشب هاهنا، لأنه خارج عن قصدنا، فلنمسك عنه ثم نعود إلى ذكر قوى ألآس و أفعاله في المنافع . فمن منافعه أنه إن أحرق ألآس و أخذ ذلك الرماد فطبخ بماء الملح طبخاً بليغاً، ثم جفف بعد، فانه إذا جف يصير مالحاً حاداً. فهذا الملح يحلل الأورام كلها، إذا طلي عليها مع زيت، و ينقي الجراحات كلها و يأكل منها اللحم الفاسد و يوسعها، و في ذلك أكبر منفعة. و متى الصق على البواسير في السفل أو في أي موضع كانت من البدن، مبلولاً بالماء القراح أو بدهن الورد، أكلها على مهل حتى يفنيها و يستأصلها. و إذا نفخ في الأنف منه وزن حبة عطس و حلل الفضول من الدماغ حتى يخرجها من الأنف، و هذا الملح يشفي أوجاع الأسنان و الأضراس و يسكن ضربانها، و إن دلكت أصول الأسنان بألآس المطحون مع الورد شدّ اللثة و دفع ضرر الرطوبات كلها. فأما منفعته للشعر فهو الشيء المشهور عند جميع الناس، بأن يدق رطباً و يغلف به الشعر، أو يجفف ورقه ويطحن و يبدل بدهن زنبق، و يغلف به الشعر، فإنه يسوده و يحسنه و يطوله و يحفظه من الآفات كلها و المواد الردية المضرة به. و إن طحن ورقه و أحرق خشبه و خلط طحين الورق برماد الخشب، جزئين بالسواء، و غلف به الشعر، طوله تطويلاً، أكثر هذا إذا بل بدهن، أي الادهان كان، إلا أن دهن الزنبق أجودها. و قد يستخرج للأس دهن، فإن استعمل دهن ألآس مكان دهن الزنبق كان عندنا أبلغ و أجود.
و استخراج دهنه يكون بوجوه، الأ أن أقربها متناولاً، و هو مع قرب متناوله أبلغ عملاً و أجود، أن يؤخذ ورق الأس رطباً فيدق في هاون حجارة أو غيره، و ذلك جايز، الأ أن الحجارة أسلم وأجود، ثم يجمع من رطوبته، إن كانت انفصلت عنه، ثم يلقى على زيت طيب رقيق، و يلقى على كل رطل من الزيت ربع رطل من ألآس المدقدق، و وزن عشرة دراهم من الأملج المسحوق، و يوضع على نار جمر فقط، لا على لهيب النار، فانه يجيء جيداً. و لهذا الدهن منافع كثيرة لا تكاد تحص كثرة. فمنها أن الشعر إذا دهن بهذا الدهن صبغه أسود و قواه و طوله و حسنه، و ذلك بعد أن يصفى الدهن بعد أن يبرد من حرارته تصفية بليغة، فإنه يعمل في الشعر أعمالاً نافعة محمودة.
وقد زعم قوم أن ألآس ينمو نمواً كثيراً و يعيش و يقوى إذا قوي زحل في وقت مدخل سنة العالم، و هو عند نزول الشمس برأس الحمل. فقالوا إن كانت الزهرة مشرفة في شرفها أو مغربه في ‏بيتها، أشتد ألآس في تلك السنة و قوي و سلم من جميع الآفات و العاهات. و قد جربنا هذا فوجدناه صحيحاً و قريباً من الصحة. قالوا فلذلك صار ماؤه نافعاً إذا سعط به من قد عرض له الوسواس الصفراوي خاصة، فسكنه عنه، و إذا دهن بدهنه، على الصفة التي وصفنا، بدن المحموم الحمى الباردة النافض، بعد أن يسخن على النار قليلا، سكن الحمى و أزال البرد و النافض. و هذا صحيح، و هو جليل عظيم الوقع و المنفعة. فإن استعمل هذا الادهان في وقت ابتداء النافض و مجيء الحمى، ثم سكنت، فليدخل الحمّام، فأنه إذا فعل ذلك مراراً كثيرة في أيام يسيرة زالت الحمّى عنه البتة.

و له عمل في إزالة السحر مع غيره، و ذلك بزعم قوم من السحرة. و علم السحر علم لم أعرض له و لا ‏أحب أن أتكلم بما لا علم لي به. و قالوا إن أصل تصوير الأكره له في منابته صوراً مختلفة من نوع من أنواع الحيوانات في ميادين ‏البساتين، إن ذلك أصله من عمل السحرة كان، و إن له أفعالاً في نفوس قوم، إذا نظروا أليه، إلا أنه يكون صوراً ما بعينها. قالوا: يعمل منه شيء للتسليط بأن يصور منه في منابته، من فرعه، صورة رجل أو امرأة، و يكتب عليه بالعمل أسم المصور، و يصور صورة أسد أو حية عظيمة أو عقرب أو أحد الحيوانات السمية المضرة، محيطة بتلك الصورة أو مفترسة له أو ملتفة على بدنه. و يكون عمل ذلك في وقت بعينه و ساعة بعينها، و للكواكب شكل ما. قالوا فأنه يمرض ذلك ألمسمى، أو يعرض له من الخيال و الجنون و المخاوف و المهاول و ذهاب العقل و السدر و غير هذه من الآلام و المضرة. و أنا أدعو بإلهي العظيم أن أعمل أبداً بإنسان مثلي ضرراً أو أوذي بشيء من الحيوان البهيمي، فضلاً عن الإنساني، فإن السحرة قوم ما يمكنني أن أصرح بذمتهم و الوقيعة فيهم، خوفاً من شرهم، و إن الزمان الذي ينشو فيه ناشئ منهم شر زمان، و أوانهم ألم الزمان، و هم إتباع النحوس. و أنا أسأل اله إقليمنا الخيرّ أن يصرف عني و عن أحبائي و إخواني شرهم و بلاهم. فقد طعن الأخيار من الناس، بل كل الناس، عليهم، إن شيئت من الأنبياء عليهم السلم، و إن شيئت من العباد و الزهاد، و جعلوهم شرار البشر. فأما أنا خاصة فما أقول فيهم قولاً يحفظ عليه إنسان، و إنما حكيت أن الأخيار طعنوا عليهم، فلا يلومني أحد في هذا ذنباً، فأني لا أذم أحداً و لا أطعن على إنسان، بل أسأل ألهنا أن يصلح جميع الفاسدين برحمته.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر شجرة الغار

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:00 pm

باب ذكر شجرة الغار
هذه الشجرة يوافقها من الأرضيين الحمراء و السوداء أيضاً الرخوة، و ربما وافقتها العلكة لا الرخوة من الأرضيين جميعاً. و هي شجرة تقوى و تنتشر بكثرة هبوب ريح الصبا، و تضعف و تذبل و تقمأ بكثرة هبوب الريح الغرّبية. و لا توافقها الأرض المالحة البتة، و لا التي خالط ترابها الرمل أكثر من السحيق الترابي فيها. و فعل الريحين فيها ما وصفنا، إذا أتفق هبوبها وقت أول نشوء هذه الشجرة، و أول ما تغرس و توضع في الأرض، فأما إذا قويت و كبرت و كثر هبوبها أو أكثر هبوب ريح الدبور عليها، فأنه لا يكاد يؤثر عليها أكثر ذلك شيء.
و هي مليحة في منظرها. و لها منافع كثيرة و خواص أفعال طريفة. و سمّاها سقونيا صديقة الأترج، و زعم أنها ينبت أصل نباتها من غصن أخذ من شجرة الأترج، بحديث اقتصّه في ذلك طويل. و يعجبها أن تنبت بالقرب من أشجار طيّبة الريح و من بعض الرياحين، و أغصانها تسّمى قلقيانا، و حبّها نافع من أشياء كثيرة من أدواء أبناء البشر، ليس بنا حاجة إلى ذكرها هاهنا، لأن الأطباء قد فرغوا من ذلك في كتبهم و أطالوا الكلام فيه، ألا أنا نذكر هاهنا من خواّصها ما كان خاصّيّاً غريباً لا يعرفه أكثر الناس.
فمن ذلك أن أصلها، إذا جمع مع عروقها فوزن و أضيف أليه ربعه من حملها و جففّا حتى يمكن سحقها و سحقا جميعاً جيداً و خلطا بعد سحقها بالزيت، و وضع ذلك على الجراحات المفتوحة، دملها و ألحمها و نقّى عنها اللحم الميت و أسرع برؤها. و قد أقتصّ فيها أدمى النبي قصة طريفة ذكر أنها كلمت الناطور.
قال و ذلك أن بعض الأكره في القديم كان نايماً في وسط ميدان حوله أربع أصول من الشجرة الغار، فرأى في منامه أن أحدى الشجرات قالت له: أيها الإنسان، هل في بستانك هذا أحسن مني، و من ذا الذي يقدر أن يقول أنه رأى مثلي؟ فقال لها الناطور: و ما معنى هذا؟ فقالت: معناه أن تسّميني من رأى مثلي و لا يحفوني بالتعاهد الذي يتعاهد به جميع الشجر. فأنك تقوم عليهم قياماً كثيراً. و لا تمرّ بناحيتي و لا بهؤلاء الذين هم أشكالي. فأن كنت تريد معرفة فضلي على جميع الشجر، لتنعطف بالمراعاة عليّ و التعاهد، فقم، إذا أنتصف الليل، و معك من دهن الخيري شيء يسير، أو ما شئت، فادهني به أين شئت، ثم أرفع رأسك إلى السماء و أنظر إلى المشتري و قل له: يا سعد السعود، زدني في عمري من وقتي هذا خمس عشرة سنة. فأنك تكون على ثقة أنك تعيش من ذلك الوقت، أين كنت قد بلغت من السنّ، خمس عشرة سنة، تأمن فيها الموت، بعد أن تقول له: أني استشفع عليك بهذه الشجرة. و جرب ذلك، أيها الإنسان، فأنك تجده صحيحاً و تنتفع به لنفسك و تعرف به فضلي و جاهي عند إلهك المشتري. قال فسّميت شجرة الغار مكملّة الناطور، و سمّيت أيضاً من رأى مثلي قال أبو بكر بن وحشية: هذا القصص الذي كأنه خرافة، تحته علم كثير لهم، رمزوا عليه بهذا و جعلوه في صورة خرافة، ضنّا منهم بكشف معناه، و حرزاً له أن يناله الجهلة على حسب آرأيهم و اعتقاداتهم. و هو رمز على أن في هذه الشجرة هذه الخاصيّة المذكورة. فأن صحّ هذا فيها بالتجربة فهو شيء طريف نافع. ثم عاد الكلام إلى صاحب الكتاب، قال: قال أدمى رسول القمر أيضاً إنه من أخذ من حبّها أربع عشرة حبّة، فجففّها الآخذ لها، ثم سحقها كالذرور و جعلها في غضّارة لطيفة و صبّ عليها مقدار الكفاية خل خمر، و ضرب ذلك بعود من شجر التين، ثم سقاه أنساناً، جنّ ذلك الإنسان جنوناً لا يدري أحد من الناس ما أصابه. و ليكن تجفيفه لهذه الحبات الأربعة عشر أن يجعلها على طابق حديد تحته نار فحم ضعيفة، مقدار ساعة، ثم يأخذها فيسحقها و يعمل بها ما وصفنا. ثم قال أدمى فإن أراد إزالة ذلك الجنون عن ذلك الإنسان، فليأخذ ثلث فجلات متوسطة فيقطع أصولها مدوّراً مدوراً، و يقطع ورقها عقداً عقداً، و يجتهد أن لا يرمي من الثلاثة الأصول شيء، ثم يحتال في إطعام ذلك كلهّ للمجنون، فانه يزول عنه بعد ساعة من حصول الفجل في معدته. مضى كلام أدم. قال قوثامى، مؤلف هذا الكتاب: انظروا إل شفقة أبينا النبي على أبناء جنسه، إنه اتبع فعل الضرر و إحداثه في الإنسان، ثم يزيله بعد ساعة، فا فادنا بالخاصية الأولى و بهذه بعدها تسع فوايد معدودة من المنافع. فجزي عن أهل زمانه و من بعدهم خيراً.
و قد جربنا نحن في الغار خاصية طريفة، و هي: من أخذ من ورقها ورقة يقطفها بيده قطفاً، ليس مما يسقط على الأرض، فجعلها خلف أذنه، ثم شرب من الشراب ما يقدر أن يشربه، لم يسكر البتة و لم يصدع من الإكثار من الشراب، و إنه لسّر ظريف. و فيه خاصية أخرى عجيبة ذكرها ماشى السوراني، قال: إن أخذ من ورق شجرة الغار وزن ثلاثة دراهم، و من أغصانها وزن سبعة دراهم، و من حبها وزن درهمين، فجفف ذلك و سحق كالذرور، و ذرّ عليه من خروء الناس مسحوقاً وزن نصف الجميع، ثم عجنه بعسل رقيق، و لا يعمل منه أكثر من هذا الوزن البتة، ثم خزنه في ظرف فضّة أو ذهب، كان دواء كبيراً يزيل ضرر جميع السموم، من سموم ذوات السموم و من الملقاة في الأطعمة و الأشربة. و هو مع ذلك يبطئ بالشيب. و من خواصه العجيبة هروب جميع ذوات السموم منه، فلا تدنوا إلى موضع هو فيه، و كذلك الذراريح كلها. و إذا دق ورقه جيداً و وضع على التواليل الكبار مراراً، قطعها. إذا أخذ عوداً من شجرة الغار و علق على موضع ينام فيه طفل من الصبيان يفزع كثيراً و يبكي دايماً نفعه منفعة كبيرة. و زعم ملكانا أن من أخذ من ورق شجرة الغار فدقه رطباً و خلط به في الدق قلقند مثل وزنه و سحقهما بعد بالخل الجيد و طلى به موضعاً من بدنه و وضع على ذلك الموضع حديداً محمياً، لم يحرقه و لم يحس به. و إن طلى بهذا كفه و أصابعه و ادخلها في قير مغلي، أو قبض بها على حديد محمى أو فضة محمية، أو مس، لم يضره و لم يحرقه و لم يؤذه. و من ظريف طبعه أنه أن زرع إلى جانب الغار فجل، فالتف شيء من عروق الفجل بعروق الغار، جف الغار. فإن بقي الفجل مع أصله فصلين من فصول السنة، جف الغار البتة و بطل. و كذلك يفعل به النوع من الخرنق المنتن الريح، و إن صبّ في أصل شجرة الغار ماء معتصر من الفجل ثلث مرات ماتت الشجرة، و كذلك يفعل به ماء الثوم و ماء البصل و مياه الأشياء المنتنة الحريفية مع النتن.
و هو يحتاج أن يسبّخ كساير الأشجار، لكن بأقل مما يعمل بغيره من ذلك. و هو نبات صلف و شديد مع صلفه. و له عمل ظريف بشي و ضده، مثل الآذريون، و ذلك أن الآذريون يقال فيه إي امرأة حبلى، إن دخلت موضعاً و فيه منه ما يبلغ رايحته أليها، أسقطت، و إن احتملته امرأة عاقر حملت، كذلك الغار. و إن جعلت منه شيئاً في بيت هربت الحيات منه، و إن دخنت شيء منه على النار، حتى يختنق الموضع بدخانه، جاءت الحيات أليه مسرعة. قال أبو بكر بن وحشية: شجرة الغار أسمها بالعربية، و أسمها بالنبطية بنت دقبيدين، و بالفارسية دهشت، و بالرومية بلودايوس. و إنما ذكرت أسماءها بهذه اللغات لأنها مذكورة في الأدواء كثيراً، في كتب الأطباء و كتب المتكلمين على الخواص. و إن فيها غوامض من العلم و عجايب الأفعال، فأحببت أن تعرفها، يا بنيّ، بكلّ لغة، فإن الأطباء قد ذكروا من أفعالها، و كذلك أصحاب الخواص، أشياء ما ذكرها الكسدانيين هاهنا، ذلك عندي على ضربين، إما أن يكونوا دونوا فيها ما استدركوا و علموا في زمانهم من خواصها و أفعاها، فلم يبق عندهم على ذلك زيادة فيها، و أما أن يكونوا قد علموا فيها ما هو أكثر، فلم يذكروه في هذا الكتاب، لأن الأطباء قد فرغوا من ذلك في كتبهم، فأن للنبط في الطب كتب كثيرة جدّاً، بحسب ما شاهدت و ما سمعت‏. و قد قالوا في هذا الكتاب، في مواضع منه: إنا لسنا نذكر من أفعال المنابت فيه إلا ما كان غريباً طريفاً، و ندع ما كان مشهوراً في أيدي الناس و عندهم علمه. فإذا عرفها العارف بكل لغة فسمع فيها كلاماً، علم أن ذلك الكلام على شجرة الغار نفسها، لأنه لا بد أن يسميها أهل كل لغة بلغتهم، فإن للمصريين و الروم و الفرس فيها علوم كثيرة من خواص أفعالها. أما الروم و أطباء اليونانيين فأنهم مجمعون على أنه ليس دواء أبلغ في إزالة أورام أرحام النساء من الغار، يدق و تتحمله المرأة، أو يعتصر ماؤه و يشرب بقطنه و تتحملها المرأة، و أنه بليغ في تفتيح سدد الكبد بالتضميد مع ورق الهندبا، و أن هذا لشيء ظريف نافع جداً، إذ كان دواء يعمل بالتضميد من ‏خارج، و يستغني العليل به عن مقاساة مرارة شرب الأدوية. و حبّه عند أطباء النبط دواء بليغ في الشفاء من الربو الصعب. و أنه بليغ في إزالة الصرع عن المصروع دايماً، و يسهل أخلاطاً غليظة حامية بلغميه. و هذه الأفعال له عند أطباء اليونانيين كما هي عند أطباء السريانيين، فاعرف ذلك!
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : ذكر شجرة الخروع

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:02 pm

باب ذكر شجرة الخروع
الخروع تطول شجرته و تعلو إلى نحو قامتين. و هو نبات إذا علق جيداً لم يمت و لم يبل. و أكثر الأرضيين توافقه، الأ المّزة الشديدة الملوحة، فانه لا ينمى فيها و لا ينبت البتة، و ربما كانت هذه حاله في الحارة أيضاً المفرطة الحرّ. و ليس له علاج في إفلاحه أكثر من أن ينقى عن شجرته الورق المتغير في اللون عن لون ساير ورقه. و تحتاج شجرته أن يقوم إنسان في كل يوم فيهزها هزاً غير شديد جداً بيده اليسرى، و لا يمسها باليمنى وقت الهّز البتة .
و قد وصف حبّها رواهطا أبن طموشان لأشياء كثيرة، في كتابه في الطب، و ذكر أنه حار شديد الحرارة، يسخن بالليّن لا بالحدة و الخشونة. و من عمله بخاصية ما ينتفع به أبناء البشر أنه أبلغ دواء لإزالة القولنج الصعب، بأن يؤخذ من ورقه مقطوفاً باليد اليسرى، فيدق ناعماً و يجعل على قرطاس و تضمد به السّرة و ما تحتها قليلاً و حواليها. و يؤخذ حبه فيقشر و يدق جيداً و يخلط ‏به مثل وزنه ثلث مرات فانيد أبيض، و يكو ن وزنه مثقالين، و يستفه الذي قد ضمّدت سّرته، و يشرب بعده وزن عشرة دراهم شراب حلو. و هو دواء للفالج يزيله بإدمان التمريخ بدهنه، و أن يبتلع من حبه كل يوم سبع حبات مشدخة على الريق، و يشرب بعده ماء حارّ شديد الحرارة بمبلغ الطاقة .
و متى أردت أن تسوي قرناً معوجاً من تعويجه أو تعوج عظماً من العاج أو غيره من العظام، فدق من حب الخروع شيئاً كثيراً، و رش عليه الماء الحار، و ارمثه بيدك حتى يختلط، و زده من الماء الحار حتى يصير كغلظ العجين اللّين جداً، الين ما يكون منه، ثم أطلي به القرن أو العاج حتى لا ترى شيئاً ظاهراً من الذي طليته، ثم اتركه إما في شمس حارة أو (على) نار لينة أو قريب من شمس حارة، إن أخذ في التحليل مما طليته عليه، أو قربه من سخونة نار يكون مقدار حماها مثل حرارة الشمس إذا كانت في برج الثور، فانه يلين ذلك تلييناً عجيباً و تبلغ ما تريد من تقويمه و تسويته كيف .
وهو ما يصلح أن يحول صغيراً قبل أن يكبر، فيغرس في مواضع أخر و ينبت، و ربما زرع و ترك ينشأ في موضع زرعه . و قد يستخرج من حبه دهن يسمى بلواني، نافع للمفلوج و من عرضت له لقوة، لأن في دهنه تقوية للأعصاب بالاسخان لها و بخاصية موافقة لها. و استخراج دهنه بأجود ما يكون أن يعمل ذلك كما يعمله أهل مصر، فأنه لا زيادة فيه لأحد. إذا اعتلفته الجمال سمنت عليه و صحت أبدانها لموافقته لمزاجها. و هو و دهنه يسهلان الطبع و يحللان البلغم اللزج مع غثي شديد يعرض لمن يأخذهما، لأنهما يسهلان بالإرخاء و يسير من التحليل بلا حدّة. و مقدار ما يؤخذ من الحب وزن درهم واحد و من الدهن وزن درهمين بلا زيادة، لأنه إن أكثر مكثر من أخذه قتله، و يشم من فيه رايحة عظيمة النتن، و يعرض منه دوار و هوس شديد من قليله و كثيرة، ألا أن كثيرة يعقب الدوار و الهوس و الموت، و قليله يعقب ذلك القيام على مقدار ما أخذ منه. و إن خلط دهنه بشيء من الماء الحار و ضربا في قارورة، و دهن به الساقين و القدمين و تلك المفاصل سكن الإعياء و أراح من المضض العارض من التعب. و إذا طرح من حبه حبات ثلث صحاح في خل مفرط الحموضة، سكن شدة حموضته. قال أبو بكر أحمد بن وحشية: جربت هذا فما صحّ، و أظنه رمز على شيء، فان النبط لهم مثل هذه الرموز شيء كثير على أشياء كثيرة. و إلا فلا أعلم أنه يسقط من كلامهم ساقطة البتة، و إنما يسقط منه عند من لا يعرف معناه، و أكثر من لا يعرف كلامهم و من لا يعرف طريقتهم في الكلام، و حيث طمرهم المعاني و سترها و خبوها، فلذلك أشير كثيراً بأن يفكر الناظر في علومهم فيما يقولون فكراً طويلاً، فانه ينفتح له ما معنى قولهم و ما يريدون به. رجع الكلام، ‏‏قال: ‏و قشور حبه سم يقتل منه وزن ثلاثة دراهم، بعد أعراض هايلة تعرض منه، و يشفي منه و يزيل ضرره أكل البربير رطباً أو شرب بزره مدقوقاً مع الماء البارد و الجلابّ، مراراً كثيرة. و للقتل بقشور حبّه سياقة وصفة ما يجب أن لا نشرحها للضرر فيها. و قد يخلص منها و من ضررها الطباشير، و هو أبلغ و أجود، و يشرب مسحوقاً بالماء البارد و يسير من سكنجبين حامض، و هو الذي خلهّ أكثر من سكره بجزء واحد، فإن هذا يخرج شديد الحموضة، إلا أن مزاجه بالماء و شراب الخشخاش يكسر حموضته.
‏و الخروع مما يظلل المنابت الصغار التي تحتاج إلى الظل، و التي يضربها وقوع الشمس عليها ‏دايماً، خاصّة الشمس الصيفية. و هو أجود تظليلاً من غيره من المظلات، لأنه يدفع ذلك بخاصية فيه. و قد تبقى شجرته في غير إقليم بابل سنيناً كثيرة، فأما في إقليمنا فليس تكاد تبقى سنيناً. و لهذا ‏علة كبيرة و ليس هذا موضع ذكرها، و نحن نؤخر ذلك لنذكره مع ما يشابهه من العلل .
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : ذكر شجرة الخطمي

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:05 pm

باب ذكر شجرة الخطمي
قال أبو بكر بن وحشية إن للكسدانيين في الخطمي خرافات كثيرة ذكروها، تحتها فوايد جمة و أشياء عجيبة. و إنما قدمت هذا قبل كلام أصحاب الكتاب و ذكرهم تلك الخرافات ليتقدم علمك بذلك، فلا يخطر ببالك أنه كالهذيان الذي لا معنى له، بل لتفكروا فيه و تتبينوا ما قالوا، فان فهمتموه وجدتموه كما قلت!
إن شجرة الخطمي لونان، أحدهما يورد ورداً أحمر كباراً، و الأخر ورده أبيض أصغر من الأحمر. و أكثر نباتها و نشوها في بلاد الجرامقة، و قد تنبت في إقليمنا كثيراً و تنتشر. و هي من النبات الفلكي، و المنابت الفلكية لا تفنى و لا تموت و لا تهرم أيضاً و لا تذبل و لا تتغير عن حال واحدة الدهر كله. و قد ذكر شباهى الجرمقاني إن شجرة الخطمي مما تحمل وردا احمر، بقيت في بلاد نينوى اثني عشر ألف سنة تحمل في كل سنة سبعة و عشرين وردة، و ذلك مضروب ثلاثة في تسعة، و تحمل وردة ‏مفردة في رأسها، أكثر ورقاً من السبعة و عشرين كلها. قال شباهى: و كانت هذه الشجرة تحدثني كثيراً في النوم و اليقظة، إلا أن أكثر حديثها لي كان في النوم، فإذا سمعت منها حديثاً كنت كما انتبه من نومي أثبته في جلد، كراهية أن أنساه، فاتتني ليلة في منامي فقالت لي: أعلم أن صنم من أصنام عطارد، و أنت تظن أني شجرة خطمي فقط، و أنا شجرة خطمي، كما ترى، و أنا صنم جميعاً. و قد وقع بيني و بين اليبروح شر عظيم و منازعات كثيرة، لأنه يدعي أنه أحق بمكاني مني، و كل شيء على الأرض موضوع حيث وضعه إلهنا، لا يقدر أحدنا أن يتجاوز موضعه و لا لأحدنا استطاعة في الانتقال من حال إلى أخرى، كما لا يمكننا الانتقال من موضع إلى أخر، و كما لا يمكننا الزيادة في قد و كبر، و الانتقال إليه من قماء و صغر، و لا أن نغير لنا طبعاً عن طباعنا، فنعمل غير عملنا. و اليبروح فجاهل عم بزعمه أن جميع ما قلت إنه غير ممكن، يقول هو ممكن لنا أن نعلمه. و أنا أسألك، يا شباهى، أن تكتب إلى سحرة بابل أن يحكموا بيني و بين اليبروح، فانك ‏لا تعلم علمهم فنحتكم إليك دونهم، لأني، كما تعلم، لا أستطيع مكاتبة أبناء البشر و لا إعلامهم شيئاً أريده، و إنما أعلمتك أنت بهذا، لأنني قد اصطفيتك من بين أبناء البشر، فلذلك أنت باق ببقائي الدهر كله. ثم تحللت الخطمية كما بلغت إلى ها هنا و صارت بخاراً صاعداً إلى السماء، فلم أرها بعد تحللها. و انتبهت فكتبت إلى سحرة بابل بذلك، فكتبوا جوابي، يقولون: وصل كتابك و سرتنا سلامتك و سلامة الشجر قبلك. و ليس الخطمي عندنا كاليبروح، لأن اليبروح عندنا أعظم محلاً و أكبر منزلة في أفعاله في منافعنا و مضارنا، بل مضارّ أعداينا النافعة لنا. إلا أنه مع ذلك مختل روّاغ، لا تطاق شدّته و لا تقاوم قوته، فلذلك نمدحه و نستكفي شره. و ليس بمضاد للخطمي، بل هما متفقان في طبع واحد، في البرد و الثقل و البطاء، و منسوبان إلى كوكبين هما قويان قد تولياهما، و هما عطارد و أبوه زحل. و هذان النباتان جميعاً عاقلان، و قد عجبنا من وقوع الشر بينهما، إذ كانت المنازعات و الشرور كثيراً ما تقع بين أحمقين، فأما بين عاقلين فما أقل وقوع الشر بينهما! و قد يقع بين العاقلين الشر و المنازعات، إلا أنه أقل من وقوعه بين الحمقى بكثير، و ذلك أن العاقلين لا يقع بينهما ألا بسبب موجب لوقوع الشرّ و المنازعات، بفعل من فاعل يفعل ذلك بهما، و أما الأحمقان فيكون بذلك و منهما، فلما صار للعاقلين وجه واحد لوقوع المنازعة، و للجاهلين سببان، كان أكثر وقوعاً مما يقع من سبب واحد.
وقد حكمنا لليبروح على الخطمي لكثرة استعمالنا له في السحر، فهو عون لنا قوّي على علمنا. و أنّا نستعمل الخطمي في بعض المواضع و بعض الأحوال و بعض الأمور، في الوصلة و المحبة و العطف و التعطف و بعض الطلسمات التي هي منفعة محض. فأما اليبروح فإن عمله في الشر أبلغ.
فمضيت بالكتاب إلى شجرة الخطمية فأعلمتها وصوله، ثم انصرفت فاتتني في منامي فأخبرتها، فقالت أنهم قد حكموا لي عليه لا له عليّ، بقولهم إني خيرّة و هو شرير، و قولهم إنا إنما نمدحه و نفضله لشرهّ. و الدليل على صحة قولي إن كل حيوان شرير مخوف من البهايم، مثل السباع و أصناف الحيات، مهيبة بشرها، و هي شقية متعبة. و الخيرة مثلي التي تأكل الحشيش، مرفهة مسعودة، و كذلك الحيات مقتولة مطلوبة، و السمك و السلاحف موقاة سليمة، و قد حكموا لي بالخير و السلامة، و حكموا على منازعي بالشر و المخاوف منه، و أنا أفضل و اسعد، كما أن الأخيار من أبناء البشر أصلح حالاً من الأشرار كثيراً في أشياء و وجوه يطول تعديدها. و لو لم يكن بين الأخيار و الأشرار من التفاضل إلا راحة قلب الخير و شغل قلب الشرير فإن المستريح القلب يلذ بكل ما يأكله و يشربه لذة لا يجد مثلها المشغول القلب أبداً.
‏فلذلك أمر شباهى حتى الجرامقة أهل بلاده أن يصوروا في هياكلهم صورة دواناي السيد قايما قد عقد بأصابع يده اليمنى على ثمانية، و الثلاث أصابع الباقية قايمة منتصبة، و هو متوك على غصن من شجرة الخطمي، مصور فيها العقد التي في خلقة شجرة الخطمي في أغصانها، و قد التفت على العصا ‏حية عظيمة، و في رأس العصا مصلب من ذهب، و الحية فاغرة فاها نحو وجه دواناي .
و قد توافق الخطمي من الأرض الصلبة الكثيرة التراب التي فيها حصية و قشف، و لا تكاد تنبت ‏شيئاً. فأنه ينمى في هذه الأرض. و يحتاج إلى ماء كثيرة يكون في أصله، و توافقه السيول و الأمطار. و هو نبات لا يهرم و لا يتغير سريعاً كما يتغير ساير النبات، فإن عدم الماء زمانا لم يضره ذلك كما يضر غيره من النبات. و فيه لزوجة كثيرة دالة على شدة البرد فيه و تكاثفه و رطوبته. و هو كالملك في أبناء البشر. و قد يعرض له داء يسمى الحمرة، يقال قد أصابت هذه الخطمية حمرة، و ربما قالوا قد رمته النجوم منها بحمرة. و دواء ذلك أن يصب عليها ماء بارداً، يرش عليها نصف الماء رشاً، ثم يسكب على جهاتها سكباً، يفعل بها ذلك في سبعة أيام مرتين أو ثلاثة، فإن ذلك الداء يزول عنها، و إن لم يصنع بها هذا ثويت و ذبلت و استرخت، نعم، و لا تزل تذوب كما يذوب الإنسان الذي به حمى الدق، حتى يهلك جميعها. و يوافقها أيضاً، و ربما أزال عنها هذا الداء، أن يوقف الماء في أصلها يومين و ليلتين، يبدأ فيصب الماء في أصلها ليلة السبت، على ساعة من الليل، و يتعاهد كل ساعة، إذا نضب ذلك الماء و غاب في الأرض صبّ أيضاً مكانه. فكل ما يبتدي الماء يفنى يمدّ بماء أخر، و على هذا يومين و ليلتين، فإن هذا يزيل عنها الحمرة التي تصيبها، و إن لم يكن بها حمرة و عمل بها هذا فإنه يقويها و يشدها.
وقد خالفنا في هذه الخطمية اليونانيين، و زعموا أنه حارّ معتدل و أن فيه تسكيناً للأوجاع كلهّا و تليينا للأورام الصلبة. فأنا أقول أن تسكينه للأوجاع كلهّا دليل برده، و تليينه للصلابات دليل لزوجته، و اللزوجة في الأكثر تصحب البرد و تتكون عنه، و أن كان أصلها الرطوبة. و بزره ينفع من حرقة البول، إذا خلط بأدوية حرقة البول. و يقلع البهق إذا سحق نعماً و طلي على البهق بخل خمر و اسخن بنار لينة، أو قام الذي به البهق في الشمس.
وقال أدم رسول القمر إن أخذ أصل الخطمي يابساً فعلقّ على امرأة قد احتبس طمثها، أدرهّ. و في الدبيب شيء طويل له أرجل كثيرة، يسمى الرحال، و له سمّ في بعض الأوقات، و يعضّ الناس عضاً فيؤلمهم بسمّه، و دواءه ن يؤخذ ورق الخطمي و مثله نخالة، فيسحقان و يعجنان بخل، و يوضع على موضع العضة، فأنه يسكنها. و من أراد أخذ العسل من الكواير، و أحب أن لا تضره الزنابير و لا تؤذيه، فليأخذ من سحيق ورق الخطمي فليبلها بالزيت، و يطلي به بدنه و أيّ موضع أحبّ من بدنه، فإن النحل لا يعرض لذلك الموضع و لا يدنو له.
و من عجيب خواصّه أنه من أراد أن لا ينتن له لحم، فليخلط للغنم أو غيرها ممّا يريد أكل لحمه في علفهّن ورق الخطمي و ورده، فأنهنّ إذا أكثرن من أعتلافه لم تنتن لحومهم إذا ماتت البتة. و إذا اعتصر إنسان ورقه و ما أخضّر و رطب من أغصانه، و جمع الماء و ذرّ عليه رماد خشب الخطمي و نقط عليه زيتاً، ثم دهن بذلك بدنه كلهّ، و عمل ثلث مرّات في الشهر أو مرّة في أوله، و أخرى في وسطه، و أخرى في أخره، لم يلذعه في تلك الصيفية زنبور، فإن لذعه لم يؤلمه.
و من أراد تجميد الماء في الصيف أو عمل قريص، فليأخذ أجّانة خزف جديد أو أجانّة لم يقع فيها ماء منذ زمن طويل، فدلك داخلها بورق الخطمي و ورق الجرجير من بعده، ثم ورد الخطمي من بعد الجرجير، و لا يدلك الثاني عليه حتى يجف الأول جفافاً كاملاً، ثم يجعل في ذلك الإناء بعد جفافه إما الماء و إما السمك المطبوخ بالخلّ، و يجعله في موضع كنين بارد، مثل سرداب و ما أشبهه، ليّلا تخترقه الرياح، فإن ذلك يجمد في اثني عشر ساعة أو أقل أو أكثر قليلاً.
و قد زعم زينوناي أن النظر إلى ورد الخطمي، و هو على شجره، يفرح النفس و يزيل الهمّ و يعين على طول القيام على الرجلين. قال و ينبغي أن يدور الناس حول شجرة الخطمي و ينظر إلى وردها و ورقها من كل جهة من جهاتها ساعة، فأنه بذلك يلحقه الفرح و السرور، و تبتهج و تقوى نفسه. قال و لذلك أمر دموحا الملك أن يجعل في بساتين دوره، في كل واحد منها أصول عدّة من الخطمي، لما علم منها ذلك.
و هو موافق للزوجته للشعر و بشرة الإنسان و العيون و الوجوه، و فيه من اللزوجة لزاق كثير و جريان و تحليل.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر شجرة البطم

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:06 pm

باب ذكر شجرة البطم
هذه شجرة خضراء العيدان إلى السواد، تحمل حبّاً أخضر، يسمى الحبة الخضراء، و تسمى الشجرة شجرة الحبة الخضراء. و هي تنبت أكثر نباتها في الجبال و على الحجارة و الصخر، و تثقب بعروقها الحجارة الصلبة و توافقها لذلك، و لا تفلح في الأرض الرخوة و لا المّزة و لا المتغيرة الطعم إلى أحد الطعوم، بل في التربة الخصبة الصلدة المتلززة، أو التي هي فيما بين التراب و الحجر. و لا يوافقها الماء العذب الخفيف، بل الماء الأرضي الغليظ في قوامه الكثير اللزوجة. و ليست مما يتخذه أهل إقليمنا في البساتين، إلا أن يكون أهل ناحية حلوان و السيروان و الصمّيرة، فإن هذه النواحي ربما اتخذوه قليلاً و افلحوه. و ليس يحتاج إلى كثير علاج، و لا يعرف له داء يعرض له، لأنها شجرة صحيحة في طبعها، حسنة التركيب، و أنما يمنع الناس من اتخاذها في البساتين لأنها لا توافقها كثرة الماء و لا الأرض الطيبّة. و هي تعظم جدّاً في الجبال و حيث الصلابة و القشف.
وهي في مزاجها شديدة الحرارة، و حرارتها من فرط مرارة غلبت عليها، تشوبها حرافة شديدة كمرارة الصبر و حرافة الخردل قد خلطا. و قد يعمل من حبّها دهن كما تعمل ساير الأدهان، أما بالطبخ أو بالعصر بعد الفرك أو الطحن، و الدلك بعده و العصر باليد. و دهنها حارّ جداً، أشدّ حرارة من جسمها، فهو لذلك محلل طارد للرياح الغليظة، منقي للخشام و الرطوبة العلكة اللاحّجة. فمن أتخذها في بعض البساتين، فليقلل سقيها الماء، فمتى عرض لها نقصان من نشوّها أو ذبول أو وقوف، فليصّب في أصلها الماء الحارّ المسخنّ بالنار، و ليجعل فيه قبل أن يسخن شيء من ورق شجرة الحبّة الخضراء و من ورق الآس الرطب أو من حبّ الآس، فأن الآس صديق هذه الشجرة، و هي صديقته، فكل واحد منهما يحب صاحبه، و إذا لابسه أو جاوره قوّاه و فرح به. و هي تمررّ الأرض التي تنبت فيها و تفسدها، كما يمرّر الآس و يفسدها و يخشنها مع ذلك، حتى إذا طال مكثها، و كذلك الآس، في الأرض سنين كثيرة، انقلب طعم تربتها إلى المرارة حتىّ تحتاج إلى العلاج في إزالة الطعم المرّ عنها، حتى تصلح أن يزرع فيها شيء.
وزعم أهل البرش أن الحبّة الخضراء، إذا جمع بينها و بين حبّ الآس في برنيّة غضار، و كانا سواء في العدد، و تركت البرنيّة مغطاّة الرأس غطاء محكماً ستة أشهر، فصلي الشتاء و الربيع، ثم فتحت البرنيّة بعد، وجد الحبّ قد التصق كلّ حبّة من الآس بحبّة من الخضراء التصاقاً كأنه خلقة، لا يفترقان بتفريق الأصابع لهما، و أن لونهما تحوّل إلى صفرة يسيرة، و أن طعمهما تحوّل إلى حلاوة قليلة، يشوبها حرافة و مرارة، و أن هذين، بعد مضي سنة عليهما، يلتصقان أشدّ من ذلك الالتصاق و يترطبان حتىّ يصيرا كأنما قد نقعا في دهن، و يرخيان دهناً بعد سنة و نصف، و إذا مضى عليهما سنة صارا دواء جليلاً للمعدة يصلحانها و يشدّانها و يزيلان عنها سوء المزاج البارد و الرخاوة التي تورث الحلقة. و أن استعملها من عرضت له الحلقة من البلغم الحارّ الرقيق سكنها في زمان يسير. و إذا أخرج هذا الحبّ الملتصق بعد سنتين، و جفف في هواء حارّ و سحق و استفّ منه، كان بليغاً في طرد الرياح الباردة الغليظة، و في أصلاح المعدة الباردة الضعيفة، و في تحليل القولنج الصعب. و هو يسكن ضربان النقرس من البلغم تسكيناً يكاد أن يكون سحراً من ساعته. و قد يسيل على هذه الشجرة صمغ إلى السواد، فذكره الأطباء في كتبهم، فيه منافع كثيرة، و أدخلوه في المعجونات من الأدوية التي ركبوها. و هي درياق نافع من سمّ العقرب و الرتيلاء، إن يستعمل غضاً طريّاً، الحّبان جميعاً، و إن استعملا بعد مضي سنة و سنتين كان نافعاً.
والحبّة الخضراء تشبه حبّ الأبهل في الحرارة و حدّة الرايحة و الكراهيّة في أنف الدموي و الصفراوّي، و كذلك صمغ شجرة الحبّة الخضراء السايل منها هو درياق نافع مما ذكرنا. و قد يسخن إسخاناً شديداً و يصدع رأس الذي مزاجه حارّ، فان شمّ الكافور و الماورد سكنّ عنه الصداع. و قد زعم سياذار أنه يطرد الدود و الحيّات فانّي لا أظنه حقاً، بل أظن إنهن يكرهن ريحه، فإذا دنون منه تنحين، فأما تنقيته للدود فهو صحيح، فإن جميع ما يجاوره من نبات سبيله أن يتدوّد، فإنه لا يتكون فيه الدود و لا يقربه شيء من الدبيب.
وزعم أيضاً أن الحبّة الخضراء، إذا دقتّ خفيفاً و نقعت ليلة في خل حامض، و رشّ ذلك الخلّ في بيت، طرد عنه البراغيث، و لا يقربه برغوث و لا يتولد فيه. و زعم أنه من أخذ من ورق هذه الشجرة و أغصانها الرطبة فيرضّه رضاً خفيفاً، و ألقاه في قدر نحاس، و صبّ عليه خلاً متوسط الحموضة، و ألقى فيه شيئاً من الشبّ المجلوب من بلاد باكسي، بمقدار سدس وزنه حزرا، و ألقى فصوص البّلور و أوقد تحته ناراً ليّنة من الوقت إلى مثله، و كلّ ما نقص الخلّ ردّه إلى الحدّ الأول بخلّ جديد يصبه عليه، فإن ذلك البلوّر ينصبغ لوناً بنفسجياً غلى الحمرة، أو خمرياً مليحاً، و نحو هذا اللون.
وجميع ما قاله هذا الرجل في خواص هذه الأشياء أنا شاك في أكثره، و يكذب في ما قاله في الأول، فلذلك ليس أكاد أحكي عنه شيئاً، لأن الكذاب، على قول ايشيتا بن أدم، نبي القمر، لا يزوج و لا يتزوج إليه، و هو ملعون بين أبناء البشر، إلا أن يتوب. إلا أنه قد صدق في صفة واحدة من ذكر قوة الحبة الخضراء أنها تدر الطمث، إذا احتبس في أبدان الناس، و هذا قد جربته فوجدته صحيحاً يدره بقوة. و جربنا أنها إذا دقت و خلطت بالسكر و استفّ منها و حسي بعدها جرع من خمر، أنها تزيد في ألباه و تقوي الأنعاظ شديداً، و كأنها ترق المنى فيكثر و يحتد و يلذع المكان، فينتشر الذكر. و هي تسخن الكلى التي قد بردت و تدفع عنها العّلة من برد و تسمنها و تقويها بخاصية في الخضراء تفعل ذلك بالكلى، إلا أنها تصدع و تسخن الكبد و الأحشاء شديداً، و تسقط الشهوة للأكل و تبثر الفم، و تبطيء في النفوذ عن المعدة و الأمعاء، إذا أكلت. و هي من أنفع ‏الأشياء كلها لغلظ الطحال الحادث من البرد الشديد، لا الذي معه سخونة - قال أبو بكر بن وحشية: لا ينبغي أن يصيب أحد الكسدانيين بذكرهم المنافع لكل نبات يذكرونه، فيقول يصبر هذا الكتاب كتاب طبّ، لا كتاب فلاحة، فانه لا عيب في أن يذكروا إفلاح الشجر و النبات و ما يوافقه و ما يضره وكيف إفلاحه بما لا يوافقه، و كيف يستعمل فيه ما يزيل ضرره، و كيف إفلاحه بما يضره، و كيف يمد بما ينفعه، ثم يتبعون ذلك بطرف من ذكر منافعه بخواص أفعاله، لا على سبيل العمل بحرارة فيه أو برودة أو رطوبة أو يبوسة، بل إنما عمله بخاصية فيه و له، ‏فأنهم قد قالوا في غير موضع من ‏هذا الكتاب إنا لا نذكر فيه إلا ما كان خاصياً غريباً، لا يعرفه كثير أحد. و هذا لا عيب عليهم فيه و لا طعن‏، و لهم حجة أخرى أن يقولوا إنما نظمنا هذا الكلام على النبات طلباً لمنافع الناس. و في ذكر هذه الخواص منافع عامة للفلاحين و غيرهم، و ما عم نفعه أنفع مما خص النفع فيه و الانتفاع به. و السلم.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر شجرة الأنبرباريس

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:08 pm

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر شجرة الأنبرباريس


قال أبو بكر بن وحشية: هذه الشجرة أسمها بالفارسية انبرباريس، و بالعربية شجرة الزرّشك، و حبّها المستعمل يسمّى حبّ الزرّشك، و أسمها بالنبطية الشندياثا، و حبّها يسمى ممونا بالنبطية. و أغصانها تسمّى فرحا، و الشجرة في جملتها تسمّى شندياثا. قال قوثامى: هذه شجرة تنبت في إقليم بابل، فيا بين بدنا و بلاد باجرما، و فيما بين بلاد سوما و بلاد باجرما، و ربما تنبت فيما بين حلوان و الصميرة، و نباتها في هذين الموضعين قليل جداً. و نباتها كثير و قوتها في بلادنا و بلاد خرسان. و هي شجرة عظيمة المنفعة لأبناء البشر. و هي حسنة النبات، خضراء متكاثفة الخضرة، حتى أنها تضرب إلى السواد من شدّة خضرتها. تحمل حبّاً صغاراً مسبخاً، يشبه الزبيب الجبلي، يسمّى بالفارسية ميونرج. و من طبعها إنها ربّما حوّلت فغرست غرساً، فهي هكذا تكون أنمى و أكبر، و أما أن تزرع و تترك مكانها.
وإفلاحها و علاجها يكون بأن يحفر أصلها في كلّ أسبوع إلى عشرة أيام و يلقى في موضع الحفر تراب مختلط بشيء مسحوق من ورقها. و قد قلنا إن نباتها في إقليم بابل عزيز جداّ، و إنما ذكرناها لكثرة منافعها. فلعله أن ينتفع بذكرنا لها منتفع، فنحظى منه بذكره لنا و دعاية و ثنايه علينا. و قد قلنا إن منافع هذه الشجرة كثيرة جداً، أما حبّها فبارد يابس، إلا أنه يعمل بخاصية فيه أعمالاً عجيبة، و ذاك أن يبوسته شديدة ناشفة جاذبة، فهو لذلك ينفع الأورام و الجراحات الرطبة التي تسيل دايماً، لنشفه الشديد و جذبه الرطوبة من داخل إلى خارج. و هو مع ذلك يصلح فساد المزاج و ينفع المستسقين منفعة عجيبة سريعة. و أما ورقه فينفع القروح الباطنة في الصدر و في قصبة الرّية و جرمها و في ساير الجوف و الأحشاء منفعة لا تعلم أن غيره يقوم مقامه فيها، و ذلك إذا أكل إما رطباً، أو يأخذ اليابس منه فينقع في ماء الحصرم الرقيق أو في خل جمر ممزوج بماء قراح أو في خل خمر مقطرّ بالفتيلة، ليذهب عكره و كدره كله عنه و يخلص صافياً، فأن تعذر ذلك طبخ السماق بماء طبخاً جيداً، و يصفى و يستعمل، و إن طرح و هو رطب في أحد هذه المياه كان أنفع، بعد أن ينقع فيه اثني عشر ساعة موقىّ من الغبار، و هو إذا طرح رطباً في الخل كما هو كسبّه عطريه عجيبة إذا مكث فيه يوماً أو يومين، و ينفع الدماغ منفعة عجيبة بينة، و يزيل عن المعدة الانتفاخ العارض فيها من غلظ البرد و الرياح و من كثرة شرب الماء البارد، حتى أنه يعمل في ذلك عملاً هو أبلغ من عمل الشراب الصرف أو مثله، و كل هذه الأفعال بخاصية فيه و له.
وأما أغصان هذه الشجرة فأمرها عجيب في المنافع، ينفع من الحمّى النافض، إذا عمل منها شراب، و خاصّة إن طبخت في خلّ مع بزر الكرفس و الرازيانج، و صفيّ ذلك الخلّ و القي فيه سكرّ، و طبخ ثانية حتى يختلط السكر بالخلّ جيداً، ثم يترك حتى يبرد، و يصفى و يشرب منه دايماً، فأنه يقلع الحمّى الباردة بعد ثلث شربات أو أربع، بلا زيادة. فأما منفعته للمستسقي فأنه إن أخذ آخذ من ورقه، رطباً أو يابساً، جزءاً، و من أغصانه مثله، و من حبّه مثله، فدقّ الجميع، رطباً كان أو يابساً، جزءاً، و من أغصانه مثله، و من حبّه مثله، فدّق الجميع، رطباً كان أو يابساً، و ألقى عليه من خمر عتيق عكر شيئاً، ثم سحق به و زيد منه حتى يصير مثل الحسو الغليظ، ثم فرش في جام واسع تضر به الريح، موّقى من الغبار، حتى يغلظ بعض الغلظ، و يعمل منه حبّ كأمثال الحمّص الكبار، و يصفف الحبّ في جام و يترك في موضع تضر به الريح حتى يجفّ أو يقبّ بمقدار ما يمكن أن يمسك بروس الأصابع فلا يعلق بها منه شيء و يؤخذ للمستسقي منه كلّ يوم وزن مثقال فيداف بأوقيتين خمر عتيق و أوقية ماء حارّ، و يشربه على الريق، فأنه إذا أدمنه برئ برءاً تامّاً لا يبقى للاستسقاء أثر بعد.
و ينبغي أن يستعمل هذا المفسد المزاج و الذي في أحشايه غلظ و المستسقي و الذي يعرض له التزممّ الشديد بعقب الأكل و شرب الماء، فأنه يزيل هذا كله، و أن أستعمله هؤلاء في الطبخ على ما أصف، و هو أن يؤخذ هذا الحبّ فيداف بماء قراح أو ماء حصرم أو ماء سمّاق أو بخل صاف مروّق، و يغلى اللحم، فإذا نضج صبّ هذا الماء و الخلّ عليه و ألقي فيه باقة نعنع و باقة سذاب طريّن، و ألقي عليه من الأبازير ما يطيّبه، و أكل اللحم و حسيت المرقة، فإنه، مع شرب الحب، على ما وصفنا، يتعاونان على البروء. و قد جربنا هذا فوجدناه صحيحاً لا خلل فيه و لا إبطاء أيضاً. و أن شئت فخذ حبّ الزرّشك اليابس فانقعه في ماء قراح ممزوج بخلّ و شيء يسير من ماء ورد، و أطبخه حتى تخرج قوّة الحبّ في الماء، ثم أستعمله في الطبخ كما وصفنا، فإن هذا طبيخ مبارك نافع.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر شجرة الزعرور

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:09 pm

باب ذكر شجرة الزعرور
هذه الشجرة تنبت في الجبال و على الصخور و الحجارة، و الفرس يسموّنها دواسنه، و لنا في لغاتنا لها أسماء كثيرة. فإن أسمها عند الجرامقة بلغتهم غير أسمهم عند الكسدانيين. فهي تحمل حبّاً أحمر و أصفر شديد الحمرة و الصفرة، و ربما سمّاها بعض الفرس العيزران، و ذلك بلغة الفهلويّة، أو بلغة أخرى من لغات الفرس، و ربّما سمّوها أيضاً دياهيشا، و قد تسّمى بلغة الييالقة السح. و في جوف حبّها الذي تحمله نوى ليّناً، أكثره زوجاً زوّجاً في جوف الحبّة. و هي شجرة باردة قابضة مبردة حابسة لا طلاق البطن. و قد يتخذها بعض أهل إقليمنا في بساتينهم لحسنها و حسن حملها، و لمنافعها أيضاً. و تحتاج أن تسّبخ في كلّ سنة، وقت تسبيخ الشجر كلّه، و يخفف ورقها عنها بكلاب حديد مسقى حادّ ماض، فإن الحديد إذا داخل شيء من صداه بعض أغصانها أهلكها و أبطلها.
ولها منافع و فيها خواص. فمن منافعه بخاصية فيها أجمادها للماء و الخلّ الذي يراد أن يكون قريصاً، و ذلك بأن يعمل به كما وصفنا أنه يعمل بالخطمي: يؤخذ من ورق الزعرور الغضّ الصغار الذي يكون في أطراف أغصانه من حمله، فيدلك به داخل إناء من خزف، و ليختار الإناء من الخزف الرشاح، ثم يترك حتى يجفّ، ثم يدلك بالخلّ و يترك، ثم يدلك بما وصفنا في ذكر الخطمي، فإن اجتماع هذه في إناء واحد أبلغ، ثم يجعل فيه الماء الذي يراد تجميده، و يترك في أبرد موضع يقدر عليه، و يكون الموضع لا تخرقه الرياح، فإنه يجمد. و كذلك تفعل بما تريد أن يصير قريصاً من الخلّ. و قد يعمل هذا بوجه آخر فيه زيادة على هذه الصفة، و هو أن يأخذ من ورق الزعرور و حمله و ما كان رطباً من أغصانه، أجزاء سواء، و من ورق الخطمي و رطب أغصانه و ورده و بزره أجزاء سواء، فيدّق الجميع، رطبه أو أخضره، يابسة مجففة، ثم يدلك داخل الإناء بما قلنا، ثم يصبّ الماء و تذرّ عليه تلك المسحوقة مثل الذرور، فإن عمل هذا على هذه الصفة كان أبلغ في التجميد للماء، بل لا يجمد الماء في الحرّ إلا على هذه الصفة.
ومتى عرض لهذه الشجرة شيء من أدواء الشجر الذي يذويها أو يذبلها أو ينقص من صورتها، فدواها أن ينبش أصلها و يحفر حوله مقدار قدم و يصبّ في الحفرة التي حفرت دم شاة ضان مخلوط بماء حارّ، و يكون الماء أكثر من الدم، يعمل بهذا هكذا مراراً ثلاثاً أو أقل أو أكثر، على مقدار ما خرجت به عن حال الصحة، فإنها تعيش و تقوى و يجود حملها و يكثر و يحسن. و جميع أصناف السرقين لا توافقها البتة، و إنما يوافقها و ينفي عنها أدواءها ما وصفناه.
و قد يعرض لها داء آخر، و هو اصفرار ورقها، إما كلهّ و إما بعضه، و يسترخي استرخاء منكراً، و يتأخر حملها. فدواها من هذا، إذا كانت في بستان، أن يحفر حولها و يطمّ الحفر بتراب أخذ من بعض الجبال، أو من مواضع صلبة فيها حصى صغار و رمل، هذا إن كانت حوّلت من جبل إلى بستان، أو من موضع نبتت فيه، فليجعل حولها من تلك التربة التي نبتت فيها و حوّلت منها، فأنها تعيش. و إن كانت إنما زرعت في البستان زرعاً أو حوّلت من بستان إلى مثله، أو من موضع منه إلى موضع آخر، فإن هذه تكون ضعيفة و دواها حتى تقوى و تعيش الماء الحار و الدم، أو تحوّل إليها تربة من موضع زرعت فيه و حولت عنه. وهذا يحتاج أن يكرر عليها مراراً يحفر حولها و تطمّ بالتراب، و تترك عشرة أيام، ثم يحفر حولها و ينقل إلى الحفر تراب من ذلك الموضع و يطم بالتراب الأول الذي كان جعل في أصلها حول التراب الثاني الذي يجعل الآن في أصلها، و يعمل كذلك مراراً حتى يصير حولها من ذلك التراب أذرع، و يعلى التراب على ساقها كثيراً.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر شجرة الازادرخت

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:10 pm

باب ذكر شجرة الازادرخت
هذه شجرة تنبت في إقليمنا، و هي أخت لشجرة الزعرور و شكل لها. و فيها قبض شديد كما في الزعرور، إلا أنها حارّة المزاج، و الزعرور بارد المزاج، و إنما اتفقا في القبض و اختلفا في الحرّ و البرد. و ورقها و حملها في نهاية الموافقة لشعور أبناء البشر، رجالهم و نسائهم. و يوافقها غي الأرضيين الصلبة الحمراء و الكثيرة السواد و البيضاء، و كلّ أرض صلبة فهي توافقها. و هي ممّا يزرع زرعاً و تترك تنشوء موضع زرعت، و ممّا يحوّل من موضع مزرعها إلى موضع آخر، و ما حوّل منها و غرس في موضع زرعت أجود ممّا تحوّل من موضع مزرعها و أقوى، و ما حوّل منها أقوى كما قلنا. و يسمّيها أهل بلاد باجرما تعسفزا، و يسميّها السورانيون داواراى.
وقد تدخل في أدوية من العلاجات كثيرة. و فيها خواصّ عجيبة نافعة و ضارّة بفعلها. فمن خواصّها تسويدها الشعر و تقويته و إثباته و إزالة التشقيق الذي يعرض له عنه. و لاستعمالها في التسويد سياقة، و ذلك إنه إن أخذ من رطب ورقها و أغصانها شيئاً كثيراً، فدقّ، و اعتصر ماؤه و جّود العصر حتى يصير المعصور من الماء خاثراً، و صب في إناء من مّس أو حجر لا يشرب شيئاً. و صب على كل رطل من الماء رطل من الدهن، إما زيت أو دهن سمسم أو دهن ‏بزر الكتان، و طبخ على نار فحم لا ‏نار ملتهبة حتى ينفد الماء و يبقى الدهن، و قد أخذ قوة الماء، فإن هذا الدهن ‏يسّود الشعر و يقويه ‏و يدفع عنه الآفات العارضة للشعر كلها. و إن دهن بهذا الدهن الوجه دايماً سوّده سواداً لا يكاد ينقلع، فينبغي إذا دهن مستعمله للشعر شعره أن لا يصيب بشرة وجهه منه شيء .
‏وإن أخذ حمله فجفف و سحق و خلط بالكرمازك، و هو شجرة الطرفا، و تسمى الشوكرايا ‏بلغة الجرامقة، و ليكونا جزئين سواء، و أضيف إليهما أربعة أمثالهما سكر نقي مسحوق، و خلط ذلك خلطاً جيداً و استفّ منه كلّ يوم من في طحاله غلظ عظيم، وزن أربعة دراهم منه، أذهب الطحال و صرفه و فتح سدده و سددّ الكبد العظيم.
وعلاجها من أدوايها نحو علاج شجرة الزعرور بالماء الحارّ و الدم على تلك الصفة، أو يطرح تراب من الموضع الذي زرعت فيه إلى الذي هي فيه في أصلها بالحفر. و هي ممّا سبيلها أن تزرع أو تحوّل في أول الربيع و إلى أخره. و كذلك الزعرور و أكثر الأشجار، و جلهّا ينبغي أن يزرع و يغرس من عشرة أيام خلون من شباط إلى آخر شهر نيسان.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر شجرة الدلب

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:11 pm

باب ذكر شجرة الدلب
هذه شجرة صلبة العود، تطول في السماء كثيراً، و هي قابضة مرّة، و ليس لها حمل ينتفع به. و هي تبقى طويلاً و تبعد الآفات عنها، فهي كالإنسان المصّحح الجسم الذي لا يكاد يعرض له داء و لا ألم. و فيها منافع و لها خواصّ كثيرة، متى ذهبنا نتقصىّ ذكرها طال ذلك جداً.
فمنها إنه إن دخنّ بورقها و أطرافها الغضة المجففة دار فيها خفاش هربن عنها، و كذلك تهرب منها الخنافس. و كذلك يقتل بريحه الدود كله، و خاصة المتكون في البقول و البساتين، و لا يكاد يقربه أكثر الدبيب. و هي شجرة حارّة قابضة نافعة من أدواء بالتضميد، فهو أكثر ما يستعمل، فأما بالأكل و الشرب فلا يؤكل و لا يشرب منها شيء. و تسمى الشجرة الكلبة، و الشجرة الصابرة. فأما معنى الكلبة فأنها إذا علقت بأرض نمت و طالت و بقيت دهراً، و أما الصابرة فلصبرها على الماء، فأنها ممّا لا يحتاج إلى سقي الماء. و لولا أنها ممّا يتخذه أهل إقليمنا حول البساتين، ما ذكرناها. لا منفعة منها في غذاء إلا الانتفاع بخشبها، فأنه صلب جدّاً صابر لا يكاد ينجّر و لا يتقوس و لا يقع فيه قادح، و يصبر في الندى و لا يعفن إذا غرّق في الأرض و في أساس حايط أو مسناة على الماء، لأن الدلب أخو السرو و الأثل و الطرفا و نوع من هذه.
و قد ذكر صغريث فيه خرافات كثيرة في معاني مختلفة لم أنقلها إلى كلامي هذا، لأنها شيء طويل، فلم أعرض لها. و هي من الأشجار البرّية، و كذلك الأثل و الطرفا و الصنوبر و الشمشار و السرو و شجر أمّ غيلان و البطم و الزعرور و الشربين البرّي، و هو العرعر، و التنوب و البوقاش و الأرز، و هو الصنوبر الذكر، و الصفصاف، و هو الحور، و القيقب و القطلب و القاراسيا و الشوحط و الزرنب و الحواياثيا و المحلب البرّي، و السنديان و الباروطي و الأنايا و الشوكتا و السماجى و الماداى و العرارى و الدوتوات و الخلنج و المشركاى، و ما أشبه ذلك، فإن عددها يطول، فهي كلهّا ممّا تحبّ البرّ و التفردّ و التوحّش. و قد قال صغريث إن شجرة الجوز أصل لهذه الأشجار كلهّا، كأنه يعني أنها ولدت منها و تكونت عنها. و عددّ أشجاراً كثيرة قابضة، بعضها حارّة و بعضها باردّة، فقال غن أصلها كلهّا شجر الجوز و البلوطّ. و ركب مع شجر الجوز و البلوط تراكيب من أشجار كثيرة و أخبر أن تلك الأشجار حدثت و تكونت من تركيب أشياء مع شجرة الجوز أو البلوط مختلفة، إذا ركبّت حدثت بعد التركيب، و لعمري لقد أشفى من تركيب الكروم و الأشجار شفاء بليغاً. لأنه كان من أهل بروشايا، و هو بلد الشجر، فلذلك فقه من عللها و أسبابها ما لم يعلمه غيره، و لأن شيعته يذكرون أنه كان مع رياسته التي اتفق عليه فيها تلك الأمة، نبيا موحى إليه على طريق الإلهام، لا على سبيل المناجاة و الرؤيا في النوم. و إن ما أخبر به من ذلك العجب الذي رسمه في كلامه على الشعر و الكروم و غيرها من النبات، إنما كان من جهة الوحي. و لسنا نرى نحن هذا الرأي في صغريث المملكناتي من أمره، لكنا كنا نرى أنه رجلاً عاقلاً ذكياً جيد الفكر صحيح الاستنباط هادياً في القياس، فعرف تلك المعرفة من طريق العلم و الحكمة. و هذا و إن كنت قد أومأت به إلى خلاف على شيعته، فليس بخلاف في الكل، لكن في البعض، لأني إذا اعترفت أنه عرف ما عرف من جهة عقله و فكره باستنباطه، فقد وافقت شيعته أنه أخذ ما أخذ عن الإلهام، لكن هاهنا فاصلة الصواب السكوت عنها الآن، فانه جعل شجره الجوز و البلوط أصلاً لأشجار كثيرة تكونت عنها تلك ‏الأشجار بطرق من المهن، بعضها صعب و بعضها سهل. فالله أعلم بذلك، لأنه شيء يحتاج إلى تجارب بعيدة، مقدار أعمارنا يقصر عنها، و لا نؤمل بلوغ مداها، و إنما قلت هذا لأني رجل أقول بالتجربة، فما صححته التجربة مشاهدة صححته، و ما أبطلته التجربة المستقيمة أبطلته. و أرى أن التجربة أصل كبير من أصول العلوم النافعة و الضارة.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر شجره الخلاف

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:12 pm

باب ذكر شجره الخلاف
هذه شجرة مشاكله لما تقدمها من الشجر، و مزاجها مزاج بارد و أمرها طريف في إجماع الأطباء ‏من طايفتنا و غيرهم. إنها شديدة البرد و نحن نشاهدها شديدة المرارة، و مّر بارد متناقض. و قد اجتمع في هذه الشجرة المتناقض، و إن في ذلك لغوامض يحتاج الناس إلى معرفتها، و مثل ذلك الخيار و القثا ‏المّران مع ظهور تبريدهما. و ليس هذا نريد هاهنا فنمضي فيه بتقص.
إن هذه الشجرة من اللاّتي تنبتن لأنفسهن في الجبال، و فيها مرارة و قبض بينّ. و إذا علقت فليس تموت سريعاً. و هي تفعل في الأرض مثل فعل الآس و غيره ممّا ذكرنا أنه يمررّ الأرض، إذا طال مكثه فيها فيفسدها بالمرارة. و ليست من المتخذة في البساتين كثيراً و لا نعلم لها علة تعرض لها فنذكر علاجها، و لا شيء يفسدها فنصلحها بإصلاحنا لها. و فيها خواص ظاهرة قد كررها الأطباء، و ليس ضمان هذا الكتاب أن نذكر فيه جميع خواص الأشياء، و أنما نذكر من ذلك في بعض النبات ما نذكر، محبة إن لا يخلو الكتاب من عدة فوايد، لكن ضماننا فيه أن نذكر إفلاح النبات كله، صغيره و كبيره، و تراكيب الأشجار بعضها على بعض، و علاجات أدوائها، و ترتيبها و إمدادها بما يصلحها، و هذا هو الفلاحة.
وقد تحتاج أن تسبّخ وقت تسبيخ الشجر، و وقت يبتدي الربيع بالدخول، و هو عند نزول الشمس بالموضع الأول، و ذلك عشرين يوماً يمضي من آذار. و قد تعجب هذه الشجرة الأرض الصلبة الحلوة، و الحلاوة في التراب و الأرضيين هو الطعم الذي يقال له التفة، الذي لا يظهر فيه أحد الطعوم، بل يكون سليماً من كلّ طعم. و من خواصها أن تغرس بورقها، و الغصن من أغصانها ينبت، و يرش عليها الماء الكثير.
وتسكن المحموم حمّى دموّيه و حمّى حادّة، و المبتدى به السرسام الحادّ الحادث من اختلاط الصفر بالدم، فأنه يرتفع من ورق الخلاف و ورده رايحة مطفية للحرارة، تطفيها بلا لذع. و النظر غلى شجره و ورده ينقيّ العين الرمدة و المتورمة الأجفان، و علل العين الصفراوية و الدموية.
وإذا أحرق شيء كثير من أغصانها و ورقها، و جمع رماده، و أضيف إليه أخثاء البقر، إمّا محرقاً أو مسحوقاً، و المسحوق على جهته أبلغ، و خلطاً جيداً و نثراً على ورق و أغصان البّطيخ و الكرم و القرع و ما أشبهها من الشجر التي تنبسط و لا تقوم على ساق و أغصان قايمة، أحيتها و قوتها و زاد نشؤها و طراوتها و انتشرت و سمن حملها. و إذا نثر هذا أيضاً على ضرب آخر من هذه التي تنبسط و لا تقوم على ساق، مثل المسمّاة العروس، و حبّها أحمر يسمّى حبّ العروس، و التي تحمل حبّ الليف، و تسمّى هذه الشجرة ليفاً و التي يقال لها ثمام تحمل ورداً أصفر صغاراً، و التي يقال لها شرمات، تحمل حبّاً لطافاً، ثم تنفتح عن ورد صغار الورق جدّاً شديد الحمرة، و التي تسمّى لساني، و التي تسمّى فاروعا، و التي تسمّى دريروح، و التي تسمّى مسكا، فإن هذه كلهّا ليس فيها لأحد من أبناء البشر منفعة، و لا فيما أشبهها من النبات، لكن يتخذها قوم للتنزه و الطرب و الاستحسان. و منها أشياء كثيرة، هي أكثر مما عددناه، و هذه كلهّا يسمّونها الأحداث شجر القحاب، و ليس فيها فوايد من مأكول و مشموم، بل لذة المنظر. لكن فيها خواص أفعال طريفة نافعة، قد عددّها كلهّا أبونا أدم و ابنه شيئاً من بعده. لكن الفوايد الكبار في كتب أدم في النبات و منافعه و مضاره، و ممّا أوحاه إليه القمر و علمّه إياه. فهذه التي عددناها كلهّا، إذا غيّرت برماد الخلاف المحترق و أخثاء البقر المسحوق، عاشت و فرحت و سمنت و صلح حالها و زكا وردها و انتشر نباتها. هذه من فوايد آدم أيضا، جزاه إلهه عنا أفضل الجزاء، فإنا نتقلبّ في منافع فوايده لنا أبداً.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر شجرة العشر

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:14 pm

باب ذكر شجرة العشر
هذه شجرة تنبت في البلدان الحارة كثيراً، مثل بلاد العرب و الحجاز و أرض نجد و تلك النواحي. و بلغنا أنه يكثر نباتها في بلاد سرنديب و بلاد الهند. و هي شجرة ليّنة الملمس ناعمة المماسّة جداً، كأنها الخّز، و ربما أفلحت في إقليم بابل كثيراً و بنواحي طيزناباذ القديمة و سورا. و قد تطول في بلاد العرب أكثر من طولها في إقليمنا كثيراً، إلا أنه يطلع على أغصانها و ورقها شيء محببّ أبيض، يجمعونه قوم بعناية شديدة و رفق رفيق. و هو نديً، فإذا جمع و نحيّ عن الشجرة جفّ و يبس، يسمّى سكرّ العشر، و هذا المسمّى سكرّاً يشوب طعمه زعارة تميل إلى مرارة. تخالطها حلاوة أظهر من المرارة. و هو نافع للمعدة جداً، محّلل للبلغم و الرطوبات اللزّجة عنها، مسهل للبطن. و هذا الطالع عليها ليس يكاد يتكون فيها و هي نابتة في إقليمنا، و إنما يتكون عليها في تلك البلدان التي قدمّنا ذكرها. و ربما طلع عليها في نواحي مهبّ الجنوب من بلاد السورانييّن شيء يريد أن يكون من ذلك السكرّ، لكنه لا ينمى و لا يجتمع منه شيء، لشدّة رطوبته و جودة لصوقه بالورق و تحمله الشجرة.
ويوافقها من الأرضيين الحلوة و الحادّة مع الحرافة، و لا توافقها المرّة و لا المالحة. و تحتاج أن يخففّ عنها ورقها في وسط الصيف و آخره، فأن ورقها كبار، و حملها كالزقاق الصغار. و ريح الجنوب تحييها و تحسّنها، و ريح الشمال تذوبها و تنقصها و تذبلها. و علاجها إذا ذبلت، فأنها سريعة الذبول، قليلة البقاء، في إقليمنا، أن يصب في أصلها، بعد حفره، الماء الحارّ شديداً، ثلث مرّات في ستة أيام، يوم و يوم، و يطمّ في أسفلها تراب سحيق دقيق جداً، مخلوط بمقدار ثلاثة من خروء الحمام أو بعر الضان مسحوقاً، فأنها تعيش بذلك و ترجع إلى الحسن و الانتشار.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر شجرة الدردار

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:14 pm


باب ذكر شجرة الدردار

قال أحمد بن علي ناقل هذا الكتاب من النبطية إلى العربية، و هو المعروف بابن وحشية، إنما انقل أسم كلّ شجرة و نبات أجده بالاسم الذي تعرفه عامة الناس، و هو مشهور به، و لو نقلت اسمه بالنبطية ما علم أحد ما هو. و ذلك أن بعض النبات قد اشتهر بالاسم العربي، و بعضه بالفارسي، و بعضه بالنبطي، و بعضه بالروميّ، كما غلب على كلّ واحد منها من الأسماء بالاتفاق. قال: هذه شجرة لا منفعة فيها من ثمر تثمره و لا من ورد تورده، بل تحمل حملاً مجوّفاً فارغاً. إذا شقّ عنه تطاير منه بقّ كثير و قليل. و قد يسمّيها المخنثون شجرة البقّ. و هي شجرة ظريفة في طبعها، فيها قبض و مرارة، و قبضها أظهر من مرارتها. و فيها خواص طريفة، منها أنه إن جعل شيء من أغصانها و ورقها في موضع، اجتمع بقّ ذلك الموضع كلهّ إليه فانتظم عليه، فهو جيدّ يجمع البقّ إلى موضع واحد، و لا ينتشر فيتأذى به الناس. و قد يقتل البقّ بهذه الشجرة، لكن فناؤه و قتله يعقب كثرة تكونه و تولده. و إذا كان هذا هكذا فلا فايدة في ذكره، بل يضرّ.
و من خواص هذه الشجرة أنها توافق نوعاً من أنواع الكرم، نحن نذكر ذلك في إفلاح الكروم و تراكيبها. و هي شجرة خسيسة. لا يتخذها أحد لأنه لا فايدة فيها، إلا في استعمالها في الخواص التي فيها، و خواصّها كثيرة، فلذلك لم نذكر من إفلاحها شيئاً. و ينبغي أن يلقط بزرها في نيسان و يزرع من وقته بلا تأخير بالاجاجين، فأن هذا من طريف خواصها. و ليكثر أفلاحها. و في خشبها خواصّ و أفعال كثيرة تركناها، لأنها شجرة مهجورة لا يتخذها أحد لبعدها من المنافع، و ما لا منفعة فيه فمطروح مرذول.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر شجرة القرمز

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:16 pm

باب ذكر شجرة القرمز

هذه شجرة غريبة في إقليم بابل، إلا أنها تنبت فيه. و ينبت منه في بلاد باجرما، ممّا يلي منها بلاد الجبل، و ممّا يلي بلاد باجرما الشرقية. و هي شجرة ترتفع من الأرض ذراع و صف إلى ذراعين، و ورقها كثير متكاثف ملتفّ على أغصانها التفافاً كثيراً جداً. و هو يشبه ورق البلوط سواء، ألا أنه مدرج حول الورقة و في رأسها و في كل ورقة من ورقها، فيما بين ذلك التدريج شوكة لطيفة تغرز من يمسّها في يده، صلبة قوية، على لطفها حديدة. و هي تنمى و تعيش بهبوب ريح الصبا والجنوب، و لا تسلخ ورقها السنة كلهّا. إلا أنها في تشرين الآخر و الكوانين تعتري ورقها صفرة و ذبول.
وهي شجرة صارت إلينا من جهة الروم، في زمان ماحا الملك، فانه ظفر ببلاد الروم وجعل عليهم جزية مدة ما بقي في ملكه، منذ وقت ظفره بهم، فأهدى إليه ملك الروم هذه الشجرة ليتقرب بها إليه، و أحبّ أن يطرفه بها، و اخبره أنها تريد بلداً بارداً لتنمى فيه، و أنها تحمل في بلادهم حّباً صغاراً فوق الورق على تدريجه، تحمل ذلك في فصل الربيع، عند كثرة هبوب الرياح الجنوبية، و أن النساء و الصبيان يجمعون ذلك الحبّ من فوق الورق. و هو مثل حبّ العنب الصغار جداً منه، و لونه أحمر شديد الحمرة، و هو المسمى قرمز. و لا ينبغي أن يؤخر لقاطه و جمع حّبه كما يكمل انعقاده و يتم و يظهر، فانه إن آخر لقاطه جف و تساقط، فينبغي أن يبادر في جمعه، فإذا اجتمع و فيه بقية من رطوبته، يدق ناعماً و يلقى في إناء صفر و يغمر بالماء و يطبخ بنار لينة، فيحمر الماء حمرة شديدة مشبعة، خاصة بعد الطبخ، فيصفى الماء الأحمر و يصبغ به الكتان من الثياب و القطن و الصوف و اللبود و البسط و كل شيء يقبل الصبغ.
‏ وصفة الصبغ بهذا الماء أن يؤخذ من الشبّ المجلوب من بلاد باذاريا و باكسايا، فيحلل بالطبخ في الماء ويغمس الذي يريد صبغه في هذا الشبّ، ثم يغمسه في ماء القرمز، فينصبغ بحمرة ظريفة ‏مشبعة مشرقة، و يعلقّ فيجفّ، فلا تنقلع تلك الحمرة عن ذلك المصبوغ بفشل ولا بحيلة، حتى أنه إن غسل بماء القلي لم ينقلع.
فأمر الملك بغرسها بباجرما، لأنها أبرد نواحي هذا الإقليم، بعد ناحية حلوان، فإن حلوان أيضاً بلد بارد، فشبت و نمت و لم تحمل الحبّ الذي كانت تحمله في بلاد الروم، بل حملت كل شجرة ‏منها خمس حبّات إلى عشرة حبّات، أول سنة غرست، ثم في السنة الثانية كان يوجد في الشجرة حبّة و حّبتان و ثلاث، و في السنة الثالثة لم تحمل شيئاً البتة، فترك أهل بلدنا اتخاذها.
وليس تحتاج إلى إفلاح و لا سقي ما، لأنها تنبت في المواضع اليابسة القشفة و الحصّيّة الصلبة، و تبقى ما بقيت، لا تحتاج إلى سقي ما. و أنما ذكرناها نحن خاصة، فأما صغريث و ينبوشاد فأنهمّا ما ذكراها، لأنها نقلت إلينا من بلاد الروم بعد هلاكهما.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر شجرة العيشوم

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:17 pm

باب ذكر شجرة العيشوم

قال أبو بكر بن وحشيه: ما أعرف هذه الشجرة من أسمها، و لا وقفت عليها من صفتها، قال: هذه شجرة ترتفع من الأرض ذراعين و زيادة نصف ذراع. و هي طيبة الريح نحو ريح السعد، لينة الورق، و في ورقها استطالة و أدنى رقّة. و هي حارّة المزاج خفيفة الحرارة. و في عيدانها صفرة قليلاً. و هي من غريب الشجر في إقليمنا، إلا أنها ممّا يفلح فيه. و ليس تبقى أكثر من ثلاث سنين، فإن جاوزتها بقيت كالإنسان السقيم، و هي تورد ورداً كلون الورد الرازي، احمر صغاراً في حمرته، و ورق الوردة منه متكاثف بعضه على بعض، و له رايحة طيبة خمره تشبه رايحة أحد ورود الخيريّ غير الأصفر، فأنه إذا قطف وردها فبقي يومه و بات بطلت رايحته البتة، فلا يشم له ريح، و إذا سقط الورد من الشجرة، اعني ورق الورد، انعقد في مكانه شيء شبيه بالكأس عريض الرأس، دقيق الأسفل، و أسفله ممّا يلي الغصن.
وهي تصلح أن يعمل من عيدانها قسّي صغار، و من لحايها أوتار لتلك القسّي، و يرمى بها كما يرمى عن القسّي و النشابّ. و فيها لزوجة يشوبها قبض. و هي ممّا يزرع زرعاً ثمّ تحوّل. و يوافقها من الأرضيين المالحة و الرقيقة و الفاسدة، فتنمى فيها و تقوى. و تحتاج من سقي الماء إلى مقدار معتدل، و هي تسبخ وقت تسبيخ الشجر. و نحن نذكر ذلك بعد موضعنا هذا. و أن مرضت هذه الشجرة فدواؤها أن يرش عليها الماء و تغبرّ بتراب جمع من أرض مالحة، و بالسبخ الموجود حول الحيطان في أصولها. و إن خلط السبخ بتراب، أيّ تراب كان، بعد أن يكون سحيقاً، و زبلتّ به، كان نافعاً. و هي شجرة قصيرة العمر سريعة الذبول ضعيفة جداً.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر شجرة الموز

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:18 pm

باب ذكر شجرة الموز
و يسمّى حملها قاتل أبيه
هذه تنبت بإقليم بابل بناحية الأبلة و ما قرب منها. و أكثر نباتها ببلاد العرب و البلدان الدفيّة و ورقها كبار ليّن و حملها ناعم جداً، حلالّ، سيّال، لزج، لزوجته يشوبها قبض خفيّ جداً. يؤكل فينفخ و يلطخ المعدة وقتاً يسيراً، ثم ينحدر بسرعة. فليس يحمل الأصل الواحد من هذه الشجرة أكثر من قنو واحد، ثم يبطل ذلك العود الذي حمل ذلك القنو.
وهي شجرة ضعيفة كالإنسان الضعيف التركيب الضئيل الجسم. و الذي يوافقها من الرياح الجنوب و الصبا، و تمرضها الغربية خاصّة و الشمال، و هي إلى الحرارة ما هي. و يصلح لها من الأرضيين السوداء الرخوة السليمة من جميع الطعوم. و تحتاج إلى تعاهد دايم و أفلاح و تفقد، و قد يعرض لها ذبول و موتان كالذبول العارض للناس و الموتان المصيب للناس. و دواؤها من جميع أصوابها النابتة لها أن ينبش حولها و يصبّ فيها ماء مخلط بسحيق ورقها من زبل الغنم، أو يصبّ على أغصانها رشاً خمر ممزوج بماء، أو يرش عليها ماء المطر، و يغبّر عليها بتراب سحيق جداً، فأن هذه الأشياء من أوفق الأشياء لها. و هي ممّا يزرع زرعاً، أو تحوّل فتغرس في مكان آخر، و أن تركت في مكان زرعت فيه نشأت و نمت.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر شجرة النارنج

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:18 pm

باب ذكر شجرة النارنج

هذه نبات هندي، ألا أنه يفلح و يجيء في البلدان سيّما المايلة إلى الدفا. و هي شجرة تطول، ورقها لينّ ملس شديد الخضرة، تحمل حملاً مدوراً، في جوفه حماض كحماض الأترج، و كأنها متولدة من الأترج، لأنها شبيهة به جداً. توافقها من الرياح الشرقية و الجنوب الهابّة ممّا يلي بين الجنوب و المشرق، و يوافقها من الأرضيين كلّ الأرضيين، ألا الفاسدة بمخالطة رماد أو جصّ، و فيه اسفيداج أو اجر قد أنسحق، و ما أشبه ذلك. فانه لا ينفعها إذا ماسّ أصلها، لأن عروقها لا تمتد فيه. و قد تقف كثيراً إذا مرضت فلا تزيد و لا تنتشر و تعتلّ. فدواؤها حينئذ أن يحفر أصلها و يصبّ في تلك الحفرة الدم الممزوج بالماء الحارّ و الماء البارد، فأنه جائز، و لبن الضان أو، قال، دم الضان، فأنه يوافقها، و أوفق لها من هذا دم الناس الخارج منهم بالحجامة و الفصاد، و يخلط بالماء و يصبّ في أصلها أياماً متوالية فان ذلك يحييها و ينميها، و قد يترك حملها فيها زماناً حتى يجتمع ألواناً مختلفة، و ليس ذلك بجيد لها و لا لواحد من الأشجار، لأن في أخذ حمل الأشجار عنها، إذا استحكمت، تخفيف عنها و تقوية لها، و في تركها فيها، بعد استحكامها، إفساد لها أو ثقيل عليها يضرّ بها.
و لهذه الشجرة ورد أبيض في نهاية طيب الرايحة، و ربما اتفق في الندرة منها شجرة تورد ورداً فيه زرقة، و هو أطيب رايحة من الأبيض. و قد يتخذ من وردها دهن يعمل كما يعمل دهن الخيرّي و البنفسج، فيكون طيباً جداً، حاداً في معنى دهن الزنبق في الاسخان و طرد الريح و تقوية العصب و المفاصل. و يجب أن تزرع في شهر أيار، و يحوّل الغرس في هذا الشهر أو في بعض شباط، و إذا علقت و نبتت في الأرض لم تكد تعطب، و إن أشتدّ البرد عليها أوهنها شديداً و أضعفها، و ربما قتلها و أبطلها بواحدة.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر شجرة الأترج

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:20 pm

باب ذكر شجرة الأترج
هذه شجرة مشهورة في كثير من البلدان، و هي تنشؤ في البلدان الحارة و الباردة جميعاً، و ليس توافقه شدة البرد و لا شدة الحر، بل البلد المعتدل أوفق لها، و أن كان الاعتدال بالحقيقة غير موجود، لكن نقول إنه يوافق شجرة الأترج من البلدان القريبة من الاعتدال التي لا يفرط فيها إحدى الكيفيتين، الحارة و الباردة، فينال نباتها لذع من أحديهما. و قد تتلقحّ بريح الجنوب الهابة ممّا يلي الجنوب و المشرق. و هي ضعيفة في أصلها، و قد يذويها و يقتلها مسّ المرأة الحايض لها، و إن لقطت من حملها شيئاً أو قطعت من ورقها ورقة أو زهرة بإحدى يديها، فينبغي لذلك أن لا تدنو منها امرأة إلا طاهرة برية من الحيض. و قد سماهّا أدمى الشجرة الطاهرة. و حملها يبدو أخضر ثم يصّفر، و هو طيّب الريح جداً. و في هذه الشجرة منافع من الأدواء، و قد ذكرها الأطباء في كتبهم. و لها خوّاص كثيرة نافعة و ضارة، قد ذكرها أصحاب الخوّاص في كتبهم. و أفلاحها يكون بالتعاهد بالكسح و التسبيخ و التخفيف عنها ما ثقل و استطال من أغصانها أو تغيّر من ورقها، و أن لا يترك حملها فيها بعد بلوغه و استحكام صفرته و كبره، فإن تركه فيها يضرّ بها و يمتصّ رطوبتها الغريزية، فتضعف لذلك، فتقصر مدّة بقايها و تضعف أغصانها بثقله. فإن حملها قد تكبر الحبّة منه و تعظم، حتى لا يقلها الغصن الذي طلعت منه. وحالها في هذا شبيه بحال الكروم التي تحمل عناقيد كباراً، فإن مثل هذه الكروم تحتاج إلى أعمدة يعتمد عليها حملها، و إلا أوهنت الكرمة، كذلك شجرة الأترج ينبغي أن يهيأ لها أعمدة يعتمد عليها حملها ليرّوح بذلك عن الشجرة. و هي فيما بين القايم من الشجر و المنبسط على وجه الأرض، إما لضعف تركيبها و إما لأن سوسها هكذا. و في النبات من الأشجار شيء كثير هذه صفته: إنه فيما بين القايم معتمداً على ساقه و بين الرقيق الأغصان المستعرج على الشجر أو المنبسط على وجه الأرض. و هذه تسمّى معرّشة مثل الكروم و غيرها ممّا يحلّ محلهّا و يجري مجراها في ذلك، فإن شجرة الخطمي أيضاً هذه صفتها و غير الخطمي ممّا يكثر تعديده، و نحن نذكره منفرداً، إذا بلغنا على الكلام عليه و على إفلاحه.
و متى أصاب هذه الشجرة، أعني شجرة الأترج، نكاية من برد أو شدّة حرّ أو من غيرهما من العوارض لها، فدواؤها ذلك: فإنه يزول عنها إن كان من حرّ، برشّ الماء البارد على أغصانها و ورقها، و إن كان من برد، فرشّ الماء الفاتر عليها. و قد يزيل ذلك خرؤ الحمام مخلوطاً بتراب قد عفن مع زبل الحمام و خلط جيداً بالتعفين و التخليط و التحريك، و ليرشّ الماء عليهما في مدّة تعفينهما، و يقلبا دايماً حتى يعفنا، و قد يضاف إلى هذين من ورق الأترج و يعفن معهما. و إذا عفنت وأستكمل ذلك، و علامته من لونها أنها تسود، فينبغي أن يقلب هذا العفن في مكانه و يجعل أسفله أعلاه حتىّ يجففه الريح و الهواء، ثم يحفر في أصلها و يطمّ من هذا المعّفن. و قد يصبّ في أصلها الدم المخلط بالماء السخن فيقويّها، و يقرب فعله فيها من فعل التزبيل الذي وصفناه، و ربما تعفنها أكثر من منفعة التزبيل في بعض الأحوال.
وهي شجرة تقبل التركيب و لولا أن صغريث و ينبوشاد فرّقا ذكر التركيب في هذا الكتاب، بل في كلامهما، و جعلاه عند ذكرهما شجرة شجرة، لقد كان الصواب عندي أن يفرد لتركيب الكروم و الشجر كلها باب للكلام عليهما، لكنهما فرّقاه، فاقتديت بهما في ذلك. و أنا أذكر ها هنا كما ذكرا كيفية تركيب ما يرّكب على هذه الشجرة، و ليس بكلمّا يرّكب عليها، بل أذكر تركيباً خاصياً طريفاً: وهو أن يأخذ إنسان قصبة جديدة صحيحة من شجر الخيارشنبر النابت بناحية الأبلة و غيرها من النواحي التي ينبت فيها الخيارشنبر، و يكون طول القصبة شبراً أو أرجح قليلاً، إن أمكن، و تكون مستوية ملساء، ثم أخذ ذلك الإنسان سبعة خيوط من صوف، سبعة ألوان، مفتولة، ثم عقد الخيوط على القصبة من الخيارشنبر في تسعة و أربعين موضعاً، يكون لكل خيط سبع عقد، عقدة فوق عقدة، ثم عمد إلى أصل متوسط من أصول الأترج، فحفر في أصله في الأرض، حتى يظهر له الأصل، ثم نقب في الأصل من جانب نقباً ينفذه إلى الجانب الآخر، و أدخل تلك القصبة المعقود عليها الخيوط في جوف ذلك النقب، ثم دفن الأصل و القصبة بأكثر ما كان عليه من التراب، و سقيت الماء سبعة أيام، دايماً في كل يوم يصبّ الماء في أصلها، و هو في أناء شبه، ثم تركها ثلثاً لا يسقيها ماء، ثم سقيت على سبيل ما جرت العادة في سقي الأترج، و إن أتفّق للقصبة أن يكون تركيبها في وسط أصل الشجرة سواء، فهو البليغ الصحيح المنجع. و ليكن ذلك في النصف من شباط إلى النصف من آذار، إن كان، فإن عمل في شباط فليكن بعد الخمسة عشر يوماً منه، ثم كذلك إلى خمسة عشر يوماً تخلو من آذار، فإن الشجرة تحمل وقت حملها أترجاً أسوداً، أسود من القار أو في سواده، من أول انعقاده، و هو في قدر الحمّص، و يورق ورقاً جرمياً لامعاً، و يكون حملها مع سواده صافياً برّاقاً لامعاً و يصير في حملها ثلث عشرة منفعة.
أمّا قشره فيسهّل البطن، رطباً كان أم يابساً. أن كان رطباً فكلّ درهم منه يسهل مجلساً، و إذا كان يابساً فكل ثلاثة دراهم منه تسهل مجلساً. و ماؤه يعين الأدوية على أعمالها، و خاصة ذرورات العين و جميع الأكحال، و لا يتكرج و لو بقي ما بقي. و إن جعل فيه اللحم النّي حفظه و سلم من الفساد و النتن، خاصة في زمان الصيف. و ماؤه ينفع العين الجربة منفعة بليغة، و لحمه يخصب البدن المهزول، و حبّه يصلح فساد المعدة و يطيب النكهة و يذهب بالحفر عن الأسنان و يصلح فسادها. و حبّة إذا بخر به صاحب الحمى الربع أبراها و أزالها بسرعة، و حماضه إذا نقع في مايه اللؤلؤ حلهّ، و حماضه إذا أكله الذي تصيبه الحمّى المثلثة أبطلها و قلعها، و إن صلح له مروره من ماء الحماض عمل في قلع الحمّى ما قلنا. و ماء حماضه يصلح للأكحال المستعملة في علاج السبل، و حماضه يجري جميع الأشياء المنعقدة بسرعة، مثل الغدد المنعقدة و الثواليل و السلع الصغار. و لحماضه أيضاً عمل عجيب في ردّ البصر إذا ذهب بالجدريّ و سلم مع ذلك الناظر نفسه، بأن يخلط بالأثمد بالتربية في الهاون في الصيف، ثم يكتحل به دايماً.
وفي ورقه خمس منافع، أولها أنه يسهلّ البطن، كلّ ورقة منه مجلس، و يصّفي العين من البخارات الرديّة، و يعين المعدة على الهضم و غسل ما في الأمعاء من الثفل المحتقن فيها من الطعام و الأخلاط البطيئة المحتبسة. و إذا اعتصر ماء الورق و كحلت به العين جلاها من الأقذاء و الأوساخ و الأرماص، و يسكن أوجاعها. و في أغصانه منفعتان مثلها في أصوله، و هما أنه إذا بخر به المحموم باقشعرار ابرأ الحمّى من يومها أو بعد يوم آخر أكثره. و ينفع أيضاً من عضه الكلب الكَلبِ إذا قرض بالفم و تفل الذي قرضه على العضة و رش عليه من ريقه مع التفل. و إن كان فاعل ذلك على الريق كان أبلغ، أبراه في مّرة أو مرتين أو ثلثاً أكثره.
فهذه عشرون منفعة، ثلث عشره في حمله و خمس في ورقه و اثنتان في أغصانه. و قد يرّكب على الأترج أشياء كثيرة تخرج بها عجايب، لكن أتبع أسلافنا و لا أرى الخلاف عليهم.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر شجرة الحسْبنا

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:21 pm

باب ذكر شجرة الحسْبنا

هذا نبات ينبت في ناحية الأبلة أيضاً، يحمل حملاً مدوّراً أصفراً، فيه أيضاً حماض يسير، و هو طيّب الريح جداً مسخن للدماغ نافع لصاحب الزكام و الخشام، إذا أدمن شمه، و حمله كالنارنج و الأترج، إنه يبدو أخضر ثمّ يصفرّ، و فيه نوع يضرب مع صفرته إلى حمرة يسيرة. و هو ممّا يزرع و يترك مكانه، فينشئ و ينمى، و ربما حوّل من موضع آخر. و يوافقه من الأرضيين الرخوة التي فيها أدنى ملوحة، و الحمراء المتخلخلة و التي فيها يسير من رمل. و هو إذا علق في الأرض لم يكد يفسد نباته، فهو كالكلب في قلة دوآيه، فمتى أصابه شيء يذويه و يبطله و ظهر فيه للناظر إليه تغبّر، فينبغي أن يصّب في أصله الدم المخلط بالماء، و بول الحمار قد يوافقه موافقة عجيبة، لا وحده بل يخلط بالماء الحارّ أو يصبّ الماء الحار في أصله، ثمّ يصب فوقه بول الحمار. و قد يوافقه السبخ الملتقط من مواضع تكونّه، يخلط بتراب أسود مخلخل، و يحفر أصله و يطمّ بهذا، فهو يزيله.
وممّا يوافقه و يفلحه و يقويه شديداً أن يحرق حبّ القطن بعيدان النارنج و الأترج، و يجمع رماده و يخلط بدرديّ الخمر مسحوقاً، و يغبر به ورقه، ‏و يجعل في أصوله منه و يداوم ذلك عليه مراراً، فإنه يزيل عنه جميع الآفات و يقويه و يحسنه و يكثر حمله و ينفعه منفعة بليغة _ قال أبو بكر بن وحشية: هذا النبات المسمى بالفارسية الليموا الذي يستخرج بالعصر منه ما فيه حموضة يسيرة تطفي لهيب المعدة من ‏الصفراء، إلا أنه معفن مكرج لما يخالطه، إذا بقي فيه يومين ثلاثة. و متى أدمن إنسان أكل طعام يخالطه ماء الليموا أدماناً أورثه حمّى نافض و أفسد أحشاءه، و هو مع ذلك مسخن قليلاً.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر شجرة الدفلى

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:22 pm

باب ذكر شجرة الدفلى
‏هذه تنبت ببابل و غيرها من الأقاليم. و ليس لها حمل ينتفع به أحد من الناس، لكنها تحمل ورداً أحمر فيه رايحة قريبة من الطيبة. و هي شجرة فيها سمية للحمير و البغال و الخيل، وقد سماها أنوحا النبي الشجرة المباركة، و تحت هذا الاسم في هذه الشجرة سّر عظيم، لأن المسمى لها بهذا الاسم رجل كان نبياً حكيماً طبيباً نافذ المعرفة، و قد أومأ لنا بهذا الاسم فيها إلى فايدة عظيمة.و ذاك داخل في باب غيظه على أهل بلده لمخالفتهم إياه.
‏وقد يحمل بزراً هو أعظم سمية و قتلاً للحيوانات التي ذكرنا، إذا وصلت إلى أجوافهن. و هي من ‏الشجر الذي لا يحتاج إلى كثير إصلاح و لا معاناة في إفلاح، لأنها إذا علقت لم تبرح و لم تثو. فإن أراد مريد تقويتها و دفع أمراضها عنها، فليصت في أصولها بولا ممزوجاً بماء، أيّ بول كان، و ألا فليأخذ شيئاً من الشبرق فيحله في ماء حار و يصب ذلك في أصلها و يرش منه على أغصانها و ورقها، فإنه يحييها و يقويها. و متى أحرق في أصلها حبّ الأترج و ارتفع دخانه إليها، و إن كان مع الحبّ شيء من ورق الأترج و أغصانه، حتى تجمع ثلاثتها فتحرق حولها كما تدور، ليرتفع الدخان إليها من جميع جوانبها، ثم يترك الرماد في أصلها، فإذا برد جيداً صبّ عليه الماء البارد أو رش عليه رشاً و ترك، ‏فإنها تقوى بذلك و تعيش و تنمى و يقوى بزرها.
و في هذا شيء طريف و هو أنه إن أحرق في أصل هذه الشجرة مما ذكرنا بمقدار ما، نفعها هذه المنفعة، و إن كان أكثر من ذلك جففها و أبطلها. فينبغي لمن آثر عمل هذه أن يستظهر بالنقصان لا ‏بالزيادة، و هو أن يكون مقدار ما يخرج من الرماد في أصلها رطل واحد و أقل و أكثر، بعد أن لا يكون ‏فيه تفاوت في الزيادة أو النقصان.
و قد تسمىّ هذه الشجرة في لغة أهل الموصل من بلاد الجزيرة سوماثا، و هي من شجر النحس ‏الكبير. و قد يتخذ منها قواتل عجيبة بتركيبها مع غيرها من الشجر، لا نرى ذكرها لما فيها من المضرة، إذ كان قصدنا بكلامنا المنافع لأبناء جنسنا لا المضار.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر شجرة الخرنوب الشامي

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:22 pm

باب ذكر شجرة الخرنوب الشامي

هذه شجرة حسنة الورق جداً، أخضر لا ينسلخ عنها صيفاً و لا شتاء، فلذلك سماها صغريث الغنية. و قد تنبت في إقليمنا، لكنها لا تكاد تحمل، فإن حملت حّملت حملاً قميّاً صغيراً لا ينتفع به و لا يكون كحملها في الشام و بعض الجزيرة. و هي من ذوات المزاج الحار القريب من الاعتدال و خاصيتها إمساك الذرب و تسكين الغثي و قمع البخارات المتصاعدة في الأبدان من أسفل إلى فوق. و لا نعرف لها داء يعتريها مثل أدواء الشجر، و ينبغي أن تسّبخ مع الشجر كما تسّبخ .
‏و لها خواص قد ذكرها السيد دواناى ذكراً لا زيادة لأحد عليه و لا عنده فيه شيء أكثر ممّا قال ‏سيدنا دواناى. و فيها عجايب قد ذكرها بابا، من أحاديث زعم أنها جرت بينها و بين شجرة البقّ، و أجوبة كانت منها إلى تلك و من تلك إليها، ممّا يجري مجرى الآداب و الحكم والآيات و الاعتبارات. و كان فيما ذكر أن الطاير المسمّى حراشادى يحبها و يقوى بكونه فيها و بأن يأوي عليها، و انه يجمع عشاً من الصوف و القطن و خيوط الكتان و القنب، يجمعه الذكر وحده، ثم تحضنه الأنثى و تبيض أربع بيضات، زعم، يخرج من كل بيضة فرخ طاير لا يشبه أحدهم الآخر. قال و العلة في ذلك السفاد الذي صنفه، و ذلك أنه يسفد الأنثى سفاداً إذا هبّت أربعة أرياح من أربع جهات في أربع أوقات، فأولها ريح كمثا، و ثانيها ريح دبور، و ثالثها ريح سمواثى، و رابعها ريح سماق، من أربع جهات، احدها فيما بين المشرق و الشمال، و الثانية فيما بين المشرق و الجنوب، و الثالثة ممّا يلي ‏الجنوب و المغرب، و الرابعة مما يلي الشمال و المغرب. و الأوقات الأربعة هي من طلوع الشمس إلى ست ساعات تمضي من النهار، و الثاني من ست ساعات ماضية من النهار إلى تمام اثنتي عشر ساعة، و الثالث من اثنتي عشر إلى ثماني عشر ساعة، و الرابع من التاسعة عشر إلى آخر الرابعة و عشرين. فالفرخ الأول لونه أحمر حسن الحمرة مشبعة، و الثاني لونه أصفر فاقع، و الثالث اسود حالك، و الرابع ابيض يقق _ قال أبو بكر بن وحشية: هذا رمز على غروس الشجر، و قد بينوا معناه في باب ذكر الغروس و أوقاتها من ‏الأزمنة.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر شجرة الغبيراء

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:25 pm

باب ذكر شجرة الغبيراء

هذه ربما أفلحت في إقليم بابل، و هي شجرة نباتها في القفار و المواضع الوحشية، و أصلها من ‏بلاد مكي من ارض الهند، و ما أكثر ما ذكر الحكماء القدماء فيها من خواص الأفعال الطريفة. و هي ممّا يجيء في البلدان الحارة و تفلح فيها. و تحتاج إلى التسبيخ و أن تلقح كما يلقح ساير الشجر. و فيها قبض و نشف بشدة يبس فيها، و نشفها أكثر من قبضها. و هي شجرة مضادة لأبناء البشر، لا بالطبع فتقتل، بل بالخواص و العمل في تغيير القلوب. و قد استعملها السحرة في سحرهم كما استعملوا اليبروح و الخطمي.
‏و قال ينبوشاد أنها شجرة الجّن يسعون إليها بالليل، إذا غابت الشمس، فيكونون فيها و تحتها و يأنسون بها. و ما شبعت من شرب الماء قط، و وردها إذا شمه النساء اغتلمن غلمة شديدة و هجن إلى المباضعة كما تهيج العصافير في فصل الربيع و السباع في فصل الشتاء، و كثيراً ما يهتكن أنفسهن من شدة الشهوة، و أظن إن عقولهن تزول، فلذلك يهتكن أنفسهن.
و من ‏خواصها أنه من نظم من ‏وردها على غصن ‏من أغصانها فيه ورقه، كما ينزع من الشجرة، و عمل منه أكليل و وضعه على رأسه، و رأسه مكشوف للهواء، فرح فرحاً عظيماً، لا لسبب إلا لسرور يجده في قلبه و طرب، و طيبه. و قال ينبوشاد أيضاً إنه من ‏أخذ من ورقها واحدة و من ‏وردها واحدة و من أصلها مقدار ظفر من أحد عروقها، و جعل الثلاثة في صفيحة فضة رقيقة، و لف الصفيحة الفضة على ذلك، و ‏لف الفضة معما فيها في خرقة حرير بيضاء بخيط ابريسم ابيض، و جعله إما في كمه أو جيبه أو علقه في حلقة أو على صدره أو عضده، حدث له في قلب كل من يراه أو يلقاه من الناس ‏قبول حسن، و كان وجيهاً عند كل من ‏يقصد، و إن سأل حاجة قضيت له .
‏و فيها منافع كثيرة و علاجات ذكرها من عمل الأطباء في كتبهم، لا نذكر مثلها ها هنا.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر شجرة إبراهيم

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:27 pm

باب ذكر شجرة إبراهيم

هذه شجرة تعظم جداً و تذهب في السماء، و لها ورق كبير و تحمل ورداً أصفر طيّب الريح، يسمّى البرم. وهي شجرة نبطية كنعانية من جنس المنسوبة إليه. و قد تنبت في إقليم بابل و غيره ممّا يقرب منه. و هي أخت لشجرة الغبيراء أو شبهها في أشياء، منها نباتها في القفار، و أنها تحب التفرد و الوحدة، و تهرب من الأنس، إلا أنها شجرة مباركة. و قد كان حاما الملك يحبها و يأمر باتخاذها في بساتينه و منتزهاته، و يحب شم وردها، كذلك أهل سورا، فإنهم يحبونها و يتبركون بها و يحبون شم ‏وردها، و يجعلونه في دواريق ندية ليبقى طرياً أياماً كثيرة.
ولتسميتها شجرة إبراهيم سبب يطول شرحه، جملته و اختصاره إن إبراهيم كان إماماً لأهل زمانه، جليلاً فيهم، فبلي بكثرة الأسفار و التطواف في البلدان، بسبب القحط و المجاعة الواقعة على أهل الجزيرة في أيام ملك صلياما المشئوم على أهل زمانه، و قد بقيت بقايا من شؤمه إلى وقتنا هذا، لقرب زماننا من زمانه. فهرب إبراهيم مرة إلى إقليم بابل و مرة إلى ارض مصر، فبينما، زعموا، هو ساير في البرّية المسّماة تادو مريا_قال أبو بكر بن وحشية: هذه البرية التي فيها مدينة تدمر، إذ بصر بأسد عظيم اسود مقبل يريده، و كان راكب حمار، فارتعدت فرايصه و بادر فنزل بقرب واحدة من هذه الشجر عظيمة الالتفاف، و قاد الحمار فشده بحبل ليف كان في عنقه إلى ساق الشجرة، و صعد فوق ظهر الحمار، فتسلق إلى نحو نصف الشجرة و قعد على غصن عظيم غليظ من أغصانها، مستتراً بورقها، فوافى الأسد يطلبه، فلما و رأى الحمار الأسد و شم ريحه نفر و جعل يضطرب اضطراباً شديداً و يجذب الحبل الذي هو مشدود في عنقه، يطلب الخلاص حتى يصير إلى الأسد، و هذا فعل الحمير كلها إذا رأت الأسد، هي مطبوعة عليه، و جعل الحمار في نفوره و اضطرابه يشيل رجليه و يضرب بهما الأرض و يضرط ضراطاً عظيما و ينهق نهيقاً شديداً، فجزع الأسد لما رأى من ذلك جزعاً هرب من اجله ماراً على وجهه يعدوا، حتى تباعد من الموضع بعداً عظيماً. و فطن ‏إبراهيم ببعده عن الموضع، فنزل و ركب الحمار و مضى حتى دخل المدينة و جعل لا يمر بموضع فيه هذه الشجرة إلا سجد لها و سبح، و يمنع من ‏كسر أغصانها أو يحتطب منها، و يقو ل: ‏هذه الشجرة نجتني من الأسد و حماري. و اشتهرت بهذا الفعل في أرض الشام و الجزيرة و إقليم بابل، فسماها الناس شجرة إبراهيم، و تركوا اسمها الأول سوكابى، إلا أن بعض الناس يسميها باسمها و بعضهم يسميها شجرة إبراهيم.
‏وليس تحتاج إلى إفلاح أكثر من أن يحول منها ما يغرس، و تغرس كما تغرس ساير الأشجار في ‏أيام تخلوا من شباط إلى آخر نيسان، و تسقى الماء كما تسقى الشجر، و هي تصبر على العطش و المواضع القشفة الشعثة، و لا تكاد تموت و لا تهرم.
ولها خواص عجيبة تدخل في أبواب النواميس و الحيل النواميسية، و قد ذكر فيها اسقواريثا، رسول الشمس، عجايب من الأفعال، إذا ضم منها ما يضم إلى اليبروح و ما يضم إلى النبات المسّمى سراج القطرب. فمّما ذكر فيها أنه إن عمد رجل، سنه من عشرين إلى ثلثين سنة، إلى شجرة إبراهيم هذه، فقطع منها بكلاب حديد مسقى غصناً ممتلي الخشبة متوسط الامتلاء، لا غليظاً و لا دقيقاً، قطعه من أصله بالمنجل قطعاً مورباً، و ترك باقي الغصن إلى فوق، كما هو، و صار بها إلى شجرة زيتون متوسطة، و معنى متوسطة أن لا تكون غليظة عظيمة الكبر و لا الصغر، بل تكون حاملة. و ليكن ذلك في اليوم الرابع و العشرين من كانون الأول إلى اليوم الثامن من كانون الثاني، و الأجود اليوم الرابع و العشرون من كانون الأول نفسه، فعمد فقطع بذلك الكلاب من شجرة الزيتون غصناً في امتلاء ذلك الغصن، و حذفه مورب، ثم ركب الغصن من شجرة إبراهيم على ذلك الغصن، كما يركب كل مركب، ثم أخذ زيتاً في قوريرة زجاج فصبه على موضع ملتقى الغصنين، ثم تركه، فإن ذلك الغصن من شجرة الزيتون يحمل زيتوناً ظريفاً. فمن ظرافته أنه يكون أكبر من زيتون حمل تلك الشجرة بشيء كثير يخرج إلى العجب منه. و يكون مراً شديد المرارة لا ينساغ لأحد أكله. فإن لقط هذا الزيتون و هو اخضر لم يسود و عصر بالمعصرة ليخرج ماؤه، فإن هذا الماء يسود الشعر الأبيض تسويداً هو ابلغ من جميع الخضابات، و يبقى المخضوب به على ذلك السواد من ستة أشهر إلى عشرة أشهر، على مقدار مزاج المختضب.
‏وإن طلت امرأة من هذا على رؤوس أصابع يديها و رجليها و قربته إلى نار فحم لينة، صبغ أظافيرها و رؤوس أصابعها و سوّده إلى حمرة يسيرة خفيفة. فإن سحقت المرأة قشور الرمان الحامض ‏و ذرت على هذا الماء منه بمقدار ما يغلظ قليلاً، ثم طلته على يديها و رجليها، صبغها احمراً أحسن من حمرة الحّنا، إلا أنه من نحو حمرة الحّنا. و إن غمس في الماء وحده قطنه و طليت بها البرص، ثم إذا جف طلي أيضاً، و يكرر ذلك عليه دايماً في أيام، كل يوم ما أمكن، فإن ذلك البرص يغيب عن الناظر، حتى كأنه لم يكن، و كلما كرّر عليه الطلي و قرب من سخونة الشمس أو مثلها كان أبلغ. و ليس له وقت معلوم، بل يطلى دايماً حتى لا يرى في الموضع بياض برص.
وإن أخذ هذا الزيتون فأحرق كما هو مع نواه على طابق خزف، و جمع رماده و ألقى عليه مثله ‏نوشادر، و طبخا بالماء القراح العذب طبخاً جيداً ست ساعات، و كلما نقص الماء رددته إلى حاله قبل النقصان، ثم يترك يبرد جيداً، ثم يصفى الماء إلى أناء، و ليكن الإناء الأول حجراً أو طيناً صابراً على النار كصبر الحجر، و ليكن الإناء الثاني زجاجاً أو غضاراً، و يجعل إما في شمس حارة على نار فحم مثل حرارة الشمس، فإن الماء يجمد ملحاً تشوبه صفرة قليلة، و فيه لدونه كلدونة الدهن، فإن هذا الملح الدهني، إذا ألقي منه وزن درهم في ما يدخل إلى شجر أو بقول أو رياحين فإنه يتحلل من الماء كما يطرح عليه، ليكن مقدار ما يطرح منه ورن الملح على مقدار الماء، إن كان في ميزاب ضيق وزن درهم، و إن كان في ساقية كالنهر الصغير فمن درهمين و نصف إلى خمسة دراهم، فإن الشجر كلها و الكروم و البقول و جميع المنابت. إذا شرب ذلك الماء نمت و نشأت نشواً كثيراً، يتبين ذلك من شجرتين أو نباتين أحدهما قد شرب من هذا الماء، و الآخر لم يشربه، فإن الذي يشربه ينمى و يطول طولاً عظيماً، هو أسرع من طول ذلك. و هذا يصلح أن يعمل للشجر القريبة الزرع و القريبة الغرس، التي نبتت و علقت، و يدفع عن جميع ما يشربه من النبات جميع الآفات الأرضية من الأمراض العارضة للشجر. و إلى جعل منه وزن نصف درهم في أصل شجرة قد شربت الماء و بقي البلل في أصلها، فينثر من هذا الوزن نصف درهم في أصلها و على ما ظهر من عروقها نثراً لطيفاً كما تدور، انتشرت و زاد نموها و حملت حملاً عظيماً كبيراً رياناً كثير الماء، حسن اللون، إلا أنه على لونه. فإن القي من هذا الملح على أصل من الزيتون وزن ثلاثة دراهم منه و سقي الماء بعد ذلك، حتى ينفذ الملح في الماء إلى الشجرة، و ليكن ذلك في أيام تبقى من شباط، خمسة أو أربعة أو ثلاثة، فإن تلك الشجرة تنمى و تنتشر بحسب ما قدمنا من القول، و تحمل الزيتون الذي تحمله ابيضاً في بياض العاج، و لا يكون لذلك الزيت المعتصر من هذا الزيتون عكر و لا كدر و لا تسويد. فإن ركب من شجرة إبراهيم على شجرة زيتون تركيباً كلياً، و معنى ذلك أن لا يكون على غصن واحد من أغصان الشجرة ، بل عليها كلها، حملت الزيتون كما وصفنا آنفاً، و كانت أفعاله كما ذكرنا و أبلغ، و يكون لتلك الزيتونة ورد قبل عقد الزيتون، كما وصفنا آنفاً.
‏وإن أغلي من هذا مع الملح اثنتي عشر غلية جياداً، ثم طلي و هو حار على شعر، حلقه بعد سريعة و ذهب به، كما تحلق النورة و الزرنيخ، و إن استخرج ملح كما وصفنا و طلي به على الشعر بالخل، حلق الشعر أيضاً، بعد إن يسخن الخل بنار لينة، و يلقى عليه الملح.
‏وزعم أن شجرة إبراهيم هذه، إذا ضم شيء من ورقها و حملها إلى ورق اليبروح و حمله، جزئين بالسواء، و ليكن وزنهما جميعاً منوين و نصفاً، و هو خمسة أرطال، ثم لففّ بعض الورق على بعض، و الحمل في جوفه، و أخذ من أغصان شجرة إبراهيم البستانية الرطبة الرخصة وزن رطل فلففّ على ذلك الورق الذي في جوفه الحمل، ثم أخذ ثلث ورقات من ورق القنبيط، فلففّ على جميع ذلك و جعل هكذا في مطهرة من خزف معمول من أرض سواد إقليم بابل، حيث كان منها، و ألقي فوقه من ورد شجرة إبراهيم أحدى و عشرون وردة، تطرح في الإناء الخزف معه طرحاً، ثم صب على جميع ذلك أربعة أرطال من لبن البقر مخيضاً محمضاً، و ينقط عليه نقط من قطران، و أطبق على المطهرة طبق من خزف معمول لها، و حفر في أرض ندية ثلاثة أذرع و نصف، و جعلت المطهرة في قعر تلك البير و صب عليها بعد تركها في قعر البير من بول الجمال ما يغمرها، ثم تركت ساعة حتى تشرب الأرض و المطهرة ذلك البول، ثم طمّ ذلك بالتراب و ديس ديساً جيداً و ترك هكذا تسعة و أربعون يومأ، ثم فتحت تلك البير و عزل ترابها و أخرجت المطهرة ففتحت، قال فإنه يوجد فيها حيوان على صورة السمكة، لها جناحان كجناحي الخفاش، و عينان كعيني السرطان جاحظتان عن ‏رأسها، و يدان فيهما خمس أصابع في كل يد، و مؤخر كمؤخرة السمكة، فلا تمسها بيدك و اتركها في الإناء في الشمس ساعة أو ثلث ساعات، فإنها تموت فيما بين ذلك. و هذا تعرفه بنظرك أليها و قد هدأت من الحركة، فاتركها في الإناء و أطبق عليه الطبق، و اتركه سبعة أيام لا تمسه، ثم افتحه فانك ترى ذلك الحيوان قد تفصل بدنه و تقطع، و هذا التقطيع هو علامة بلوغه و إدراكه إلى ما يراه منه.
ثم أخذ يعدد ما في هذا الحيوان من ‏الخواص، فذكر أشياء كثيرة، منها أنه إن أخذ إنسان مجمراً ‏فيه جمر، ثم أخذ من جسم هذا الحيوان شيئاً يسيراً جزافا برأس كلبه حديد، لا يمسه بيده البتة، فجعل في شيء، ثم ألقي معه من سراج القطرب مجففاً، و من ‏اليبروح الصورة نفسها مجففاً أيضاً، ثم ألقي ذلك على النار، و ليفعل هذا و هو إما في صحراء واسعة و إما فوق سطح، فإن الكواكب تظهر للعين بالنهار، حتى تمتلئ السماء بالكواكب و الشمس طالعة. قال: و إن أضاف إلى ذلك شيئاً من مرارة ثور و شيئاً من أشق، سمع الناس في الهوا كالجلبة و الدوي الهايل المفزع. فما دام الدخان يرتفع إلى فوق، فإن هذا يشاهد هكذا، فكما ينقطع الدخان تبتدي تلك الكواكب تغيب عن العين، حتى تغيب كلها، و كذلك الحال في الدوي و الجلبة. و ذكر في هذه الحيل النواميسية شيئاً كثيراً هو من نحو ما وصفه في كتابه في أسرار الشمس، فإن ذلك الكتاب له من عجيب الكتب، و لولا أن هذه العجايب من خواص شجرة إبراهيم لما كنا نذكرها في الفلاحة، لكنها تتعلق بأمر إفلاح الشجر من جهة صفات الشجر و أفعالها تعلقا ما. و اعلموا أن في هذه الشجرة، على ما ذكر صغريث، عجايب طريفة لم أحب حكايتها عنه، لأن فيها طولاً هو خارج عن الحّد. فلنقطع الكلام ‏عليها و نأخذ فيما يتلو ذلك.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب ذكر شجره العوسج

مُساهمة من طرف wara_qa في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:30 pm

باب ذكر شجره العوسج

هذان نوعان، أحدهما يورد ورداً صغاراً أحمر، و الآخر ورداً صغاراً أبيض. و هو نبات بارد قابض، و ليسر ممّا يتخذه الناس فيعرف له إفلاح و علاج، لكن بعض طايفتنا ربما نقلوا منه شيئاً من موضع منبته، فغرسوه حول أقرحتهم كالحايط لها، فلهذه النكتة ذكرناه. و هو كالكلب، إذا ‏علق بموضع لم يمت و لم يقف بل ينشو، و قد يبلغ في الطول إلى أكثر من قامة الرجل الطويل.
‏وهذا العوسج و الشوك و الباداورد و الحسك و الحرشف و جميع ما له من النبات شوك ليس بمتفق في الطبع و لا بالفعل. فإذا لم يكن أحد هذه ممّا يفلح و لا يربى، فلنذكر من منافعها و خواص أفعالها شيئاً ينتفع به.
أما الحرشف فحار شديد الحرارة، و كذلك الحسك. وأما غير هذين من جميع ما له سّلاء و شوك فهو بارد. فمن منافع جميع هذه، إلا الحرشف وحده، إنها توافق علل الصدر و قصبة الرّية موافقة بليغة حسنة، إذا عمل منها دواء لذلك، كما أصف، و هو أن يؤخذ ذوات الشوك، إلا الحرشف، إما كلها أو بعضها، فترضض بمدقه خشب حتى تلطف و تجتمع. ثم تجعل في قدر كبيرة مسّ و تغمس بالماء القراح، و يوقد تحتها ناراً متوسطة، و ليكن الماء غمرها بذراع و نصف، ثم يطبخ حتى ينقص من الذراع و نصف نصفّ و يبقى الباقي، و قد خرجت قوته إلى الماء كلها، فيصفى الماء عن الشوك و يعتصر الشوك عصراً جيداً حتى تخرج قوته كلها، و يجمع العصر منه فيلحق بالماء و يعزل. و يؤخذ من العناب فيطبخ بعد تشديخه و نواه فيه، حتى تخرج قوته في الماء كلها كما عمل بالشوك، ثم يعصر أيضاً حتى تخرج قوته كلها، و يمزج الماءآن بالسواء ثم يجعلان في أناء من حجارة أو صفر مرصّص، و يلقى عليهما من القند و السكر النقي مثل نصف وزنهما، و ربما جعل مثل وزنهما، و يجعل ذلك على نار فحم، و تنزع رغوته دايماً حتى تنقطع الرغوة و يصير له ثخن كثخن اللعوق. و يستعمل هذا لعلل الصدر كلها، فإنه ابلغ من جميع أدوية الحلق و الصدر و الريّة، يسكن السعال الشديد الخشن و يلين الحلق و الصدر و ينقي الرطوبة الحادة النازلة من الرأس إلى قصبة ‏الريّة، فيلذعها و يدغدغها، فيحدث السعال و يحلل الرطوبة المتكونة بقرب قصبة الريّة و في الصدر، و يسكن جميع ضروب السعال و ينضج النزلات و يحللها.
‏وأما الخرنوب الذي يحمله الشوك فإنه ابلغ دواء في شد المعدة من استرخائها. و قد يستخرج ماؤه بالطبخ و العصر جميعاً، و يعمل منه شراب على الصفة المذكورة سابقاً، فيكون شربه ابلغ من شرب الخشخاش و أنفع، و للخرنوب عمل آخر هو أبلغ مّما وصفنا في الشوك، و هو أن يؤخذ من السكر خاصة شيء فيترك في إناء زجاج أو غضار أو حجر كهيئة الهاون، ثم يؤخذ من الخرنوب
شيء فيخرج حبه منه و اللحى الصلب الذي في جوفه، و ينقى من ذلك بعناية شديدة، و يلقى على السكر منه مثل وزن السكر، ثم يسحق في ذلك الإناء، فإن كان شتاء فندى الشتاء يكفيه، و أن كان صيفاً فنده بيسير ماء ورد، رشاً ترشه عليه، و لا تزال تسحقه سحقاً رقيقاً دايماً حتى يختلط الخرنوب بالسكر اختلاطاً لا يتميز بالنظر أحدهما من الآخر، و يصير لون الجميع كلون الخرنوب. فإذا بلغ إلى هذا فليجفف في الهواء، فإذا جف فليعد إلى الإناء، و يلقى عليه سكر جديد و مثله خرنوب منقى، و يسحق الجميع كذلك حتى يصير السكر كلون الخرنوب، فإذا بلغ إلى ذلك فقد كمل حينئذ. و هذا دواء جليل يشفي المعدة من أكثر أوجاعها و يشدها من استرخائها و ينقي الأمعاء من كل محتبس فيها و يحسن اللون و يذهب بالصفوة في الوجه و التهيج في الأجفان و يصلح الأحشاء إصلاحاً عجيباً. و إن عمل بالخرنوب هذا العمل مع الملح النقي الذي هو كسكر الطبرزد دايماً، و يجفف حتى يأخذ منه جزأ فيصب عليه الماء، فينحل في الماء، و يكون الماء بلون الخرنوب، فحينئذ قد بلغ، و إن امتحن مع السكر على هذا كان جيداً، فإن هذا الملح يقوي الأسنان و يشد اللثة و يطيب النكهة، و يزيل عن الأضراس و اللثة جميع الأدواء، و يحلل الزكام و يحدر رطوبة الرأس إلى المنخرين، و ذلك بأن يؤخذ منه شيء بعد شيء و يلقى في الفم، فإنه ينحل فيه. فليجتهد الإنسان جهده أن يرده بلسانه على أسنانه، و لا يبلعه بسرعة، فإنه نافع. و إن جعل من هذا على التآليل و الغدد و العقد الصغار دايماً حللها و ابرأها.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب في ذكر الكروم

مُساهمة من طرف wara_qa في الإثنين سبتمبر 29, 2014 12:03 am

باب في ذكر الكروم
قال صغريث ان الكروم اشترك فيها على سبيل الاغلبية كوكبان، ها السعدان، المشتري والزهرة . وذلك ان جميع الكسدانيين مجمعون على ان الكل للشمش، (يشارك الشمس) في كل شيء الستة الباقية، ثم يغلب بعد هذا الاشتراك بعد الستة، على شخص شخص من جميع الأجسام المركبة الخارجة بعد تركيبها من العدم إلى الوجود، ومن عدم الصورة إلى الصورة . فالكروم مما استولى عليه بعد الاشتراك العام السعدان، المشتري والزهرة، وكانت الزهرة به اخص . وانما قلت هذا لأن القمر هو الوالي على النبات كله جلة، فإذا استولى على بعضه كوكبان كان الكوكب منهما الذي هو أقرب في فعله إلى فعل القمر أولى بذلك الشخص . فلما كانت الزهرة أشبه بالقمر منها بساير الكواكب كان المشتري ابعد منها من الكروم قليلا وكانت اقرب منه لذلك . و إذا كان هذا هكذا فالغالب على الكروم الزهرة ويشاركها من بعد هذا الاستيلاء المشتري . فلما استولى عليها السعدان كانت أعظم المنابت بركة واجلها قدرا وأعظمها فايدة . والدليل على ذلك ما قاله كاماس النهري في شعره في تفضيل الكروم على جميع المنابت وعلى النخل ايضا، فقال : ان الكرم نجم سعد مسعد لمتخذه وكثير المنافع لأبناء البشر، والنظر اليه يسر النفس، وشرب العصير يفرح القلب وينسي الهم ويقوي الضعيف ويشجع الجبان . واكل ثمرته رطبة ويابسة يغذو البدن وينفع المعدة ويحلل ويلين وينفع بسهولة . وكل جزء من اجزايه فيه منفعة لأبنا، البشر في عروقه واصله، في خشبه ولحايه وفي ورقه وعلايقه، وفي أول طالع من ثمرته . ثم إذا انتقلت ثمرته في النمو والنشو فلها في كل حال من احوالها الصايرة اليها منفعة هي غير المنفعة التي كانت لها في الحال التي انتقلت عنها إلى أن تصير إلى الجفاف الكلي، فتسمى حينيذ الزبيب . فقد يكون فيه وهو زبيب منافع كثيرة، ويتخذ منه اشربة نافعة . فاما عصير ثمرته وهي رطبة وفي اعتدال زمانها، المسماة الخمر،   فتعديد منافعها يطول ، حتى أنا نقول ان أوهامنا تقصر عن تعديد ذلك على التقصي وألسنتنا تكل عنه، فلذلك إنا نرى ان نمسك ونعدل عن الكلام فيما لا يمكننا توفيته حقه من الصفات إلى السكوت، فان الشيء إذا زاد عظم قدره جدا حتى يخرج عن الحد، (لعجز الواصفين) عن صفته، فصار موميا إليه باسمه فقط ولم يجز ان يتعرض إنسان لصفته لبعد متناولها (والمعرفة بالعجز) عنها، فلم (نتعرض لتعديد) منافع الخمر ولا لمدحه، إما في نفسه وإما لعظم موقعه من منافعنا، معشر ابنا البشر، فسكتنا عنه سكوت عجز عن استيعاب صفته في الوجهين الذين ذكرناهما، وهما فضايله في نفسه وفضايله في منافعنا وإيصال السعادات به اليها وفيه لنا . فكان الإمساك والسكوت منا هو نهاية المبالغة في المدح وغاية التفضيل له على كل شيء، حتى انه قد قصد أقواتنا التي هي مادة حياتنا في بعض الأحوال لا في كلها . وذلك انه مشارك للأقوات في منافعنا، لأن العنب والزبيب يغذوان البدن غذاء يقيم الارماق، والحب الذي في داخل ثمرته، لو جع وطحن وخبز لكان منه خبز يغذو . وهكذا لو جفف زبيبه فضل تجفيف، كما وصفت أنا تجفيفه، ويطحن مع حبه لكان منه خبز أغذى من الذي يكون من الحب وأطيب طعما واقل ضررا، إلا انه سليم من الإنفاخ البتة ومن توليد الرطوبات في المعدة وجملة البدن . ومتى خلط ورقه ومعاليقه مجففة مع الزبيب المجفف وطحن الجميع وخبز بعد لت دقيق (بأحد الادهان) أو الاسمان أو الشحوم كان منه خبز طيب نافع يغذو غذاء صالحا . فهو مشارك لفعل الأغذية في الغذاء ومنفرد بفضايل ليست للغذاء ولا يفعلها . والفاضل يتبين فضله بهذا بعينه، وهو مشاركته لأهل الفضل في فضلهم، ثم زيادته عليهم بما ليس لهم . وهذه صورة أمر الكرم بعينها انه يشارك المنافع في منافعه وزاد عليه بما ليس له، ففضل بذلك .
فهذا فصل من كلام كاماس النهري في فضل الكروم ألذي أورده في قصيدته في الخمر . وكل الحكماء المتقدمين يفضلون الكروم . على المنابت كلها، إما بعضهم على الخصوص وبعض على العموم . وما علمنا أحدا خالف في تفضيله . وقد علمتم ما قال أدمى فيه وكيف مدحه وفضله حتى قال في التفاف الكرمة على النخلة ما قال واطنب ذلك الاطناب الطويل، حتى انه قال: أني شبهت تعريش الكرمة على النخلة باقتران القمر مع المشتري في برج السرطان في وقت هو خروج يوم ودخول ليلة، وذلك يوم خميس وليلة جمعة، وباتفاق في ذلك الوقت من نزول الشمس برأس برج الحمل، فان هذه السنة يكون فيها من السعادات لآهل إقليم بابل وساكنيه ما لا يحيط الوصف بصفته . فكذلك البقعة من الأرض التي تلتف فيها كرمة على نخلة، ويتفق هناك جدول من ماء عذب جار وهما على حافته، وعلى ستين ذراعا منها سدرة عظيمة مدورة الجملة، وتلك الأرض ذات تربة حمراء سليمة من كل لون غير الحمرة أو بيضاء سليمة من كل لون غير البياض، فان تلك البقعة أم لجميع البقاع واصل البلوغ إلى رضى الشمس والقربة إلى القمر . وهذا إنما يكون فيه وبه ما وصفنا، إذا كان في بقعة من الأرض بالاتفاق لا بقصد احد من الناس إلى أن يعمل هذا هكذا، فان هذه البقعة على هذا هكذا، فان هذه البقعة على هذا تكون موضع سلاق إلى الفلك العظيم، (وهو موضع) ينبوع الحياة الدايمة القديمة، وهو طاهر على أفضل الطهارات، فيكون مبدأ الظهور للأنوار المضية لا المحرقة لمقابلتها جزيرة الشياطين . فمتى حضرها بشري فخطط فيها خطوط الشمس كان له ذلك أمانا من مباشرة ما يظهر فيها من القديسين الذين لا ينبغي أن يجزع احد منهم، لكن في طبع الناس كلهم انه إذا بدههم (ما لم) يألفوه ارتاعوا منه، فنفرت نفوسهم عن مشاهدته . إلا ان الخطوط الشمسية تمنع بخاصية فعل لها النفور المؤذي، لأن الشمس، كما قد علمتم، نفس العالمين كلاها، العلوي والسفلي، وسبب ضياء كل مضيء واستنارة كل مستنير ومحو الظلم كلها . لكن لما كنا في عالم الظلم احتجنا من أجل ذلك إلى (ان نعلل) نفوسنا، إذا فقدت أعيننا الضيا بما يقوم لها مقامه لتبقى على حالها (فلا تثوي) .
وهذا الكلام الذي نرمزه ونكثر فيه إنما نروم به منافعنا النفسانية وإيصال ما يقويها ويسرها إليها، لأن مشاهدتنا المنابت والمزارع والمياه المطردة وألازهار الحسنة والبقاع الخضرة والرياض المؤنقة، قد تفرح نفوسنا وتبهجها وتخفف عنها همومها وتلهيها عما التبس بها وغطاها من الهموم، كما يعمل شرب الخمر من تسلية الهموم سوآ .
وإذا كان هذا هكذا فان الكرمة إذا (تسلقت على) نخلة، في مثل الأرض التي وصفنا، كان النظر إليها كالنظر إلى العلوية وكانت فاعلة في النفوس مثل فعل النفس الكلية في هذه الأنفس الجزية التي فينا . وقد اخبرنا ان القصد قصد نفوسنا (لا غير ذلك، إلا ما يتعلق تعلقا لا بد منه، فلنقل في نفوسنا) قولا مجردا، إلا ما لا بد من إدخاله له معه لاشتراك بينهما: ان النفوس الجزئية التي فيا لما كانت حركاتها تابعة بحركة النفس للعالم كله، وهي النفس الكلية، وهو الشمس، فكان اتصال حركات الجزئية بالكلية، لأنها منها وإنه جايز عليها الانقسام والتفرق، وكانت هذه الكلية ماسكة هذه الجزئية المتفرقة وممدة لها، وجب وجوبا صحيحا (إن ما) أبهج الجزئية وقواها إنما هو مشبه للكلية من وجه ما ومشاكلها، وقد قام في عالمه مقامها . فافطنوا لفضل الكرمة على جميع المنابت وعلى غيرها . فان قال لنا قايل: فإذا كانت النفوس الجزئية (من النفس) الكلية، فقد كان يجب أن تكون هذه الجزئية متشابهة متشاكلة كلها شيئا واحدا، ونحن نشاهدها مختلفة . وقد يدل اختلافها على إنها من أصول مختلفة)، فيكون بعضها من المشتري وبعض من القمر وبعض من الشمس، فإما قولكم إنها من الشمس وحده ففيه خطأ في الحكم، وذلك لإجماعكم ان جزء البسيط مثل كله، قلنا: جواب هذا ان النفوس إنما اختلفت لأمر طرأ عليها وأشياء قارنتها بعد تفرقها وانفصالها . وهذه الأشياء التي طرأت عليها فغيرتها بعض التغيير إنما هي الأجسام التي سكنت فيها النفوس، فكان اختلافها تابع لاختلاف مسكنها . وإنما اختلف الجسم الذي هو مسكنها بحسب اختلاف مواد الأغذية التي تغذوه بها، لأن الأجسام تقبل الزيادة والنقصان في الكمية والنفوس لا تقبل شيئا من التغيير في جوهرها . فلما كان (هذا هكذا) كان للنفوس ان تتغير بحسب الأجسام التي تسكنها وكان تغير الأجسام بحسب موادها التي تقبل منها الزيادة والنقصان .
وأيضا فان الطبايع الأربع التي هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبس قد تغير الأجسام تغيرا دايما . فقد صار للأجسام تغيران من وجهين، فهي دايمة التغيير والاستحالة وقبول الزيادة والنقصان، والنفوس حالة فيها ومجاورتها، فهي تتغير بتغيرها لا في ذات النفوس ولا في جوهرها، بل تغير عرض يمكن زواله، وهو دايم الزوال والانتقال . وليس هذا التغير للنفوس من جهة مجاورتها للجسد فقط، بل ومن قبول ما تورد عليها الحواس الخمس، لأن هذه الحواس الخمس هي طرق للنفس، يصل منها إليها ما يصل دايما، فتقبل النفس التغير . فقد صار للنفس تغيرات (من جهات، إلا إنها ليست تغيرات) جوهرية ذاتية . ولما كان للنفوس الجزئية الانتقال من بعض الأجرام إلى بعض، وهي منتقلة دايما، ووجدناها مع ذلك تنسى ما انتقلت عنه أبدا، علمنا ان هذا النسيان هو من التغير الذي تقبله من الأجرام، وأيضا فإنها تنسى كليتها التي انفصلت عنها .
وقد تختلف أحوال النفوس هاهنا اختلافا بينا، وذلك ان ما هبط من النفوس من العلو فسكن في جرم من الأجرام، مثل ما انتقل من جرم إلى جرم، بل تكون النفس الهابطة من العلو ابعد من قبول التغيير وأعلم واحكم وأكثر تصورا للأمور على ما هي في حقايقها، وان ما انتقل من جسم إلى جسم لا يكون له شيء من هذه الأوصاف . وأيضا ان النفوس اللاتي قد ترددت في الأجرام (ترددا كثيرا) لا بد ان يحدث لها ثقل ما، لا في جوهرها بل في حركتها فقط . وهذا التغيير صار إلى النفس من جهة كثرة التردد في الأجرام .
وقد قال أدمى ان إحدى النفوس الجزئية متى ألقت عنها الثقل ذهب عنها النسيان ومتى ذهب عنها النسيان ذهب عنها الثقل، فذكرت عالمها الذي كانت فيه، فاشتاقت إليه، فهربت من هذا العالم السفلي متشبثة بشعاع الشمس، على إنها غير محتاجة إلى ذلك لولا ما اعتراها من تدنسها بالأجسام القذرة، حتى تتعين بشعاع الشمس حتى ترتقي إلى الموضع الذي لها أن ترتقي إليه .
فهذا سبب تغير النفوس، لأنها من أصول مختلفة أوجبت تغيرها . فلننظر الآن في التغير للنفس من شرب الخمر هل هو مثل ساير التغايير لها أم بينها فرق . فان كان مثل ساير التغايير من الأشياء فهو كأحدها، وهو وتلك الأشياء كلها مشبه للنفس الكلية . وان كان تغيير النفس من شرب الخمر بأشياء هي مخالفة لجميع الأشياء المتغيرة علمنا ان ذلك الاختصاص إنما هو لجوهر ما قد أفاده الشمس الكرم، لأن الفعل كله للشمس . ولما كنا قدمنا ان الزهرة تختص بالكرم وجب أن يكون الشمس، لما كان معطيا للزهرة السرور والطرب، (ان يكون قد خص الكرم بإيداعه السرور والطرب) . لكن لا نقنع بهذا الدليل وحده بل نحتاج معه إلى ما هو أقوى، وهو الاستدلال من التغير الحادث من شرب الخمر غير السرور والطروب، ومع السرور والطرب، حتى ننظر فنقول: أنا نرى ان الإنسان إذا شرب من الخمر مقدارا ما، هو بين الإقلال والإكثار، حدث في نفسه طرب وسرور وما شاكلهما، وحدث فيه مع ذلك شجاعة وجرأة، وصار إذا كان غير بالغ حد السكر، إذا فكر في شيء، بلغ به الفكر منه إلى فوايد يتصؤرها في نفسه، فقد أنضاف للنفس مع السرور والطرب من الخمر فايدتان وتغيران آخران هما أعظم موقعا من الطرب والسرور .
فإذ (هذا هكذا)، فقد وجدنا للخمر فعلا في النفس هو مباين لفعل غيرها . فقد شاركت باليسير النفس وباينتها في غير ذلك . وقد يحدث في النفس من شربها بمقدار معتدل غير الطرب والسرور وغير ما ذكرنا في هذا، (إذ لا) ظاهرة ان لها مشاركة لغيرها في السرور والإطراب، ولها اختصاص تختص به من الفعل غير ذلك وأكثر منه . ولو ذهبنا نعد ما يكسبه الخمر النفس طال .
فموضح هذا الاختصاص ومباينته أفعال جميع الأشياء هو ان الشمس قد خص الكرم بعطا لم يعطه غيره . ثم نقول بعد ذلك ان جميع الأشياء التي يكسبها الخمر النفس قد وجد الحكماء أشياء يفعل فيها مثله . وهذه الأشياء كلها إنما هي للنفس بمشاركة الجسد لها . فإما ما انفردت به النفس من التغير الحادث فيها بلا مشاركتها الجسد فهو الإطراب والسرور، فهذا مما انفردت النفس بقبوله منفردة عن مشاركة الجسد البتة . فإن الناس ما وجدوا في هذا العالم شيئا يكسب النفس مثل ذلك الطرب والسرور . فصار هذا متميز من (ذلك، والطرب) تلك الأشياء التي هي للنفس والجسد معا، فتكون صفة ذلك التغيير القديم في النفس العارض لها إنما هو بشيء تقبله من الجسد معه . فجميع هذه التغييرات للنفس بمشاركتها الجسد قد وجدوا ما يعمله ويؤثره فيها غير الخمر، الأ ما ذكرنا انه وحده للنفس وحدها بانفرادها لا بمشاركة الجد، وهو الطرب والسرور .
ولما كان بحثنا عن هذا المعنى قد أدنا إلى أن السرور والطرب حال للنفس تنفرد بقبوله ويكون لها بلا مشاركة من الجسد لها فيه، دل ذلك على ان هذه حال للنفس من قبل جوهرها خاصة، إذ ليس لجوهر الجسد فيه مدخل من اشتراك ولا غيره . ولما كان قد ثبت ان النفس الجزئية التي فينا جوهر الشمس الباقي السرمدي العالي القديم، دل ذلك على ان ما اكسبها من شيء هو مجانس لجوهرها انه من جوهرها، والذي اكسبها ذلك هو عصير ثمرة الكرم، وجوهر مثل جوهر النفس، إذ قد أشبهها وجانسها، ودل على ان الطرب والسرور حال للنفس اكتسبته من العلو، والذي اكسبها إياه الخمر فكان الخمر مشبها في جوهره جوهر النفس والنفس من جوهر الشمس، وكأن على هذا إنما نشاهده في الشمس، والشمس لكثرة في الخمر وللخمر الأ البقاء والسرمدية، فان الشمس باق والخمر غير باقية في ذاتها وعلى صورتها، فلما كان للغالبة من الأوصاف فانه يكون للخمر بعضه ويكون للخمر ماء الثمرة التي من الكرم، فدل ذلك ان للكرم عناية من الشمس هو مخصوص بها، إذ قد أعطاه الشمس في عصيره حالا مشبهة لبعض أحواله، فكان الكرم بذلك اشرف المنابت كلها على العموم، إذ ليس لأحد المنابت ولا لغيرها مثل طبع الخمر ولا عمله .
قال صغريث : ولا يظن بي ظان أني غلوت في الخمر هذا الغلو، فيقول إني، حويت بين الخمر في جوهره وفعله بالشمس . وجعلت إطرابه وسر وره للنفس مثل النفس التي هي نفس العالمين الكلية لهذه النفوس الجزئية التي فينا . فاني ما سويت الخمر بالنفس الجزئية فضلا عن ان أسويها بالنفس الكلية . وكيف أكون فاعلا لذلك؟ وإنما جعلت فخر الخمر إطرابه للنفس وتفرعه لها، فجعلته فاخرا فاضلا بخدمته النفس وشرفته بما احدث للنفس من السرور . وليس في هذا تسوية مني له (بيه و) بين النفس الجزئية، فضلا عن الكلية . وهذا معنى كلامي في مدح أخمر، لا التسوية بيه وبين النفس الجزئية في حال من أحوالها البتة . وبعد هذا فان ما ابتدعت هذا التفضيل والمدح ابتداعا، بل اقتديت فيه بحكماء الكسدانيين والكنعانيين والنهريين والسورانيين الأولين وغير هاولاء من أجيال النبط، فأنهم قد اجمعوا على تفضيل الخمر وتشريفه ورفع قدره وعظم موقعه . فكل واحد قال فيه في هذا المعنى قولا هو، وان كان مخالفا لقول غيره، فهو يوافقه في المعنى الذي هو المدح والتفضيل والتشريف، الأ إنهم مع ذلك مختلفون في النفوس الجزية ومختلفون في أصلها ومعدن انبعاثها وعنصرها، مع إجماعهم على ان الكل لشمس . وليس قصدي هاهنا الكلام في حكاية مذاهبهم في النفس بل في حكاية قولهم في تفضيل الخمر على كل كاين وخارج من المنابت . الأ انه لما كان جميع ذلك متعلقا بالنفس ومشاركا لها فلم يكن بد من حكاية قولهم في النفس في الموضع الذي يشترك فيه الكلام على الخمر بالكلام على النفس .
فأنهم قد اختلفوا في العبارة عن النفس الجزئية اختلافا كثيرا واجمعوا على ان النفس الكلية الشمس، ثم بعد الإجماع على الكلية واختلفوا في الجزئية، واختلفوا في ان أشركوا مع الشمس غيره، وقليل من قال بذلك منهم . وذلك إن صردايا كان حكيم الكنعانيين، وطامثرى، وها عالما الفلك، وهما فتحا الكلام في النفس، ومن قبلهما كاماس النهري وادمي البابلي، وهو رسول القمر . فهولاء أعلام قدمانا، رسموا في النفس رسوما واختلفوا في معان في أمرها واجمعوا في ذلك على تجزيها وتفرقها بعد انفصالها من كلها الذي سموه عالمها . وإنما قامت الحكاية عنهم في التجزيء دون غيره، (لحاجتنا إلى ثباته هاهنا، إذ كان أصلا في تثبيت غيره) من الأوصاف الإنسانية .
ولنا (ان نقول) في إجماعهم عليه هو الحجة في ثباته، لكن إذا أضفنا مع إجماعهم حجج بعضهم كان أوكد، (وصار ثبوت) الشيء من وجهين وحجتين أقوى من ثبوته بحجة واحدة . وسنذكر حجتهم في تجزيها في جملة كلامنا، لكن الذي يجب تقديمه الحكاية عنهم في نفس التجزيء، هل هو للنفس جوهري من ذاتها أم عرضي لها؟ وان كان عرضيا فهل هو من الأعراض الثابتة أم من الأعراض الفانية البايدة المنتقلة؟ فأقول ان صردايا احتج في تجزيها وقال في ذلك ان أول أحوال النفس العارضة لها هو الانقسام والتجزيء، وتجزيها هو شيء تفعله النفس على سبيل العرض الزايل لا الثابت . وذاك إنها لا تقبل تجزية في ذاتها وجوهرها وإنما تقبله من جهة ما يعرض لها عرضا مفارقا، كما قلنا . قال : فان قال لنا قايل إنا نجد للنفس تجزيا في ذاتها وبين انقسامها إلى نفس شهوانية ونفس عصبية ونفس مفكرة عقلية، قلنا له ان هذه كما قلت، الأ إنها ليست تجزيا للنفس ولا انقساما لها، وإنما هذه قوى للنفس هي لها مشاركة الجسد، ولها هذه الأفعال بأعضاء من الجسد بأعيانها . فمن كان منها في العضو العالي فعلت، بقوتها باستعمالها ذلك العضو، التمييز والفكر، وما كان منها في العضو الأوسط، وهو الملك، فعلت بقوتها به النجدة والغضب، وما كان في العضو الأسفل فعلت به الشهوة والتوقان والاغتذاء الذي هو سبب النمو . فهذه ثلث قوى للنفس وليست بانفس انقسمت من نفس واحدة فتفرقت فصارت ثلثة .
وإذ هذا هكذا فان أنفسنا من النفس، وتجزيها ليس في جوهرها وذاتها، وإنما هولها بالعرض . وهذه القوى تظهر للنفس ومن النفس إذا قارنت الجسد، فإذا فارقته لم يعرض لها من هذه الأعراض الثلث شيء وانفردت بما لها ان تفرد به . وهي إذا حلت الجسم قيل عليها إنها تتجزى وتنقسم بتجزيء الجسد وانقسامه على سبيل المشاركة الزايلة عن النفس بزوالها عن مقارنة الجسد .
فهذا حكم صردايا الكنعاني على انقسام (النفس، و) طامثرى يرى رأيه في ذلك، وادمى على رأيهما، وكاماس النهري . الأ أنهم مع ذلك يرون ان النفس ليست محتاجة في هذه الأفاعيل بقواها إلى الأمكنة والمراضع من الجد، لأنها قايمة بنفسها . فبهذا القوام بنفسها استغنت عن المكان . فادمى وانوحا يريان ان الجسد مكان للنفس، وغيرها ممن ذكرنا يقول ان النفس لا في مكان . وهذه الاعضاء الذي نسبنا اليها هذه القوى للنفس (هي مراضع ظهور هذه القوى للنفس)، وذاك ان النفس قد هيأت وجعلت كل عضو يصلح ان يظهر ذلك الفعل منها كما هيأت الحواس، تظهر من كل حاسة في كل عضو شيئا معلوما لا يتعداه إلى غيره، كذلك أيضا هيأت كل واحد من الاعضاء بهيته، ملازما لإظهار تلك القوة من قوى النفس من ذلك العضو وفيه .
فلننظر الآن، بعد حكايتنا لقول الحكماء القدماء، هل الطرب والسرور مشاكلان لقوى النفس الظاهرة في الاعضاء الباطنية، وهي من جنس القوى الثمانية في الحواس الخمس الظاهرة؟ فان كانت من هذه المعاني وبينها مشاكلة، جرت مجراها وكانت كقوى النفس الثمانية اللأتي هي لها، وان لم تكن من هذه القوى والأفعال بسبيل ولا بينها تشاكل ولا هي متعلقة بها من وجه ما، علمنا ان الطرب والسرور ليسا قوتان للنفس بمشاركة الجسد البتة، بل ها ظاهرتان من النفس بذاتها ومن جوهرها، فهما اشرف واجل من قوى النفس كلها، وها للنفس بنفس جوهرها، فموقعها كموقع النفس في هذا العالم . ولا يكون الروع والطرب ايضا من النفس كالعلة والمعلول، فتكون النفس علة والطرب والسرور معلولين عنها، بل السرور هو النفس والنفس إذا هي السرور، إذ قد تبين ان الذاتين واحدة . وذلك ما أردنا بيانه .
وأما البيان عن ان السرور للنفس ليس كالحواس الخمس ولا كالقوى الثلث لها، فانه قد تبين من إثباتنا ان السرور والطرب ذات النفس وهو لها بجوهرها . ويجب علينا أن نزيد ذلك بيانا ونؤكده فنقول: ان الدماغ، وهو العضو العالي، مكان لظهور القوة المفكرة والمميزة العاقلة، والقلب، وهو العضو الأوسط، مكان لظهور النجدة والغضب للمحاماة والذب والدفع، والكبد، وهو العضو الأسفل، مكان لظهور قوة النفس المشهية والنامية، لأنها عادته، والبصر، وهو العينان، موضع لدخول الألوان والصور والأشخاص على النفس، (تدركه بهذه الحاسة، والسمع، وهو الاذنان، موضع لدخول الأصوات التي هي اصطكاكات ما على النفس)، والشم، وهو المنخران، مكان لدخول الشم وإدراك الروايح للنفس، والذوق، وهو بالفم واللسان، مكان لدخول الطعوم على النفس وإدراكها لذلك من هذه الطريق، واللمس في جميع البدن موضع لدخول ألمماسه من الأشياء على النفس . فالنفس تدرك ذلك من هذه الطريق . وليس نجد الطرب والسرور مكانا تدركهما النفس أو يظهران من النفس به كما وجدنا لهذه الثمانية .
فان قال قايل ان القلب مكان للهم والغم الذين هما ضد الفرح والسرور، وهذا معلوم في عقول الناس ومستفيض على ألسنتهم، فان بعضهم يقول لبعض: (لقد فرحت قلبي ولقد غممت قلبي)، (ولقد سر قلبي بكذا ولقد اغتم قلبي بكذا)، كما يقولون: (لقد أوجعت قلبي بكذا وأمرضت قلبي بكذا)، وكما يقولون: (ان فلانا لشجاع القلب وانه لقوي القلب وانه لشديد غضب القلب) . فقد اجمع الناس أو أكثرهم على ان القلب مكان للطرب والسرور والهم والنجدة والإقدام والجبن والضعف . وان كان هذا هكذا فان القلب موضع للطرب والسرور، كما كان موضعا (للنجدة والشجاعة والجبن والجور) .
وإذا صح هذا فان الطرب والسرور حالان، يكونان للنفس بمشاركتهما الجسد، موضعهما القلب . فقد جرى السرور والطرب مجرى أفعال النفس بمشاركة الجسد لها وبطل ان يكونا حالين للنفس من جهة ذاتها وجوهرها، وإنهما متباينان لأفعال النفس التي يشارك الجسد فيها النفس . إذا صح هذا بطلت دعواكم في الطرب والسرور إنهما للنفس من جهة ذاتها وجوهرها، قلنا في جواب هذا انك أيها المحتج تثبت احتجاجك علينا في إبطال قولنا على خرافات من كلام الناس لا حتىيقة لها برهانيا ولا دليل عليها طبيعيا . وذاك ان الناس قد يعتقدون بجمهورهم وعامتهم أشياء كثيرة لا حتىيقة لها البتة، هي فيهم طبيعية وهمية وإنما كان سبيلك أيها المتكلم علينا ان تبطل قولنا بدليل برهاني أو بيان طبيعي أول في عقولنا . فاما اعتمادك على مجدرات كلام العامة واعتقادهم ألذي يظنونه ظنا بلا دليل ولا معرفة وينقله (بعضهم عن بعض)، فلا حجة لك فيه تلزمنا . ولهذا نظاير كثيرة من اعتقاد الجمهور والعامة لأشياء لا حتىيقة لها ولا أصل . فان أتباع ايشيثا وأهل ملته المستنين بسنته يرون ان في هذا العالم السفلي حيوانا يسمونهم الجن، وهؤلاء الجن بعضهم يسمونهم شياطين، وان في البراري والقفار حيوانا يسمى الغول، وإنها على صورة امرأة نصف جسمها الأعلى والنصف الأسفل على صورة نصف حمار، وان لها حافرين كحوافر الحمار في طرف ساقها . وإذا رآها من له دون عشرين سنة خدر ولم يقدر يتحرك حتى تأخذه، فتقرض حلقه وتمص دمه . وان في جزاير البحر حيوانا يسمى العنقا، نصفه الفوقاني صورة طاير، كرأس الطاير ومنقاره وجناحيه، (ونصفه السفلاني) (صورة إنسان بفخذيه وساقيه ورجليه)، وان هذا الحيوان يطير من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى المشرق في يوم واحد . وان في البحر حيات تتكلم بالهندية، وان ببلاد الصين شجر يتكلم ويسمع له بالليل احاديث يتحدث بها بعض الشجر لبعض . وأشياء كثيرة من هذه المحالات والكذب الذي يدل العقلاء، (ذوي العقول) على إنها محال كلها لا يجوز أن تكون . وقد يتحدثون في الخرافات أحاديث فيها من الكذب والمحالات، وكذلك يرون عن الأنبياء من الزور والكذب العظيم والافتراء القبيح ما لا يطاق سماعه . أفتحتج علينا، أيها الراد قولنا، بما يقوله مثل هؤلاء وما يجري على ألسنتهم دايما؟ هؤلاء لا يعتبر بهم معنى ولا يسند إليهم شيء ولا في توهمهم حجة . ولو أردنا حكاية ما يعتقدونه ويجري بينهم في أحاديثهم من المحال والكذب الذي لا يشكون انه حق صحيح، حتى ان بعضهم يحلف بالأيمان المغلظة إنها حق . فأما ما يرونه عن الأنبياء فإنهم يكفرون من يرده ويسبون من يشك في حقيقته، وهو باطل وزور محض ومحال بين لا شك فيه . وهم يقتلون من يشك فيه ويستحلون دمه ويزرون عليه ويطعنون في عقله، والطعن (كله عليهم) والضعف في عقولهم لقبولهم المحالات التي لا يجوز كونها . فهم كالبهايم يمرون قرنا بعد قرن لا يعتبرون، وكالنيام لا ينتبهون . فمثل هؤلاء لا يكون في اعتقادهم صحة أو في أقاويلهم حجة حتى يجعل قولهم (أو رأيهم) أماما يقتدي به مقتد . هذا مما لا يجوز أن يراه عاقل ولا يلتفت إليه من به أدنى ظرف أو فيه أدنى تمييز .
فهكذا أيضا ومثله قولهم (لقد فرحت قلبي وغممت قلبي، وطرب قلبي وأوجع قلبي)، إنما يقولونه لأنهم يتوهمون ويظنون ان القلب مكان للطرب والسرور والغم والهم . وليس هذا الطن بصحيح ولا ما توهموه بحق . وإذا كان (هذا هكذا) فلا حجة في قول القايل منهم (فرحت قلبي (وأطربت قلبي) وأغممت قلبي)، إذ كان ليس كذلك، ولا ظنهم صحيح ولا توههم حق .
ولو أردنا ان نحكي ما قد قبله العامة والجمهور مما يزعمون ويروون ان الانبيا قد (قالوه أو علموه) لطال في ذلك الشرح والتعديد من المحالات الواضحة الكذب التي لا يقبلها من له عقل أو به أدنى ظرف . فهم وقد تبلوها كلها ودانوا بها ووضعوها على أعينهم . والعقلاء، النظارون الحكماء لا يشكون انه كذب محض وزور باطل، وهم يتعجبون دايما من (قابليه والمؤمنين به)، ويتعجبون من ضعف عقولهم وتصديقهم ما لا يصدق به عاقل . فأمثال هؤلاء لا حجة في قولهم وإذا ثبت ان القلب ليس بموضع السرور، فليس يكون السرور والطرب للنفس بمشاركة الجسد لها البتة . وإذا كان هذا هكذا فالطرب والسرور للنفس في ذاتها وبجوهرها، وليس يشاركها الجسد فيهما على وجه . فان قال قايل فأين موضع إظهار النفس الطرب والسرور، قلنا لا موضع لهما من الاعضاء يظهر ان منه، لأنهما ليس يشارك النفس فيهما الجسد البتة، وإذا لم يشارك الجسد فيهما النفس لم يكن لهما ظهور من عضو من أعضاء الجسد . وإذا لم يكن لهما ظهور من عضو لهما بعينه فهما للنفس بذاتها وجوهرها . فكلما انبسط الناس وشهد الدليل له من أفعال النفس انه يظهر في عضو من الاعضاء، لأن النفس تظهره من هناك، (فذلك فعل) النفس لمشاركة الجسد لها فيه، وكل فعل لها لم تظهره من عضو ما بعينه فهو فعل لها بذاتها وجوهرها، لا يشاركها الجسد فيه، مثل السرور والطرب .
(وإذا قد) ثبت هذا ففيه ثبات ان الخمر، لما كانت تسر النفس وتطربها، كان في جوهرها لطافة تشبه لطافة الجواهر اللطيفة . والنفس جوهر لطيف، لا جسم، فهي في غاية أللطافة حتى إنها ألطف من كل شيء يقال عليه إنه لطيف . وإذ هذا هكذا فان في الشراب لطافة تشاكل هذه اللطافة . فهي بذلك تسر النفس وتطربها وتفعل فيها أفعالا وتغيرها تغييرات ليس تلحق النفس من غيرها . وهذه ألأفعال إنما تمت للخمر (للمشاكلة بينها وبين النفس) . وذلك ما رمنا بيانه من أول الكلام إلى هاهنا .
فان قال لنا قايل ان سماع الضرب بالمعزفة والقيثارة والجنك والعود والرباب وغيرها من آلات الملاهي ليس يسر النفس ويطربها، فقولوا: ان هذه الآلات إنما سرت النفس وأطربتها لأنها مجانسة لها ولطيفة كلطافتها، واجعلوا بينها وبين النفس من المشاكلة والنسبة مثل ما جعلتم للخمر، وسووا بين هذه الآلات وبين الخمر، إذ قد فعلت في النفس مثل فعلها . فانكم تعلمون ان الحكماء القدماء كلهم والأنبياء قد أمروا وفرضوا ان يضرب بهذه الآلات في الأعياد وبين يدي الأصنام، وقالوا، (وهم الصادقون)، ان الآلهة يعجبها ذلك وإنها تكافي فاعليه أحسن مكافآت، وأكثروا في هذا الفعل الوعد (ومن الوعد) على ذلك بطول الاعمار ودفع الآفات وصرف العاهات وخصب المزارع وزكاء الثمار، وهذه أحوال أفضل من أحوال الخمر . وقد علمتم ما قالوا ايضا في الناي والعلعى ودابوسا وما يلحق النفس عند سرع النفخ فيها من السرور والطرب والاهتياج والقوة والتغيير . فهذه كلها إما ان تكون أفضل من الخمر وإما اقل ما تكون، إذ تساويها في إيصال ما يوصل إلى النفس . قلنا لهذا السائل انك قد شبهت شيئا بشيء لا يشبهه وسويت بين معنيين لا تساوي بينهما . وذاك ان طريق وصول إطراب الخمر وتفريحها النفس غير طريق الطرب والفرح من آلات الملاهي المصوتة بضرب من الأيدي . وذاك ان النفس إنما تسر بهذه الآلات عند سماعها لهذه الأصوات، وهو واصل اليها من طريق السمع (بالعضوين المسميين) الإذنين . وهذا مثل وصول النظر اليها بالعينين، فان النظر قد يوصل إلى النفس ايضا، بما يدخله النظر عليها، ما يسرها ويطربها . وقد يوصل المنخران اليها بالشم ما يرها ويبهجها . وهذه أعضاء جسدانية يصل إلى النفس منها ما يصل بمشاركتها الجسد في ذلك الانفعال للنفس من الطرب والسرور، كما بينا فيما تقدم ان للنفس انفعال بمشاركة الجسد لها وانفعال تنفرد به عن الجسد . فما كان إظهار النفس له بعضو من الاعضاء أو وصوله إلى النفس (بعضو ما) فهو انفعال يشارك الجسد فيه النفس، وما كان من غير عضو فهو للنفس بذاتها وجوهرها . فطرب النفس وسرورها عند سماع ألأغاني والإلحان والضرب بالآلات المصوتة إنما ينزلها بمشاركة الجسد وكان وصوله اليها بالسماع في المسلك والعضو الذي هو الاذنان .
وهذا فرق بين بينه وبين الانفعال عن الخمر . فان الخمر ليس وصول إطرابه النفس وسروره لها واصلا اليها من عضو ولا ظاهر من قبل النفس في عضو ما، بل إنما يشرب الشارب الخمر فيصل إلى معدته ، فإذا خالط الرطوبات وارتفع بخاره إلى المواضع التي البخارات تندفع اليها، حدث في النفس سرور وطرب بمجاورة البخار للنفس أو لغير ذلك مم ا لا نعلمه، لأن القدما بينوا في هذا شيئا فنحكيه عنهم، وقد وقفنا منه على شيء لا يجب ذكره ايضا، لأن الحكماء قبلنا يذكروه .
وهذا الوصول لما يصل من الخمر إلى النفس وإظهار النفس للطرب والسرور، إما من حاسة من الحواس (أو من) عضو من الاعضاء، وإذا كان كذلك فطرب النفس وسرورها من سماع الإلحان وصوت الآلات إنما كانا لها لمشاركة الجسد لها، وذلك إذ كان واصلا اليها من احد الحواس الذي هو السمع ايضا . فان قال قايل فان الخمر هو يصل إلى النفس من طريق هو عضو من الأعضاء وله حاسة من الحواس، وهو الفم والحلقوم، فقد استويا، الخمر وأصوات الملاهي وسماع الإلحان في كل حال، إذ قد كان وصولهم إلى النفس متساويا، فينبغي ان يسري الحكم عليهما في وصولهما إلى النفس بمشاركة الجسد . وإذ كان هذا هكذا فإطراب الإلحان وآلات الملاهي للنفس كإطراب الخمر لها، فلا فرق . قلنا جواب ذلك ان الخمر ليس إطرابها للنفس وسرورها بمباشرة الفم واللهوات والحلقوم، مثل فعل سماع الإلحان وأصوات الآلات . (وذلك ان السمع كما يسلكه سماع الإلحان وأصوات الآلات) يعمل في النفس عمله من السرور والطرب، والخمر ليس عملها كذلك، بل إنما تعمل عملها في النفس بعد زمان من حصولها في الجوف وبعد مخامرتها النفس وبمقدار ما من كميتها . وإذ هذا هكذا فليس انفعال النفس ايضا عنها كانفعالها عن غيرها، لأن انفعالها عن غيرها بدليل يدل على مشاركة الجسد لها ومشاركتها هي للجسد، وانفعالها عن الخمر ليس بمشاركتها الجسد . وقد دللنا على هذا فيما تقدم دلالة بل دلالات فيها كفاية . فيحصل من هذا ان طرب النفس وسرورها من سماع الإلحان والعمل بالآلات إنما هو بمشاركة الجسد لها في ذلك، وفعل الخمر في النفس إنما تقبله النفس بذاتها وجوهرها .
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب في ذكر الكروم

مُساهمة من طرف wara_qa في الإثنين سبتمبر 29, 2014 12:09 am

باب في ذكر الكروم

فهذا ما أردنا بيانه (وقد تبين) وظهر ان فعل الخمر في النفس إنما يكون بداتيهما وجوهرهما، وذلك إلى الفعل هو السرور والطرب . فان فعل سماع الآلات والالحان إنما هو بمشاركة الجسد لهما . فقد تبين الآن ان طبيعة الخمر طبيعة لطيفة مخامرة للنفس ومغيرة لها ومحدثة فيها ما لم يكن لها، وان انفعال النفس عن الملاهي والالحان إنما هو لهما بمشاركتهما ألجسد وبين الأمرين بون كثير وبعد بعيد . ولنزد ذلك تأكيدا، فنقول: ان السرور الذي يخامر النفس من الخمر (ليس كالسرور الذي يلحقها من الطرب، فسرور الخمر) لها كسرور الفوايد التي تستفيدها من عرض الدنيا التي الإنسان محتاج اليها حاجة ماسة، فهو يسر بها سرورا ثابتا باقيا مخالطا للنفس كالشيء الجوهري، وسرور الطرب سرور زايل بزوال الشيء الذي اطرب، وهو التصويت بالإلحان والضرب بالآلات، فهو كالشيء العرضي الغير ثابت، وسرور النفس من الخمر كان سرورا باقيا ثابتا لازما، فليس هذا مثل هذه ولا يشبهه . وفي ذلك دليل على ان السرور الذي تستفيده من الخمر ليس كالسرور المستفيدته من الطرب . فإذا كان هذا غير هذا وان يستوي أصلاهما كما لا يستوي فرعاهما، فذلك بين صحيح .
وهذا الكلام مذ بدأنا به والى حيث انتهيا لم نرد به تسوية الخمر بالنفس الجزية، لكن أردنا تفضيل الخمر وتشريفه على أكثر الأشياء أو على كلها، إذ قد ظهر له من الفعل ما ظهر . وأردنا بتفضيل الخمر تفضيل الكرم وتشريفه على أكثر الأشياء أو على كلها، (إما على كل المنابت أو على أكثرها) . فان كان التفاضل للنبات إنما هو لكثرة المانع وعمومها، فينبغي ان يراعى هذا فيها فيفاضل بينهم بحسبه . وان التفاضل بينهم بشرف الأفعال في أنفسها، وان كان عددها اقل، فيبغي أن نحكم بهذا . إلا إننا إنما فضلنا الكرم هذا التفضيل على الطريق الأخير والصفة التي قلنا انه بشرف ألإعمال في أنفسها، وان كان عددها اقل، فهذه الصفة لاحقة بالكروم وهي لها .
على ان للمعارضين ان يعارضونا هاهنا بأشياء من المنابت يفضلونها أو يسوون بينها، يحتمل الوجهين جميعا، وهما (أكثر عدد) المافع وعمومها وشرف الافعال في أنفسها، ولو كانت اقل . فلو قيل هذا لنا لقلنا: إنما فضلنا الكرم لهذه الخلة الواحدة في شرفها ورفعة محلها وما يضاف إلى ذلك من فضل الكرم في أفعال أخر هي غير الفعلة العظمية . فان قالوا فان في العقاقير والمنابت ما يخلص من الموت عد لدغ ذوات السموم، (قلنا لهم: وفي أنواع الكروم) نوع يسمى كرمة الدرياق، أكل عنبها وشرب عصيرها يخلصان من الموت عند لدغة أفعى أوحية ويشفيان من السم، حتى ان خلها المقلب عن عصيرها يفعل ذلك . ونحن نصف كيف تركيبها في هذا الباب الذي هو في الكرم . وكل خمر على العموم، إذا مضت عليه ثلث سنين وأمعن في الرابعة، صار درياقا أو قريبا من الدرياق . وتقرير هذا من عمل الاطباء، إلا انه شيء قد قيل، وقد جرباه (في تجربتنا) فوجدناه قريبا من الحق لا مثل الحق ولا على صحة الدعوى فيه، فان لم يصح هذا فكرمة الدرياق أمرها صحيح . وصحة هذا متعلق بشيء ما، وهو عمل يعمل بالخمر نفسها حتى تصير درياقا من يخلص من الموت عند اللدغة، وهو سر هذه الخمر . وسنذكره بعد هذا الموضع . ومع هذا فانه قد استدركنا من إفلاح الكروم أشياء يعمل بها إذا تمكنت منها عملت مثل الإعمال المخلصات من هذه الإعراض المميتة المهلكة . ونحن نذكرها فيما بعد .
فان قال (لنا قايل) فان في النبات ما يكثر تعديد منافعه لجميع الناس، فهو أفضل مما لا يعمل عليه، قلنا له إنا قد تكلمنا في هذا المعنى بما فيه كفاية . وبعد لو عدد معدد المنافع الكثيرة في غيره لكان قد يوجد في الكرم ما يساوي أو يقارب ذلك . ولو أخذنا في المفاضلة بين المنابت من جهة تعديد المنافع التي لها لطال هذا الباب طولا عظيما نخرج به عن سمت الفلاحة البتة . على أنا قد خرجا عن الفلاحة في هذا الباب الذي نحن بسبيله خروجا كثيرا، وان كان ما خرجا إليه متعلقا بالفلاحة ومشاكلا لها، فلا بد، إذ قد بلغنا الى حيث انتهينا من هذا، أن نتركه، فان منه كلام هو أوسع وبحث هو أطول، ونعود إلى ما يخص الكروم من ألإفلاح لها وغير ذلك من أسبابها وأمورها اللازمة لنا ان نخبر بها بحسب ما أدركنا من ذلك وانتهى ألينا.
فنبدأ (من ذلك باختيار) الأرض الموافقة بطبعها للكروم في غرسها ثانيا ثم زرعها أولا، فنقول: ان اوفق الأرض للكروم زرعا وغرسا هي الأرض الدسمة . وهذه في الأكثر يكون لونها الى السواد . فان كانت مع ذلك متلززة يعسر أن تصير دورورا، وهي متوسطة في كثرة التلزز والميل إلى التخلخل، فهي التي تصلح للكرم لا محالة . وهذه الارض من طبعها أن تقبل الماء العذب، فتشربه ويكمن بعضه في غورها، ثم انه يضمحل على ممر الأوقات . وذاك ان في طبع الارض المسرفة التلزز والتي تضرب إلى طبع الصلابة الجصية ان تحبس الماء فوقها ولا تمتصه كثيرا ولا تجتذبه إلى باطنها . فهذه تفسد (فيها الكروم)، وإنما تصلح للبقول وما شاكلها . وفي الارضين ما تمتص الماء كله فتخبأه في باطنها وغورها ويقشف وجهها . ومثل هذه أيضا لا تصلح للكرم . فاما الارض اللدسمة المتوسطة في التلزز والتخلخل فهي التي توافق الكروم، (وهي متوسطة) العمل في استدخال الماء إلى غورها أو في قيامه على وجهها، فيصير فيها وحل . ووجه هذه الأرض وأكثر الارضين دال على طبعها، (وذلك يعرف) من لونها، فانه ربما كان وجه الأرض له هذا اللون، اعني لونا ما دالأ على جودتهما ويكون على عمق ذراع وذراعين منها لون خلافه يدل على رداءتها . فالوجه في معرفة أمرها واختباره على الصحة ان يحفر منها في مواضع متفرقة ثلثة اذرع، فان كان باطنها وغورها مثل ظاهرها أو قريبا منه كانت هي التي تصلح، وان اختلفا اختلافا كثير في اللون وغيره فليست تصلح للكرم .
فإما طامثرى الكنعاني فان اختياره للكرم خلاف اختيارنا له من الارضين، إلا انه مقارب لنا جدا، وذلك انه قال : ان أصلح الارضين للكرم هو التراب المجموع من تقن الأنهار إذا زادت المياه الكدرة وجاءت المدود العظام، ثم جزرت عنها وبقي تقنها . فينبغي ان يجمع ذلك التقن فتطم به الأرض . وان وجدت ارضا على هذا الطبع وهذه السجية ان يغرس فيها الكرم .
قال طامثوى : ويحتاج أن تكون فيها نداوة لا تفارقها ، وهذا قل يوجد كثيرا في مثل هذه التربة " إلا انه في بلدنا بالشام، وان كان ببلد آخر غير الشام فان هذه النداوة لا توجد في مثل هذه التربة . فان اتفق ان تزرع الكروم أو تغرس في أرض مخالفة لهذه الأرض التي قلنا إنها موافقة للكرم ، فينبغي أن تطم أصولها من هذا التقن ويحط على أصول ساقها منه شيء كثير في أوقات متتابعة متفرقة ويغير منه عليها في اؤل نباتها ومبدأ غرسها أو يساق مع الماء الذي تسقى به الكروم ليحصل في مجاريها، فيتقن فيها كما تقن في إلإنهار بوقوف الماء فيها .
إلا إنا نحن نرى الرأي إلاول في اختيار الأرض للكروم وان كان طامثوى صاحب الكروم قد قال هذا القول . فانه يجوز أن يكون ذلك موافقا لأرض كنعان والشام، على انه حكم به صغريث حكما غالبا عاما لجميع البلدان، فانه لم يذهب عليه تفصيل ذلك . فاما أنوحا فانه كان من بلد اشد حرا من بلد طامثوى وقريب من بلدنا، فقال انه ليس كل ارض تصلح لكل الكروم ولا هاهنا ارض واحدة بصفة واحدة توافق الكروم . وذاك ان أنواع الكروم مختلفة لاختلافها كثيرا، ويوافق كل نوع منها ارضا بعينها . فالأرض المتخلخلة الدسمة التي تضرب إلى السواد توافق الكرم الذي عنبه أبيض، طوال كان أو مدور، بعد ان يكون لونه أبيض . وإما الذي عنبه مدور ولونه فيما بين البياض والخضرة فانه توافقه الأرض الرخوة التي يعلوها نز ورطوبة بالطبع، (وهذه هي) الدسمة المفرطة الدسومة ولا توافق هذا والذي قبله الأرض الرقيقة . قال وذلك ان الذي حمله ابيض من الكروم يحتاج إلى أن يتغذى من الأرض فضل غذاء ويجتذب من رطوبتها فضل جذب، فيأخذ مع الماء من إلاجزاء الأرضية فضلا من الأخذ، فلذلك لا تصلح له الرقيقة من الأرض التي في جوهرها رخاوة، وليست الرخاوة هي التخلخل ولا التخلخل الرخاوة، والفرق بينهما ان الأرض المتخلخلة هي التي في اجزايها تفرق (بعضها من) بعض، وهي على إلانفراد يابسة إلاجزاء، إلا انه يوجد فيما بين اجزايها نداوة كامنة فيها، والأرض الرخوة هي التي في نفس اجزايها شبيه باللزق، للاسترخاء الذي في طبيعتها، فهذه تخالف تلك خلافا كثيرا . وأيضا فأن الأرض التي يتشقق وجهها من الحر الشديد والبرد كذلك فإنها لا تصلح للكرم الذي ثمرته بيضا البتة . وذلك إنكم تحتاجون ان تكون طبيعة الأرض مخالفة لطبيعة الكرم، فان كان في الكرم رخاوة فينبغي ان يغرس في أرض صلة، وان كان صلبا فليغرس في (ارض رخوة) . وعلى هذا ان الكرم الذي طبعه القشف يجب أن يزرع في الأرض الرطبة، والذي طبعه كثرة الرطوبة يزرع في الأرض التي فيها قشف وفضل يبس مستول عليها، والكرم المتوسط يوافقه من الأرض المتوسطة . على انه ينبغي ان لا تظنوا ان في الكروم كرما يقال عليه انه متوسط ولا ما هو متوسط في الحقيقة على التحديد لأنه لا بد ان يكون في هذا المتوسط فيما نظن ميل إلى أحد الجهتين التي ظننا انه متوسط بينهما .
وإذا هذا هكذا ينبغي ان ينظر في طبعه فيقابل بزرعه وغرسه في أرض مخالفة لطبعه . وهذا الذي نذكر من اختيار إلارض للكرم هو أصل كبير وركن عظيم من إفلاح الكروم، وهو أول أساس لما يأتي بعده .
قال قوثامى : قد مضى لنا فيما سلف من هذا الكتاب من تمييز الأرض وتفصيلها والكلام عليها صدر صالح فيه مقنع، إلا إنا نحكي هاهنا كلام صغريث، فلا بد ان نأتي به على نسق قوله وبجميع ما ذكر من صفة (الأرضيين والكروم) وغير ذلك .
قال صغريث : فاما الكروم التي حملها اسود فانا نعرفها في إقليمنا ثلتة أنوع، نوع منها حبه كبار قليلا، وهو في عناقيده متفرد، وهذا نسميه سونايا، والصنف إلاخر طوال أسود اخف سوادا من السونايا، ونسميه سلنقاز، والصنف الثالث مدور الحب صغار مجتمع شديد ألاجتماع متقارب بعضه من بعض جدا، نسميه صلباني . ويتلو هذه الثلثة إلاصناف الشديدة السواد ثلثة أصناف سود، سوادهما خفيف جدا يضرب إلى الشقرة، ويعلو بعضها مع الشقرة سواد خفيف رقيق قال أبو بكر أحد بن وحشية: هذه الئلثة الأصناف هي الخمري، صنفان آخران احمري الحب يشوب حمرتها سواد خفيف، وهي التي قال صغريث فيها إنها تضرب إلى الشقرة، وإنما يعني الحمرة . رجع كلام صغريث . فهذه الستة إلاصناف ينبغي أن تزرع في الأرض الشديدة اليبس التي يعلو وجهها قشف0 وهذه يكون لونها في إلاكثر إلى الحمرة والصلابة الخفيفة، وتوافق الثلثة إلاصناف الثانية، وهي الخفيفة السواد، الأرض الرقيقة، وأيضا التي يشوب ترابها رمل .
وينبغي آن تعلموا ان الأرض التي تفلح فيها هذه السود الألوان لا يفلح فيها ما عنبه أبيض البتة، ولا هذه تفلح بحيث تفلح تلك . فبين العنب إلاسود وإلابيض هذا الفرق في إلافلاح والمجيء في الأرضين، وبينهما أيضا من الفرق ان وإلابيض يقبل الغذاء (من الأرض) بعسر وطول قليلا ويتغذى به أكثر . وهذه إلاصناف الملونة تقبله بسرعة وتغتذي به اقل . إلا ان في إلاعناب البيض نوعا واحدا توافقه الأرض (الرقيقة الرملية)، وهو المسمى فرفوريا، > فانه متميز في الطبع من غيره من أبيض إلاعناب . وذلك ان هذا النوع من أدسم أصناف إلاعناب البيض، وان كان المسمى حاوسا أيضا صنف قليل النبات في كثير من الأرضين، إلا انه إذا تمكن في الأرض التي توافقه صارت عروقه عظيمة وغلظت قايمته وأغصانه . ولما كان الصنف الأوسط من الثلثة التي حبها أشقر، أرطب إلاعناب، وجب ان يغرس في الأرض الحادة اليابسة القشفة البعيدة الندى وألنز . هذا يغرسه أهل بارما وتكريت في مواضع عالية من الأرض يريدون بذلك ان يكون مكانه يابسا بعيدا من الماء قليلا . وكذلك أيضا الصنف المسمى السوناى فان أمره ظريف، لأنه في طبيعته شديد الحرارة واليبس ولا يصلح إلا في أرض توافقه الحرارة واليبس، وهي الأرض الصلبة التي يعلو لونها حمرة أو سواد شديد، وان (هاتين يابستين حارتين) .
واعلموا ان كل نبات، صغير أو كبير، ينبت في أرض، فانه يأخذ منها ما في طبيعتها لأنه بها وفيها قايم، ومنها ومن الماء يتغذى . فهو يجتذب منها ما فيها، ان كان فيها نقصان عما يحتاج إليه فنقصان، وان كانت زيادة فزيادة . فلذلك أكثرنا في (اختيار الأرضين للمنابت)، فانه الأصل للصلاح والفساد .
وفي الكرم ما حبها كبار وغذاوها أكثر، وهي المكتنزة التركيب . فهذه لا ينبغي أن تغرس في الأرض الدسمة والعميقة، لأنها قوية تجتذب من الغذاء ما تقوى عليه وهي قوية، فتأخذ منه شيئا كثيرا . فاما ما كان منها متخلخل الجسم رقيقا جدا كثير المائية سيالا فينبغي ان يغرس في الأرض الدسمة العميقة . فاما ما كان من الكروم ضعيفا دقيق إلاغصان لطيف الورق لنقصان غذايه فينبغي أن يغرس في الأرض السودا، فان هذه الكروم الضعيفة لا تقدر على إستجرار جميع الغذا، والأرض السودأ هي التي تعطي الكروم من الغذا مقدارا يسيرا، وهذا المقدار اليسير من الغذا أصلح لهذه الكروم (الضعيفة، لأنها لا تقوى على ألإكثار من الغذا، فإذا أتاها منه اليسير كان على مقدار ما يصلحها . وهذه الكروم) الضعيفة هي التي حملها لطاف مكتنز، كان مجتمعا أو متفرقا .
وينبغي ان تعلموا ان في الكروم ما إذا كثر غذاوه وسقيه الماء كثر ورقه جدا ، فاصرفت الطبيعة شغلها كلأ إلى الورق، فنقصت (ثمرة العنب) من أجل ذلك . ولهذه نكتة أخرى، وذاك ان عنبها يبطئ، نضجه ويتأخر . ولكل نوع من الكروم وقت من الزمان يجب أن يكون بلوغه فيه، فان تقدم عن الوقت أو تأخر كانت تلك الثمرة رديه قد جرى أمرها على غير النظام الطبيعي، فيكون بعدها من المنفعة والغذاء لآكلها بحسب تقدمها وتأخرها، إلا ان التأخر هو الذي يعرض أكثر . وكذلك ينبغي أن يحترس من هذا بأن يغرس كل نوع من الكروم في الأرض التي نرسم لكم ان تغرسوها فيها ليجري أمرها في تربيتها ونشوها على نظام صحيح.
(والترتيب الصحيح) هو انه قد ينبغي أن تغرس الكروم الضعيفة، وهي التي حملها لطاف والتي هي قليلة الماء، اعني في ثمرتها، في المواضع الرطبة من الأرض الكثيرة ألنداوة، وتكون من كثرة رطوبتها دسمة قوية . وان خالط ترابها يسير من رمل كان جيدا، وذاك ان الكرم الضعيف ان وضع في الأرض اليابسة القليلة الغذاء ازداد ضعفا، فنقصت ثمرته نقصانا عظيما كثيرا، ولم يكد يجي منه شيء . فاما الكروم القوية التي لها أن تجتذب بالطبع غذآ كثيرا فهي ان جعلت في الأرض الموافقة لها الجيدة كان أصلح، وان لم يتفق ذلك وكانت في المواضع الردية لها فان قوتها تقاوم الأرض الردية القشفة واليابسة .
فينبغي ان تتفقد هذه المعاني، فان رأيتم انه قل كان بالاتفاق (ان غرس) (كرم قوي جيد) في أرض يابسة قشفة بعيدة من كثرة الغذا، ان تتعاهدوا هذا الكرم بكثرة سقي الماء والتزييل في أصله باخثاء البقر وبعر الغنم والزبل الذي وصفنا في باب إلازبال لمثل هذا . وكذلك ان اتفق ان يغلط إنسان فيغرس كرما ضعيفا يحتاج إلى فضل غذآ في أرض قليلة الغذا ضعيفة، ان بتعاهده باستعمال ما يصلحه، كما رسمنا فيما قبله، وذلك كله ان يقابل كل خطأ اتفق بما يزيل ذلك الضرر عن ذلك النبات .
وقد كان ماسي السوراني يشير بأن تنقل الكروم التي زرعت أو نشأت في أرض فاحتاج إنسان ان ينتزع منها أغصانا يغرسها في موضع آخر، ان يكون ذلك الموضع إلاخر الذي ينقلها إليه مخالفا لموضع زرعها ونشوها . وتنقل الغروس من الأرض الصلبة إلى أرض رخوة ومن الرخوة إلى الصلبة ومن الدسمة إلى الرقيقة ومن الرقيقة إلى ألدسمة ومن السودا إلى الحمرا ومن الحمرا إلى السودا ومن الجصية إلى الحمائية ومن الحمائية إلى الجصية ومن الجبلية إلى السهلية ومن السهلية إلى الجبلية ، وعلى هذا النسق . قال لأننا جربنا هذا فوجدناه هكذا: وجدنا في طبيعة الكروم إنها تقوى في نشوها على التكافي وتطلب الغريب فتألفه وتقوى به . وكذلك في طبيعة الأرضين، إنها تقوي ما كان زرعه في أرض مخالفة لها وتعطيه قواها وغذاها انقضى كلام السوراني .
قال صغريث : وأفضل الكروم النابتة بإقليم بابل كرمان، احدهما الذي وصفنا انه من الثلثة إلانوع التي تتلو الثلثة السود، وهو الذي عنبه بين إلاسود وإلاحمر، ويعلو حمرته سواد، ويجيء في وسط الصيف، فيما قبل طلوع الشعري وفيما بعدها . فهذا هو الذي يعطي عصيرا كثيرا، وعصيره مع كثرته أبقى والخل المعمول منه عجيب في الجودة والتفتيح . وإما الذي يتلوه فهو النوع المتوسط من إلاحمر، وحبه متوسط، وهو في حلقة انتظام حبه في عناقيده ظريف في العنقود، فموضع متفرق الحب وموضع مجتمع الحب . فهذا أيضا من الجياد وعصيره يكون في إلاكثر احمر وعصيره باق ثوى دسم، إلا انه دون إلاول . فهذان النوعان يوافقهما من الأرض الصلبة الغير كثيرة الصلابة التي بها مع صلابتها أدنى رخاوة وتريد من الغذا المتوسط، فانه ان كان أكثر عليه الماء خرج عصيره رقيقا قليل البقاء، وان قلل عليه نقص ماوه وضوى عنبه وصغر ونقصت قوته . وان هذين النوعين في باب اللذاذة لذيذان، وقد يتلوهما في الطبيعة واللذاذة النوع من العنب وإلابيض المدور الذي لونه فيما بين البياض والخضرة . الرقيق القشر، فان المدور وإلابيض في هذا إلاقليم ثلثة أنواع، وهذا النوع الذي نحن في ذكره أحلاها وألذها طعما والفرق بينه وبين ألاثنين اللذين يشبهانه ان هذا رقيق القشر جدا، (وذلك إن) احدهما في قدر هذا الرقيق القشر، إلا انه في نهاية غلظ القشر وصلابة العنبة . والنوع إلاخر ألطف عنبا (من هذين)، فهو يفاضلهما بالصغر . وهذه الثلثة إلانواع المدورة (العنب يوافقها من الأرضين الصلبة) التي فيها ادني يبس وقشف، وان كانت في موضع حار كان أجود لها، مثل أسافل إقليم بابل، كإلابلة وعبدسي وجنبلا وقشين واطاماثا وإطراف القريات، ومثل العذيبا والرحبتا وطيزناباذ، فان هذه البلدان الحارة تجي فيها الكروم أجود ويكون قشرها أصلح وعصير عنبها أكثر واحل وأبقى . إلا ان أهل هذه النواحي وغيرها من أهل إقليم بابل ليس يكادون يتخذون من هذه إلا نوع المدورة الحب إلابيض شرابا، لأن عصيرها قليل وفيه خشونة وشدة شديدة .
وأكثر اتخاذهم الخمر من ذينك النوعين إلاحمرين اللذين ذكرنا قبل هذين، فان ثوابهما أكثر وهو أبقى وأطيب وانفع وأكثر سرورا للنفس وإطرابا لها . وأيضا فان قدماء الكسدانيين إنما فضلوا هذين النوعين اللذين لونهما إلى الحمرة وعنبهما مدورا، إنهم رأوا زنابير النحل تحرص على إلاغتذآ منه وتطلب القيام عليه وتلتذه . وذلك ان هذا العنب رقيق جدا كثيرا لماء شفاف ينقذ فيه البصر طيب الطعم . وكرمة هذا النوع إذا أفلحت إفلاحا جيدا وقامت في أرض موافقة لطبيعتها حلت حلا كثيرا وعناقيد مستديرة على قضبانها، ويكون حب العنب صافيا رقيق القشر جدا يكاد يسيل من رقته، وتصير معاليق عناقيده صلبة شديدة خشبية .
وأكثر إفلاح هذه الكروم والجنسين إلاحمرين معه ان يلتقط ورقها في كل قليل ويرمى به فيخفف عنها بذلك، فانه إذا فعل بها ذلك مرارا في الربيع والصيف والخريف نشأ نشوءا حسنا ونمى نموا كثيرا وقوي . وينبغي ان يتعاهد عصير هذه إلانواع الثلثة بأن يخرج عنها درديها كما وصفنا في إخراج الدردي .
وهذه إلا نوع أيضا قد يوافقها المواضع التي هي أميل إلى الحر واليبس والمواضع التي يكثر فيها هبوب الريح الجنوبية والحارة والرطبة . وقد كان ماسي السوراني يشير في هذه بأن لا تعمل إلا معرشة على الشجر العظام، أولا يمكن ذلك فيها فيجعل لها خشب منظوم من الغرب وغيره ليعرش عليها . فاما نحن فانا قد جربنا هذا فما رأينا فيه كبير منفعة، إلا انه أصلح لها على كل حال، فلا باس أن يعمل عليه . لكني أنا أرى ان تكون هذه الكروم التي حملها أحمر ناشية بقرب تلول لتعرش من موضع منبتها على تلك التلول، فهو عندنا أجود وأصلح لهذه وما أشبهها . وفي أنواع الكروم (ما لا) يكون انبساطها على وجه الأرض أجود لها وأقوى، ومنها ما (يكون تعريشها على ما) تعرش عليه أصلح لها . فجميع أنواع الكروم التي عنبها اسود أو احمر (أو أحمر اسود)، أو أي لون كان لها، ان تعمل على وجه الأرض، إلا انه لا بد من صعودها من انخفاض إلى علو، وما شاكل ذلك، وجميع أنواعها التي حملها أبيض أو إلى البياض أو أبيض اخضر، وأي لون كان، إلا انه أبيض ملون، فان التعويش أوفق لها وافلح وأقوى وأجود لحملها .
والعلة في منفعة هذا التعريش لهذه ان الرياح الهابة إذا كان الكرم معرشا فإنها تحيط به من جميع جوانبه فتروحه من حر الشمس، فانه لا يقوى على شدة الحر، فإذا ضربتها الرياح كثيرا خففت عنها الحر بترويحها لها وكانت الريح أيضا موافقة لعنبها بنفخه إذا هبت عليه وهو صغير اؤل انعقاده، فان للريح فيه حينيذ عملا بينا . وهذا معنى قول طامثري في قصيدته التي ذكر فيها منافع الرياح لكل شيء، فقال : (وهي تنفخ ثمار النخل اؤل انعقاده وثمار الكرم، إذا كانت في اؤل طلوعها ونشوها)، وعدد من أفعالها (أشياء كثيرة) كلها حق، إلا انه بفضل حكمته نهى عن غرس الكروم في روس الجبال والتلال والمواضع العالية، وإن كانت الرياح عليها أكثر هبوبا، فينبغي أن تكون لها أجود لقاحا . فقال طامثرى ان الكروم إذا غرست في المواضع التي هي أعلى وجآت إلامطار عليها وقت، مجي إلامطار حدرت من أصولها التراب الذي تطمر به أصولها لينفعها، والزبل الذي تزبل به، من المواضع العالية إلى المواضع المنسفلة، فتبقى تلك إلاجزاء إلارضية التي كانت تغذو الكروم وتعيشها فتنحدر منها إلى أسفل، فتضعف بذلك ضعفا شديدا . فلهذا ينبغي أن لا تتخذ الكروم إلا في المواضع المنسفلة (التي لها وبقربها مواضع عالية لتحدر الأمطار من العالية إلى المنسفلة) أجزاء وجواهر تحبسها إلامطار في أصول الكروم ، فتنتفع بها انتفاعا عظيما هو مواز لانتفاعها بالزبل المحمود . وليس ينبغي أن تكون المواضع المنسفلة التي تغرس فيها الكروم بسيط أرض مستو، بل تكون بسيطا فيه موضع بعد موضع عال كالتلال الصغار لتتسلق الكروم عليها، فان الكرم يعجبه هذا التسلق عجبا شديدا ويقوى به . وإذا عمل بالكروم هذا فانه يصلح لها أن تكون في مواضع منسفلة في الجملة، وفي تلك السفلة تلول صغار، وذلك كله بالقرب من علو عال ينحدر منه المطر إلى تلك المواضع التي فيها علو يسير وانخفاض، وهذه المنسفلة بالإضافة في جملتها .

وهذا إنما علمناه طامثرى للكروم الغير معرشة بل المنبسطة على الأرض . فاما المعرشة فانه ان استعمل أيضا في وضعها في المواضع مثل هذا الترتيب بعينه انتفعت في أنفسها وانتفع بها . وليس يمكننا أذا تكلمنا على شيء أن نقول فيه أكثر مما هوذا، وإلا ففي كل معنى من هذا الكلام كثير ان رام رايم تجديده وإلاتيان بكلما فيه، فإنما نومي لذلك إلى هذه إلاشياء، إنما يكتفي بها ذو القياس العاقل .
قال طامثرى: واعلموا يا أحباي وأخوتي ان هذه إلاجزاء الأرضية التي تحصل في أصول الكروم من إحدار السيل بها أو جلبه لها من موضع آخر فتبقى في أصولها، فان الكروم تقوى بهذا قوة (ليست قوة) هينة صغيرة، بل قوة عظيمة تغلظ بها أغصانها ويكثر ورقها ومعاليقها وتغلظ وتستدير وتقوى وتتشبث بما تعلو عليه تشبثا قويا وتزيد ثمرتها وتنبل ويكثر ماوها وتبعد عن الفساد إذا جففت . وعلى هذا قاس القدماء، فاستنبطوا عمل إلازبال وطم أصول الكروم بها ونقل التراب من موضع إلى آخر . وهذا شيء تقوى به جميع المنابت على العموم، كبارها وصغارها، ليس الكروم وحدها . وذاك ان جميع المنابت إذا قل التراب في أصولها ضعفت ومرضت وتخلفت في إخراجها ثمارها وما يبرز منها ونقص فعلها وطبعها . وهذا ظاهر بين في النخل، فانه أقوى المنابت وأشدها تمكنا، وهو أذا قل التراب في أصوله ضعف وثوى وتخلف في فعله وعمله، فلذلك أمروا أن يخلطوا بالازبال التراب الغريب، ومعناه الذي يجلب من أرض غير تلك الأرض، وان كانت تقرب منها، فلتخلط بإلازبال وتجعل في أصول الكروم وغيرها من جميع المنابت، فإنها منفعة تعم ولا تخص حتى في صغار النبات والبقول، فإنها تقوى بهذا الفعل بها وتنتعش .
وهذا المعن الذي نحن فيه، وإن لم يكن من اختيار الأرضين للكروم ، فهو صفة للأرضيين والمواضع من الأرض التي تقوم فيها الكروم وتعيش بها وتقوى، فكأنه هو، بل هو من اختيار إلارض للكروم بعيه . ونحن نزيد فيه بعد هذا الموضع . فاما هاهنا ألان فانا نقول في اختيار (المواضع من الأرض) للكروم المعرشة، إذ قد مضى لنا طرف من الكلام في المنبسطة على وجه الأرض، فنقول : ان الكروم المعرشة قد يوافقها ما وصفا هاهنا انه يوافق المنبسطة، وقد يخصها دون تلك أن تغرس في المواضع اللينة اعني في بقاع إلارض اللينة . وهذا قد شرحاه فيما تقدم شرحه، لا زيادة عليه فيما أظن والمواضع البسيطة والمستوية والتي فيها فضل ندى وكثرة رطوبة والتي تخترقها رياح دايمة كثيرة ولا تكون رياحا عواصف، فان العواصف تضر بالكروم وجميع النبات، لكن (لرياح الدايمة) الهبوب لينه هينة، فإنها، هذه الرياح، التي تنفع الكروم (وتغذيها وتلقحها . وليس يوافق الكروم) المعرشة المواضع الباردة جدا، إلا ان تغطى في البرد، ويكن بما يمنع نكاية البرد لها فلا يؤذيا . فلذلك ينبغي أن تتخذ المعرشة في البلد التي هي أدفى واسخن، فإنها تكون فيها أجود وأنجب .
وهذا كلام مجمل على هذه الجمل إلى أن بلغ إلى موضع التفصيل فنفصل الجمل ونشرحها . فاما كرم الدرياق فانه يعد في أنواع الكروم التي حملها أحمر ويعد أيضا في الكروم الضعاف التي عيدانها دقاق وأوراقها قليلة . وقد مدح القدماء هذه الكرمة مدحا أطالوه ونتلوها على جميع أنواع الكروم وفضلوا شرابه على جميع أنواع الخمور وقالوا ان الطبيعة أودعته فضيلة ليست لأحد الكروم البتة، لا في منفعة شرابه فقط بل في لذة طعمه ولذة طعم عنبه . وذلك ينضاف إلى ما فيه من المنافع في الشفاء مما يشفي منه .
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب في ذكر الكروم

مُساهمة من طرف wara_qa في الإثنين سبتمبر 29, 2014 12:17 am

باب ذكر كيف تزرع الكروم
وفى أي وقت يكون ذلك من الزمان، وغير ذلك
مما يتصل به ويلحقه .
قال قوثامي : قد حكينا من كلام صغريث صدرا فيما قبل هذا الموضع . وإما هاهنا فانا نقول في زرع الكروم فنخبر في أي وقت ينبغي أن تزرع وكيف تزرع . فان القدماء، واضعي كتب الفلاحة، قد اختلفوا في هذا الوقت اختلافا كثيرا، كما اختلفوا في وقت الغروس أيضا، إلا إنهم متقاربون في ذلك، ولكل واحد معنى وعلة هي جايزة، ان عمل بها نبت الكرم وخرج جيدا .
أما طامثرى ومردايا الكنعانيان فإنهما يريان ان يكون زرع الكرم ان يؤخذ من الزبيب الكبار، الذي يحدس عليه ان فيه حبا كبارا، ثلثة أو أربعة، فتحفر في الأرض حفاير صغارا وتطم تلك ا الزبيبات فيها، وان (يكون ذلك) في (نصف تشرين الأول الثاني منه وإلى نصف تشرين الثاني (الأول)، وانه ان اشتد عليه برد، فلتضرب له الاخصاص ويغطى بالبواري، وان كان أمر البرد قريبا فليس يحتاج إلى ذلك .
وأما ادمي وانوحا النبيان فأنهما قالا : ينبغي أن تزرع الكروم إذا أردتموها ابتداء وزرعا إن تزرعوها في النصف الثاني من آذار وإلى آخر آذار، (وهذا الوقت هو أول الربيع . قال أنوحا): وهذا الوقت ليس اخص به بلدا دون بلد ولا موضعا دون موضع، بل ينبغي أن يكون زرع الكروم من المشرق إلى المغرب في كل بلد في أول الربيع، وان يستخرج الحب من الزبيب ، وهكذا قال أدمى، فينقع في زيت سبعة أيام ثم يؤخذ، فتحفر له في الأرض حفاير مغار، فيجعل في كل حفيرة منهما من سبع حبات إلى اثنتي عشر حبة، وتغطى بالتراب كما تغطى جميع المزارع ، ويرسل عليها من المآ مقدارا كافيا، ثم تسقى ثانية بعد أربعة أيام، ثم يوالى عليها السقي .
قال أدمى: وقد كان بعض القدماء رأى ان يكون زرع الكروم من خسة أيام تخلو من شباط إلى خمسة تخلو من آذار، وان يكون زرعها في الحفاير، في كل حفيرة عشرين حبة، وان تغطى أكثر، وان يلقى معها في الحفاير كف من شعير مطحون على جهته لم تمسه النار ولا تغير عن حاله بغير الطحن له شيئا . قال فان هذا شيء موافق جدا ان عمل بالكرم في أصل زرعه .
قال ويكون زرع الكروم في (المواضع الكنينة)، قال: وهذا الذي اسند أليه أدمى هذا الكلام هو كاماس النهري، فانه فيما أظن أول من قال انه ينبغي ان يزرع الكرم في سبعة تخلو من شباط وإلى اؤل آذار، أو إلى عشر تخلو منه، وان يجعل في حفايره عشرين حبة، وان يلقى مع الحب شيء من شعير مطحون أو مدقوق دقا ناعما، وان يسقى الماء . والذي قرأت أنا في كتابه في الكروم انه ينبغي أن ينقع الزبيب المجفف فضل جفاف في ماء حار يوما أو يطبخ بماء عذب يوما، ثم يزرع الزبيب كما هو في الأرض ويطم بالتراب طما كثيرا أو يساق إسقاوه ألما السياقة التي ذكروا، إلا ان حكاية أدمى عنه أوكد لقربه من زمانه ولبعد كاماس من زماننا هذا .
قال أدمى : وليس ينبغي ان يستوي وقت زرع الكروم بين أنواعها، ولا ان يخالف بينها خلافا كثيرا، إلا انه ينبغي ان يبتدي بها من آخر شباط أو من نصفه الأخير إلى آخر آذار . فقال ذلك القول الأول الذي وافق فيه أنوحا، أو نقول وافقه عليه أنوحا في كتابه الكبير الذي هو وحي القمر إليه، وقال هذا القول الثاني الذي قال فيه انه ينبغي ان يزرع في نصف شباط في قصيدته في الكروم ووصفها ووصف خمورها وشرح اختلافاتها .
وإما ماسي السوراني فقال : ينبغي أن يكون زرع الكروم كلها على اختلافاتها في وقت غروسها كلها لا يخالف بينها، فيكون هذا في وقت وهذا في وقت آخر، فان نشوها متساو في هذا الباب . وذلك الوقت هو من أول تشرين الثاني إلى آخره، فهذه الثلثون يوما هي للغرس والزرع، وخاصة للزرع، لأن الغروس يجب أن تكون فيما قبل هذا بأيام وينبغي أن يغرس بعضها في أول الربيع، فاما زرعها زرعا فلا يكون إلا في نهاية قصر النهار وفي ابتداء قوة البرد واستقباله واستقبال الامطار .
وأما صغريث فانه العالم الأعظم بالفلاحات للمنابت كلها وصاحب الضياع الواسعة الكثيرة ، فانه قال، ما وافقه عليه ينبوشاد، انه ليس ينبغي أن يكون زرع الكروم وغرسها في وقت واحد ولا زمان متساو، من أجل اختلاف البلدان في الحر والبرد بالزيادة والنقصان وبحسب اختلاف جناس الكروم وأنواعها التي هي تحت الأجناس، أو نقول بحسب اختلاف أنواع الكروم، فإنها ليست متساوية في البلوغ والنضج والفجاجة والتأخر، بل مختلفة اختلافا كثيرا، وبحسب اختلاف مواضع من البلدان، فانه قد يكون في البلدان مواضع ايبس من مواضع (وأحر، ومواضع أرطب وابرد)، ومواضع تقرب من شجر ونخل، ومواضع مكشوفة خالية، وبقاع من الأرض مختلفة الطباع . ولهذا الاختلاف كله لا ينبغي ان يسوى بين زرع الكروم وغرسها، بل تختلف لها ألأوقات بحسب ذلك . و الأصل الأعظم في إفلاح المنابت كلها هو اختيار الأرضين لها، لأن كل أرض توافق شيئا (وتخالف شيئا) آخر، فيجب أن يكون (غروس وزروع) الكروم الضعيفة الدقاق الأغصان الصغار العنب والقليلة الورق في نصف تشرين الأول الأخير منه وإلى آخر كانون الأول، وإما التي هي أضداد هذه فينبغي أن يتبدى بغرسها وزرعها من سبع ليال تخلو (من شباط وإلى عشرة تخلو) من آذار . ففي هذه المدة ينبغي أن يبتدي بزرع وغرس الكروم التي حملها أبيض والتي حملها اسود، كبار غير صغار، والتي حملها كثير، فانه ليس يكثر الحمل إلا القوي من الكروم . قالا جميعا اعني صغريث و ينبوشاد: وليس لنا وقت ثالث لزرع الروم وغرسها، إلا في البلدان الباردة التي هي أبرد من إقليم بابل، (أو في أطراف إقليم بابل، مثل بلاد نينوى) وبارما وتكريت وما كان فيما بين باجرما وحلوان، فان هذه المواضع باردة جدا، فينبغي ان يكون غرس الكروم فيها وزرعها من أول آيار إلى عشرين يوما تخلو منه، فان هذه المواضع لكثرة تبريد البرد لأرضها قد تحتاج إلى حرارة ما هو اسخن، حتى تعادل هذه السخونة تلك البرودة التي قد استكنت في الأرض، فينشرا فيها ما زرع وغرس من الكروم خاصة، لأن كلامنا فيها . فهذه الثلثة الأوقات للثلثة البلدان ولاختلاف أنواع الكروم ليس لها رابع .
وينبغي ان تختر الأرضين أيضا فيعمل في غرس الكروم وزرعها فيها بحسب ذلك . فان الأرض الرقيقة هي الضعيفة أو الأرض التي فيها ادن ملوحة أو ألأرض التي أفرط عليها القشف فأضعفها، فينبغي أن تقلب وتهيأ لزرع الكرم وغرسه قبل وقت الزرع والغرس بخمسة عشر يوما والى العشرين يوما، ثم يغرس فيها . فاما الأرض القوية الدسمة والصلبة وغير ذلك من الأرضين التي هي أضداد تلك الضعيفة، فينبغي ان تقلب وتهيأ لمن يريد الغرس في الخريف، من أول الصيف، من اؤل شهر حزيران، وتثنى في نصف آب أو في أوله لتكون معدة لغرس الكرم الذي يكون في تشرين الأول والثاني وكانون، وهذا وقت الغرس وازرع للكروم في البلدان الحارة على ما تقدم وصفنا لذلك . وأما لمن يريد الغرس في أول الربيع الذي هو من أيام تخلو من شباط إلى أيام تخلو من آذار، فينبغي ان يعد الأرض ويقلبها من أول أيلول ويدعها كما (هي حتى) تحرقها بقية الحر الذي قد بقي، (ما لم) نجي عليها الامطار، فإذا كان قبل وقت غرس الغروس بثلثين يوما فلتقلب على أي وقت كان الزمان من البرد، اللهم إلا ان يكون مطرا متتابعا فيمسكون عن هذا الأثناء إلى الصحو ثم تثنون الأرض التي قلبتموها في أول أيلول . وهذه ينبغي ان تؤخروا غرسها إذا كان مطرا في وقت التثنية إلى أن تصحو السماء، فتقلبوها وتدقوها وتقطعوها وتهيوها لما تصلح ولما تريدون غرسه من الكروم، ثم تغرسون فيها وتزرعون ان أردتم ذلك .
وانفرد ينبوشاد وخاصته بهذا القول فقال : اعلموا ان الكروم التي تغرس في الخريف لا تنشوا وتعلو إلى فوق بسرعة لتخلف النمو في هذا الفصل من السنة ، فتعمل أصولا كبارا غلاظا متمكنة، فإذ . دخل الربيع وحي الزمان نشأت نشورا كثيرا وتمكنت من النمو تمكنا عظيما وحسنت، فإذا حملت حملا وافرا . فلأجل ذلك أشار رطحد الشيخ المقدم في الفلاحة ان يكون غروس الكروم كلها بجميع أنواعها في الخريف، وهو من اؤل تشرين الأول وإلى نصف كانون الأول وان اختلاف أنواع الكروم واختلاف الأرض ينبغي ان يخالف بين زرع وغرس الكروم فيها بحسب أنواعها في هذه النيف والسبعين يوما، لأن هذه الأيام مختلفة فيما بين أولها وآخرها في الحر والبرد اختلافا ظاهرا، فيقدم ما دام الحر ظاهرا من الكروم ما كان في طبعه رطبا كثير الثمرة مجتذبا للغذاء بقوة، ويؤخر ما كان بخلاف ذلك إلى وقت الندى والإمطار، (فتزرع وتغرس) الضعيفة والقشفة . فان هذا الفصل من أوفق الفصول لنشوء الكروم زرعا وغرسا، فانه إذا مضت الشتوة ودخل الربيع حسن نموها ونشوها حسنا عظما وفرح بها فلاحوها .
قال قوثامي : فقد ذكرنا في اؤل هذا الباب اختلاف الناس ثم قررنا في آخره ما ينبغي أن يعمل منه وأي الآراء والموجوه هي الصواب . ولا بد فيما يأتي من كلامنا على الكروم من إعادة هذه المعاني التي قد تكلمنا عليها، لأنا نحتاج أن نحكي أقاويل قوم قد تقدموا بضروب من الكلام عل معان مختلفة، فلا بد أن يكون في تلك المعاني شيء مما (قد مضى) فنحتاج إلى إعادته هناك لتمام حكاية كلام المتكلم، الأ انه وان كان مكررا فانه لا غلو البتة من زيادة ينتفع بها أو نقصان يحتاج إليه. وإنما فعلنا ذلك ليتسع الكلام على أرباب الفلاحة ويتكرر، فيستفيدون بذلك التكرير ويتذكرون به ويتفكرون فيه ويقيسون شيا على ما شبهه ويذكرون بذلك ما غفلنا عنه أو ما قصرنا لعلل أوجبت ذلك، فان الإحاطة بعلم شيء ما من العلوم معدوم لا يوصل أليه.
واعلموا ان ينبوشاد يحتوي من مخالفة القدماء على ما لم يحتو عليه غيره، الأ أني أرى انه ليس يخالف احدهم الأ بحجة يقيمها دالة على صحة قوله، وربما انفرد بأشياء اهتدى أليها لم يقلها غيره. فمن ذلك انه أشار في الكروم التي تغرس في آخر الربيع انه ينبغي أن تقلب لها الأرض من أول تشرين الثاني، قال حين تغسل الامطار الملوحة، ان كان فيها ملوحة، والقبض، ان كان ذلك، أو الزعارة، أو يذهب بنزها، ان كانت نزة أو يذهب عنها بكلما يعتريها من الرداوات، ثم يأتي عليها حر الربيع فيبتدي يجففها، ثم تقلب قبل الغرس فيها والزرع بعشرين يوما، فأنها توجل قد طابت، فتزكوا فيها الكروم. قال ومتى اتفقت أرض مالحة واضطررتم إلى وضع الكروم فيها فالوجه في ذلك ان تعالج بما قدمنا من تركها خالية مقلوبة لتغسلها الامطار من ملوحتها، فان فعل ذلك بها وبقي فيها منه شيء، أو لم يفعل بها ذلك وهي مالحة، فدواء الكروم فيها أن تطم أصول الغروس بالرمل المأخوذ من الأنهار الجارية بماء عذب ويدخل أليها منه شيء في سقي الماء ليبقى في مجاريها ويثبت في سواقيها وفي أصولها. فهذا يزيل ضرر الملوحة ويقاومها.
وفي الغروس في الخريف فايدة كثيرة، وذاك في الأرض الرملية خاصة، وهي ان قضبان الكروم تكون وقت القطاف وفي آخره وبعده قليلا فيها بقية من النداوة والرطوبة ألأصلية الغريزية، ويكون طول الصيف قد حلل عن أبدان الكروم وأغصانها بحره فضول ألرطوبات، وقد اجتذبت الثمار أيضا من الكروم ما رق من الرطوبة، فقد بقيت أغصانها بعد ذلك وفيها رطوبة علكة. فمتى أردتم غرس شيد مما يغرس في الخريف فانزعوا القضبان واجردوها من الورق كله لا جردا يؤثر في القضيب شيئا ولا يبقى الورق شديدا ، بل اقلعوا عنها ذلك (بارفق الرفق)، ثم اغرسوها، فأنها تنبت نباتا حسنا، وتعلمون ان هذه الرطوبة الباقية فيها انفع مما كان قبلها من الرطوبة.
(والكروم وغيرها) من ذوات الثمر تكون سعادتها وقت (خلوها في) الحمل ويكون فرحها في وقت ابتداء توريقها في الربيع، (الأ أنها ( تتروح بأخذ) الثمار عنها أكثر، وذلك هو آخر زمانها)، كما ان أول زمانها الربيع، فالربيع كالابتداء للنبات كله وآخر الصيف و أول الخريف كالانتهاء لها. والنبات انتهاوه هو غاية كماله، فإذا غرس أو زرع وقت غاية كماله كان نشوه ومجيه بحسب ذلك. والأرض التي يشوب ترابها رمل خاصية في الموافقة لأكثر أنواع الكروم، هذا مع سلامتها من العوارض الردية، مثل التغيير الحادث للارضين، مثل المرارة والحرافة والملوحة وغير هذه مما أشبهها.
قال ينبوشاد : وينبغي متى أردتم زرع الكرم ان تأخذوا الزبيب العتيق، وهو الذي قد حال عليه أكثر من حول ، فتشققوه لطهر حبه منه ، فإنكم ان وضعتموه في الأرض كما هو بعد وقت نباته قليلا، وان فعلتم ما أشرت به عليكم أسرع النبات. وينبغي ان تأخذوا الزبيب الذي تريدون زرعه فتجعلونه في إناء واسع على الأرض المكنوسة المنظفة، ثم ترشون عليه الماء، وان كان حارا فهو أجود، وتفعلون ذلك مرارا في مدة أربعة وعشرين ساعة، ثم تشققونه كما وصفت لكم ليظهر حبه، نم تزرعونه. وان كان طلبكم زرع شيء كثير وليس عليكم وقت تشققونه وترشونه بالماء، فغرقوه بالماء كله جملة واحدة ساعة، وليكن الماء حارا، ثم أزرعوه (خمسا خمسا) (واقل وأكثر) في كل حفيرة القوا عليه بعد سقيتن أو ثلثة الزبل الذي وصفنا لكم.
على ان هذه المعاناة لزرعه، الناس كلهم عنها أغنياء، لأن قضبانه المحولة المغروسة هي كالبزر له، فهو يحول ويغرس قضبانا، فينوب ذلك عن زرعه. لكن لم يكن بد من ذكر زرعه، إذ كان أصل وجوده إنما كان عن الزرع. وهذا رأى (من رأى) إن الأشياء كلها لها مبادي زمانية كانت فيها بعد إن لم تكن. فاما من يرى ان الأشياء كلها لم تزل على ما نرى وشاهد، فليس يقول ان للكروم مبدأ ولا أول.
وقد ذكر أدمى ان للكروم مبدأ ما في وقت بعيه، واقتص لذلك قصة فيها طول. وكذلك قد ذكر أبنه أشيثا، رسول أبيه أدمى (إلى ابناء البشر كلهم)، هكذا قال. فانه أكد القصة التي ذكرها أبوه للكروم وكيف كان مبدأ وجودها. فاما من أمن بنبوتهما فأنه يلزمه أن يصدقهما في كل ما قالا،فأنه يصدق بتلك القصة ويسلم لهما القول بالصدق والتصديق، وأما من لا يؤمن بذلك منهما ولا يسلم لهما القول بالصدق والتصديق فأنه يقول ان أدمى كان رجلا مستعملا منافع الناس في كل حال، فوضع للأشياء كلها مبادي ما في أوقات ما، ذكر إنها كانت بعد ان لم تكن. ولم يقل هذا في الكروم وحدها، بل وضع للسماء وما فيها من ألأفلاك مبدأ، وكذلك الأرض. ما عليها من الحيوان والنبات وألمعدنيات مبادي، ويحدث لكل نبات بحديث يسيقه ليروي الناس إن الأشياء كلها كاينة بعد ان لم تكن، إلا الكواكب وحدها فأنه أخرجها من الحديث وقال إنها لم تزل ولا تزال، إلا انه جعل أفلاكها كانت بعد زمان لم تكن قبله موجودة.
قال هؤلاء القوم، الذين ليس يظهرون الكفر بما جاء به وإنهم بذلك مؤمنون ويستبطنون الرد لدعواه ودعوى ابنه بما قال، إنه قال ما قال ووضع ما وضع من الأحاديث على طريق سياسة الناس وليقنعهم ان القمر أرسله وأوحى أليه بذلك كله وعلمه ما وضع. ولعمري ان كتابه الكبير معجز عظيم ظريف. لأنه لم يدع شيئا إلا ذكر كيف كان مبدأه، على انه قد هلك أكثره إلى زماننا هذا وبقي منه بقايا قد وجدناها فقراناها، بل شريعة ابنه إيشيثا محفوظة كلها. قالوا فإنما أراد سياسة الناس وتقويمهم وتأدبهم وصلاح شأنهم في متصرفاتهم . وهذا فلا بأس بالكذب فيه إذ كان فيه أكثر المنافع للناس وانه بمنزلة الدواء الكريه النافع مع كراهته.
ثم رجعنا إلى الكلام في الكروم، قال: فلما كانت القضبان تحول فتغرس فتنبت وتكون عنها الكروم وتركب على أصول من الكروم فتنموا وتنشوا، فقد أغنت هذه عن زرع الكروم زرعا. وهذه الغروس قد تختلف أحكامها بحسب المواضع التي تغرس فيها، فلأجل ذلك ما نقول إنه ينبغي لأهل بلاد الابلة والاسافل كلها وعبدسي وإطراف القريات، إذا أراد مريد الغرس فيها، ان يجعل ذلك تلقاء هبوب ألشمال وفي المواضع الباردة منها. والباردة منها هي جهة مهب شمالها. وإما في البلدان الحارة التي أضداد هذه فينبغي أن تجعل الغروس في المواضع والجهات التي تهت من قبلها الجنوب والتي هي أسخن. وأما المواضع المعتدلة، مثل بادرواية وخسراويا وبابل وعقرقوفا، فينبغي ان تغرس الغروس مما يلي مشرق هذه المواضع، إلا ان تكون الريح الشرقية كثيرة الهبوب جدا، فتجعل الغروس (مما يلي) المغرب. وإما أهل باجرما وفيما بينما وبين حلوان وفي بلاد بارما وتكريت فأنهم يغطرن الغروس، إذا غرسوها، بالبواري لتكن من البرد والهواء والرياح، ويقولون ان الرياح من اضر شيء للغروس أول ما تورق وتنبت. وعدة من فلاحينا يتوهمون في زماننا هذا ان قرب البحر رديء للكروم، وأنا أقول انه ليس شيء أوفق ولا أصلح للكروم كلها بجميع أنواعها من قرب البحر، فلذلك نشاهد عيانا ان كروم الابلة و(بلاد) عبدسي تقوى وتشتد ويكثر حملها. والعلة في هذا ان الريح ألهابة من قبل جهة البحر حارة رطبة شديدة الرطوبة، لا تجف شيئا البتة، وإنما ترطب ترطيبا كثيرا وتسخن اسخانا يسيرا. وهذه ريح مغذية للكروم تغذية كثيرة مفتحة منضجة لحملها ومنضجة له وزايدة في قوتها.
فاما المواضع التي فيها مستنقعات مياه فاسدة وآجام فيها قصب وما أشبه ذلك فإنها مضرة بالكروم ، لأجل ان بخارها بارد كدر عفن، والبخار والعفن يدود الكرم ويولد فيه أنواع الدود، فيضر بها ذلك. وقد يضر أيضا بخار الماء الراكد العفن بالحنطة والشعير والباقلى والماش ضررا شديدا، وربما أتلفها البتة. وهذا البخار يضر بالناس في أبدانهم وامزجتهم ويكون سببا لكون الوباء والأمراض دايمة.
وقد أشار ماسى السوراني بابطال الاجام وطمها وقلعها لما فيها من الاضرار بالمنابت وبالناس أكثر. وإما الكروم فإنها ان نبتت بقرب انهار فيها ماء جار عذب فذلك صالح لها، فقد يصلحها أيضا ويدفع عنها أكثر الآفات، ويدفع عنها ضرر البخار العفن ان تعرش على بعض الشجر العظام الضخام، وخاصة على الأشجار التي فيها قبض، فإنها تسلم بذلك من تكوين الدود وتسلم ثمرتها من ذلك.
واعلموا إن تتابع الضباب يضر بالكروم جدا لما يصير في الهواء منه الكدر. والذي يدفع عنها ضرر الضباب ان تشعل هواري من نار القصب ويأخذ منها عدة من الناس عدة ويطوفون بالليل فيما بين الكروم، يفعل بها هذا في ليلة مرارا ويكرر عليها ذلك، فان ضرر الضباب يزول عنا أذا رأت النيران. وتعريشها أيضا على الشجر يدفع عنها آفة الضباب والكادورأت.
وإذ قد جرى ذكر الهواء وفعله في الكروم وأفعال الرياح فيها فلنقل في ذلك ان الهواء- والرياح تغير الكروم وتنقلها إلى أحوال تنقلب فيها ويتغير حملها وعصير حملها تغييرا كثيرا من جودة إلى رداوة ومن رداوة إلى جودة . فإذا اتفق. وقت غرس الكرم ان تكون الريح شمالا (أو مغربية ونبت الكرم على ذلك واتفق في وقت عقد الكرم للثمرة ان تكون الريح شمالا) صافيا، ودام ذلك حتى يسمن الحصرم قليلا وسلمت بعد هذا من آفة تغيرها ، فان حصرم هذه يكون في نهاية الجودة والصفا والنقا والسلامة من الآفات التي هي الفساد والتغيير والحموضة والبخر وانقلاب الريح والطعم.
واعلموا ان مما يجود الخمر أيضا ان يكون نبات الكرم في أرض صلبة ويكون شربه الماء قليلا. وذاك ان هذه الأرض (يقبل الكرم) فيها، فان كانت مع ذلك معرشة، إما على شجر أو قصب أو خشب، كان شرابها نهاية في الجودة والصفا والبعد من الآفات. وقد تختلف شرابات الكروم بحسب اختلاف طباعها وغذايها والأراضي التي تنبت فيها، ويختلف شرابها أيضا بحسب أنواعها. فان الكروم التي تحمل عناقيد صغارا وحبا مجتمعا متكاثفا، لونه إلى البياض، وهذه ألكرمه أكثر ما تكون في بلاد بارما وزعم قوم إنها مجلوبة اليهم من أقاصي الجزيرة، وليس تكاد تنجب وتفلح في بلد دفيء البتة، بل في البلدان الباردة، فان شراب هذه يخرج عظيم الشدة والحدة ، يشرب الإنسان منه مقدار رطل واحد، فلا يحس (منه بعمل فيه)، فإذا مض عليه ساعات هجم. عليه سكر عظيم ينومنه تنويما كثيرا، ويكون له خمار شديد صعب. ويسمي أهل بارما هذه الكرمة بينومينا.
وقد تكون بالجزيرة أيضا كرمة أخرى أكثر ما تجي معرشة على الشجر، وهي بيضاء العنب كثيرة العناقيد. وهي مستطيلة في حملها ، وقضبان العنقود منها احمر، ويظهر في بعض قضبان الكرم نفسه حمرة ، فان هذه يكون منها شراب عظيم الاسكار مضر بالدماغ حار حريف، يحتاج الانسان ، اذا شرب منه رطلا أو رطلين ، إلى علاج الدماغ بالتبريد والترطيب واستنشاق دهن البنفسج أو دهن القرع.
وقد يكون في البلاد التي فيما بين حلوان وباجرما كرمة يسميها أهل تلك البلاد يولينا، عنبها أول السنة في وقت نضج عنب السوناى. عناقيدها كبار جدا، يكون العنقود منها نحو ذراع، وعنبه ابيض شفاف رقيق مدور. لا تكاد تفلح هذه الكرمة في أرض بابل بل في ذلك البلد، لأنها تميل إلى البرد. ومعاليقها طوال أطول من معاليق جميع الكروم . وهذه التي سماها ماس السوراني (سوداء ذات) العيون، ومعنى ذلك انه يطلع من كل عين في (القضيب ثلثة عناقيد، وكل ألكروم إنما تنبت من كل عين) عنقودا وعنقودين في النادر، وإلا فعنقود واحد ، هو المعروف. ونهى ماس السوراني وأدمى وابنه أشيئا عن اعتصار هذه الكرمة وشرب عصيرها، ومدح آكل عنبها وزبيبها، و وفضلوه على جميع الزبيب والأعناب كلها، ومدحوا هذه الكرمة في نفسها فقالوا إنها لا تهرم ولا يضرها ما يضر بالكروم من اختلاف الاهوية والبخارات الردية (إلا ضررا) يسيرا، وذلك لقوتها وجوهرها. وقالوا انه يجب ان تتعاهد بالكسح الدايم . وقالوا: وان كان لا بد من عصيرها في وقت واتخاذ الشراب منها، فينبغي أن يطرح في الدنان التي يدخر فيها عصيرها نصف رطل من الطين الأحمر المجلوب من ارمينية، ومن الطين الأبيض المجلوب من بلاد فارس ويؤخذ الطين فيدق ناعما ويوزن منه بعد دقه نصف رطل ويصب عليه أوقيتين من زيت ويلت به لتا جيدا0 ويلقى في الدن ثم يصب عليه الشراب العتيق بعد. قال أدمى فان هذا يدفع شر عصير هذه الكرمة. وإذا عتق عصيرها، منا طويلا حتى يتجاوز الخمس سنين ويدخل في السادسة فانه يصلح ويطيب طعمه، وذلك ان شراب هذه الكرمة يبقى اثنتي عشر سنة لا يكاد يتغير، لصبره على الآفات، فإذا تجاوز خمس سنين فليشرب حينيذ ولا يكثر منه، ويشرب إلى أن يجوز ألاثنتي عشر سنة، ثم انه بعد اثنتي عشر سنة ينقلب فيرجع إلى الرداوة ألشر، فينبغي ان يحذر حينيذ فانه بمنزلة السم القاتل.

وربما خرج في سقي جوخى كرمة رقيقة العيدان صغيرة الأوراق قليلة الحمل، تحمل عناقيداً صغارا يضرب لونها إلى حمرة خفيفة، وإذا تم نضجها ضربت مع الحمرة إل سواد . فهذه كرمة شديدة الحدة جدا حريفة ملعونة لا خير في شيء منها . عنبها يسهل إسهالا كثيرا وزبيبها يعمل قريبا من ذلك وعصيرها يصدع ويسكر ويحدث خلفة ردية وقياما جداً متصلا ربما لم ينقطع الأ بالعلاجات وبالحقن القاطعة للخلفة. ويسميها اهل سقي جوخى سرانمهيا. و اذا دلك انسان بزبيبة منها أو حبة من عنبها بعد نضجها جيدا (على ثوب) حمره حمرة لا تنقلع منه ابدا بحيلة. وقد كان اهل الحضر على عهد عصراويا الملك ركبوا أغصان كرم جلبوها من بعض قرى الموصل فركبوها على كرمة تخرج في ذلك البلد، فنمت وجاء منها كرم يحمل عنبا مستطيلا لونه ابيض يشوبه خضرة كثيرة، له جلد ثخين جدا شديد، وفي كل حبة من العنب حبة واحدة، وأكثره ليس فيه حب. فكانوا اذا أكلوا من عنبه شيئا صمط افواههم وقرح اللثة، وربما انتفخت أصول أسنانهم ودميت بعد ذلك. اذا كان (مزاج الإنسان) حارا وعصروا من عنبها شيئا فكان من شرب منه يجن ويبقى مختبل العقل أياما. فرفعوا خبرها إلى عصراويل فسأل برايا، كاهن زمانه ، عن ذلك ، فدعا برايا القمر وتضرع إليه في ان يعلمه علم هذه الكرمة، فأوحى إليه القمر في المنام ان حرم كل شيء من هذه الكرمة، فلا تغرس ولا تزرع ولا تفلح ولا تمس باليد البتة ولا ينظر إليها احد الأ من بعد. فلما حرم برايا النظر إليها تركها الناس حتى تلفت كرومها كلها وجفت فصارت هشيما طيرته الرياح وبطلت من الأرض البتة. وبرايا هذا هو احد من انتهى إليه خلافة اشيثا والقيام بدينه .

وقد يخرج في ناحية سورا مما يلي لبر منها وفي أطراف طيزناباذ الكرمة المشهورة التي هي أحد. أنواع العنب الأبيض التي تسمى انقوروسى، وهي كرمة يعتصر منها خمر كثير حتى ان قلت انه ليس في الكروم ما يخرج من العصير مثل ما تخرج هذه الكرمة. و(هذه الكرمة) أكثر إفلاحها ان يبرا لها وقت الكسح قضبان طوال، وان كانت قصيرة فجاير أيضا، ويغرسها اهل طيزناباذ كثيرة، لأن شرابها كثير، يعتصر من عنقود واحد منها أرطال خمر عصرا بالتكرار. فهذه الكرمة قد يضر شرب ترابها ضروا أكثرهم ليس يحس به، لأنها اذا أدمن شربها قتلت مدمنها، ولها خمار شديد وخمرها خبيث، لأن ضرره يكمن ويجتمع حتى يظهر مرة واحده، وظهوره هو القتل، وقبل ان يبلغ إلى القتل فانه يفسد الذهن ويذهل العقل، ويكثر عنده النوم وتثقل على مدمنه الحركة، ويحدث منه خفقان شديد، حتى فطن الناس بعد ان قتلت هذه ألخمره عالما من الناس وفطنوا ان دواها مص الرمان السوراني والانتقال عليها به وإدمان استعماله، حتى إنه ليس لها دواء ابلغ منه. فا الناس إلى وقتنا هذا ا يقابلونها بالرمان السوراني ويأكلون قبل شرابها لونا قد طبخ بعصير الرمان، (ثم فطنوا أيضا بطبيخ اللحم بعصير الرمان) مع قضبان التبربين ويصب في القدر يسير من خمرها، ويقولون ان هذا يجيء انفع. وقد يخلصوا بهذا العمل بعض الخلاص، على أني أظن إنها قاتلة لمدمنها لا محالة، ولا يساوي هذا ألتداوي شيئا، الأ أنهم قد استشعروا منفعته، فهم يمصون هذا الرمان السوراني ويطبخونه ويأكلون الثريد في مرقته. وذلك صالح وان كان شد قلنا ان هذا ألتداوي لا يساوي شيئا، فانه وبما نفع وخلص، فلا ينبغي ان يهمل ويضيع.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب في ذكر الكروم

مُساهمة من طرف wara_qa في الإثنين سبتمبر 29, 2014 3:18 pm

باب ذكر كيف تزرع الكروم
وفى أي وقت يكون ذلك من الزمان، وغير ذلك
مما يتصل به ويلحقه .
قال قوثامي : قد حكينا من كلام صغريث صدرا فيما قبل هذا الموضع . وإما هاهنا فانا نقول في زرع الكروم فنخبر في أي وقت ينبغي أن تزرع وكيف تزرع . فان القدماء، واضعي كتب الفلاحة، قد اختلفوا في هذا الوقت اختلافا كثيرا، كما اختلفوا في وقت الغروس أيضا، إلا إنهم متقاربون في ذلك، ولكل واحد معنى وعلة هي جايزة، ان عمل بها نبت الكرم وخرج جيدا .
أما طامثرى ومردايا الكنعانيان فإنهما يريان ان يكون زرع الكرم ان يؤخذ من الزبيب الكبار، الذي يحدس عليه ان فيه حبا كبارا، ثلثة أو أربعة، فتحفر في الأرض حفاير صغارا وتطم تلك ا الزبيبات فيها، وان (يكون ذلك) في (نصف تشرين الأول الثاني منه وإلى نصف تشرين الثاني (الأول)، وانه ان اشتد عليه برد، فلتضرب له الاخصاص ويغطى بالبواري، وان كان أمر البرد قريبا فليس يحتاج إلى ذلك .
وأما ادمي وانوحا النبيان فأنهما قالا : ينبغي أن تزرع الكروم إذا أردتموها ابتداء وزرعا إن تزرعوها في النصف الثاني من آذار وإلى آخر آذار، (وهذا الوقت هو أول الربيع . قال أنوحا): وهذا الوقت ليس اخص به بلدا دون بلد ولا موضعا دون موضع، بل ينبغي أن يكون زرع الكروم من المشرق إلى المغرب في كل بلد في أول الربيع، وان يستخرج الحب من الزبيب ، وهكذا قال أدمى، فينقع في زيت سبعة أيام ثم يؤخذ، فتحفر له في الأرض حفاير مغار، فيجعل في كل حفيرة منهما من سبع حبات إلى اثنتي عشر حبة، وتغطى بالتراب كما تغطى جميع المزارع ، ويرسل عليها من المآ مقدارا كافيا، ثم تسقى ثانية بعد أربعة أيام، ثم يوالى عليها السقي .
قال أدمى: وقد كان بعض القدماء رأى ان يكون زرع الكروم من خسة أيام تخلو من شباط إلى خمسة تخلو من آذار، وان يكون زرعها في الحفاير، في كل حفيرة عشرين حبة، وان تغطى أكثر، وان يلقى معها في الحفاير كف من شعير مطحون على جهته لم تمسه النار ولا تغير عن حاله بغير الطحن له شيئا . قال فان هذا شيء موافق جدا ان عمل بالكرم في أصل زرعه .
قال ويكون زرع الكروم في (المواضع الكنينة)، قال: وهذا الذي اسند أليه أدمى هذا الكلام هو كاماس النهري، فانه فيما أظن أول من قال انه ينبغي ان يزرع الكرم في سبعة تخلو من شباط وإلى اؤل آذار، أو إلى عشر تخلو منه، وان يجعل في حفايره عشرين حبة، وان يلقى مع الحب شيء من شعير مطحون أو مدقوق دقا ناعما، وان يسقى الماء . والذي قرأت أنا في كتابه في الكروم انه ينبغي أن ينقع الزبيب المجفف فضل جفاف في ماء حار يوما أو يطبخ بماء عذب يوما، ثم يزرع الزبيب كما هو في الأرض ويطم بالتراب طما كثيرا أو يساق إسقاوه ألما السياقة التي ذكروا، إلا ان حكاية أدمى عنه أوكد لقربه من زمانه ولبعد كاماس من زماننا هذا .
قال أدمى : وليس ينبغي ان يستوي وقت زرع الكروم بين أنواعها، ولا ان يخالف بينها خلافا كثيرا، إلا انه ينبغي ان يبتدي بها من آخر شباط أو من نصفه الأخير إلى آخر آذار . فقال ذلك القول الأول الذي وافق فيه أنوحا، أو نقول وافقه عليه أنوحا في كتابه الكبير الذي هو وحي القمر إليه، وقال هذا القول الثاني الذي قال فيه انه ينبغي ان يزرع في نصف شباط في قصيدته في الكروم ووصفها ووصف خمورها وشرح اختلافاتها .
وإما ماسي السوراني فقال : ينبغي أن يكون زرع الكروم كلها على اختلافاتها في وقت غروسها كلها لا يخالف بينها، فيكون هذا في وقت وهذا في وقت آخر، فان نشوها متساو في هذا الباب . وذلك الوقت هو من أول تشرين الثاني إلى آخره، فهذه الثلثون يوما هي للغرس والزرع، وخاصة للزرع، لأن الغروس يجب أن تكون فيما قبل هذا بأيام وينبغي أن يغرس بعضها في أول الربيع، فاما زرعها زرعا فلا يكون إلا في نهاية قصر النهار وفي ابتداء قوة البرد واستقباله واستقبال الامطار .
وأما صغريث فانه العالم الأعظم بالفلاحات للمنابت كلها وصاحب الضياع الواسعة الكثيرة ، فانه قال، ما وافقه عليه ينبوشاد، انه ليس ينبغي أن يكون زرع الكروم وغرسها في وقت واحد ولا زمان متساو، من أجل اختلاف البلدان في الحر والبرد بالزيادة والنقصان وبحسب اختلاف جناس الكروم وأنواعها التي هي تحت الأجناس، أو نقول بحسب اختلاف أنواع الكروم، فإنها ليست متساوية في البلوغ والنضج والفجاجة والتأخر، بل مختلفة اختلافا كثيرا، وبحسب اختلاف مواضع من البلدان، فانه قد يكون في البلدان مواضع ايبس من مواضع (وأحر، ومواضع أرطب وابرد)، ومواضع تقرب من شجر ونخل، ومواضع مكشوفة خالية، وبقاع من الأرض مختلفة الطباع . ولهذا الاختلاف كله لا ينبغي ان يسوى بين زرع الكروم وغرسها، بل تختلف لها ألأوقات بحسب ذلك . و الأصل الأعظم في إفلاح المنابت كلها هو اختيار الأرضين لها، لأن كل أرض توافق شيئا (وتخالف شيئا) آخر، فيجب أن يكون (غروس وزروع) الكروم الضعيفة الدقاق الأغصان الصغار العنب والقليلة الورق في نصف تشرين الأول الأخير منه وإلى آخر كانون الأول، وإما التي هي أضداد هذه فينبغي أن يتبدى بغرسها وزرعها من سبع ليال تخلو (من شباط وإلى عشرة تخلو) من آذار . ففي هذه المدة ينبغي أن يبتدي بزرع وغرس الكروم التي حملها أبيض والتي حملها اسود، كبار غير صغار، والتي حملها كثير، فانه ليس يكثر الحمل إلا القوي من الكروم . قالا جميعا اعني صغريث و ينبوشاد: وليس لنا وقت ثالث لزرع الروم وغرسها، إلا في البلدان الباردة التي هي أبرد من إقليم بابل، (أو في أطراف إقليم بابل، مثل بلاد نينوى) وبارما وتكريت وما كان فيما بين باجرما وحلوان، فان هذه المواضع باردة جدا، فينبغي ان يكون غرس الكروم فيها وزرعها من أول آيار إلى عشرين يوما تخلو منه، فان هذه المواضع لكثرة تبريد البرد لأرضها قد تحتاج إلى حرارة ما هو اسخن، حتى تعادل هذه السخونة تلك البرودة التي قد استكنت في الأرض، فينشرا فيها ما زرع وغرس من الكروم خاصة، لأن كلامنا فيها . فهذه الثلثة الأوقات للثلثة البلدان ولاختلاف أنواع الكروم ليس لها رابع .
وينبغي ان تختر الأرضين أيضا فيعمل في غرس الكروم وزرعها فيها بحسب ذلك . فان الأرض الرقيقة هي الضعيفة أو الأرض التي فيها ادن ملوحة أو ألأرض التي أفرط عليها القشف فأضعفها، فينبغي أن تقلب وتهيأ لزرع الكرم وغرسه قبل وقت الزرع والغرس بخمسة عشر يوما والى العشرين يوما، ثم يغرس فيها . فاما الأرض القوية الدسمة والصلبة وغير ذلك من الأرضين التي هي أضداد تلك الضعيفة، فينبغي ان تقلب وتهيأ لمن يريد الغرس في الخريف، من أول الصيف، من اؤل شهر حزيران، وتثنى في نصف آب أو في أوله لتكون معدة لغرس الكرم الذي يكون في تشرين الأول والثاني وكانون، وهذا وقت الغرس وازرع للكروم في البلدان الحارة على ما تقدم وصفنا لذلك . وأما لمن يريد الغرس في أول الربيع الذي هو من أيام تخلو من شباط إلى أيام تخلو من آذار، فينبغي ان يعد الأرض ويقلبها من أول أيلول ويدعها كما (هي حتى) تحرقها بقية الحر الذي قد بقي، (ما لم) نجي عليها الامطار، فإذا كان قبل وقت غرس الغروس بثلثين يوما فلتقلب على أي وقت كان الزمان من البرد، اللهم إلا ان يكون مطرا متتابعا فيمسكون عن هذا الأثناء إلى الصحو ثم تثنون الأرض التي قلبتموها في أول أيلول . وهذه ينبغي ان تؤخروا غرسها إذا كان مطرا في وقت التثنية إلى أن تصحو السماء، فتقلبوها وتدقوها وتقطعوها وتهيوها لما تصلح ولما تريدون غرسه من الكروم، ثم تغرسون فيها وتزرعون ان أردتم ذلك .
وانفرد ينبوشاد وخاصته بهذا القول فقال : اعلموا ان الكروم التي تغرس في الخريف لا تنشوا وتعلو إلى فوق بسرعة لتخلف النمو في هذا الفصل من السنة ، فتعمل أصولا كبارا غلاظا متمكنة، فإذ . دخل الربيع وحي الزمان نشأت نشورا كثيرا وتمكنت من النمو تمكنا عظيما وحسنت، فإذا حملت حملا وافرا . فلأجل ذلك أشار رطحد الشيخ المقدم في الفلاحة ان يكون غروس الكروم كلها بجميع أنواعها في الخريف، وهو من اؤل تشرين الأول وإلى نصف كانون الأول وان اختلاف أنواع الكروم واختلاف الأرض ينبغي ان يخالف بين زرع وغرس الكروم فيها بحسب أنواعها في هذه النيف والسبعين يوما، لأن هذه الأيام مختلفة فيما بين أولها وآخرها في الحر والبرد اختلافا ظاهرا، فيقدم ما دام الحر ظاهرا من الكروم ما كان في طبعه رطبا كثير الثمرة مجتذبا للغذاء بقوة، ويؤخر ما كان بخلاف ذلك إلى وقت الندى والإمطار، (فتزرع وتغرس) الضعيفة والقشفة . فان هذا الفصل من أوفق الفصول لنشوء الكروم زرعا وغرسا، فانه إذا مضت الشتوة ودخل الربيع حسن نموها ونشوها حسنا عظما وفرح بها فلاحوها .
قال قوثامي : فقد ذكرنا في اؤل هذا الباب اختلاف الناس ثم قررنا في آخره ما ينبغي أن يعمل منه وأي الآراء والموجوه هي الصواب . ولا بد فيما يأتي من كلامنا على الكروم من إعادة هذه المعاني التي قد تكلمنا عليها، لأنا نحتاج أن نحكي أقاويل قوم قد تقدموا بضروب من الكلام عل معان مختلفة، فلا بد أن يكون في تلك المعاني شيء مما (قد مضى) فنحتاج إلى إعادته هناك لتمام حكاية كلام المتكلم، الأ انه وان كان مكررا فانه لا غلو البتة من زيادة ينتفع بها أو نقصان يحتاج إليه. وإنما فعلنا ذلك ليتسع الكلام على أرباب الفلاحة ويتكرر، فيستفيدون بذلك التكرير ويتذكرون به ويتفكرون فيه ويقيسون شيا على ما شبهه ويذكرون بذلك ما غفلنا عنه أو ما قصرنا لعلل أوجبت ذلك، فان الإحاطة بعلم شيء ما من العلوم معدوم لا يوصل أليه.
واعلموا ان ينبوشاد يحتوي من مخالفة القدماء على ما لم يحتو عليه غيره، الأ أني أرى انه ليس يخالف احدهم الأ بحجة يقيمها دالة على صحة قوله، وربما انفرد بأشياء اهتدى أليها لم يقلها غيره. فمن ذلك انه أشار في الكروم التي تغرس في آخر الربيع انه ينبغي أن تقلب لها الأرض من أول تشرين الثاني، قال حين تغسل الامطار الملوحة، ان كان فيها ملوحة، والقبض، ان كان ذلك، أو الزعارة، أو يذهب بنزها، ان كانت نزة أو يذهب عنها بكلما يعتريها من الرداوات، ثم يأتي عليها حر الربيع فيبتدي يجففها، ثم تقلب قبل الغرس فيها والزرع بعشرين يوما، فأنها توجل قد طابت، فتزكوا فيها الكروم. قال ومتى اتفقت أرض مالحة واضطررتم إلى وضع الكروم فيها فالوجه في ذلك ان تعالج بما قدمنا من تركها خالية مقلوبة لتغسلها الامطار من ملوحتها، فان فعل ذلك بها وبقي فيها منه شيء، أو لم يفعل بها ذلك وهي مالحة، فدواء الكروم فيها أن تطم أصول الغروس بالرمل المأخوذ من الأنهار الجارية بماء عذب ويدخل أليها منه شيء في سقي الماء ليبقى في مجاريها ويثبت في سواقيها وفي أصولها. فهذا يزيل ضرر الملوحة ويقاومها.
وفي الغروس في الخريف فايدة كثيرة، وذاك في الأرض الرملية خاصة، وهي ان قضبان الكروم تكون وقت القطاف وفي آخره وبعده قليلا فيها بقية من النداوة والرطوبة ألأصلية الغريزية، ويكون طول الصيف قد حلل عن أبدان الكروم وأغصانها بحره فضول ألرطوبات، وقد اجتذبت الثمار أيضا من الكروم ما رق من الرطوبة، فقد بقيت أغصانها بعد ذلك وفيها رطوبة علكة. فمتى أردتم غرس شيد مما يغرس في الخريف فانزعوا القضبان واجردوها من الورق كله لا جردا يؤثر في القضيب شيئا ولا يبقى الورق شديدا ، بل اقلعوا عنها ذلك (بارفق الرفق)، ثم اغرسوها، فأنها تنبت نباتا حسنا، وتعلمون ان هذه الرطوبة الباقية فيها انفع مما كان قبلها من الرطوبة.
(والكروم وغيرها) من ذوات الثمر تكون سعادتها وقت (خلوها في) الحمل ويكون فرحها في وقت ابتداء توريقها في الربيع، (الأ أنها ( تتروح بأخذ) الثمار عنها أكثر، وذلك هو آخر زمانها)، كما ان أول زمانها الربيع، فالربيع كالابتداء للنبات كله وآخر الصيف و أول الخريف كالانتهاء لها. والنبات انتهاوه هو غاية كماله، فإذا غرس أو زرع وقت غاية كماله كان نشوه ومجيه بحسب ذلك. والأرض التي يشوب ترابها رمل خاصية في الموافقة لأكثر أنواع الكروم، هذا مع سلامتها من العوارض الردية، مثل التغيير الحادث للارضين، مثل المرارة والحرافة والملوحة وغير هذه مما أشبهها.
قال ينبوشاد : وينبغي متى أردتم زرع الكرم ان تأخذوا الزبيب العتيق، وهو الذي قد حال عليه أكثر من حول ، فتشققوه لطهر حبه منه ، فإنكم ان وضعتموه في الأرض كما هو بعد وقت نباته قليلا، وان فعلتم ما أشرت به عليكم أسرع النبات. وينبغي ان تأخذوا الزبيب الذي تريدون زرعه فتجعلونه في إناء واسع على الأرض المكنوسة المنظفة، ثم ترشون عليه الماء، وان كان حارا فهو أجود، وتفعلون ذلك مرارا في مدة أربعة وعشرين ساعة، ثم تشققونه كما وصفت لكم ليظهر حبه، نم تزرعونه. وان كان طلبكم زرع شيء كثير وليس عليكم وقت تشققونه وترشونه بالماء، فغرقوه بالماء كله جملة واحدة ساعة، وليكن الماء حارا، ثم أزرعوه (خمسا خمسا) (واقل وأكثر) في كل حفيرة القوا عليه بعد سقيتن أو ثلثة الزبل الذي وصفنا لكم.
على ان هذه المعاناة لزرعه، الناس كلهم عنها أغنياء، لأن قضبانه المحولة المغروسة هي كالبزر له، فهو يحول ويغرس قضبانا، فينوب ذلك عن زرعه. لكن لم يكن بد من ذكر زرعه، إذ كان أصل وجوده إنما كان عن الزرع. وهذا رأى (من رأى) إن الأشياء كلها لها مبادي زمانية كانت فيها بعد إن لم تكن. فاما من يرى ان الأشياء كلها لم تزل على ما نرى وشاهد، فليس يقول ان للكروم مبدأ ولا أول.
وقد ذكر أدمى ان للكروم مبدأ ما في وقت بعيه، واقتص لذلك قصة فيها طول. وكذلك قد ذكر أبنه أشيثا، رسول أبيه أدمى (إلى ابناء البشر كلهم)، هكذا قال. فانه أكد القصة التي ذكرها أبوه للكروم وكيف كان مبدأ وجودها. فاما من أمن بنبوتهما فأنه يلزمه أن يصدقهما في كل ما قالا،فأنه يصدق بتلك القصة ويسلم لهما القول بالصدق والتصديق، وأما من لا يؤمن بذلك منهما ولا يسلم لهما القول بالصدق والتصديق فأنه يقول ان أدمى كان رجلا مستعملا منافع الناس في كل حال، فوضع للأشياء كلها مبادي ما في أوقات ما، ذكر إنها كانت بعد ان لم تكن. ولم يقل هذا في الكروم وحدها، بل وضع للسماء وما فيها من ألأفلاك مبدأ، وكذلك الأرض. ما عليها من الحيوان والنبات وألمعدنيات مبادي، ويحدث لكل نبات بحديث يسيقه ليروي الناس إن الأشياء كلها كاينة بعد ان لم تكن، إلا الكواكب وحدها فأنه أخرجها من الحديث وقال إنها لم تزل ولا تزال، إلا انه جعل أفلاكها كانت بعد زمان لم تكن قبله موجودة.
قال هؤلاء القوم، الذين ليس يظهرون الكفر بما جاء به وإنهم بذلك مؤمنون ويستبطنون الرد لدعواه ودعوى ابنه بما قال، إنه قال ما قال ووضع ما وضع من الأحاديث على طريق سياسة الناس وليقنعهم ان القمر أرسله وأوحى أليه بذلك كله وعلمه ما وضع. ولعمري ان كتابه الكبير معجز عظيم ظريف. لأنه لم يدع شيئا إلا ذكر كيف كان مبدأه، على انه قد هلك أكثره إلى زماننا هذا وبقي منه بقايا قد وجدناها فقراناها، بل شريعة ابنه إيشيثا محفوظة كلها. قالوا فإنما أراد سياسة الناس وتقويمهم وتأدبهم وصلاح شأنهم في متصرفاتهم . وهذا فلا بأس بالكذب فيه إذ كان فيه أكثر المنافع للناس وانه بمنزلة الدواء الكريه النافع مع كراهته.
ثم رجعنا إلى الكلام في الكروم، قال: فلما كانت القضبان تحول فتغرس فتنبت وتكون عنها الكروم وتركب على أصول من الكروم فتنموا وتنشوا، فقد أغنت هذه عن زرع الكروم زرعا. وهذه الغروس قد تختلف أحكامها بحسب المواضع التي تغرس فيها، فلأجل ذلك ما نقول إنه ينبغي لأهل بلاد الابلة والاسافل كلها وعبدسي وإطراف القريات، إذا أراد مريد الغرس فيها، ان يجعل ذلك تلقاء هبوب ألشمال وفي المواضع الباردة منها. والباردة منها هي جهة مهب شمالها. وإما في البلدان الحارة التي أضداد هذه فينبغي أن تجعل الغروس في المواضع والجهات التي تهت من قبلها الجنوب والتي هي أسخن. وأما المواضع المعتدلة، مثل بادرواية وخسراويا وبابل وعقرقوفا، فينبغي ان تغرس الغروس مما يلي مشرق هذه المواضع، إلا ان تكون الريح الشرقية كثيرة الهبوب جدا، فتجعل الغروس (مما يلي) المغرب. وإما أهل باجرما وفيما بينما وبين حلوان وفي بلاد بارما وتكريت فأنهم يغطرن الغروس، إذا غرسوها، بالبواري لتكن من البرد والهواء والرياح، ويقولون ان الرياح من اضر شيء للغروس أول ما تورق وتنبت. وعدة من فلاحينا يتوهمون في زماننا هذا ان قرب البحر رديء للكروم، وأنا أقول انه ليس شيء أوفق ولا أصلح للكروم كلها بجميع أنواعها من قرب البحر، فلذلك نشاهد عيانا ان كروم الابلة و(بلاد) عبدسي تقوى وتشتد ويكثر حملها. والعلة في هذا ان الريح ألهابة من قبل جهة البحر حارة رطبة شديدة الرطوبة، لا تجف شيئا البتة، وإنما ترطب ترطيبا كثيرا وتسخن اسخانا يسيرا. وهذه ريح مغذية للكروم تغذية كثيرة مفتحة منضجة لحملها ومنضجة له وزايدة في قوتها.
فاما المواضع التي فيها مستنقعات مياه فاسدة وآجام فيها قصب وما أشبه ذلك فإنها مضرة بالكروم ، لأجل ان بخارها بارد كدر عفن، والبخار والعفن يدود الكرم ويولد فيه أنواع الدود، فيضر بها ذلك. وقد يضر أيضا بخار الماء الراكد العفن بالحنطة والشعير والباقلى والماش ضررا شديدا، وربما أتلفها البتة. وهذا البخار يضر بالناس في أبدانهم وامزجتهم ويكون سببا لكون الوباء والأمراض دايمة.
وقد أشار ماسى السوراني بابطال الاجام وطمها وقلعها لما فيها من الاضرار بالمنابت وبالناس أكثر. وإما الكروم فإنها ان نبتت بقرب انهار فيها ماء جار عذب فذلك صالح لها، فقد يصلحها أيضا ويدفع عنها أكثر الآفات، ويدفع عنها ضرر البخار العفن ان تعرش على بعض الشجر العظام الضخام، وخاصة على الأشجار التي فيها قبض، فإنها تسلم بذلك من تكوين الدود وتسلم ثمرتها من ذلك.
واعلموا إن تتابع الضباب يضر بالكروم جدا لما يصير في الهواء منه الكدر. والذي يدفع عنها ضرر الضباب ان تشعل هواري من نار القصب ويأخذ منها عدة من الناس عدة ويطوفون بالليل فيما بين الكروم، يفعل بها هذا في ليلة مرارا ويكرر عليها ذلك، فان ضرر الضباب يزول عنا أذا رأت النيران. وتعريشها أيضا على الشجر يدفع عنها آفة الضباب والكادورأت.
وإذ قد جرى ذكر الهواء وفعله في الكروم وأفعال الرياح فيها فلنقل في ذلك ان الهواء- والرياح تغير الكروم وتنقلها إلى أحوال تنقلب فيها ويتغير حملها وعصير حملها تغييرا كثيرا من جودة إلى رداوة ومن رداوة إلى جودة . فإذا اتفق. وقت غرس الكرم ان تكون الريح شمالا (أو مغربية ونبت الكرم على ذلك واتفق في وقت عقد الكرم للثمرة ان تكون الريح شمالا) صافيا، ودام ذلك حتى يسمن الحصرم قليلا وسلمت بعد هذا من آفة تغيرها ، فان حصرم هذه يكون في نهاية الجودة والصفا والنقا والسلامة من الآفات التي هي الفساد والتغيير والحموضة والبخر وانقلاب الريح والطعم.

واعلموا ان مما يجود الخمر أيضا ان يكون نبات الكرم في أرض صلبة ويكون شربه الماء قليلا. وذاك ان هذه الأرض (يقبل الكرم) فيها، فان كانت مع ذلك معرشة، إما على شجر أو قصب أو خشب، كان شرابها نهاية في الجودة والصفا والبعد من الآفات. وقد تختلف شرابات الكروم بحسب اختلاف طباعها وغذايها والأراضي التي تنبت فيها، ويختلف شرابها أيضا بحسب أنواعها. فان الكروم التي تحمل عناقيد صغارا وحبا مجتمعا متكاثفا، لونه إلى البياض، وهذه ألكرمه أكثر ما تكون في بلاد بارما وزعم قوم إنها مجلوبة اليهم من أقاصي الجزيرة، وليس تكاد تنجب وتفلح في بلد دفيء البتة، بل في البلدان الباردة، فان شراب هذه يخرج عظيم الشدة والحدة ، يشرب الإنسان منه مقدار رطل واحد، فلا يحس (منه بعمل فيه)، فإذا مض عليه ساعات هجم. عليه سكر عظيم ينومنه تنويما كثيرا، ويكون له خمار شديد صعب. ويسمي أهل بارما هذه الكرمة بينومينا.

وقد تكون بالجزيرة أيضا كرمة أخرى أكثر ما تجي معرشة على الشجر، وهي بيضاء العنب كثيرة العناقيد. وهي مستطيلة في حملها ، وقضبان العنقود منها احمر، ويظهر في بعض قضبان الكرم نفسه حمرة ، فان هذه يكون منها شراب عظيم الاسكار مضر بالدماغ حار حريف، يحتاج الانسان ، اذا شرب منه رطلا أو رطلين ، إلى علاج الدماغ بالتبريد والترطيب واستنشاق دهن البنفسج أو دهن القرع.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب في ذكر الكروم

مُساهمة من طرف wara_qa في الإثنين سبتمبر 29, 2014 3:25 pm

باب ذكر كيف تزرع الكروم

وقد يكون في البلاد التي فيما بين حلوان وباجرما كرمة يسميها أهل تلك البلاد يولينا، عنبها أول السنة في وقت نضج عنب السوناى. عناقيدها كبار جدا، يكون العنقود منها نحو ذراع، وعنبه ابيض شفاف رقيق مدور. لا تكاد تفلح هذه الكرمة في أرض بابل بل في ذلك البلد، لأنها تميل إلى البرد. ومعاليقها طوال أطول من معاليق جميع الكروم . وهذه التي سماها ماس السوراني (سوداء ذات) العيون، ومعنى ذلك انه يطلع من كل عين في (القضيب ثلثة عناقيد، وكل ألكروم إنما تنبت من كل عين) عنقودا وعنقودين في النادر، وإلا فعنقود واحد ، هو المعروف. ونهى ماس السوراني وأدمى وابنه أشيئا عن اعتصار هذه الكرمة وشرب عصيرها، ومدح آكل عنبها وزبيبها، و وفضلوه على جميع الزبيب والأعناب كلها، ومدحوا هذه الكرمة في نفسها فقالوا إنها لا تهرم ولا يضرها ما يضر بالكروم من اختلاف الاهوية والبخارات الردية (إلا ضررا) يسيرا، وذلك لقوتها وجوهرها. وقالوا انه يجب ان تتعاهد بالكسح الدايم . وقالوا: وان كان لا بد من عصيرها في وقت واتخاذ الشراب منها، فينبغي أن يطرح في الدنان التي يدخر فيها عصيرها نصف رطل من الطين الأحمر المجلوب من ارمينية، ومن الطين الأبيض المجلوب من بلاد فارس ويؤخذ الطين فيدق ناعما ويوزن منه بعد دقه نصف رطل ويصب عليه أوقيتين من زيت ويلت به لتا جيدا0 ويلقى في الدن ثم يصب عليه الشراب العتيق بعد. قال أدمى فان هذا يدفع شر عصير هذه الكرمة. وإذا عتق عصيرها، منا طويلا حتى يتجاوز الخمس سنين ويدخل في السادسة فانه يصلح ويطيب طعمه، وذلك ان شراب هذه الكرمة يبقى اثنتي عشر سنة لا يكاد يتغير، لصبره على الآفات، فإذا تجاوز خمس سنين فليشرب حينيذ ولا يكثر منه، ويشرب إلى أن يجوز ألاثنتي عشر سنة، ثم انه بعد اثنتي عشر سنة ينقلب فيرجع إلى الرداوة ألشر، فينبغي ان يحذر حينيذ فانه بمنزلة السم القاتل.
وربما خرج في سقي جوخى كرمة رقيقة العيدان صغيرة الأوراق قليلة الحمل، تحمل عناقيداً صغارا يضرب لونها إلى حمرة خفيفة، وإذا تم نضجها ضربت مع الحمرة إل سواد . فهذه كرمة شديدة الحدة جدا حريفة ملعونة لا خير في شيء منها . عنبها يسهل إسهالا كثيرا وزبيبها يعمل قريبا من ذلك وعصيرها يصدع ويسكر ويحدث خلفة ردية وقياما جداً متصلا ربما لم ينقطع الأ بالعلاجات وبالحقن القاطعة للخلفة. ويسميها اهل سقي جوخى سرانمهيا. و اذا دلك انسان بزبيبة منها أو حبة من عنبها بعد نضجها جيدا (على ثوب) حمره حمرة لا تنقلع منه ابدا بحيلة. وقد كان اهل الحضر على عهد عصراويا الملك ركبوا أغصان كرم جلبوها من بعض قرى الموصل فركبوها على كرمة تخرج في ذلك البلد، فنمت وجاء منها كرم يحمل عنبا مستطيلا لونه ابيض يشوبه خضرة كثيرة، له جلد ثخين جدا شديد، وفي كل حبة من العنب حبة واحدة، وأكثره ليس فيه حب. فكانوا اذا أكلوا من عنبه شيئا صمط افواههم وقرح اللثة، وربما انتفخت أصول أسنانهم ودميت بعد ذلك. اذا كان (مزاج الإنسان) حارا وعصروا من عنبها شيئا فكان من شرب منه يجن ويبقى مختبل العقل أياما. فرفعوا خبرها إلى عصراويل فسأل برايا، كاهن زمانه ، عن ذلك ، فدعا برايا القمر وتضرع إليه في ان يعلمه علم هذه الكرمة، فأوحى إليه القمر في المنام ان حرم كل شيء من هذه الكرمة، فلا تغرس ولا تزرع ولا تفلح ولا تمس باليد البتة ولا ينظر إليها احد الأ من بعد. فلما حرم برايا النظر إليها تركها الناس حتى تلفت كرومها كلها وجفت فصارت هشيما طيرته الرياح وبطلت من الأرض البتة. وبرايا هذا هو احد من انتهى إليه خلافة اشيثا والقيام بدينه .
وقد يخرج في ناحية سورا مما يلي لبر منها وفي أطراف طيزناباذ الكرمة المشهورة التي هي أحد. أنواع العنب الأبيض التي تسمى انقوروسى، وهي كرمة يعتصر منها خمر كثير حتى ان قلت انه ليس في الكروم ما يخرج من العصير مثل ما تخرج هذه الكرمة. و(هذه الكرمة) أكثر إفلاحها ان يبرا لها وقت الكسح قضبان طوال، وان كانت قصيرة فجاير أيضا، ويغرسها اهل طيزناباذ كثيرة، لأن شرابها كثير، يعتصر من عنقود واحد منها أرطال خمر عصرا بالتكرار. فهذه الكرمة قد يضر شرب ترابها ضروا أكثرهم ليس يحس به، لأنها اذا أدمن شربها قتلت مدمنها، ولها خمار شديد وخمرها خبيث، لأن ضرره يكمن ويجتمع حتى يظهر مرة واحده، وظهوره هو القتل، وقبل ان يبلغ إلى القتل فانه يفسد الذهن ويذهل العقل، ويكثر عنده النوم وتثقل على مدمنه الحركة، ويحدث منه خفقان شديد، حتى فطن الناس بعد ان قتلت هذه ألخمره عالما من الناس وفطنوا ان دواها مص الرمان السوراني والانتقال عليها به وإدمان استعماله، حتى إنه ليس لها دواء ابلغ منه. فا الناس إلى وقتنا هذا ا يقابلونها بالرمان السوراني ويأكلون قبل شرابها لونا قد طبخ بعصير الرمان، (ثم فطنوا أيضا بطبيخ اللحم بعصير الرمان) مع قضبان التبربين ويصب في القدر يسير من خمرها، ويقولون ان هذا يجيء انفع. وقد يخلصوا بهذا العمل بعض الخلاص، على أني أظن إنها قاتلة لمدمنها لا محالة، ولا يساوي هذا ألتداوي شيئا، الأ أنهم قد استشعروا منفعته، فهم يمصون هذا الرمان السوراني ويطبخونه ويأكلون الثريد في مرقته. وذلك صالح وان كان شد قلنا ان هذا ألتداوي لا يساوي شيئا، فانه وبما نفع وخلص، فلا ينبغي ان يهمل ويضيع.
واعلموا ان أردتم تكثير كرم شيتم فإذا كسحتموه فأبقوا على أغصانه الوسطانية أغصانا غلاظ ألاسافل لتطول تلك الأغصان، وطاعموه من قضبان كرمة تقرب منه وتكون في نحوه (مما يشاكله) ويشبهه، واطمروا أصله بالنبش أولا ثم بالدوس بالرجل ثانيا، فان الكرم بهذه الأفعال (يكثر حملها) وتخرج فضل عناقيد كثيرة وعنب كبار، ومعنى كبار أي إنها تكون اكبر مما كانت قبل في كل كرم على مقدار عنبه. وأيضا فان العلامة الكبرى في زيادة حمل الكرم وكثرته ان يخرج في كل عين من عيونه عنقودان وثلثة، والعلامة المتقدمة لذلك ان يخرج له معاليق كثيرة، من موضع كل معلاق معلاقين وربما ثلثة، فإذا رأيتم ذلك فاعلموا أن حمله سيكون (زايدا كثيرا) أضعاف ما كان فيما قبل. وقد رأينا مرارا كروما أفلحناها بنحو مما وصفنا من طمر الأصول والتعاهد بالكسح وتنقية الأغصان على القضبان وتخفيف الورق والرمي به ناحية وهز أغصان الكروم هزا رفيقا وتطواف الناس بالنار بين الكروم وتغبيرها بخرو الحمام وبعر الغنم وورق الكرم المجفف، فزاد حملها حتى كانت تخرج من كل عين أربع عناقيد وربما أكثر من ذلك، وكذلك كانت تخرج من كل عين ثلثة وأربعة وخس قضبان، وذلك ان كثرة طلوع القضبان من العيون دال على خصب الكروم، وخصب الكروم دال على كثرة حملها، وكثرة الحمل هو الذي قدمنا (إنا نحتال له) بالفلاحة حتى يحمل كثيرا، وهو خصب الكرم وصحته وقوته.
ويحتاج فلأحر الكروم إلى معرفة علل القضبان والعلامات الظاهرة فيها الدالة على النجابة والنبات، فلذلك قلنا ان فلأحيها محتاجون إلى معرفة ذلك فيها. وذاك إنا نعلم انه ليس جميع أجزأ الكرمة موافق لحمل الثمرة ولا كل القضبان تصلح للتحويل والغرس، لأن القضبان المأخوذة من ألإطراف، وهى التي سماها السوراني الطارقة، وذاك ان أجود المراضع في كل شيء، النبات وغيره، الأوساط، فاما الأطراف والاسافل وما ينبت على ساق الكرمة فانه ضعيف غليظ جاسي لا يصلح للتحويل، وذلك ان أجزاء جسم الكروم تختلف في الجساوة والرقة الطوبة، فما كان من قضيب قد نبت على ساق الكرمة، وساقها هو الغليظ الجاسي، فانه لا يصلح للغرس لأنه بعيد القبول للتركيب والنشو لغلظه. وأما كراهيتنا للإطراف فلضعفها وبعدها عن الاغتذاء والتمكن منه. وإما وسط الكرمة فهو الذي ينبغي ان (يكون احد القضبان للغروس منه وينبغي إن) لا يتخير من قضبان الوسط، ألينها و أرطبها وذاك لأن القضبان الصلبة الشديدة غير موافقة للتركيب والغرس جميعا. فهذا معنى قولنا فيما سلف هاهنا قريبا انه ليس يكون جميع أجزاء الكرمة موافقة للغرس (ولا تحمل الثمر. واعلموا ان كل قضيب يكون غير موافق للغرس) فهو غير موافق للثمرة.
ونحاج هاهنا أن نخبر بعلامات القضبان المنجبة في الغروس والثمرة، وتلك هي المتقاربة العيون الملمس الفروع غير موضع العيون المكتنز الذي هو مستورزين. فإما القضيب العريض الخشن المتخلخل المسترخي المتفرق العيون فينبغي أن يجتنب، فان هذا غير منجب في شيء البتة. ويجب ان يؤخذ للغرس كل قضيب يتخيل فيه انه سريع الإمساك جيد الالتصاق بما يركب عليه، فان هذا يكون سريع النبات في الغرس، وهو الذي وصفنا قبيل هذا الموضع والذي هو بتلك الصفة التي قدمنا ذكرها وبهذه الصفة التي ذكرناها هاهنا، والذي يؤخذ ابدآ بارزا ناتئا من المواضع الكثيرة العيون التي تشبه الفلكة، فان القضبان النابتة من مثل هذا الموضع وما نبت أيضا وطلع من خمسة عيون فوق هذه العين التي تشبه الفلكة وخمس عيون تحتها، وذاك ان هذه العين الشبيهة بالفلكة (ليست أصلية) في الكرم، وإنما تحدث من جذب قضيب كبير قد طلع من (عين كبيرة)، فيجتذب بعنف شديد فيتفتق الموضع فتقا لطيفا وتقوم فيه قشور، ثم تنبت تلك القشور وتندمل في بدن الكرم فتصير مستديرة كهيئة الفلكة، فيحدث (للكرم بتلك) الجذبة انبعاث على القوة. وهذا الزمان ربما كان سنة وربما اقل وربما أكثر بقليل، فانه يستدير ذلك الموضع ويستوي كهيئة فلكه، ويصير موضعا لنبات القضبان الجياد. وتظهر القضبان فيما قرب من هذه العين الكبيرة فتكون جيادا لجودة (القضبان النابتة) من حول تلك العين الكبيرة.
والعلة في جودة نبات هذه القضبان، لأن ذلك الجذب الذي جذب القضيب النابت من ذلك الموضع بعنف يحدث فيه عينا كبيرة كهيئة الفلكة، انزعج الكرم من شدة الجذبة فمالت مادة الغذاء من جميع بدن الكرم إلى موضع الجذبة. وذاك إن في النبات كله نفس نامية، وهي التي لها قوة جذب الغذاء من الأرض بالعروق. فإذا مالت المادة من جميع نواحي بدن الكرم إلى موضع الجذبة مالت النفس التي في الكرم إلى تلك الناحية طالبة لدفع تلك البلية الواردة الكرم المولمة. فإذ مالت المادة وانقلبت النفس إلى ذلك الموضع بكليتها جميعا قوى الموضع قوة هي أزيد من قوة جميع أجزاء الكرم بميل الغذاء والنفس جميعا أليه، فصار ما ينبت في ذلك الموضع من القضبان أفضل وأروى وأقوى واثبت من جميع نواحي أجزاء الكرم.
(فهذه هي) العلة في ذلك، وقد أختصرناه، لأن تميل النفس في النبات وفي الحيوان إلى بعض أجزأيه ونواحي جسداه شرح هو أطول فايدة0 هي اكبر. وكذلك (ميل الغذاء) وانصبابه إلى بعض النواحي دون بعض. وهذا العين الحادث بالجذب قد يمكن ان يعتمد الإنسان لعمله حتى يجيء كما وصفنا، لأنه أكثر ما يتفق عن غير قصد بل كما يجيء وكما يكون. فمتى تعمد انسان لذلك فليعمد إلى قضيب كبير سمين نابت في بدن كرمة طالع من عين كبيرة واسعة في أصل الخلفة، فيأخذه بيديه جميعا ويهزه مرارا هزات عنيفة، لا يبلغ إلى ان ينقطع أو يقطع شيئا، ثم يقتلعه بجذبة واحدة، ثم ليعمد ان يكون ذلك الموضع الذي يقتلع منه هذا القضيب موضعا كثير الرطوبة، ليكون مسترخيا، فينقلع منه القضيب بتلك الجذبة من بدن القضيب الغليظ الذي انتزع منه ذلك القضيب قلعا، ثم ليترك كذلك حتى يحول عليه الحول، فانه اذا أورقت الطلع طلع من ذلك الموضع ومما قرب منه أغصان هي قوية جدا موافقة لنبات. فعلى هذا يكون عمل مثال هذا، اذا أراد مريد ان يعمل مثله، فاما اذا جاء بالاتفاق فليعمل فيه وفي هذا المعمول(ما حددناه) له.
واعلموا ان أكثر ما يكون هذا العين الكبير المشبه الفلكة معما قدمنا فيه من الصفة، فانه قد
يكون على صفة أخرى، وهي انه ربما نبت في موضع عين كبيرة من الكرم ( قضيبان اثنان) فيجذب احد القضيبين على ما وصفنا ويترك القضيب الآخر بموضعه. فإذا حال عليه الحول فليجذب الآخر كما جذب ذلك الأول، فانه يصدر هناك في ذلك الموضع عين واسعة تستدير، فإذا مضت عليها ستت أشهر صارت كهيئة الفلكة، وينبت فيما قرب منها وفيها نفسها قضبان قوية تصلح للغرس والتحويل.
ولهذا عمل آخر بوجه آخر وهو انه اذا كان قضيبا في عين ما وحال عليه حول فاتفق ان ينبت إلى جانبه قضيب آخر يلتقي أصلهما في موضع واحد، فنبغي ان يقتلع القضيب الثاني الحديث بمنجل حاد مسقى، ويقطع معه من القضيب العتيق الذي كان نبت قبله بسنة رأسه إلى (موضع ملتقى ) إلا صلين، ثم يستخرج ذلك القضيب من قشوره فيبقى القضيب الحديث مفردا كما كان، ثم يسحق ذلك المشقق بعد إن يرمى بقشره عنه سحقا ناعما يبل بالماء ويلصق في أصل القضيب الحديث الذي انتزع، ثم يركب هذا القضيب الذي قد الصق به المسحوق أو يغرس، فان هذا يخرج عنبه اكبر من عنب الكرم الذي أقتلع منه، أي لون كان، فحينيذ يخرج حبه اكبر، وان كان لونه احمر أو اسود صفا لونه، وربما خرج اللون ابيض، الأ انه في طبع ذلك الكرم الذي اقتلع منه هذا القضيب، لكنه يخالفه في اللون في الكبر.
وقد حضرني هاهنا نكتة أوصي بها في اخذ القضبان من الكرم للغروس، وهي انه ليس ينبغي ان يؤخذ ذلك من كرم عتيق ولا كرم له دون ست سنين، بل تنزع هذه القضبان من كرم له أكثر من ست سنين وإلى عشرين سنة، فإذا جاز العشرين صار حكمه حكم الهرم، الأ انه ربما صلح (لا نتنزاع القضبان) (في بعض الأوقات) إلى ان يبلغ ثلثين سنة فيكون غير صالح لهذا البتة وتكون القضبان التي تؤخذ من الكرم الذي أتت (عليه عشرون) سنة ونحوها أقوى من التي تؤخذ من الذي أتت عليه من العشرين إلى الثلثين.
وليس ينبغي ان تؤخذ هذه القضبان المأخوذة للغرس في كل وقت من أوقات الأزمنة، اعني أوقات اليوم والليلة، لأن للوقت تغيرات متفاوتة، من هبوب الرياح وسكونها وتغير يحدث من حر بعد برد وبرد بعد حر وان كان مقداره يسيرا، فانه يؤثر في كثير من النبات تأثيرات يكون عنها تغيرات، فينبغي أن يختار لأخذ القضبان وغرسها عند هبوب الريح الشرقية والتي فيما بينها وبين الشمال والتي فيما بين الشمال والمغرب، فان هذه الرياح موافقة لوضع الغروس في مواضعها ولقلعها من منابتها. ومن الناس من أشار ان يكون ذلك في آخر ساعة تبقى من الليل إلى ثلث ساعات تمضي من النهار. وينبغي ان لا تؤخر عن الغرس، ان أمكن، من وقت تقلع، وان مضى عليه ساعتان وثلثة فلا يكون أكثر، من ذلك، (أي لا ينبغي ان يؤخر أكثر من ذلك). فان دفعت ضرورة إلى تأخيره أكثر من ذلك فليكن ذلك تمام يوم، فان اضطر أيضا إلى تأخيره أكثر فليكن ذلك يوما وليلة ومن الغد إلى أربع ساعات.
والعلة في أن لا يوخر ان في الكروم بخارا قليلا بالإضافة إلى بخار غيره وكثيرا بالإضافة إلى البخار الذي (فيما هو) اقل بخارا منه. ومع ذلك ففيه رطوبة مايية تحفظ رطوبته الأصلية، فإذا بقي بعد قلعه من منبته زمانا طويلا انفش ذلك منه وتفرق وجفت تلك الرطوبة المايية. فعمل الزمان في الرطوبة الغريزية، وإذا جفت الرطوبة الغريزية لم يعلق ولم ينبت، وإذا كان في الأغصان ذلك البخار الأصلي وتلك الرطوبة المايية الحافظة للأصلية نبت وعلق والتصق وجاء مجيا جيدا. وان اضطر مطر إلى تأخيره أياما فان هذه حال ربما عرضت لبعض الناس لأمور تحدث، فينبغي ان تشدد باقات، كما جرت عادة الناس بذلك، وتجعل في سرداب تحت الأرض كنين (من الريح) والحر والبرد، ويرش السرداب قبل وضعها فيه حتى يتعرق بالماء. وليكن شدها باقات شدا مسترخيا لتصل نداوة الماء إلى كل قضيب منها ولا يحجز بعضها بعضها . فان قال قايل: إلا فرقتموها ولم تشدوها باقات؟ قلنا ان في لقاء بعضها بعضا وتماسها معونة على بقاء قوتها فيها، فان فرقناها ولم نشدها كان في ذلك من الفساد ضرب ما، وان شدناها شدا مسترخيا حصل ها مماسه بعضها ووصلت الرطوبة إلى جميعها من الخلل الباقي فيما بين.

وقد ينبغي عند غرسها ان تنتف عنها معاليقها وتنقى من قشر قايم، وان كان عليها. فإما اذا تأخر غرسها إلى وقت، أما (قصير طويل)، فينبغي ان تترك معاليقها فيها وما ( ينقى منها) عليها، ولا يزال عنها إلى وقت يريد الإنسان غرسها، فينقيها حينيذ ويقطف عنها ما سبيله ان يقطف ثم تغرس.
وقد كان أنوحا يرى في حفظ القضبان التي أخذت للغروس اذا تأخرت ولم يكن غرسها للوقت. ان يحفر لها في الأرض بير، ولتكن الأرض التي قطعت منها و(التي) الكروم نابتة فيها، وتجعل في تلك ألبير متفرقة. وليكن قعر ألبير غير رطب رطوبة بينة ولا يابس يبسا بينا، (بل يكون) لا شبيها بالمعتدل، فهو أجود. والذي جر بناه "ووجدناه" صالحا في هذا ان تجعل القضبان في بيت كنين لا تخترقه ريح ولا يهب نحوه هواء، وترش أرضه رشا خفيفا، فإذا جف الرش جعلت القضبان فيه. وان كانت قليلة بمقدار ما يسعها جب خزف فينبغي أن يجعل في الجب ماء مقدار ساعتين، ثم يفرغ الماء منه جيدا ويفرش في أرضه تراب وتجعل القضبان عليه قياما بعضها فوق بعض، فإذا تكاملت فلينثر (أيضا عليها) تراب كثير حتى يكون فيما بينها حتى ينالها التراب من جميع النواحي ويتعلق بجميع أجزاء القضبان.
وقد علمنا ادمى فقال : اذا تقطعتم من الكروم للغرس فلطخوا مواضع القطوع من القضبان بهذا اللطوخ: خذوا من الأغصان قطعا كثرة فدقوها جيدا ثم صبوا عليها الشراب العتيق ثم اخلطوا الجميع خلطا جيدا، ويكون في قوام الحسو، ثم لطخوا به مواضع القطوع من الأغصان. وأجود من هذا ان تخلطوه مع الشراب كما وصفت لكم، ثم القوه في قدر نحاس، (لا يكون غير نحاس)، ثم اغمروه بالماء العذب واطبخوه حتى يصير في قوام العسل الرقيق ثم ألطخوا به. واجودها ان تطبقوا على القدر طبقا مهندما وتشدوا الوصل بين الطبق والقدر بالطين الجيد ثم تطبخوه، فأنكم اذا لطختم القضبان بهذا بقيت طرية شهرين ونحو ذلك، لا تتغير البتة، إلى أن تغرسوها.
فان أردتم نقل الغروس من بلد إلى بلد بينهما مسافة، فاعمدوا إلى صناديق معمولة من خشب رقيق فقيروها بالقير من خارجها ورشوا في داخلها الماء الممزوج بالخمر واجعلوا فيها القضبان واجعلوا فوق القضبان صفيحة طولها ذرع في ذرع رصاص، وأطبقوا الصندوق وسيروا به إلى موضع تريدون غرسه فيه. وإنما (قلنا قيروا خارج الصندوق ليلا يصل الهواء والرياح من خلل الصندوق إلى القضبان، وقلنا رشوا في داخله الخمر والماء ليشرب الخشب ذلك فيؤدي إلى القضبان طراوة)، وقلنا اجعلوا فوقها صفيحة رصاص لأن الرصاص يحفظ طراوة المنابت كلها اذا كان معها، بخاصية فعل له، ويفعل ذلك بالمنابت المقلوعة من الأرض، (فاما النابتة المعرقة في الأرض) ففعل الرصاص فيها بالضد، لأنه يثويها ويجففها.
فإن أردتم ان لا تهيج العيون التي في الأغصان، فإنها تهيج وتجف كثيرا، فغطوا القضبان بأغصان من الشجرة المسماة عيروانا قال أبو بكر احد بن وحشية: هذه الشجرة هي التي تسمى في زماننا هذا (بلحية الشيخ / وبلية التيس) والبلخية، فان هذا اذا جاور قضبان الكرم بقاها غضة طرية.

قال ادمى: فمتى اتفق ان يتأخر غرس القضبان إلى أن يجففها الزمان أو جفت لأنها كانت قليلة الري في كرمها، فالقوا القضبان في الماء مقدار يوم مدته اثنتا عشر ساعة، ثم بادروا (فاغرسوها وهي ندية) بالماء، وأجود من ذلك ان تدلك القضبان في ماء حار مقدار تلك الساعات التي حددناها، وربما دلينا القضبان في الماء مقدار ست سرعات ثم غرسناها.

والذي كرهه ماسى السوراني طامثوى وصردايا الكنعانيون وغيرهم ان تغرس القضبان وقد تمكن من عيونها الجفاف. وقد مر بنا نحن مرارا كثيرة إنا رشينا على القضبان بعد انضمام (عيونها ماء كثيرا ثم غرسناها، فنبتت وجات مجيا حسنا. وأظن إنهم إنما كرهوا ذلك لا إنها اذا غرست لعد انضمام) أعينها لا تفلح ولا يجو منها شيء، وإنما كرهوه لأنه يجي انقص في النشو وابعد في النبات واضعف له في العاقبة بعد نشوء، إما ان يكون لا يجي منه شيء البتة فلا ما ذهب هذا عليهم " الأ ان غرسها وعيونها طرية غضة أصلح أجود.
فإما اذا نبتت القضبان بتأخر في غرسها أياما فان ذلك غير ضاير لها، خاصة ان كانت كننت وغطيت بالتراب كما كنا وصفنا قبل هذا الموضع، فان هذه لا يضرها نباتها البتة. فاما ان كانت ا بحيث يضربها الهواء ولم تكن في الأرض في الحفيرة ولا يباشرها تراب البتة فان غرسها بعد نباتها نباتا كثيرا مكروه، الأ انه ليس يبطل نبات البتة، بل تنبت وتنجب، لكن لا يكون نباتها أجود.

ووجه التحرز من بطوء نباتها وضعفها، اذا غرست بعد نباتها أو غرست بعد (جفاف عيونها وانضمامها أو غرست بعد) إن قد يبست، بان تغرس قضيبين قضيبين أو ثلثة ثلثة وفي موضع (أربع أربع)، فان (في هذا منافع، احدها ان بطل واحد منها) كان في الباقي كفاية، والثاني إنها ان نبتت كلها كان أقوى لكروم التي تخرج منه، والثالثة ان عدة قضبان اذا غرست في موضع قوى بعضها بعضا وامد بعضها بعضا، والرابعة انه ان نبت وأنجب منها واحد وبطلت الباقية كان في ذلك الواحد كفاية.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب في ذكر الكروم

مُساهمة من طرف wara_qa في الإثنين سبتمبر 29, 2014 3:27 pm

باب ذكر كيف تزرع الكروم

وقد علمنا أنوحا وصردايا و طامثرى كيف نضع القضبان في الأرض إذا غرسناها. قالوا: اغرسوها مايلة متكية، ولا تغرسوها قايمة مستوية القيام، فان هذه تخرج أصولها أقوى وتعرق بسرعة. وقال أنوحا: أميلوها إلى ناحية المشرق وعمقوا الحفر في الأرض لها مقدار قدمين كل حفيرة منها. قال وتقدموا قبل الغرس بأيام فاحفروا الأرض إلى عمق هو أكثر من قدمين واتركوها، فإذا أردتم غرس القضبان فاحفروا لها مقدار قدمين لتسعى تحت القدمين في الأرض، ويكون التراب منبوشا، فيكون أسهل على القضبان في ضرب العروق في الأرض وأسهل عليها في النبات، فإنها تنبت هكذا سريعا.
قال وإذا غرستم عدة قضبان في حفيرة واحدة ففرقوا بينهم جهدكم، وان لم يماس بعضها بعضا ولا يستر بعضها بعضا من حرارة الشمس، فان ذلك أعون لها على النبات وجودة الضرب في الأرض، فان لوقوع شعاع الشمس على هذه عمل عجيب ظريف بين.
فإما طامثرى فان رأيه ان تكون الحفر التي توضع فيها القضبان عمقها اقل من قدمين، لأن للشمس فيها عملا، وذلك العمل هو الاسخان، وذلك الاسخان هو حياتها وينبت نباتها، فلذلك ينبغي أن يكون حفرها إما قدما(واحد)، وهو الجيد، أو تزيدون على القدم شيئا يسيرا. وينبغي ان يكون الذي يغرس الغروس، وهذا في الكروم، في غرسها وفي تراكيبها وكسحها، (وفي جميع الشجر كلها كذلك)، غير حاقن لأحد الاخبثين: الغايط والبول، وان لا يكون في ذراعيه أو في بدنه آفة ظاهرة من الغشم والانكسار الذي قد أجبر، ولا يكون في ذراعيه أو بدنه سلعة ولا ثآليل كثيرة ولا في جملة بدنه، فان ذلك أجود . وليكن شابا حدثا واحدث سنا من الشباب، فان ماسى السوراني خاصة كان لا يغرس له الغروس كلها، الكروم وغيرها إلا من سنه من العشرين إلى الثلثين سنة وأكثر من ذلك قليلا. فان واضع (الغروس في الأرض و) واضع التراكيب كلما كان اصح بدنا كان اسلم من الآفات والعاهات وكانت الغروس أنجب وأحرى ان يتأخر نباتها، ويكون مجيها أقوى وأجود. وينبغي أيضا أن لا يعمل وهو مفتصد في ذراعيه ولا قد أحتجم يومه ذلك. فاما الذي عيناه (أو أحداهما) مشتكية، كالأعور والأعمش والذي في عينه البثر والبياض، فانه لا يفلح (بغرسه شيئا البتة) فاحذروا ان يتولى هذا غرس شيء (من ذلك)، بل ان كان في الفلاحين احد ممن كرهنا عمله للغرس فاستعملوه في شيء غير الغروس، خاصة فانه قد يجوز ان يعمل غيره، فانه ربما كان من به إحدى هذه العاهات التي كره القدماء، (ان يعمل من به منها شيء في الغروس)، حاذقا في عمل (ما هو) غير الغروس، فهذا ينبغي ان يستعمل لحذقه ولا يضيع (ولا يعطل بل يستعمل فيما هو حاذق فيه)، فان أعمال الفلاحين في الضياع كثيرة جدا، فاستعملوا هؤلاء في أي عمل كانوا مضطلعين به من الإعمال.
وهذا كله فإنما هو احتياط للغروس من ان يتأخر نباتها، فتمكث في الأرض فتفسد (بطول مكثها)، لأن القدماء لم يدعرا شيئا جربوه (انه يبطي) النبات الأ نهوا عنه، حتى ان كاماس النهري في نهى عن وضع الغروس من كرم وشجر في الأرض المكتنزة، قال لأنها عسرة النفس. قال: وأنا أدلكم على الأرض المكتنزة التي لا تصلح للغروس بعلامات لها لتجتنبوها: اذا شككتم في الأرض فاحفروا فيها ثلث حفر، عمق كل حفرة ذراع ونصف، واحتفظوا بالتراب الذي تحفرونه من كل حفرة، بأن تأخذوه في آلة من خزف مجموعا بعناية شديدة ثم طموا تلك الحفاير الثلث بتراب أخذتموه من أرض متخلخلة أو غير مكتنزة لا تشكون فيها، ودوسوه بالأرجل ليجتمع في الحفاير، (وليكن هذا التراب الذي تعتبرون به بوزن التراب الذي أخرجتموه من الحفاير) تزنوه بالميزان سواء، فان بقي من التراب الثاني بقية فاعلموا ان هذه الأرض مكتنزة شديدة الصلابة وإنها لا تصلح للغروس، بل تصلح لزرع الحبوب والبقول وغيرها، وان دخل التراب الثاني مكان التراب الأول ولم يبق منه شيء البتة، لا قليل ولا كثير" فهذه تصلح للغروس، فاغرسوا فيها.
قال ومع ذلك فاعلموا هذا أيضا ليكون استظهارا لكم: اذا وضعتم القضبان في الأرض فطموا عليها التراب (إلى نصف الحفيرة، ثم القوا فوق التراب) رملا قد نخل وغربل دقاقه، فخذوا حلال الرمل فالقوه في الحقيرة، ثم اطرحوا فوقه كف تراب، ثم القوا من الرمل أيضا هكذا إلى أن تطموه الطم الذي ينبغي، فان الرمل يجعل للأرض منافسا. وإذ جعلتم بدل الرمل حصى صغارا تلتقطونه بعناية شديدة يكون مثل قدر الحمص والشهدانج، فإذ مثل هذا يوجد في الحصى كثيرا. وما أحب لكم ان تغرسوا غرسا في الأرض المكتنزة الصلبة، بل تزرعون في هذه الأرض الزروع، فهو يجي فيها جيدا، وتغرسون الغروس في غيرها من الأرضين.
فإما ما جربنا انه يعمل في الغروس بخاصية فيه عجيبة فهو إن تؤخذ قطع كسور قد تكسرت من صخور، وتكون صغارا ، فتوضع فيما بين الغروس على وجه الأرض، فان هذه تعجل نباتها وتدفع عنها الآفات وتوصل إليها غضاضة وحياة ظريفة.
قال فإما الكروم خاصة فان أوفق الأرضين لها المتخلخلة، فان كانت مع تخلخلها رقيقة فهي أجود، والكروم تكون فيها أقوى وأنجب.
فأما (سيد البشر) دواناى فانه أمر أمرا كليا ان لا يغرس احد غرسا ولا يزرع زرعا ولا يصلح في النبات شيئا يريد به نشوه وزيادته الأ والقمر زايد في الضو بعد ان يبتدي بالنقصان إلى خمس ليال، كأنه كان يرى ان القمر بعد استقباله الشمس بخمسة أيام يكون حكمه حكم الزايد في الضو. وبهذا أمر ادمى حتى انه قال: ويكون سقيكم الماء للنبات كله والقمر فوق الأرض، فان ذلك يكون أروى للمستقى. وهذا صحيح جربناه فوجدناه لا يكذب.
قال قوثامي : أنا احكي في هذا الكتاب أقاويل القدماء في فلاحة المنابت، فان ذكرت شيئا يناقض بعضه بعضا فذلك غير منكر، لأن ذلك على سبيل اختلاف أرأيهم في هذه الأشياء، لأن كل واحد منهم حكم بما جرب وأمر بما أدته أليه تجربته. وهذا فلا بد آن يجري فيه أختلافات. على أني كثيرا مما أصوب (الذي هو عندي أصوب) واخبر بما هو عندي أجود. وكل شيء يكون أصله التجارب لا بد أن يجري فيه مثل هذا. على ان أكثر الحكماء يقولون ان أصل أكثر العلوم تجارب فقط .
وإنما اذكر هاهنا شيئا من أمر قضبان غروس الكروم، وما (ذكروه كثيرا) أجواد وهو أصل من الأصول. وذلك انه ينبغي ان تقطع القضبان على مقدار ما من الطول، فان هذا مما لا بد منه. و وليس يجب أن تكون مقاديرها مأخوذة من الذارع والشبر، بل من عدد العيون التي تكون في القضبان وقد يختلف ظهور العيون في القضبان فيكون بعضا متقاربة وبعضا متباعدة، فان كانت متقاربة فليكن في كل قضيب من ثمانية وتسع عيون إلى عشرة واثنتي عشر، وان كانت متباعدة فمن ثمانية إلى سبعة وستة. فان كان في احد القضبان عين من العيون الكبار أو عين من الحادثة بالجذب واتفق مع ذلك ان تكون باقي عيونه متقاربة، فينبغي ان يقطع من هذا من موضع يكون بعده عدد ستة من العيون مما يلي أسفل القضيب، وعدد خمس عيون مم يلي أعلى القضيب وأعلى العين الكبيرة، فيكون جملة ما في هذا القضيب اثنتي عشر عينا. فان هذه مما ذكر صغريث انه لا يبطي نباته ولا يتأخر. قال ولا يغرس (مثل هذا/ الأ) وحده. قال وينبغي ان يطم جميع ما يغرس من القضبان طما متوسطا هو والمتوسط هو ان لا يكبس بالأرجل، بل بالأيدي، (فان كبس الأيدي) كاف في ذلك.
قال صغريث أيضا: واعلموا ان ما يغرس (فيترك في موضعه فحكمه) خلاف حكم ما يغرس ثم ينقل من ذلك المكان إلى (مكان آخر)، (فاما الذي) يغرس ثم لا يحول إلى مكان آخر فينبغي أن يكون ما يغرس منه من اثنين إلى أربعة، مثل الثلثة أيضا، وأما ما غرس وغارسه يريد نقله إلى مكان آخر، فينبغي أن يكون قضيبا واحدا فقط، لكن ينبغي ان يكون ذلك القضيب مختارا على ما قدمنا من الامتلآ والجودة وعدد العيون. وبعض الناس يجعل الذي يريد تحويله إلى مكان آخر قضيبين يغرسهما مكان القضيب الواحد، ويقول ان هذا أجود، فاما نحن فانا نرى ان لا يكون ذلك الأ قضيبا واحد.
قال قوثامي: وقد وافق ينبوشاد صغريث في هذا الحكم الذي حكم، بأن يكون المحول من مكانه إلى مكان آخر قضيبا واحدا، وان يكون المتروك بموضعه ثلثة وأربعة قضبان، وان لا يطمر طمرا بكبس عظيم بل بالآياي، كما قال صغريث. (وانفرد ينبوشاد بشيء واحد لم يذكره صغريث)، فقال : ان عمق الحفاير التي تحفر لتوضع فيها الغروس ومقادير طمها وكبسها وسعتها قد يؤثر في الغروس (تأثيرات عجيبة)، فلذلك ما ينبغي أن يعرف الغارس تلك المخالفات والموافقات، فيعمل فيها ما يوجبه العمل الصحيح المؤذي إلى الجودة في النشو وسرعة النبات والسلامة. وقد اختلف القدماء في مقادير الحفاير للغروس، فقال قوم : يكون ذلك مقدار عمق قدم واحد في سعة شبر، وقال آخرون بل قدم ونصف في سعة أربع أصابع، وقال قوم : ثلثة أقدام في سعة أربع أصابع، وقال قوم خلاف ذلك في السعة والعمق. وهذا لا يقال عليه هكذا بل يحتاج إلى تفصيل وعمل فيه بحسب الأرضين وطباعها وبحسب بقاع بعينها من الأرضين تختلف أحكامها على ذلك، فاما ان نذكر مقادير الحفر على ألإطلاق فلا فايدة فيه، فأقول: ان تعميق الحفر للغرس وسعتها ينبغي أن يكون تابعا لطباع الأرض التي توضع الغروس فيها، ولهذا المعنى، حتى يتبع هذا طباع الأرض، أصل، فينبغي أن نجعل الكلام فيه على ذلك الأصل، فهو أولى، فنقول: أصول ذلك وأصول حرارة الشمس إلى أصول القضبان المغروسة في الأرض. وقد يختلف بلوغ حرارة الشمس في عمق الأرض على حسب طباع تلك الأرض، فان أحر حرارة الشمس لا تنزل في الأرض التي هي اصلب كما تنزل في الأرض التي هي الين وارق، وقد تبلغ في الأرض المتخلخلة إلى عمق ما هو أكثر من الأرض المتلززة، فينبغي أن يراعى في ( تعميق الحفر) للغروس طباع الأرض وبلوغ حرارة الشمس ، فيصير (ذلك معنى لا مشتركا بين الارض من طبعها وحرارة الشمس.

أما الأرض من جهة طباعها حرارة الشمس في نزولها في أعماق الأرض، فقد لزمنا على ذلك ان نقول كم تنزل حرارة الشمس في كل ارض وما مقدار بلوغها، فنسوق مبالغ الحفر للغروس بحسب ذلك. وهاهنا معنى ثالث وهو ما يجود من طباع الغروس، إما من أصول كرومها ألتي انتزعت منها وأما من مقاديرها في أنفسها، من طريق الغلظ ولامتلأ والرقة واللطافة، فنقول أولا على مقدار ما تحتاج إليه الغروس من حرارة الشمس ، ليكون وصفنا لها على مقدار ذلك، فأنه أن زادت حرارة الشمس على أصول الغروس وفرعها أحرقتها وجففتها فعجزت عن اجتذاب الغذاء، إليها، فلم يتم غذاوها فحشفت ولم تنجب، وان كبرت وانتشرت فانه ربما إغتذا النبات غذاء يقيم أوده في الانبساط والتوريق والتعريق ولا يكون تاما تتم له الثمرة ويجودها، فيكون في الشق هذا ومعاناة خدمته (ضيعة وخسرانا)، وإذا تم اغتذاوه خرج كاملا. وإنما قصدنا الثمرة في غرس الشجر والكروم (وكل مثمر، ليس قصدنا)إن ينتشر وينشوا ويورق، فينبغي لذلك ان نقول كم مقدار نزول حرارة الشمس من عمق أرض أرض، فليعلم جميع الناس ان نزول ذلك إنما هو بحسب طباع الأرض (وتخلخلهأ وتلززها)، فنحتاج هاهنا ان نقيس ذلك على أرض أرض ونخبر به مفصلا مفهوما، فنظرنا إلى هذا فإذا هو شيء يطول جدا ويتسع الكلام فيه ويكون محصوله بعد ذلك كله شيئا واحدا، فرأينا أن نذكر ذلك المحصول، فان لم يمكنا تحصيل ذلك إلا بذلك التطويل، فلنخبر بالمعنى العام المشترك لجميع الأرضين على اختلاف طباعها، فإذا حصل ذلك لنا كان تعميق الحفر للغروس تعميقا عاما لجميع الأرضين، فنقول:  ان وصول حر الشمس في جميع الأرضين على اختلاف طباعها على سبيل التوسط مقدار ثلثة أقدام تامة فقط، فان زاد على ذلك فنصف قدم، وان نقص منه شيء فنصف قدم، اللهم الأ ان تكون الأرض من الأرضين التي يحدث فيها شقوق دأيما، فان حرارة الشمس تصل إلى ذلك من تلك الشقوق بدخول شعاعها فيها، فتصل حرارة من عمقها إلى خسة أقدام ونحو ذلك، فإما ان كانت، سليمة من الشقوق فليس يصل الحر منها إلى مقدار ثلثة أقدام إلى زيادة نصف قدم. ولتكن هذه الإقدام أتم الأقدام في التقدير،وهي التي كل قدمين منها ذراع واقل من شبر قليلا، وربما كانت ذراعا وشبرا تاما، فهذا مقدار هذه الإقدام التي نذكرها هاهنا. ولولا ان ادمى جعل مقادير كل عمل في المنابت من الاقدام ما ذكرنا نحن الأ الذراع، لكنا اقتدينا به في التقدير بالاقدام، فينبغي على هذا ان يكون تعميق الحفر للغروس في جميع الأرضين التي تصلح للغروس من مقدار ثلثة أقدام إلى اقل من ذلك بنصف قدم، ولا أرى ان تزيدوا على ذلك شيئا، فقد استغنينا بهذا الأمر العام عن تفصيل ارض أرض.
قال ينبوشاد: وقولي هاهنا لا تزيدون على هذه الأشياء، وهي الثلثة الاقدام، في الارض الباردة، والأرض الباردة هي في بلد بارد، والتي ربما وقع عليها الثلج. فاما البلاد الحارة فأنكم ان عمقتم الحفر إلى أربعة أقدام جاز وصلح، لأن هذه الحارة تصل حرارة الشمس فيها إلى مقدار هو أكثر، فنريد ان تباعد أصول الغروس عن حرارة الشمس فيها ليصلح حالها بذلك. ولقد رأينا في بلدنا فلاحا محذقا يشير بأن يكون عمق الحفاير ذراعا ونصف في جميع الأرضين، ويتكلم على ذلك كلاما فيه حجة كان يذكرها، فكنا اذا قلنا له ان هذا المقدار يسير، قال ان مقدار التعميق ينبغي ان يكون ذراعا واحدا، وإنما جعل فضل النصف ذرع استظهارا، وإلا فالمقدار القصد هو الذراع، فكنا نقول له فان هذا تحرق الشمس أصوله وتجففه وتمنعه من الاغتذاء فيموت ويبطل ، فيجيبنا بأن يقول: ولم لا تروونه من الماء الذي يمنع من إحراق الشمس له؟ وإنما تحرقه الشمس وتبطله من قلة معرفتكم بإمداده بالماء، وإما لو أحكمتم ذلك لما ضره وصول حر الشمس إليه، بل قد كان ينفعه وينعشه، لأن حرارة الشمس مع اختلاف الغذاء مما يمد النبات ويحييه وينميه، فأنكم تجعلون سوء تدبيركم ذنبا لحرارة الشمس، والشمس و هي حياة وماد ونفس وروح في كل شيء في السماء وكل شيء فوق الأرض وجوفها، وليس تضر بشيء الأ بسوء التدبير فقط . فكنا اذا قلنا له : فكيف فحسن تدبيره في سقي الماء الاحسان المانع من وقوع ضر حر الشمس؟ فيقول: ينبغي ان تسقوه الماء من ساعة تبقى من النهار والى نصف الليل ، السقيي الذي ينبغي له، بلا زيادة ولا نقصان، لتشرب الأرض والغروس الماء طول الليل وأربع ساعات تمضي من النهار، (ثم تلحقه حينيذ حرارة الشمس وهو ريان، ومنذ أربع ساعات تمضي من النهار و) إلى آخره، ليس تحرقه الشمس، لذلك الري من الماء الذي قد تمكن منه في برد الليل. فإذا سيق عليه هذه السباقة إلى آخر نشوه لم تحرقه الشمس ابدا لأجل مقاومة (نداوة الماء) وبرده لحر الشمس.
قال ينبوشاد : فهذا مقدار نزول حرارة الشمس في الأرضين، قد ذكرناه ومقدار الحفاير للغروس. قال قوثامي: ولولا إننا قد ذكرنا في صدر هذا الكتاب، في جملة ذكرنا لحفر الآبار واستنباط المياه وما يتصل بذلك ويلحق به وذكرنا في جملة ذلك كم يبلغ حر الشمس في عمق الأرضين على اختلافها، لأعدنا هاهنا من ذلك طرفا ليكون أصلا كبيرا من أصول تغطية الزروع والغروس وإنزالها في الأرض أو طرحها على وجهها، فيما يطرح من البزور وينثر على المياه. لكن قد مضى من ذلك ما فيه كفاية، وان كان فيه بعض العويص والانفلات وذلك ان هذا معنى متصلا بركن عظيم من أركان الذي هو متصل به، فليس بخسران (إن) نذكره مبينا مفصلا، بل مدغما مدموجا في جملة الكلام، ومما الفلاحون محتاجون إليه في الغروس من باب حر الشمس والمباعدة والتفريج بين الكروم في (مغارسها ومنابتها) ونشوها،(فانه مما) يحتاج إليه، وهو من الباب الذي نحن فيه بعينه، فنقول انه ينبغي ان يباعد كل كرم عن الكرم الذي يجاوره في الأرض، إما التي تنبسط على وجه الأرض ولا تعرش على شيء، في صفوفها مقدار ستة أقدام بين كل صف وصف، وإما في أصول الغروس فليكن بين كل أصل واصل أربعة أقدام، وإما الكروم المعرشة فان لها حكمين، حكم للتي تعرش على الشجر وآخر للتي تعرش على غيرها. فإما المعرشة على الشجر فينبغي ان يباعد بين الصفوف مقدار عشرين قدما، ويباعد في أصول الغروس سبعة أقدام، وذلك ان (مجاورة الشجر) التي تعرش الكروم عليها تحتاج إلى فرجة فيها فضل يكون ذلك الفضل للشجرة. وإما المعرشة على غير الشجر فينبغي ان يكون التفريج بين صفوفها وأصولها بمقدار نصف ما قدمنا ذكره هاهنا وقلنا انه يكون للمعرشة، فان الكروم اذا كان لها فسحة وتفرج واسع انتفعت بذلك ، لعلهُ الهواء الذي يخدمها، وانتفعت بامتداد العروق في الأرض، فان طبيعة الكروم اذا تقاربت في منابتها ان يلتف بعض عروقها في جوف الأرض على بعض، وذلك لأنها ضعيفة بالقياس إلى النخل والشجر العظام، والضعيف يكثر التشبث في حركاته كلها بكل ما لقي بدنه. وقد كنا قلنا فيما تقدم من هذا الكتاب ان الشجرة انسان مقلوب إلى أسفل والإنسان شجرة مقلوبة إلى فوق. فالعروق الأولى للذوات العروق من المنابت بمنزلة اليدين من الإنسان، فإذا كثر هبوب الهواء الين على الكروم دايما عاشت بالنسيم كما يعيش الحيوان فقوية وكثر حملها وسمن وطاب، فما كان حلوا ازدادت حلاوته، وما كانت ثمرته رقيقة صفت رقته، وما عصر من شرابها فانه يكون ألذ وأطيب وانفع.
وهذه الفرج التي رسمنا إنما تجعل الكروم المعرشة لينفسح لها مكانها. وقد تنتفع أيضا بالتعريش نفسه على الشجر وعلى غيره، وخاصة المعرشة على الشجر، فان لها خاصية في ثمرتها وفي عصير ثمرتها، فهي تستفيد بالتعريش فوايد هن أكثر من التي تنبسط على الأرض، حتى ان الفلاحين البصر، اذا رأوا عنب المعرشة فضلوه على غيره، ويفضلون أيضا بين عنب ما عرش على الشجر وبين ما عرش على الخشب والقصب، لأن المعرش منها على الشجر مثله مثار رجل ذاهب البصر، فبين ان  يقوده قايد ببصره ويقوم مشيه ويدفع عنه الآفات، وبين ان يأخذ بيده ما يتوكأ عليه، بون بعيد وفره كثير، لأن الذي يقوده الإنسان يكون ارفه وأحسن حالات في مشيه، كذلك الكرم المعرش على الشجر يكون أقوى وأنجب وأحسن حالا من المعرش على الخشب والقصب. فإما شراب المعرشة على الشجر فانه أبقى وأطيب طعما وابعد من الفساد، وكلما كان بينها بعد أكثر كان أجود.
وإنما يجب ان نخبر هاهنا أي الشجر أوفق ان تعرش الكروم عليها، لأنه ليس كل الشجر يصلح للتعريش وبعضها يصلح صلاحا جيدا بحسب ما علمتنا التجربة. فقد قال صغريث ان أفضل الشجر لتعريش الكروم الشجر القابض وأجودها الدلب. وقال في موضع آخر ان أصلح الشجر لتعريش الكروم هو الشجر الذي له ساق واحد، فعلى هذا ان الدلب والصنوبر ألذكرهما أوفق (الشجر للكروم)، وذلك انه لا يصلح ان يعرش الكرم على شجرة كبيرة الأغصان مجتمعة الرأس، لأن هذه تستر الكرمة وتظللها، ولا تصلح أيضا الشجرة المفرطة الطول، بل التي يكون طولها فوق نحو عشرين ذراعا إلى ما دون ذلك.
فهذا للكرم أوفق. وشجر الدردار أصلح لتعريش الكروم عليه، وهو كثير النبات في إقليم بابل، والمقدار الذي ذكرنا ارتفاعه هو اقل ما جربناه ان يكون يصلح عليه التعويش. فاما في بلاد الكنعانيين وغيرها من أراضي الجبلانا فان أهلها يحملون الكروم على ان تعرش على شجر طولها خمسون ذراعا، ويحمدون ذلك منها ويقولون ان خمرة هذه تكون أجود وأصفى واخلص. فاما نحن فان عادة اهل بلادنا جارية على ان يعرشوا الكروم على ما كان من الشجر اقل طولا وارتفاعا من الذي حكينا عن أهل الشام. ولنا في هذا حجة واجبة، وذاك ان الأرض التي تكون فيها الكروم والشجر المعرشة عليها الكروم تحتاج أن توفر قوتها على الكروم وتمكن الكروم من اجتذاب الغذاء منها. وإذا كانت الشجر التي تعرشى عليها الكروم طوالا عظاما إعراضا على هذا العظم كله اجتذبت الشجرة قوة الأرض كلها إليها، فضيقت على الكروم الغذاء وأخذت قوى الأرض كلها إليها، فلذلك ينبغي ان تزبل الأشجار التي عرشت الكروم عليها وتنبش أصولها وتحفر كما يفعل بالكروم سواء، لكن يكون تزييلها اقل من تزيل الكروم، وكذلك الحفر حولها اقل أيضا.
واعلموا ان بين غرس الكروم التي تقلع بأصولها مع ترابها وتغرس وبين غرسها قضبانا، (فرق عظيم). وقد أشار ادمى ان يكون ما يغرس واصله فيه ان يقتله وفي أصله طين، وتغرس والكروم بطينها بالقرب من إحدى هذه الشجر، ويكون الحفر لها طولانيا قليلا، ويكون من الشجر على بعد ثلثة اذرع، وتتعاهد بالإفلاح، فإذا نبتت ونمت وغلظ قضيبها فينبغي ان تبسطها على الأرض أولا ثم تقربها من الشجرة قليلا قريبا حتى تلصقها بها، ثم تحمل أطرافها فتجعلها عليها وتعمد إلى القضبان التي تقربها إلى الشجرة فتفقر عيونها، وعيون هذه لا تكون ابدا الأ صغارا ، فتقلعها بظفرك واحدة واحدة حتى تمحاها كلها ويبقى في طرف كل قضيب عين واحدة، ثم تدنيها من الشجرة وتدعها عليها، فإنها بذلك تنمو نموا جيدا وتشب حتى اذا ثبت، بنبات أغصان الكروم ، فقربها من الشجرة (واصعد بها على ما قرب من أجزاء الشجرة برفق رفيق، كأنك تريد عمل شيء لا يحس به احد. وتكون قد كسحت تلك الناحية من الشجرة ونزعت كل شيء قد ركب ذلك الموضع من جميع الأشياء، فان هذا هو بنفسه طريق الكرم إلى الشجرة.
وقد يعرش من الكروم على الشجر ما نبت من القضبان وما غرس بأصله، والحكم عليهما جميعا واحد: اذا طال الكرم من احدها فيعمل به كما وصفنا في الطريق للتعريش والحركة إلى الشجرة حتى تعلق بالصعود عليها والتشبث بها. وربما (عمد قوم) إلى صف من الشجر منظوم نظما على تباعد محكم، والتباعد المحكم هو ان يكون بين الشجرة والشجرة من البعد مثل ما قلنا ان يباعد الكرم من الكرم، ويحفرون بازآ الصف من الشجر والصف حفرا يسمونه خندقا، يغرسون في ذلك الخندق في طوله كله غروسا من الكروم. ويجعلون البعد فيما بينها البعد الذي ينبغي أن يكون، ويجعلون بين الغرس والغرس ترابا يطمونه طما ويقولون ان النابت من الكروم في هذا الخندق يكون أجود من التي تحفر لها الحفاير وتغرس فيها. قالوا والعلة في ذلك تلك الحواجز التي تطم بالتراب طما، فيكون الحاجز بين الأصل والأصل تراب مكبوس لا أرض صلبة، ويكون كل أصل يغرس من الكرم محاذيا لأصل من الشجر، حتى إذا انتشر وبلغ إلى الشجرة التي هو محاذ لها قوم كما وصفنا من تقويم أطراف أغصانه. وينبغي ان يكون بعد هذا الخندق من صف الشجر ثلثة اذرع تامة، وهذه الثلثة اذرع هي مساحة بعد من بسيط الأرض إلى شفير الخندق المحفور له، ليلأ يدخل الخندق في البعد. فهذا هو أصل البعد الذي أمر به الحكماء القدماء.
وإذا كبر الكرم وانتشر وبلغ إلى حد الشجرة فليعمل في تقويمه للتعريش كما علمنا فيما تقدم. فإذا بلغت هذه الكروم بعد زمان طويل إلى حال يكسح، فينبغي اؤل كسحها ان يترك لها قضبان طوال من قضبانها قليل عددها، ليكون الكسح يأتي على أكثر القضبان، ويكون في إبقاء هذه القضبان الطوال تجويد (لنشو الكروم) وزيادة في حمله وتجويد (لشرابه . وان) كانت الشجر التي تغرس عليها الكروم ذوات ثمر فليجعل شجر رمان وسفرجل وتفاح، فذلك أجود من وجه آخر. وذاك ان الشجر الذي فيه قبض قد يوافقه (ان يشم) رايحة الكرم وتباشره الكروم. وان كان فيما بين هذه الشجر شيء من شجر الزيتون كان جيدا، وليكن شجر الزيتون خارجا عن صف الشجر التي تعرش عليها الكروم، فهو أجود، وذلك أنا إنما نريد ان يقرب شجر الزيتون من منابت الكروم ولا تماسها مماسة مخالطة، بل تكون منها على بعد ما، فهو أجود.
وهذا من الخواص ظريف. فانه مجرب لأهل طيزناباذ، فإنهم يقولون ان قرب شجرة الزيتون من الكروم ليس بجيد ولا صالح، وإما نحن فانا جربناه فوجدناه جيدا صالحا مصلحا للكروم.  وهذا كما يقول اهل بارما وتكريت ان شجر التين جيد صالح للقرب من الكروم لأنها توافقها وتصلح الكروم بها. وهذا قد جربناه فوجدناه باطلا. وليس ينبغي أن تتفاوت أحوال الكروم هذا التفاوت في إقليم واحده فيكون شيء يضرها في جانب من جوانب إلاقليم وفي الجانب الآخر ينفعها، هذا محال، وإنما هي شبهة تطرا على الناس فيقربون كروما من شجر ما، فيتفق لتلك الكروم أشياء تنعشها وتحييها، فيقدرون ان ذلك لقرب تلك الشجرة منها، وليس ذلك كذلك وإنما هو لما اتفق للكروم من الهواء وصلاح الزمان، وبضد هذا ان يقربوها من شجر ما فيتفق عليها فساد أو نقصان، أما من سوء تدبيرهم أو من أشياء تتفق من رداوة الهواء وفساد الزمان فيفسدها ذلك، فيتوهمون إنها من قرب تلك الشجرة، وليس كذلك. وكل شيء لا يشهد بصحته القياس وتصححه التجربة فانه باطل وليس كما ظنوا به. والذي ينبغي عمله هو ان يرد الناس الأمور إلى القياس الصحيح فيحكمون على ألأشياء بحسبه.
والمجرب من إنعاش الكروم ان تزرع أرضها في كل سنتين، فإن ذلك يحي الكروم ويجود نشوها وثمرتها وعصير عنبها، فيجيء العصير جيدا طيبا نافعا كثيرا، فهو أجود من شراب الملتفة على الشجر. وإنما قلنا هذا لأن القدماء أجمعوا على ان أجود الشراب شراب الكروم المعرشة على الشجر الصاعدة إلى فوق تسلقا عليها، الأ ادمى وحده (فانه قال) ان (الكرم المتسلق) على الشجر يضغط الشجرة ويضرها ويؤذيها، وليس كما يظن الناس انه نافع للكروم منعش لها مكثر لشرابها ومجود له، لكن الكرم المتسلق على الخشب المعمول له ليتسلق عليه أجود وأنمى للكروم وأجود لشرابها، وذاك ان شراب الصاعد إلى السماء المتعلق في الهواء، كما قال الناس، أجود الكروم شرابا واصفاها خمرا وألذها طعما وأكثرها كثرة. وتسلقها على الشجر يضر بالشجر، فإذ. حصل لنا منفعة التسلق من الكروم بشيء لا يضر بشيء فهو أصلح ان نستعمله ونعدل عن الشيء الضار بشيء ما نافع، فان النافع المنفعة المحضة أجود للناس من النافع لشيء الضار لآخر.
وقد قال شباهى الجرمقاني إن الكروم المعرشة على الشجر تنفع منفعة عظيمة اذا غرست بالقرب منها شجرة القراسيا، حتى اذا حملت شجرة القراسيا حملها تبين في الكرم قوة وانتشار. قال شباهى فانا لنظن ان الكروم اذا بلغ أليه، بالهواء ، الموصل بعض الأشياء إلى بعض، من قوة حمل القراسيا شيء بعد شيء أنعشه ذلك وزاد في قوته. وهذا فقد رأيناه عيانا وجربناه أيضا، ان شرابها يكثر ويجود كما يكثر شراب الكروم التي يزرع فيما بينها، فان هذه أيضا منفعة الزرع لها (ظاهرة بينة). وقال أيضا شباهى : وقد جربنا في الكروم شيئا آخر هو مما يقويها وينعشها ويكثر عصيرها ويطيبه، وهو ابلغ من الزرع في أرضها، وهو ان تنقل الغروس من موضع كسحت إلى موضع يسميه اهل بلاد باجرما (التربية)، في أرض لم تشق ولم تفلح، وان تكون الشمس مشرقة عليها لا تستتر عنها بشيء من مثل تل عظيم أو جبل أو ما أشبه ذلك، وان تكون الرياح تخترقها، فإذا دام هبوبها هبوبا لينا في اؤل ما توضع هذه الغروس في هذه الأرض نمت وعاشت وحسنت وأفلحت إفلاحا نافعا، وان اتفق ان تعصف عليها رياح تعصف دايما، فإنها كثيرا ما تهلكها بإحراقها لها. وتحتاج هذه ان تحفر لها الحفاير التي عمقها قدم ونصف إلى القدمين، ويعنون بتنقية الموضع من الحشيش، صغاره وكباره، ولا يدعوا هناك شيئا الأ لقطوه.
واصل إفلاح هذه الغروس إن تكون الأرض ألتي تغرس فيها مشاكلة لطبع الأرض التي تنقل منها هذه الغروس، إما مشاكلة من جميع وجوه المشاكلات وإما قريبة شديدة التقارب. وكلما كانت المشاكلات من وجوه أكثر عددا كانت أوكد. وإنما قلنا هذا لأن الغروس من الكروم ان حولت من الأرض الجيدة إلى الأرض الردية ضعف الغرس ضعفا شديدا. ومثل ذلك مثل الصبي الرضيع  الذي يعتاد مرضعة جيدة اللبن فينتقل منها إلى أخرى ردية المزاج فاسدة اللبن، فيفسد مزاجه ويلتات بدنه، وكذلك الأرضين قد تختلف كاختلاف اللبن في الاغذاء، لأن اللبن الردي الرقيق الفاسد بفرط الرقة لا (يغذو البدن)، ومع انه لا (يغذو البدن) يفسد دمه وأحشاه، وكذلك الأرض الردية يتحول الماء العذب فيها رديا برداوتها وفاسدا كفسادها. فيغذو البدن غذاء نزرا فاسدا. والأرض الصالحة الجيدة كاللبن الجيد الصالح الذي يغذو البدن غذاء جيدا مستقيما، فيصلح عليه المزاج ويصل به النشو والنمو، فلا ينبغي ان يحول الغرس من موضع أجود إلى موضع هو أدون. وأكثر ما يلحق الضرر في هذا بالمخالفة بين تلك الأرض الأولى وهذه الثانية، فلذلك ينبغي ان تكون الأرض الأولى والثانية إما متساويتين في الطبع والعرض، وإما متقاربتين غير متفاوتتين.
ويجب ان تجعل هذه القضبان التي تحول فيما بعد في موضع آخر شبيه،الخندق طويل، وقد قلنا انه يوضع في حفرة عميقة عمقها قدم، وان كان اقل من ذلك فجايز ليسهل فعله بالمعول أو بغيره وقت يحتاجون إلى قلعه، ويكون التفريج بين الغرس والغرس مقدار أربع أصابع إلى شبر. وينبغي ان تختار. هذه القضبان مما فيه عيون متفرقة، يكون في كل قضيب مثل ما كنا قدمنا من القول، أو يكون مبلغ ذاك أربع أعين أو خمس، اذا كانت متفرقة، فاما ان كانت غير متفرقة فلتكن من ست إلى سبع. وينبغي أن لا يكون طول تعميق الغرس اقل من قدم، ولهذا قد ينبغي أن يؤخذ القضيب من الموضع الذي يقرب نباته من العين الكبيرة، فان هذه القضبان تفضل غيرها في النبات (وتفضل غيرها) في النمو وجودة النشو.
فإما مقدار طول القضبان فما حده احد غير ادمى، وقال : سبيل كل قضيب ان تكون مساحة طوله عشر أصابع وإلى (اثنتي عشرة) إصبعا . وكلما كبر القضيب عند ير ادمى كان أجود ، الأ إنهم ليس يرون ان يكون أطول مما قال ادمى الأ بشيء يسير. وقال شباهي الجرمقاني ان القضيب إنما تكون قوته في نفسه على مقدار ما فيه من العيون، يعي من كثرتها . قال فانه كلما كثرت عيونه كان أسرع لنباته وأقوى له، اذا نبت، وأحسن لنشوه. قال وان اتفق لقضيب ان يخرج من موضع قريب من العين الكبيرة، وهذا الموضع القريب هو التالي لموضع يكون مع ذلك كثير العيون كما وصفنا قبيل هذا الموضع، فهو القضيب المرجو لجودة النبات والقوة .

وقد جربنا إنا أخذنا القضبان للغروس التي نريد ان نجعلها في موضع ثم ننقلها إلى آخر، ان يكون من القضبان اثنين إلى أكثر، فاما ما نريد ان نجعله في موضع ثم نحوله إلى غيره، فليكن وأحدا فقط، فهذا هكذا أجود، (وذاك اثنين مزدوجين) أصلح. قالوا أيضا ينبغي ان تجتهدوا ان لا تغيبوا في الأرض من عيون القضبان شيئا، الأ ان هذا لا بد منه، فان جعلتم القضيب (في الأرض) فاجتهدوا ان لا يغوص (من عيونه / في الأرض) أكثر من اثنتين البتة، على ان هذا كثير وفيه ضرر، فليكن، اذا كان لا بد منه فعين واحدة، ويكون احد العيون مع تراب الأرض سواء، الأ انه يكون فوق الأرض بحيث يدركه البصر. (وقد قال) ماس السوراني: لا تغيبوا في الأرض من العيون التي في القضيب أكثر من واحدة البتة. ووصف صفة العين المغرقة في الأرض فقال: لتكن صغيرة جدا لا يؤبه لها.
قال وأهل بلد سورا (يرون ان يحفروا للغروس) حفرها ثلث مرات، يبتديون في ذلك قبل وقت غرسها بمدة فيحفرون لها، ثم يعيدون ثانية ثم ثالثة، ثم يغرسون فيها بعد ذلك، قال فان هذا قد جربنا جودته. وقال أيضا إنهم يرفعون عينين من أعين القضيب عن الأرض قليلا. قال وقد كانوا في القديم يحفرون حول موضع الغروس التي تصير إليها الغروس ست مرات ويتقدمون في ذلك من قبل زمان الغروس، وكانوا يصغرون آلات الحفر بجهدهم لتكون الحفاير صغارا جدا، فلا يضر ذلك بالغروس، الأ ان النبش حولها الذي رأته القدماء صوابا هو في وقت بعد هذا الوقت الذي تغرس فيه الغروس.

قال ماس: وقد ينبت في قضبان الغروس إلى جانب الأعين وهي طرية فروع، فينبغي ان تلتقط هذه النابتة كلها بطراوتها قبل أن (تجف أو تخشن)، وليكن لقطها بغير عنف لكن برفق. وينبغي أن يكون لقط هذه الفروع النابتة وقلعها بالأيدي لا بالحديد ولا بغيره، لأن الحديد على الكروم الحدية كالسم في الأبدان، فلا تمسوها بحديد البتة، فيحدر الكرم . وإنا أشير على من غرس من الكروم غرسا، ثم مضت عليه سنة ودخلت الثانية، ان يحتفر حول الغروس ست مرار في مثل هذه المدة التي حفر فيها ست مرار في السنة الأول، وان يتعاهد العيون التي في القضبان فيبقي في كل واحدة منها عينين فقط، وان يلتقط الفروع النابتة في هذه السنة الثانية (كمثل ما عمل في الأولى، ويسد الغروس في السنة الثانية) إلى خشب قد أقامه قريبا منها، حتى اذا عملت الغروس بعد وضعها بالمدة التي ذكرناها وحددناها، فلتنقل إلى الموضع المعد لها ان تغرس فيه.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب في ذكر الكروم

مُساهمة من طرف wara_qa في الإثنين سبتمبر 29, 2014 3:34 pm

باب ذكر كيف تزرع الكروم

وقد اختلف أنوحا وصردايا الكنعاني في المدة التي تحول بعدها الغروس من مواضعها، وقال أيضا طامثرى الكنعاني في هذا قولا. فاما ما نعمله نحن في إقليم بابل فانا نحول الغروس التي تغرس من موضع غرسها إلى الموضع الثاني (المعد لها) في السنة الثانية من غرسا لها،اذا مضى من الثانية وقت يكون مبلغه اقل من أربعين يوما ونحو ذلك. وإما شباهى الجرمقاني فانه قال لا ينبغي إن تحول (الأ في) السنة الثانية، فان ذلك أقوى لها واثبت وأنجب، إلا ان نباتها يبطي بطأ كثيرا، فمن أحب قوة الكروم وجودتها مع بطئ نباتها فلينقل غروسها من أول السنة الثانية، ومن أراد سرعة نباتها مع ضعفها وتكون قوتها (قليلا قليلا) فلينقل غروسها في آخر السنة الثانية، ومن أراد التوسط في ذلك فلينقل غروسها ما بين ألأولى والثالثة، وذلك في السنة الثانية. وقد رأى صغريث ان تحول هذه في اؤل السنة الثانية، وقال ان نباتها يسرع وان جآت ضعيفة، فأنها تقوى قليلا قليلا بالتعاهد والتزييل والإفلاح الذي قدما (منه ما) فيه كفاية، ونحن نتمه فيما بعد، قال هذا التدبير أصلح للكروم الحديثة المغروسة، وإما من يدعها حتى تأتي عليها السنة الثانية (وتعرض الثالثة) فان نباتها يبطئ، ويؤل أمرها في ذلك البطىء إلى ضعف، وتكون تلك التي في اؤل الثانية قد مضى عليها سنة ، فقد نمت وقوية وانتثرت بعض الانتشار، فإذا مضت السنة الثالثة ودخلت السنة الرابعة كانت التي قد حولت وغرست موضع قصدها قد قويت ونمت وزادت وأسرفت وانتشرت انتشارا صالحا جيدا ودخلت في عداد التي يقال عليها (إنها كروم)، وتكون التي حولت في أول الثالثة اضعف واقمى واقصر واصغر وانقص. وهذا شيء ترونه عيانا لا يمكنكم دفعه. فان إسراع نمو الغروس (بسرعة في نباتها) حتى يمكنكم اذا حولتموها في أول السنة الثالثة نمت ونبتت بسرعة وقويت مع سرعة نباتها، لأن من كره تحويلها في السنة الثانية إنما كرهه لأنها تنبت ضعافا ثم تقوى قليلا قليلا. فإذا أحببتم ان تحصل لكم سرعة نباتها مع قوتها وان لا تضعف الضعف المخوف، فقد وصف أنوحا وماسي السوراني لذلك شيئا يعمل فيه بخاصية فعل فيه وله، وهو ان تأخذ من حمل البلوط قدرا كافيا، فينقى ويقطع في قدر الباقلى، وتجعل في (أصل كل) غرس يغرس من ذلك شيئا يكون ملاصقا لأصله، واحدة من ذلك المقطع أو اثنتين أو ثلثة، قالوا فانه يشد الغروس ويقويها تقوية ظاهرة، قالا جميعا. طامثرى فقد وصى بهذا أيضا، فانه أجود من البلوط، قال: يؤخذ من حب الكرسنة، فتنقى مما يخالطها وتكسر في الهاون حتى تصير الحبة بأربع وخمس قطع ونحو ذلك، وينثرونها حول أصول الغروس ثم يطمون التراب عليها. (وأنا أرى) ان تخلط هذه مع البلوط وتلقى في أصول الغروس، فانه يكون أوكد. قال وان طحنت الكرسنة وغبر بطحينها الغروس مخلوطا بقليل من أخثاء البقر مسحوقا، قواها ذلك وأسرع نباتها مع تقوية ظاهرة.
فاما ما وصى به صغريث في هذا الباب فانه قال : يؤخذ من تبن الباقلى جزوء ومن تبن الشعير مثله ومن تبن الذرة مثله ومن خشب الكرم مرضضا بالعصى مثله واخثاء البقر مثله فتخلط كلها وتضرب بالخشب الطوال حتى تصير، رميما وتطم بها أصول الغروس وفوقها التراب. قال فان هذه اذا عفنت في أصول الغرس نفعتها منفعة عجيبة وقوتها تقوية كثيرة، وذلك ان هذه الاتبان تسخن شديدا اذا عفنت فتسخن الغروس فتنتفع بذلك. قال صغريث : وهذه تطرد عن الغروس الهوام اذا خلط بها شيء من ورق الخردل النابت، يخلط بها منه جزوء مثل اجزايها.
فاما ما أمر به ينبوشاد فانه كان ابلغ الإعمال في العلاجات قال: يؤخذ اخثاء البقر رطبا أو يابسا فيبل ببول الحمار أو البقر أو الناس أو الغنم المعزى منها، أي هذه حضر وسهل، وتلطخ بها أصول الغروس الظاهرة منها، لا التي تحت الأرض، (قال فان) هذا مما يقويها وينعشها ويطرد عنها الهوام الذي يكون في فروعها وعند أصولها. قال وان خلطتم تلك الاتبان التي وصفها صغريث بأحد تلك الابوال كان ابلغ لعملها. وان خلطتم هذه كلها، الأول الذي وصف صغريث والثاني الذي وصفناه نحن، كان أجود وابلغ عملا. قال وان عازكم احد هذه الأشياء أو أكثرها (فانه يلطخ) الكروم كلها، حديثها وعتيقها والقضبان التي لم تنبت منها والتي قد نبتت، وكل صنف ونوع منها، باخثاء البقر الرطب مع بول البقر، فهو مما يصلحها وينعشها ويقويها ويزيد في نموها وانتشارها ويجود حملها ويكثره، فان اخثاء البقر اذا خالط بولها وجف على الكروم أو عفن في أصولها لمخالطة الماء له والتراب حدثت منه رايحة تطرد الفار أولا وغيرها من الهوام، وخاصة الدود المتكون في الكروم (الذي له) فم واسع، فان هذا الدود يتولد في فروع الكروم وخاصة الغروس الحديثة، ثم يدب إلى أصولها فيأكلها حتى يقتلها بذلك، فتجف أو تصير هشيما وفرعها اخضر يوهم من يراه انه حي كما كان، ثم يصفر لونه قليلا قليلا حتى يجف. فهذا الذي وصفناه يقتل هذه الدودة وغيرها من الهوام.
وهذه الأشياء الموصوفة ليس تنفع الغروس وغير الغروس هذه المنافع التي ذكرناها فقط ، بل تزيد على ذلك في المنفعة لها وفي الثمرة ، إما في تكثيرها وإما في كبرها وكثرة مايها، وإما في تجويد عصيرها. (وقد وصفنا) لتجويد العصير وتكثيره أعمالا تعمل بالكروم وبثمارها حتى يكثر العصير ويجود مع ذلك، ونحن نأتي على ذكر هذا (فيما بعد) ذكرا مستقصي، لكنا نذكر ها هنا بعضه.
أن ينبوشاد كان رأيه أصلاح جميع المنابت على العموم إن يكون ذلك بشئ منها أو بأشياء يخالطها شيء منها، فوصف لتكثير عصير العنب ان يجمح حب العنب أو حب الزبيب، وكلاهما واحد، ويرضض ويجعل إلى جوانب أصول الغروس أو غيرها من الكروم العتق، قال مرة يطم ذلك بالكف في أصولها، وقال مرة أخرى يجعل إلى جانب أصولها، فيعمل ذلك فيها عملين : يسرع إدراك ثمرتها ويكثر ماءها، فيكثر بذلك عصيرها ويبقى العصير مع هذا فضل بقاء فلا يتغير. وهذا وأشباهه مما يعجب أكثر الناس منه، فلا يؤمنون ان كفا من عجم الزبيب يؤثر في الكروم مثل هذا، وقد تستغنون عن الشكوك بأن تجربوه، فإنكم تجدونه عيانا صحيحا، فقد جربنا أنا أخذنا عجم الزبيب وحفرنا في أصول الغروس في الأرض مقدار إصبعين فقط ونثرنا في ذلك الذي حفرناه كفا من العجم وطممناه بتراب غير ترابه بمقدار ما أخذنا منه من التراب وسقيناه بعقبه الماء، وفعلنا ذلك بعد أيام كثيرة ثانيا وفعلناه ثالثا، (فرأيناه عيانا) انه أسرع نباتها وأسرع حمل الحامل منها وإدراك الحمل في زمان هو اقصر، وقواها في نفسها، وكثر الماء في العنب. وأبين ما عمل في هذا انه ادخلها في الحمل قبل حينها، فعلمنا ان خاصيته إسراع الحمل . وجربناه مرة أخرى ان أخذنا كف زبيب كما هو فطمرناه في أصول الغروس ووالينا ذلك إلى أربع مرار في كل مرة، بين كل واحدة والأخرى، نحو ثلثين يوما، فلما دخل وقت الثمرة، وهو فصل الربيع، طلع الحمل فيها مع الورق. وان خلط هذا الزبيب أو العجم بشيء من قضبان الكرم وورقه مدقوقا مخلوطا معها، وتضعونها بحيث وصفنا، فتبكر في الحمل وتدرك ثمرتها بسرعة وتبلغ بلوغا محمودا. وإدراك الثمرة بسرعة (لا ينفح) بكورها وتعجيلها الحمل، وذلك ان بكورها في الحمل قبل حينها ربما ضرها في بعض الأحوال، لا في كلها. فأول ضرره بها في ذلك انه ينقص من حملها فيما بعد ذلك من السنين نقصانا بينا ويضعف بدن الكرم حتى يحوج الفلاحين إلى كثرة تعاهده بالتزييل والتنبيش والطم بعد النبش والهز وما أشبه هذه التي وصفوها لتقوية ألكرم، ولأن يقل تعبنا في كل شيء أحب ألينا من ان يكثر. وأيضا فانه في السنة الثانية بعد أول سنة، اذا حمل فلا بد ان يكون عنبه صغارا ألطف من الذي سلف، وربما كان مع ذلك اقل، وهكذا يكون لا محالة.
وقد يؤثر على الكرم آثار من الضرر غير هذه التي عددناها. وإسراع بلوغ الثمرة ونضجها انفع لنا من إسراع البكور في الحمل قبل حينه . وفي الجملة فكل شيء يجيء في وقته الذي ينبغي ان يجيء فيه من جهة طبع الزمان وتقدير فعل الطبيعة فهو أجود وأصلح واحكم، الأ ان الناس ربما احتاجوا في وقت إلى إسراع الدخول في الحمل، إما في النخل والشجر والكروم أو غير هذه مما له ثمر، فيحبون ان يكون ذلك، إما لحاجة إليه، وإما ليروا ذلك استظرافا وتعجبا من حكمة أفعال الطبيعة. ثم رجعنا إلى تعديد ما وصفوا في ذلك.
قال ينبوشاد: ومما يقوي الكروم الحديثة والغروس اؤل غرسها، خصوصا لهذه، فهو ان يؤخذ ورق الكروم فيجمع ومعه من معاليقها ما هو نابت في الأغصان مع الأغصان ويخلط به من ورق القرع وورق اللوبيا وورق الخطمي، ويجعل الجميع في الشمس حتى يجف جيدا ثم يضرب حتى يصير هشيما، ويلقى عليه من زبل الحمام وخرو الناس، شيئا صالحا، جزوء، وجزوء مثله من اخثاء البقر، ويخلط الجميع ويجعل في شبيه الخندق ويرش عليه الماء ويبول الاكرة عليه، أو هما جميعا إلى ان يتغير لونه وريحه ويبسط حتى يجف، ويخلط به تراب الكناسات والمجموع من الطرقات وفيه الليط والازبال، ويلقى عليه من تبن الكتان شيء، ويخلط الجمع جيدا ويضرب ضربا شديدا ويقلب ويخلط حتى اذا صار شيئا واحدا ترابا سحيقا فلتغبر به الكروم الحديثة والغروس القريبة العهد، وتنبش أصولها ويجعل منه عليها ويطم ذلك بالتراب ويتبع بالسقي وينثر منه على الماء إذا وقف في أصولها، حتى اذا شربت الأرض الماء حصل ذلك في أصول الكروم وفيما قرب منها من السواقي واحدث في التربة قوة نافعة للكروم جدا.
وما ينبغي لأحد ان يلومني على العصبية لينبوشاد وكثرة الثناء عليه وتصويب آرايه في كل شيء، فلقد كان بليغ الفكر تام العقل واسع الحيلة فانه قال: وما بكم، معشر الناس، حاجة إلى كثرة المعاناة لإفلاح المنابت، إذ كان هاهنا شيء واحد ينوب عن هذه الاعمال كلها، وهو التلويح بالنار لجميع المنابت، صغيرها وكبيرها وقويها وضعيفها وفاسدها وصالحها، فجربوه تجدوه عجيبا. فان كشفت لكم التجربة منفعته فذلك، وان أحببتم معرفة ذلك بالقياس قبل التجربة، فانا أخبركم به.
الا تعلمون ان هذا العالم الارضي هو عالم البرد واليبس، لأن الغالب عليه، بل هو كله، منهما، اعني البرد واليبس، لأنه من الأرض والماء الباردين، احدهما يابس والآخر رطب، وانه لولا ترويح الهواء له والماء فيه وإسخانه رقيقا وأسخان الشمس اسخانا شديدا. إسخان الكواكب بالليل والنهار اسخانا متوسطا، لما افلح فيه نبات ولا عاش حيوان ولا كان فيه معدن. فنحن نشاهد ان هذا الاسخان هو الذي يحييه، وموته ضد حياته، فينبغي ان يكون (ما يميته) من ضد ما يحييه، وضد ما يحييه هو البارد، ان هي العلل والأمراض للحيوان والنبات، فقد فات الموت والبطلان، فيجب أن يكون بروه من إمراضه بالاسخان الذي هو مادة حياته، وأن يكون هذا الاسخان أقوى من إسخان الشمس الذي هو أقوى الاسخانات الثلثة. وقد يمكننا ذلك بإدخال إسخان النار عليه في وقت يصلح إدخالها، فانا أذا أسخناه بالنار اسخانا باعتدال وكما ينبغي وعلى الموافقة بلا خطأ ولا زيادة، أنعشه ذلك وأحياه ودفع عه الآفات وصرف عنه العاهات وكان فاعلا فيه أفعالا هي ابلغ من أفعال الازبال والاتباز والإفلاح وضروبه. ولكني أشير على فاعل ذلك أن لا يعمله وهو غير عارف بعمله على حقه، وليس بصعب في العمل والمباطشة، لكنه صعب في العلم وكيفية إيصال الا سخان إلى شيء من المنابت، فان لكل واحد منهما سياقة ينبغي أن يعرفها الفلاح حتى يعملها على الصواب، فانه أن اخطأ اتلف ما يريد أن يحييه، فان أصاب أحياه. فلذلك قلنا انه سهل في العمل صعب في العلم، وليس بصعب الأ على اهل الجهل به، وذلك انه ليس إسخان الهندبا مثلا، حتى يصلح وتزول عنه العوارض المتلفة، ما إسخان الكروم، ولا إسخان الكروم مثل إسخان النخل، ولا إسخان شيء من المنابت على كثرتها متساو، ولا العمل في ذلك لها كلها عملا واحدا، فصعوبته من هذا الوجه، ولا أسخانه (لينمو ويفلح) مثل أسخانه لتزول عنه آفة قد عرضت له ، ولا أسخانه لأحد هذه وغيرها في زمان دون زمان متساو، بل في كل زمان عمل ما بعينه، ولا أسخانه ليسرع الدخول في الثمرة مثل إسخان لغير ذلك.
وفي الجملة، فلكل معنى يقصده الإنسان في احد المنابت عمل ما بعينه ومقدار ما من الاسخان بعينه في مدة من الزمان بعينها من الإسراع والبطا وبنار بعينها، وغير هذا الذي شرحناه، فيحتاج الفلاح إلى أن يعرف هذه المخالفات والموافقات، فيكون عمله بحسبها.
وفي إدناء النار (لشئ شئ) من المنابت مخالفات أيضا، فان بعضها في بعض أحواله يحتاج إلى بلوغ النار له على بعد ما وبعض يحتاج إلى أن تكون النار فيه اقرب من ذلك وآخر ابعد، وآخر ا يحتاج إلى مماسة النار لأصله ، وبعض يماس بعض أجزأيه مماسة ما، وهذه المماسة استعمالها قليل، وإنما هو لما كان من المنابت قويا عظيم الجثة، مثل النخل والشجر العظام من الصنوبر وشجر والجوز والبلوط وما أشبه هذه.
واستعمال النار لهذه المنابت إنما هو لدفع الآفات عنها، فانه قد يعرض لها من الأمراض كإمراض الحيوان تؤديها إما إلى التلف البتة والبطلان وإما إلى الوقوف عن الثمرة والنشو وألنمو، وان يراها الرأي في الظاهر سليمة، ويستعمل أيضا لها لإسراع الثمرة والدخول فيها، أنا تأخرت في ذلك وابطات . وربما استعمل في بعضها اتصال السخونة بالمرايا المحرقة، وهو خصوص لأشيات بأعيانها في أحوال بأعيانها. وهذا الاسخان فهو إما خلقا من إسخان الشمس وإما معونة ومادة وزيادة على أسخانها لزيادة الضرر على النبات من البرد واليبس وغلظهما وفرط قبضه، فان هذه لا تزول الأ بالاسخان القوي الذي لا يفي به أسخان الشمس الأ في مدة، فانه ربما غلب الداء على النبات المضرور فاثواه وابطله قبل (إن) تقوى الشمس. على أسخانه الكافي في إزالة الضرر، فنحتاج هاهنا ان نزده نحن اسخانا بالنار لنزيل عنه بذلك ما اعتراه من ضرر البرد أو نقصت فيه الثمر. فهذا موضع إفلاحنا له بهذا إلاسخان بالنار، فان أصبنا في الفلاح له الوجه الصحيح السليم افدنا به الفايدة، وان أخطأنا في إيقاعه بما يوقعه عليه خسرنا خسرانا بينا.
وأعجب ما في هذا الباب وأصعبه انه ليس تجري انرع الكروم في هذا مجرى واحد ، فتمييز هذا فيه الصعوبة ، وتمييزه تابع لطعوم انرع الكروم، فان الحامض له سبيل ما والمر يخالفه والمحلو له ء حكم ما (والتفه يخالفه). وعلى هذا النحو وشبهه.
واعلموا ان القدماء كلهم لم ينكروا شيئا من هذا المعنى مفصحين به، (مثل مرمور مغمور) في جملة كلام طويل، وخاصة التلويح لبعض المنابت بالمرايا المحرقة، تنقل الضو بدلا من شعاع الشمس . وهذا عمل لا يتم الأ لمن يفهم الهندس والمقادير فهما تاما، فيمكنه ان يزيل عن أشياء من الشجر والكروم والنخل عوارض ردية تعرض لها بسرعة . فأنهم ما كشفوا علاج شيء من المنابت بالنار ولا بالمرايا لضنهم به، (وانه لمكتوم) من إلافلاح وسر من إسرار الفلاحة. ونحن فقد كشفناه هاهنا كشفا بلا شرح، ليلا يعينا العايبون ويغتابنا المغتابون، لو قد شرحنا وفعلنا ذلك، هو لعلمنا: ان ذوي العقول الراجحة يفطنون من هذا الاقتصار، فيعملون مثل عمل من شرح له وطول وتكلم له بالإكثار. ولا ينبغي ان يعيب علينا عايب قولنا ان أعجب ما في هذا الباب وأصعبه أنه ليس تجري أنوع الكروم مجرى واحدا في هذا، ثم قلنا ان تمييز هذا فيه صعوبة، وقلنا ان تمييزه (تابع لطعوم) أنواع الكروم ، فان علينا في هذا مسئلة، ان يقول قايل:لَمِ صار إمراض ألكروم و إعراضها بالغين تنويعا، وأنواعها تابعة للطعوم، فيكون حكم الحامض غير الحلو وحكم المر غير حكم التفة؟ فان الوقوف على صحة ما قلنا من ذلك سهل جدا، وذلك ان ألطعوم إنما فعلت بحسب علة الطبايع، على ما بيناه فيما تقدم من هذا الكتاب عند ذكرنا العلل في ألأشياء، وان ذلك كذلك، والمرض وزواله إنما هو من الطبايع، وكانت الطعوم في اختلافها عن الطبايع، كان الاختلاف في الأنواع من قبل الطعوم ثابت كاين صحيح، إذ هي من الطبايع.
ومن الشاهد على صحة ذلك، وهو مما يزيده تأكيدا، ان طامثرى وصردايا وانوحا وماسي السوراني قالوا انه ليس ينبغي ان تغرس أجناس الكروم وأنواعها مختلطة، فإذا كانوا قد نهوا عن غرسها مختلطة، والغرس دون المرقع في الطبع من إزالة الإمراض والإعراض المتلفة، فماذا ينبغي ان يكون من المخالفة بين الانوع في قبول الإمراض المؤدية إلى التلف، هذا اكبر موقعا وأعظم قدرا، وذاك أنهم لما نهوا عن غرس أنواع الكروم مختلطة، قالوا في ذلك، وخاصة ما كان عنبه ابيض، فانه لا ينبغي ان يغرس مع غيره، وإنما يقنون بذلك: لا يغرس قضيبين أو أربعة، اثنين منها من كرم يحمل عنبا ابيض واثنين من غير ذلك. وأيضا فانه لا يجب ان تغرس متجاورة، فان في تجاورها ضررا من بعضها لبعض، وذلك الضرر هو ان غير الأبيض يضر بالأبيض. وهذا فإنما كان من اختلاف وتفاوت طبايع الكروم، فإن الناس يتوهمون ان أنواع الكروم متقاربة كتقارب أنواع ساير ذوات الأنواع، وذلك أنهم يعتقدون تقاربها من حيث لزم وقرب الشبه بين تلك الانوع، وليس كما يظنون، لأنها مع تشابهها وتقاربها مختلفة بأدنى شيء اختلافا كثيرا، فلذلك ما تكون كلها على غير طبيعة واحدة، فإذا تفاوتت في الاختلاف خلاف تفاوت المتقاربات كلها كانت شديدة الاختلاف (واختلفت أحكامها اختلافا كثيرا. ولهذا الاختلاف) بين أنواع الكروم أسباب أوجهها قوية، منها تفاوت أوقات إدراك ثمارها، فان منها ما يدرك في حزيران، ومنها ما يدرك في تشرين الثاني، وبين الوقتين خمسة أشهر، ثم قد يدرك منها نوع بعد نوع فيما بين هذه الأشهر في أوقات مختلفة. فهذا اختلافها في أوقات النضج والإدراك بهذا التفاوت. وقد تختلف بحسب ألوانها اختلافا كثيرا، فمنها الأبيض في الغاية ومنها الأسود في الغاية وفيها بين هذين من الأحمر والمورد والأشقر، فما بين هذه الألوان، فان الأشقر منها ألوان ، وكذلك الأحمر وكذلك المورد وكذلك الأسود ، والأبيض أيضا ألوان، وفي الأبيض ما يشوب بياضه خضرة، وهذا ألوان، اعني المشرب بالخضرة. وقد تختلف مع هذا الاختلاف في الطعم واللون أبيض. فيكون منها الحلو والحامض والمر والتفه والقابض الشديد القبض والخفيف القبض والعفص قليلا وكثيرا. وقد يكون في بعض العنب الخفيف وفي بعضها الثقيل، وبعضها أثقل من بعض ومنها ما يتعجل فساده وبعض يتأخر ذلك فيه. وتختلف أشربتها اختلافا، هو أكثر من ان نحصيه. فلهذه الاختلافات كلها ما يوجب ان يختلف إفلاحها وعلاجاتها من إمراضها وردها من تغيراتها إلى الحال التي تغيرت عنها، فلهذا لا يجب ان يخلط جنس منها بغيره ولا نوع بسواه. ويعرض (من اختلاطها) من الضرر ان إصلاح هذا الذي يصلحه يضر بغيره، لأجل هذا الاختلاف في الطبع والتفاوت في النسخ، ولا بد اذا اختلطت من ان يضر الاردى بالأجود. وأكثر ما يضر (من اختلاطها) اختلاط ثمارها للعصير، وذلك انه اذا خلط عنبها مع غير مشاكل له وعصرا جميعا خرج ذلك العصير سريع الفساد مختلف الطعم، وخاصة ان خلط العنب الأسود بالأبيض وعصرا جميعا، فان هذا العصير لا يفلح ولا يجيء منه شيء، وكذلك ان غرس هذان في موضع الغرس، فان بينهما مضادة طبيعية لا استقرار بينهما.
وينبغي أن يحذر أيضا حذرا عظيما ان يخلط العنب الطالع في الكرم مبكرا والطالع في كرم حمل غير مبكر، فان هذين كثيرا (ما) يتفقان في زمان واحد وبينهما مخالفة البكور للتأخر. وينبغي ان تتوقوا جهدكم دوس الأعناب في آخر النهار، من تسع ساعات تمضي من النهار إلى غيبوبة الشمس ثم اذا مضى بعد غيبوبة الشمس ساعة، فليدس العنب ويستخرج العصير، فانه يكون بالليل أجود.
وكلما نخبر به من هذا فلم نقله الأ عن قول القدماء فيه على نحو ما قلنا وأكثر، حتى ان ماسي السوراني قال: ان من شدة وسرعة تغيير طباع الكروم ان بين الكروم التي كان أصل غرسها في الحفاير المتفرقة وبين التي غرست في الخنادق الطوال فرق، وذلك الفرق قال إنما حدث لاختلاف الأرضين ولاختلاف النصبة، لأن الأرض التي يصلح ان تغرس فيها الكروم في الحفاير لا تصلح ان تعمل فيها الخنادق، وكذلك الأرض التي تصلح للخنادق لا يجوز ان تحفر فيها الحفاير. وذاك ان الحفاير تعمل في الأرض التي هي أطيب، التي لا تحتاج إلى كثير إفلاح وتعب ولا ماء كثير، بل تكتفي لطيبها منه باليسير. وإما الأرض الجاسية (أو غيرها) مما قد قلنا إنها لا توافق الكروم كثير موافقة ولا مخالفتها لها مخالفة متلفة، فهذه تحفر فيها الخنادق وتغرس فيها الكروم . ومن الأرضين التي تغير طباع الكروم أيضا الأرض التي ليست نقية. فإذا كان بهذا المقدار من اختلاف الأرضين تختلف طباع الكروم المتشاكلة، فما ظنكم بها اذا اختلفت من وجوه هي أكثر من هذه؟ فان ماسي السوراني قد أكثر في اختلاف وجوه مخالفات الكروم حتى انه ذكر ان اختلاف الخنادق التي تغرس فيها الكروم ربما غيرت بعض الكروم المتساوية المتوافقة، فقال: وأنا أخبركم كيف تحفرون الخنادق التي لا تخالف فيها الكروم بعضها بعضا. ينبغي ان يحفر الخناق طويلا ضيقا، أما طوله فعلى مقدار الموضع الذي تريدون غرس الكروم فيه، وإما عرضه فليكن مقدار قدمين وعمقه مقدار قدمين، ولا تكون حافاته مشرفة على عمقه، بل تكون غير مشرفة، ويرش في عمقه على كل ذراعين كف ماء. فإذا أردتم وضع الغروس فيها فابتديوا بأسفل الخندق واحفروا فيه حفيرة عمقها شبر ونصف، وذلك هو موضع القضيب بعينه، ثم سوقوا الغروس على هذا، فإذا مضت سنة وابتدأت الثانية دخل، فخذوا من التراب الذي يجاور الخندق الذي فيه الغروس، وهو التراب اليابس الذي هو فوق الأرض، شيئأ صالحا فطموا به مواضع من الخندق، اعملوا في كل خندق مما يجاوره هذا العمل، وطموا فوق ذلك التراب احد الازبال التي وضعناها لإفلاح الكروم، ثم طموا فوق الزبل من ذلك التراب اليابس قليلا خفيفا، وبلغوا بالتراب والسرجين إلى أصول الغروس وباقي فتوح الخنادق حتى يستوي سطحها مع سطح الأرض التي تجاورها.
والوقت الذي يعمل فيه هذا هو وقت ينبغي ان تكسح (فيه الكروم) بالحديد ، والغروس وغيرها. وقال ماسي السوراني: وقد كان سيدنا دواناى يقول: لا ينبغي ان تكسحوا الكروم بالحديد إلى ان يمضي لها سنتان ويدخل في الثالثة شهور، ولا تكسح قبل هذا البتة، فانه يضرها، لأنها ضعيفة لا تقوى على حرارة الكسح. قال ماسي: ثم ان اهل بلادنا جربوا ان كسحوا في السنة الثانية فلم يضر ب الكروم شيئا ، بل نفعوها بذلك، فجروا على عمله. والأمر كما قال دواناى صحيح إنها في السنة الثانية تضعف عن الكسح، فربما ضرها (لأجل طبعها)، وان طبيعتها لم تقو بعد ولا تمكنت. الأ ان فلاحينا حذاق جدا بكسح الكروم، فان حذقهم منع من وقوع الضرر، هكذا يقول الفلاحون.
واعلموا ان بعض الخنادق وان غيرت طباع الغروس فإنها ينبغي ان تستعمل دايما في الأرضين المكتنزة، وهذه هي الدسمة في الأكثر، فان هذه الأرض يصير فيها بهذه الخنادق تنفس. فذلك الفرق بين هذه الغروس والغروس المحفور (لها الحفاير)، ولا تصلح لهذه الحفاير التي بينها تراب منقى غير منبوش، اللهم الأ ان تستعملوا الحفر كما اصف لكم، فانه يؤمن غايلتها على هذا، وهو ان تحفروا الحفاير واسعة قليلا مستديرة ما أمكن وبعمق فضل على مقدار قدمين وأرجح قليلا، ويكون فتحها ثلثة أقدام، ثم تغرس فيها الغروس على هذا وتطم بالتراب على ما وصف ادمى، فهو احكم ما يعمل، ثم يلقى في طمها السرقين وتطم كما تطم الكروم المحتاجة إلى الطم و. يكبس طمها البتة، بل يطرح طرحا بلا كبس ليدخل الهواء من خلله إلى الأرض. هذا آخر كلام ماسى.
قال قوثامي: فهذا ما وصفه ماسى، وقد كان فلاحا ماهرا (جيد العقل). ولكي لا بد أن أقول ما عندي، لا رادا على ماسي، لأن الذي وصفه نهاية في الجودة وإفلاح الغروس للكروم، لكنه يعجبني واستصوبه كثيرا ما قال (سيد البشر) دواناى، فانه قال: أفضل (الغروس للكروم) ما غرس في أرض قد حفرت كلها وقلبت قبل الغرس بشهر، ثم إنها تتراوح يومين وثلثة، ثم تغرس فيها الكروم. وقد يشبه ان تكون أقوال دواناى في كل شيء فوق كل قول، لأن (قولوشوشا، رسول الشمس)، اخبرنا في كتاب أسرار الشمس ان عقل دواناى ونفسه ليس كعقول أبناء البشر ولا كأنفسهم لفرط عناية الشمس به. ولو كان إلى استعمال الحق لكان ينبغي ان تجعل أرأوه وإحكامه أصولا يرجع إليها، (فنجعلها إحكاما) يقتدي بها ولا نشك في صحتها. وأنا افعل ذلك كثيرا في كل ما أتكلم به، لكن ليس له في المنابت والفلاحة كثير قول ولا له حكم ولا له في الفلاحة كتاب مجموع فيه إفلاح ولا عمل، وإنما كتبه كلها في علم الفلك وما فيه من الكواكب وعلم الطبايع والعناصر، وإنما التقط من كتبه ما فيها من كلمة بعد كلمة في شيء من المنابت، كما كان يجره الكلام، فأتى به، (فأجده في) نهاية الصحة. ودواناى مع علو منزلته وعظيم مرتبته في قلوب الناس (وكثرة فوايده للناس) ليس يسلم من ناقص العقل يغمز عليه جهلا بلا معرفة ولا تمييز، حتى ان بعض أتباع اشيثا الذين غمزوا (جهلا وحمقا)، ربما انحرفوا عن تعظيمه الواجب على الناس جميعا انحرافا لا يضر دواناى ولا له قدر ينقص من منزلته، وليس سبيل العدو، إن كان له أدنى مسكه، ان يؤثر على عدوه الأ أثرا يساوي شيئا) أو يقدح في عدوه ، فإذا لم يمكنه فالسكوت أحسن وأجمل، والأ وضع من نفسه.
وإنما (كنا في) هذا، لأنا قد حضرنا في يوم (عيد ذكران) دواناى في هيكله ببابل، فلما أبرزوا: صنمه وسجدنا كلنا له، رفعت رأسي فإذا رجل من كبار اهل شريعة اشيثا، لو سميته لعرفتموه، لكن لا أحب ان اسميه، معتزل في جانب الهيكل ناحية من الناس، ماسك انفه اليمنى، وقد وضع كفه ألأيسر تحت انفه، يوهم بذلك ان قد انبعث الدم من انفه، فلم يسجد للصنم من أجل ذلك. ففطن بعض الحاضرين لذلك منه، وأكثرهم لم يفطن، ودعا بماء وضع بين يديه فرارا من السجود لصورة دواناى، لأن اشيثا لم يحضر على صومه ولا على ذكرانه في الصوم والذكرانات0 بل سكت عن ذكره وذكر شيء من ذلك، لا ادري على أي سبيل كان ذلك منه. فتأوله أقوام على اشيثا تأويلات مختلفة، فاستحمقنا جميعا هذا واستجهلناه في فرط عصبيته لأشيثا وانحرافه عن دواناى، فكان مثله في ذلك مثل الفلاح الذي زعموا انه زرع شعيرا وحنطة بستة أجربه، فلما بلغت وأستحصدت وقع عليها الكلب المخاطي الخارج والمتكون من عفونة الأرض فلحسها كلها واتى عليها في يوم وليلة، كما قالوا، في نحو ذلك أو أكثر. فلما رآها كذلك ضرب في بقية التبن النار ثم اخذ من الغد عصا طويلا غليظا فجعل يضرب تلك الأرض ويقول: (وحق الشمس، لا زرعت فيك شيئا ابدا ! أخرجت كلابك حتى أكلت زرعي وذهبت بنفقتي). ثم انه تعب من شدة ما ضرب الأرض، فطرح نفسه وجعل يلهث. فقال له بعض من حضره: (لقد أتعبت نفسك، يا فلان، بما لا معنى له وأشتفيت في هذه الأرض المقلوبة). فكان مثل هذا الرجل الذي اعتزل عن السجود لصورة دواناى مثل ذلك الفلاح الذي ضرب الأرض حتى كان عنده انه قد اشتفى منها.
باب من التعليم لغروس الكروم
وتوابع لذلك وأشياء سبيلها ان تلحق بها من إفلاحها.
اعلم ان الكروم كلها، عتيقها وحديثها، محتاجة إلى التعاهد والتفليح . فاذا حفونا حول كرم عتيق قد جاوز العشرين سنة أو دون هذا أو فوقه في السنين وزبلناه ببعر الغنم وخرو الحمام وإخثاء البقر وطمينا أصله، كان لنا في ذلك منفعة كبيرة من ذلك الكرم. فان فعلنا مثل، لك بالكروم الحديثة القريبة العهد كان ذلك انفع وأجود وكثر ربحنا ومنفعتنا. وقد قدمنا من ألكلام على غروس القضبان المحمولة من الكروم في موضع الغروس شيئا صالحا، ونحن نزيد ذلك بيانا وشرحا يكون فيه تماما لما تقدم، فنقول:
انه ينبغي لمن أراد غرس القضبان المكسوحة من الكرم، لا التي فيها أصول، بل التي تغرس لتعرق من عيونها، ان نختار قضبان فيها فضل طول وتكون من كرم قوي حديث غير عتيق، وتكون من كرم قد أتت عليه عشر سنين ونحوها إلى الخمسة عشر سنة. ولتكن قضبانا مأخوذة من الجانب الأسفل من جوانب الكرم، مما يكون مرتفعا عن وجه الأرض بمقدار شبر واحد، فإذا أخذت تلك القضبان فليحفر لها موضع غرسها خندق، كما قدمنا من الصفة، وان يجعل القضيب الذي يغرس موضوعا على أرض الخندق، ويغيب في التراب من أعين القضيب ثلثة أو أربعة، فهو أجود، ويطم ما قلنا انه يغيب من أعين القضيب بالتراب، وهي أربعة أعين، ويبقى له فوقه أربعة أعين أخر مكشوفة. فان كان فيه فضل حتى تبقى عيون أخر (مكشوفة / فوق تلك) كان جيدا صالحا، وان كان ثلثة فأجود، وان كان في القضيب فضل طول فينبغي أن يغيب بعضه في الحفر ويترك بعضه مكشوفا في الفضلة التي تبقى منه فيها كفاية، فليطم في موضع آخر من الخندق. وهذا يعمله من يريد ان يعمل القضيب أصلين ويعرق في موضعين، فينبغي ان لا يعمل هذا على هذه الصفة كثيرا، فان قضيبين لكل واحد منهما أصل أجرد من أصلين لقضيب واحد، وقضيب واحد اذا غرس فانه ربما عرق في موضع الاتصال بينه وبين الكرم الذي أنترع منه أكثر ذلك، وربما عرق من عين من عيونه التي تطم في الأرض، فتعريقه من موضع الاتصال أسرع لنباته وأجود لنشوه، وربما عرق القضيب وعمل أصلا من موضع عين من العيون، وان كانت مكشوفة. وإذا كان هكذا فينبغي ان يعمد الفلاح إلى ما يظهر من العيون في القضيب فيطمسها بظفره ويقلعها ليلا يطلع منها عروق، فيكون ذلك في غيرا لموضع الذي ينبغي ان يكون فيه، فان القضيب متى عرق في (العين المدفونة في الأرض كان ذلك كالشيء الطبيعي الجاري مجرى العادة، ومتى عرق في) غير ذلك الموضع (الذي ينبغي أن يكون فيه) كان كالشيء الجاري على غيرا لمجرى الطبيعي، فلم ينتفع به.
وقد كان بعض الفلاحين يتفقد القضيب الذي يريد غرسه، فيغيب منه في الأرض عينين أو ثلثة، ثم ينقي باقي العيون وينحيها ويقلعها ليلا يطلع منها ما سبيله ان يطله من العيون المطمورة، فلا يدع عينا مكشوفة الأ قلعها بظفره واذهب بها ومحاها. وكان أيضا يميز بين عيون القضيب بكثرة التفقد، فيغيب في الأرض منها ما يغيبه، أما عينا أو عينين كبارا مفتوحة جيادا، الأ إنها اخلق ان تطلع منها عروق جياد كجودتها متمكنة، فيكون ذلك أجود في العاقبة. وذلك ان إلاواخر إنما تكون بالاوايل، معنى ذلك إن الكرم أذا ابتدأ من أول أمره بجودة النبات نبت نباتا محكما وابتدأ بتعريق كثير متمكن، فكان ذلك ازكى له وانمى واقوى إلى آخر أمره (وإلى وقت) استقلاعه الكاين بعد السنين الكثيرة. وكان هذا الفلأح يغرز إلى جانب القضيب إما خشبة أو قصبة غليظة مكينة ليتكي القضيب (عليها / اذا نبت)، فيكون في اتكايه عليها معونة له (في القوة)، فانه متى أعين معونات مختلفة انتفع بذلك في النشو مع اتكايه عليها، فانه يتقوم بذلك ولا (يخرج عن) الصف بالتعويج، فلهذا ينبغي ان يشد القضيب إلى الخشبة والقصبة الموضوعة إلى جانبه برباط من خوص النخل متصل بعضها ببعض مشققة دقاق، ويحكم رباط القضبان إلى الخشب والقصب فلاتزعزعه الرياح، فينفصل بعضه من بعض فيقع على الأرض، فان وقوعه على الأرض وبقاه عليها بعد ان قام ونأى عنها (يضر بها) اضرارأ عظيا. وأيضا فانه كلما مض عليه زمان وهو قايم (قوي عرقه) وتمكن أصله، فاذا انحط عن القيام المستوي ضعف أصله ولم يتمكن تعريقه. ويجب اذا مضى عليه سنة ودخلت الثانية ان تحرق إطراف ألقضبان المغروسة بكلاليب حديد، فان ذلك يسخنها ويقويها وتقوى على اجتذاب الغذاء من الأرض، فتغتذي به فتنشوا وتقوى.
وقد علمنا صغريث ان نضرب الكروم التي أتت عليهما ثلث سنين ضربات متوالية بصفحة الكلاب الحديد، وان تنبش أصولها بعد ان تضرب هذه الضربات المتوالية، وتطم يزبل من احد الازبال الموصوفة للكروم، فان هذا بعقب هذا الفعل ينميها ويقويها. وربما ترك بعض الناس القضيب متصلا بكرمته الذي ينبغي ان (ينتزع منها). فصغريث يرى في مثل (هذه ان) لا يفرق بينها وبين ألام ليكون الغذاء مقسوما بينهما. فاما ينبوشاد فانه قال : ينبغي ان تربى هذه القضبان على غير اتصال منها بالكره ة لتنفرد بالاغتذاء والتربيع ولا تؤذي إلام البتة، قال الأ ان تكون من الأصول المغروسة بأصولها، فان هذه سريعة النبات، وإذا نبتت جاد نباتها، فإنها غير محتاجة إلى كثير مما تحتاج إليه القضبان المحولة. فأما ما افلح من القضبان المحولة فانه يرجى ان يكون لها اصول، الأ ان دخولها في الحمل يتأخر، وربما كانت مع ذلك التأخر أجود، اذا عمل بها بعض ما قدمنا (ذكر وصفه) من إفلاحها والقيام عليها وتزييلها. والذي جربنا من حمل الغروس التي تغرس بأصولها إنما تثمر في ألسنة الثالثة أبطأه، وإلا ففي الثانية، وأما التي تثمر من القضبان التي حولت قضبانا بلا اصول، ففي السنة الرابعة أقربه، أو في الخامسة أبطأه. فهذا يكون على ما وصفنا، ان سيق هذه السياقة في العمل فإما في الكروم المحولة المغروسة وإما التي تحول بأصولها . وإما القضبان فان سبيل الأرض التي تغرس فيها على ما ذكرناه عن دواناى، ان تغرس في الأرض المقلوبة المحروثة كلها، لا (حفاير ولا خنادق)، فان دواناى أمر بذلك وأشار به واستصوبه، إلا ان له شرح وفيه كلام به تمامه. وذلك ان تلك الأرض، اذا قلبت وحرثت، فلتنق بعناية من جميع الدغل كله من النبات وغيره. والوجه ان تعمل بالسكك على طريق الحرث، فهو أجود. ويجب ان تثنى وتثلث وتدق بالمداق الخشب لينعم ترابها. فعلى هذا المعنى أمر دواناى بما أمر به.

وإنما اشرنا بدقها لينعم ترابها ليلا يبقى فيها مدر طين، فان هذه المدر الطين لا تصلح آن تكون في أرض يغرس فيها غرس ولا يزرع فيها زرع، لآن هذه المدر تقبل في الحر من الشمس حرا شديدا، فتحرق ما تماسه من الشجر والزرع، وتقبل في الشتاء بردا شديدا فتحرق أيضا بالبرد كما أحرقت بالحر. وهذا تفعله اذا قبلت الحر والبرد ولاصقت اصول الغروس أو ماست اصول الزرع، وهي (للزرع انكي)، لأن النبات كلما صغر كان اضعف مما هو كبير. وكذلك متى حصل شيء من هذه المدر في عمق الأرض فإنها حينيذ تسخن في الحر وتبرد في الشتاء، (فلذلك اشرنا) ان تقلب الأرض وتحرث حرثا، فهو أجود، (ثم تقلب، فهو أجود)، ويدق ما يظهر فيها من المدر الكبار والصغار جميعا . وأكثر ما تظهر هذه بالقلب، فاما اذا حرثت الأرض فإنها تتفتت بالحرث (وتنفذ الآلة) فتقلعها.
واعلموا ان التراب اذا قلب بالآلة التي تقلب بها الأرض فصار أسفلها أعلاها، فان الذي في أسفلها فيه نداوة وبرد، والذي على وجهها فيه حر ويبس. فاذا قلبت وصار الأعلى أسفل والأسفل أعلى واختلطا اعتدلت تلك الأرض وصلحت بهذا. فاذا ثنيت وثلثت جاد اعتدالها (وصلاحها وفلاحها) وأصلحها أيضا استخراج التراب المكتنز الذي في عمقها وغورها، وليس هو التراب البارد الرطب الذي ذكرنا بعينه، بل هو التراب الذي يكون تحت هذا بطبقة من أطباق الأرض، فانه لا بد من أن يثور من هذا الذي هو انزل في الأرض أشياء. وهذا يحدث له بموضعه تلبد شديد وتلزز. على ان القدماء قد فضلوا الترابين، المتلبد والمتلزز، من الترب والارضين، والآمر بينهما قريب، الأ ان (المتلزز اشد تداخلا هن المتلبد) ، وقد ظن قوم من اصحابنا ان المكتنز غير هذين الذين هما المتلبد والمتلزز، وبين هذه الثلثة فروق يسيرة جدا، الأ ان المتلبد والمكتنز متقاربان متواخيان، والمتلزز شي آخر، وان كنا قد قلنا ان (الأمر بين) الثلثة قريب، فهو كذلك، الأ ان الفرق بين المتلبد (والمكتنز، وبين هذين، وبين المتلزز) أكثر وأوضح من الفرق بين المكتنز والمتلبد والمتلزز.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب في ذكر الكروم

مُساهمة من طرف wara_qa في الإثنين سبتمبر 29, 2014 3:38 pm

باب ذكر كيف تزرع الكروم

وقد فرغنا فيما تقدم من الكلام على أصناف الارضين بما يفي عن اعادته هاهنا، لكن كما جرى الكلام لنا اليه.

وينبغي ان نجتهد في ان نسوي المواضع العميقة من هذه المواضع ما أمكننا ولا ندع في مجاورة الكروم مواضع عميقة. وينبغي أن تنفقد أصول الغروس اذا هي نبتت وامسكت امساكأ مستويأ وضربت العروق في الأرض، فتنفذ عروقها في اول السنة الثانية أو بعد شهرين منها، فانها لا بد ان تعرق عروقا إلى كل ناحية، مثل يمنة ويسرة وأمام وخلف، فنقطع من عروقها ما كان ظاهرأ على وجه الأرض بمنجل في نهاية الحدة، ليكون للغروس في أخذنا لهذه العروق من المنفعة ان تعرق في العمق سريعا وتتوفر قوتها على تلك الجهة، فيكون ذلك اسرع لنشوها واثبت لفرعها واصلها، وان الأصل الواحد للقضيب الواحد أقوى له وانمى من ان يتعرق ويتفرع له اصول مختلفة، ومتى كانت اصوله مختلفة تفرقت قوته وانقسمت على تلك الأصول، وإذا كان الأصل واحدا توفرت القوة عليه كلها وانصرف الغذاء اليه، فكبر وكبر القضيب بحسب كبره، فاسرع نشوه ونمى وانبسط.
وينبغي اذا مضى للغروس، (ايها كان)، سنتان، ان يحفر حولها بمقدار قدمين في عرض ثلثة اقدام ويطمر فيها ما قدمنا صفته من الزبل. ويخص الكروم المعرشة على الشجر ان يقطع شيء من الأغصان الطالعة من أصولها ويقطع أيضا شيء من أصول الشجر، ليلا تضيق على اصول الغروس وتوذيها، هذا ان اتفق ان ترفع غروس الكروم بين الشجر، فان كان بينها وبين الشجر بعد اثني عشر إلى الخمسة عشر ذراعا فهو أجود، فينبغي ان يترك الشجر، فانها ليس تضر بالغروس، واذا كانت منها على دون هذا البعد فينبغي أن يعمل في قطعها ما رسمناه. وقد يجب ان تحفر (الكروم المستحكمة) كما قلنا في الحفر حول الغروس في السنة الثالثة، فيحفر حول الكروم التي قد اتى عليها اثنتي عشر سنة فصاعدا، ويكون وقت الحفر حولها قبل ان تنبت الفروع، وتتكون فيها العناقيد، فانه ان حفر حولها وقد صار فيها عناقيد نقصت الثمرة وبطل أكثر من نصفها في بعض الكروم، فلأجل ذلك لا يجب ان تحرك الكروم بحفر ولا هز ولا تحريك، اذا دخلت في الحمل، بل تترك فلا يتعرض اليها، واذا حفرتم حولها قبل ذلك فتخلخلت الأرض وانتبش التراب الذي هو في اصولها كان سببا لزيادة الثمرة وحسنها، وتقوى الكرمة مع ذلك قوة عينية ويكثر اغتذاوها. ولا بد للكروم كلها اذا دخل نيسان من ان تنبت لها فروع، فيجب ان يترك الحفر إلى ان تقوى تلك الفروع قليلا، ثم يحفر لها.
ويجب ان يتوقى الذي يحفر الكرم من أن يجرح ساق الكرمة بالمعول أو بغيره من ألآت الحفر ويتوقى ان تصيبه الآلة أو تماسه على كل وجه، فان الكرم اذا جرح موضع من ساقه بآلة حديد ضعف ضعفا شديدا ونقص اغتذاوه فنقصت ثمرته، وربما صغرت العناقيد، فليحذر الصانع أن يقع شيء من الآلة على شيء من ساق الكرمة أو على بعض فروعها القديمة فيها. فاما ما حدث نباته في تلك السنة فهو سهل الأمر في هذا المعنى، الأ انه ليس بصواب أيضا ان يجرحه شيء أو يقع عليه، فينبغي أن يتوقى الصانع ان يصيب شيئا من جميع الكرمة، ما فيها من اغصان متقدمة وما حدث نباته في سنته، فان ذلك آحوط للكرمة وصرف الاذا عنها من كل وجه. وانما يكثر الاحتياط لها بسرعة قبولها، لأنها نبات قمري ضعيف، فلذلك أمر صغريث بكثرة تعاهدها وذكر ان الكروم وما اشبهها من المنابت المنبسطة على الأرض والتي لا تقوم على ساق، مثل البطيخ والقرع والقثا والخيار والكروم وما اشبهها سريعة التغير جدا من ادن شيء يرد عليها من الهواء البارد (أو الحار أو هبوب) ريح أو ركود الهواء أو هبوب عاصف يعصف عليه، فان اختلاف الرياح الهابة هبوبا شديدا أو دايما يغير النبات القوي فضلا عن الضعيف، لأنا نشاهدها تضعف:انخل وعظام الشجر وتقويها وتحييها وتثويها وتبطلها، فاذا عصفت ريح، ايها كانت، فان اضرارها بما تهب عليه بالعصوف انها تكسر أغصان بعضه، خاصة ما ضعف، وتكسر بعض سعف النخل. وهذا تفعله الريح بشدة هبوبها، وهو فعلها بكميتها أي بكثرتها. ولها (مع هذا الفعل) بالكمية (ما هو اضر وانكى من ذلك الفعل بالكمية) وهو تسويد لبعض المنابت أو تصفير للونها أو نقصان من ثمار ذوات الثمار منها أو زيادة ثمارها. فان الريح هي النافخة لكل الثمار ولها مع ذلك ان تضوي الثمار وتقميها بكيفية تكون ردية تتفق عليها من أسباب عدة، فاذا هبت على الشجر كانت لها بمنزلة النار المنبسطة بشدة حرها ، لا بمنزلة النار التي لها مقدار تصلح به ما تسخنه. فهذا الفعل يسود لونه أو يصفوه أو يحمره، فان ورق الكرم يحمر حتى يصير كلون المغرة البحرية من آفة تنزل به نحن نذكرها بعد هذا الموضع .
ووجه التحرز من هذه الرياح الردية ان يعلم الفلاحون انما هي الرياح المفسدة وانما هي المصلحة، فان الفلاحين لا بد لهم من معرفة ذلك معرفة تامة، ويبصرونها بصرا حديدا جيدا، (ومع علمه) فيعلم كيفية (نبات نبات) من المنابت بأشياء يعلمها انها مما يسترها بها، فان الستر أيضا يحتاج من يضعها يستر بها المنابت إلى أن يعرف اختلافها، ليضع كل شيء منها موضعه ، فاذا عرف وعرف كيف يستر النبات من المفسدة منها ليدفع شرها عنها وعرف ترتيب ذلك وأصوله وفروعه فهو فلأح كامل و طبيب ماهر بعلاج ادوآ النبات كله.
فأؤل ما ينبغي ان نخبر به هاهنا، عن الرياح المصلحة والمفسدة جميعا، ثم نخبر بعد ذلك بوجوه التحرز منها. فنقول : ان اضر الرياح بالمنابت كلها، جملة بلا تفصيل، الريح الهابة من جهة المغرب المسمات ريح الدبور، إي التي تهب من جهة استدبار الانسان للمشرق. واضر من المغربية وانكى التي تهب مما بين المغرب والشمال، وهذه هي الجهة التي على يمين الانسان اذا استقبل المغرب، فان هذه أبرد، فهي انكى بالبرد. والمغربية الخالصة الهابة من نفس المغرب اشر كيفية واردى واقل بردا. (وهاتان النكايتان)، أما بالبرد أو برداوة الكيفية، ليس يختص شيئا من النبات دون شيء بنكايته لها، بل يعم جميع المنابت بالأضرار، لكن يكون اختلافها بحسب المضار، فان من أحوال المنابت اختلافها في الطبع أو في القوة والضعف أوفي الصحة والمرض أو بسرعة القبول أو بدفع ذلك عن نفسها، فعلى حسب ما تصادف من احوال المنابت يكون وقوع الضرر بها، وبحسب شدة عصوفها أو خفته وقلته، وبحسب دوامها أو سرعة انقطاعها، وبحسب الفصل من فصول السنة التي تهب فيه، وبحسب أشياء غير هذه مما يكثر تعديدها.
وفي تفصيل هذه الجمل وتقريرها طول، لكن لا بد من الاتيان (ببعضه مما) هو اهم وانفع.
ان الريح المنكية بشدة البرد، وهي التي تهب وتنبعث من يمين المغرب، ليس اضرارها، اذا هبت في الشتاء، مثل اضرارها اذا هبت في الربيع، (ولا اضرارها) اذا هبت في الخريف مثل اضرارها اذا هبت في الصيف، لأن الربيع والصيف يقاومان بحرهما بردها، فلا يكون منها كثير ضرر، وفي الشتاء والخريف يعاونان (ببردها بردها) ، فيتضاعف البرد على المنابت، فيهلك بعض ويثوي بعض، ويضعفه، فيكون في طريق الهلاك، أو يضعف بعضا ويحشفه ويضر به . وكذلك الريح الهابة من جهة المغرب نفسه التي سماها ينبوشاد المغربية الخالصة فانها تضر بكيفية لها ردية وفيها مضادة لحياة النبات وحياة الحيوان. فان هاتين الريحين قد تغير أبدان الحيوان تغييرات كثيرة وتحدث في أبدانهم أمراضا مختلفة بحسب المصادفات. الأ ان كلامنا هاهنا على النبات، فلنقل عليه وحده، فان في شرح بعضه طولا، فضلا عن تقصيه في نفسه وفضلا عن خلط الكلام على الحيوان به.
فهذا الاضرار من هذه الريح قد يختلف كما اختلف هبوب الريح الأخرى في الفصول الفصول من السنة وبحسب المصادفات منها ومن غيرها، مما يطرأ على النبات فيضر به. فان هذه المغربية اذا هبت في فصل من فصول السنة وقد تقدمت فيه مقدمات فافسدت بها أشياء، إن كان ذلك الفساد من طبع (فساد هذه) الريح ومشاكلتها له ، تعاونا فاهلكت النبات البتة، مثل هبوبها على عهد حينافا الملك في شباط ، وقد كملت مزارع الحبوب المقتاتة الشتوية، فاهلكته كله وسودته وجففت رطوبة القصب الذي هو ساق الحنطة والشعير و غيرها من الحبوب ، فأهلكتها كلها ء فحدث بعقبه في إقليم بابل قحط. ومثل هذا اذا حدث بغتة وفجأة لم يمكن التحرز منه ، لأنها تهب في وقت لا يعلم قبل هبوبها احد انها تهب. فاذا هبت أهلكت هلاكا لا يتلافى. وربما أنذرت بعض الناس وفطن لها انها (ستهب وعرف) بعضهم، وربما أمكن التحرز منها بالستر لبعض المنابت لا لكلها، فان الجربان الكثيرة من الحنطة والشعير وغيرهما كيف يمكن تغطيتها وإحرازها، وما اشبهها فانه لا يمكن فيه ولا منه تحرز، بل قد يمكن التحرز منها (للشجر الاترج)، بان يغطى بالبواري، وربما لم ينفع هذا شيئا إذا دام هبوبها واتصل. ويمكن ان يحرز الكرم منها بالتغطية أيضا بالبواري والأكسية الكبار وسعف النخل والخوص وبأوراق الكرم بعد جمعها وبغير ذلك، فان هذا أيضا ربما نفع وربما لم ينفع، كما ذكرنا في الأترج. وقد يمكن بعض الناس أن يجرز أشياء من الشجر الكبار ومن المنابت اللطاف الصغار بأن يكنها ويقويها بضروب من الحيل في ذلك يطول تعديدها جدا، فاكتفوا بما مضى فانه كالأنموذج القليل من الشيء الكثير.
وهذه الحيل كلها وهذا التعاهد والتعب في الاحتراز انما ينفع اذا كانت الريح خفيفة أو قليلة المدة في المكث ثم سكنت، وإما ان ألحت ودامت وعصفت مع دوامها وكانت في الأصل أردى واشر، فان نكايتها تصل إلى كل المنابت بقوة، فلا ينفع الكن ولا التغطية ولا غير شيئا. وقد أصاب الناس مثل هذا من هذه الريح على عهد الملك الذي سموه المربع المشؤم . فاما معنى تسميتهم له المربع فانه ملك أربع سنين سواء على التحديد بلا زيادة ساعة ولا نقصان ساعة، فكان هذا أيضا اتفاق ظريف. وإما تسميتهم له المشؤم فانه نزل بأقليم بابل من القحط والضيق والتهارج والشر والاختلاف والإدبار ما لم ينزل بأحد مثله. وكان سبب ذلك كله وأكثره اتصال هبوب هاتين الريحين المهلكتين، واتفق انه ابتدأت في الهبوب من اول يوم ملك، وكان ملكه ليومين بقيا من تشرين الأول. واتفق في تلك السنة انه كان التاريخ لتشرين بالهلال موافقا للعدد بينهما يومين، فملك هذا الرجل وقد بقي من تشرين بالعدد يومين وبقي من الشهر القمري برؤية الهلال أربعة أيام، وكان إدبار الشهرين جميعا والقمر ناقص في الضو، وانكسف القمر في هلال تشرين الثاني، فاتصل هبوب الريحين جميعا هذه مرة وهذه مرة، أو كما قالوا نيفا وخمسين يومأ دايمة ، فانكت أبدان الناس أولا وأحدثت بهم خبطان في روسهم وأمراضا في ابدأنهم وأفسدت دماهم. فكان الناس يتساقطون كالجراد، فاشتغلوا بأنفسهم عن الزرع وغيره، فقحط الناس في تلك السنة قحطا عظيا ونقصت الثمار لإفساد الريح لشجرتها وامراضها. واتفق مع ذلك من فساد الهواء ان الماء فسد بزيادة وافت من الفرات بماء ردي ملعون، ففسد الماء والهواء. فلما دخل الخريف وافاهم إلى اقليم بابل ملك من ملوك اليمن في نحو من مايتي ألف رجل، كذا قال الرواة، فنزل بالعذيب وراسل الملك المشؤم في ان ينفذ إليه حنطة وشعيرا وقوتا للناس وعلفا للدواب، لضيق قد دهمهم. فاجابه الملك بان بلدنا قد ناله قحط شديد وشرح له الحال، فلم يقبل، لأنه اتفق انه أحمق. فاعاد الرسالة اليه بالطلب الحثيث كأنه يريه انه ما قبل العذر. فاعاد الملك اليه خواصه ووزراه يحلف له انه في قحط وان ما التمسه غير ممكن. فراسله العربي بأن (ان لم يمكن هذا الذي ألتمسه فانفذ إلي الصنم الأعظم الذي للشمس، فاني احب السجود له وان ادعوه واقرب له، لينصرني في هذا الوجه على اعدائي). فراسله الملك بأن هذا مما لا ينبغي، وتعلم انه لا يخرج عن موضعه إلى آخر، ولا يجوز ذلك. وأنت تعلم من ذلك مثل علمنا، وانه من ذهب وعليه من الجوهر ما لا يفي بقيمته خراج الأقاليم المعموره كلها. فكيف تسومني ان اوجه به اليك؟ وأيضا فلو رمت لمنع منه كافة الناس كلهم، ولا طاقة لي بالناس، لأنهم انصاري واعواني على من يناويني فاذا أفسدت قلوبهم كلهم علي بقيت بلا ناصر فان، أحببت ان تقرب لهذا الصنم العظيم (والإله الشريف)، فادخل إلى هيكله واصنع ما تشاء. فغضب اليماني واستشاط وهم بقتل رسل الملك، ثم أطلقهم وبث رجاله في البلدان والسوادات والضياع، فعادوا فاخبروه بما شاهدوا من الخراب والقحط. فانكسر بعض الانكسار ورحل مبادرأ متطيرا من المقام. وذلك ان كهانأ كانوا معه اشاروا عليه أن لا يقيم وان لا يطعم من هذا الأقليم طعاما ولا يأخذ منه شيئا. فمر كاهارب ولا يلوي على شيء حتى عبر دجلة ونزل بالقوسان على سبعين فرسخا من دجلة واقليم بابل، ومضى سايرأ إلى الشرق. ثم عاد وسط السنة الرابعة من ملك المربع، فلم ينزل بأقليم بابل، لأن كهانه نهوه عن ذلك، قالوا له: سلمت من شومه في مبداك فلا تنزله في عودتك، فقد رأينا انه دوي بعد. فقبل منهم وعدل عنه فكفي ذلك الملك شره. وزعموا انه كان معه ستة كهان، خمسة رجال وامرأة، وزعموا ان الامرأة كانت امهر من الرجال، وهي التي نهته فاطاعها ومضى . فسمي ملك بابل المشؤم إلى آخر الدهر، ان كان للدهر أخر، اعني أخر دهرنا نحن وأخر أيام ملكنا، فانه لا بد لكل شيء من أخر وانقضاء . فلما زال وذهبت ايامه صار الملك بعده إلى ابن عمه ألذي سمي المبارك، فصلحت الأحوال في ايامه.
وهذا فانما جرى على ذكر هبوب الريح المغربية (فانها سبب افساد) كثير من المنابت والثمار وابدان الحيوان، وصفتها في الفساد، اذا كانت ردية والفساد في نفسها، شيء يطول شرحه، وقد مضى لنا منه طرف يسير يفيس عليه القايس فيدرك بقياسه ما لم نذكره. لكن قد بقي علينا في أمر الدلالة على هذه الريح المغربية الخالصة شيء لا بد. من ذكره ليعرفها العارف بعينها انها هي، فان لها اشباها لا تعمل مثل عملها. وذاك إن لشمس مشارق عدة ومغارب مثلها، وقولنا ريح مغربية انما نعني به مغرب الشمس، فهذه الريح المهلكة برداوتها من أي مغرب من مغارب الشمس تهب فانه يجب ان تحدد علامة جهتها تحديدا يقف الطالب عليها بعينها، فنقول : ان كل مغرب من مغارب الشمس هو المغرب المقابل لمشرق من مشارقها بعينه . وقد قسم قدماونا الدايرة كلها ثلثماية وستين جزءأ ورسموا ان الشمس تسير في مقدار اليوم بليلته جزءأ من هذه الاجزاء التي سموها درجا، كأنها تقطع درجة على التقريب. وإذا كان هذا هكذا فالشمس تطلع في كل يوم من درجة هي التالية التي طلعت منها أمس. وهكذا حالها في كل يوم في هذه الثلثماية وستين درجة التي قسم بها الفلك كله، مقسومة أيضا على اثني عشر برجا هي اثنا عشر صورة مصورة في سطح فلك البروج ، أو قال في سقف فلك البروج، اولها الحمل وآخرها الحوت. فنخص كل برج منها بثلثين درجة، لأن ثلثماية وستين اذا قسمت على اثني عشر اصاب كل واحد من الاثنين عشر ثلثين من الثلثماية وستين.
فلنبدأ بذكر هذه المشارق والمغارب للشمس من رأس برج الحمل الذي جعله الأمم كلهم مبدأ وراسأ للدايرة، وان كانت الدايرة لا مبدأ لها على الحقيقة ولا انتهاء، الأ ان رأس برج الحمل مبدأ للدايرة اصطلاحي، اصطلح الناس عليه. فاذا كانت الشمس في رأس برج الحمل فانها تشرق من اول درجة من برج الحمل (وتغرب في اول درجة من برج الحمل). ولهذه الدرجة سمت ما بعينه كما لساير درج الفلك الثلثماية والستين الاصطلاحية. وكذا حال الشمس في سيرها في برج برج، ان (كل برج) ثلثين درجة ، فهي تشرق في كل درجة يومأ وتغرب في تلك الدرجة، فيكون على هذا للشمس ثلثماية وستين مشرقا وثلثماية وستين مغربا على عدد درج الفلك المصطلح عليها. وقد تسمى ستة بروج من بروج الفلك، وهي من اول الحمل إلى آخر برج السنبلة، شمالية، ومعنى ذلك ان ميلها من الدايرة إلى جهة الشمال، وتسمى الستة بروج التي من اول رأس برج الميزان إلى آخر برج الحوت، جنوبية، لأن ميلها إلى ناحية الجنوب من الدايرة، وسموا الستة الشمالية نهارية، وسموا الجنوبية ليلية، وسموا النهارية البروج المضية، وسموا الليلية البروج المظلمة، فيحصل على هذا من الدايرة نصفها ليلية ونصفها نهارية، ورسموا ان الجنوبية والظلمة والليلية (هي الشتوية)، وان الشمالية والنهارية والمضية (هي الصيفية). واذا ثارت الشمس في برج الجوزاء خاصة والسرطان والأسد فقد أمن الناس جميعا في جميع الأرض اضرار هذه الريح المغربية، واذا صارت الشمس في برج الحمل والثور وبرج السنبلة فربما هبت هبوبا يقاوم حر الزمان ضررها، فلا تكاد تنكي، الا اذا كانت الشمس في الحمل كله ونصف الثور الاول، فانها ربما هبت فانكت وافسدت بعض الزروع والنخل والشجر. واذا صارت الشمس في اول برج الميزان إلى آخر برج الحوت، وهي البروج الجنوبية المظلمة الليلية الشتوية، ففي هذين الفصلين يتخوف شر هذه الريح، وهما فصلا الخريف والشتاء، وهي اذا هبت في فصل الخريف كانت انكى واشر منها في فصل الشتاء، وهي في الشتاء أيضا مهلكة، فاذا صارت الشمس في برج الميزان أو العقرب أو القوس، فهو فصل (الخريف، واذا صارت في برج الجدي والدلو الحوت فهو فصل) الشتاء، واذا صارت الشمس إلى عشر درجات من العقرب، وذلك في نحو آخر تشرين الاول وأول الثاني، فانها تطلع (بلا ميل)، حقيقة بلا ميل، من الدرجة الحادية عشر من برج العقرب وتضرب في هذه الدرجة. ففي هذا اليوم وما قبله وبعده بايام يسيرة (ينبغي ان) يحذر هبوب هذه الريح من الجهة التي سميت، الدرجة الحادية عشر من العقرب، والى آخر برج القوس، وذلك نحو خمسين يوما. ففي كل يوم من هذه الأيام ينبغي ان يتوقع هبوب هذه الريح المغربية الخالصة المضرة، وبعد هذا الفصل الشتوي، وقد ينبغي ان يحذر هبوبها أيضا ما كانت الشمس سايرة في برج الجدي وبرج الدلو، فيحذر في كل يوم وليلة هذه الريح. وقد دللنا على جهتها على التحديد من جهة سموت الدرج، لكن ليس كل الناس يعرفون ما يعرفه المنجمون من ذلك ولا كل المنجمين يعرفون السموت ولا يدرون ما هي. فقد لزم من ذلك ان ندل على ذلك من شيء مشاهد يشترك في ادراكه المنجم وغيره، الا ان علم المنجم به يكون على التحديد وعلم غير المنجم يكون على التقريب من خمسة ايام مثلا وأكثر قليلا، متقدمة ومتأخرة فليحذر اولا هذين الزمانين اللذين هما فصلا الخريف والشتاء. ثم نخبر بالعلامة المدركة اشتراكا، فنقول:

ان هذين الفصلين أولهما من نصف أيلول الأخير وإلى نصف آذار الاول، وذلك من نزول الشمس برأس برج الميزان إلى نزولها برأس برج الحمل، فذلك ستة أشهر، ثلثة منها خريف وثلثة منها شتاء. وهبوب هذه الرياح غير مأمون في هذه الستة أشهر كلها، الأ ان لها أوقاتا من جملة هذه الأشهر هي فيها أكثر هبوبها، فيكون لذلك اخوف. فلنذكره من هذه الشهور المذكورة المشهورة، فنقول: ان هذه الأوقات التي هي اخوف هي من اول تشرين الثاني إلى آخر كانون الاول، وهذا على الأكثر، لا على انه لا بد من كونه هكذا، أو من جملة هذه الستين يوما عشرين يوما، متى هبت هذه الريح فيها كانت أنكى واضر واشر. وهذه الأيام هي لشعرين بقين من تشرين الثاني إلى عشر تخلو من كانون الاول، وإلى عشرين تخلو منه، فتكون هذه الشعرين ثلثين يوما، فان كفي الناس هبوبها في هذه الأيام فهي تكون في غيرها اقل شرا، الأ انها مع قلة شرها تقتل لحيوان والنخل والشجر والمنابت كلها والثمار، فان لم تقتله للوقت أودعته داء (يقتل به).
فمن أراد الوقوف على هذه المغارب في هذه الأيام التي حددناها من فصول السنة، ليعلم أهل الريح الهابة هي هذه الردية أم لا، فليتعمد القيام في صحرا واسعة أو على سطح عال أو تل مشرف فينظر في كل يوم من هذه الستة الأشهر من أي بقعة من المشرق طلعت الشمس، فيتبينه في قلبه ويتصوره جيدا ثم ينظر اليها، أعني الشمس، وقت تغرب فانه يجد البقعة من المغرب التي تغرب فيها الشمس (هي موازية لتلك البقعة التي طلعت منها الشمس)، الأ ان مغربها لا بد ان يكون منحرفا عن بقعة مشرقها إلى ناحية اليد اليسرى من المستقبل للمغرب. ويكون انحراف البقعة التي اشرقت منها الشمس إلى ناحية اليد اليسرى أيضا، اذا استقبل المشرق . وهذا شيء مشاهد يشترك الرجال والنساء. والصبيان في معرفته. فإذا تصور ذلك واثبته في قلبه تصورا وفهما، فليتفقد الريح الهابة في كل يوم وفي كل ليلة، فان وجد هبوبها من تلك البقعة التي كان قد أثبتها في قلبه وإن الشمس غربت منها، فهي المغربية الخالصة المحذورة، وان هبت من يمين ذلك الموضع أو يساره بمقدار كثير من السماء، (فليست هي )، وان هبت من الجهات التي تهب منها الرياح الاخر، مثل الشمال والمشرق والجنوب، فقد كفي مؤنة تفقدها . وانما هذا التفقد كله لهذه الريح المغربية الخالصة المميتة الردية، فاذا حدد الانسان هذه المشارق والمغارب في هذه الستة أثسهر واكثر تفقدها واطال النظر إلى هذه (المشارق والمغارب) (وتدرب فيه وكرره وصار) به ماهرا، لم يحتج إلى منجم، الأ إن معرفة المنجم بهذا من جهة أخذ السموت لدرجة درجة، من اول برج الميزان والى آخر درجة من برج الحوت، معرفة (ثاقبة على التحديد والتحرز) من يوم وساعة.
وليس يكتفي الناس في معرفة هذه الريح هل هي هي أم شبه لها بهذا الذي وصفناه فقط، وإن كان هذا الأصل في الحقيقة، بل نحتاج مع هذا إلى معرفة اتصال هذه الريح، مع تجربة موضع هبوبها، إلى معرفة رايحتها، فان لها علامات من الرايحة وغيرها إنا ذاكرها لأزيد في معرفتها. وهذه العلامات هي من رايحتها ومن الإحساس بها في مصادمتها الوجوه والأبدان ومن قوامها ومن آثار تؤثرها .
فاما معرفتها من قبل الرايحة فانها مخالفة للنسيم الطيب المعهود، بل يحس الناس اول هبوبها من قلوبهم نفورا منها وكراهة لرايحها فاما ما يحس به منها عند وقوعها على الوجوه والأبدان فهو الاقشعرار المنكر، وربما ارتعد منها العجايز والشيوخ رعدة بينة، وليست مع ذلك خالصة البرد كالشمال. فهذه أحدى علاماتها الكبار، الاقشعرار منها مع نقصان بردها وأحداث الرعدة في الأبدان الرقيقة الضعيفة، مثل ابدأن العجايز والمشايخ والصبيان. وأحدى علاماتها انها اذا عصفت أو زاد هبوبها بما هو دون العصوف تبكي الأطفال الرضعان بكاء عاليا بينا. وإما قوامها فانها فيه على شيء ظريف من افعال الطبيعة : هذه الريح هي على حسب القسمة باردة رطبة، وكذلك هي من طريق قسمة الرياح وجهاتها على الطبايع ومن طريق مباشرتها، فسبيلها إذا هبت ان تبرد وترطب. ونحن نراها تفعل ذلك، الأ انها تعقب ما تهب عليه يبسا شديدا حتى تسوده وتجففه، فهي تسود أبدان الناس والشجر والنخل والمنابت كلها وتفعل شبيها بفعل النار الحارة اليابسة، وهي في طبيعتها باردة رطبة، فلهذا استظرفنا فعلها، إذ هو مخالف لطبعها، وذلك لفرط رداوتها وحدة كيفيتها، فهي كما تقع على ابدأن الناس اؤل هبوبها يحس الانسان، إذا جس (بيده بدنه)، ان بشرته قد ترطبت من هذه الريح وعلاه (شبيه بالتدبيق)، وكذلك النبات الكبار خاصة فانه يعلوها شبيه بالتدبيق، لكنه على ابدأن الحيوان أبين وأكثر.
فهذه علاماتها من الجهات التي قدمنا ذكرها. وبقي منها قولنا (والآثار التي تؤثرها)، وقد مضى ذكر بعض آثارها (في كلامنا في قوامها، ونحن نتمه فنقول: ان آثارها) هو الإهلاك لجميع المنابت، صغارها وكبارها، الأ انها لما ان مزاجه وطبعه اشد حرارة اهلك واقتل. وكذلك تفعل بالناس خاصة والحيوانات عامة، فقتلها للنخل اسرع من قتلها لشجر الخوخ والمشمس وقتلها للنعنع من البقول اسرع من قتلها للبربين والهندبا، الأ انها تهلك الجميع، وهي أيضا لما ضعف من المنابت أهلك واقتل منها لما قوي، فيكون إهلاكها لما انبسط. على وجه الأرض اسرع من قتلها لما قام على ساق. ولا نعلم شيئا من الشجر الأ يناله من ضررها كثير شيء، الا شجر الجوز والشاه بلوط والخرنوب الشامي والغار وغير هذه مما شاكلها، وعددها قليل جدا ، فانها لا تقوى عليها ، حتى ان شجرة الحبة الخضراء ربما سمنت وصلحت على هذا الريح، ومما سمينا من غير شجرة الخضراء وإنها لا تضرها ، أشياء كثيرة. وإذ هذا هكذا فهي مضرة بكل نبات على العموم ولا يستثنى منها شيء لا تضره أو تقتله.
وقد أتينا على ذكر علاماتها بعد ذكر جهة هبوبها لنزيد العارفين بها معرفة ونؤكد في قلوبهم الدلالة عليها بعينها. فاذا عرف الانسان الجهات وأضاف احد هاتين الجهتين إلى الأخرى لم يخف عليه هبوب هذه الريح وأمكنه ان يتقدم فيعرف قبل هبوبها انها (ستهب، أو يعرف مع هبوبها انها) هي، فيبادر إلى احراز (نفسه وشجره) وزرعه وحيواناته، فانها تضر بالغنم والبقر اضرار شديدا بالمرض والقتل جميعا، ويحرز نفسه أيضا منها. (فهذه هي) الفايدة في معرفتها لمن عن بذلك، وأنها لفايدة جزيلة وحرز نافع.
وإما معنى قولنا انها لما كان حار المزاج من المنابت اهلك وانكى فهو كذلك، وقلنا بعده ان شجرة الحبة اخضراء ربما صلحت وسمنت عليها، فليس هذا مناقض لذاك، بل التجربة كشفت لنا انها لما كان حار الطبع اقتل، الأ شجرة الحبة الخضراء، فانها أيضا تصلح. وهذا على طريق عمل الخواص. وهي تسرع النكاية في النخل وتضر بها خاصة، وبما سخن مزاجه من النبات عامة، وفيما ضعف أيضا منها.
ولهذه الريح عنى ماسى السوواني في قصيدته التي قالها ارتجالا بلا روية لابنه كنكر حين أراد تعليمه المعاش بالفلاحة: انك ان عرفت لأي شيء العلة والسبب في شغب العصافير بالنهار وشغب القطا بالليل عرفت هذه الريح بعينها من أشباهها، وان عرفت طبيعة نفسك حق معرفتها عرفت السبب في اهتياج القطا بالليل والعصافير بالنهار وعرفت من معرفتك بذلك العلة في اضرار هذه الريح المغربية الخالصة بالمنابت والحيوانات الكاينة في البلدان القريبة من المغرب. وإن عرفت العلة في عداوة البوم للغراب عرفت العلة في امتناع هذه الريح من الإضرار بالمنابت والحيوانات الكاينة في البلدان التي هي أقرب إلى المشرق منها إلى المغرب. وذلك ان البلدان القريبة من المشرق يكثر فيها هبوب الريح المضادة للريح المغربية الخالصة. وكل واحدة من هاتين الريحين (عدوة للأخرى)، كعداوة الأسد للثور وعداوة السنور للفارة وعداوة البوم للغراب، فان بينهما عداوة طبيعية لا استقرار معها ولا هدو ولا فعل. وأوكد من جميع ما مثلنا من العداوات عداوة الماء للنار. فكذلك (هاتان الريحان)، ما بعد عن المغرب لم تكد المغربية تؤثر فيه وما قرب من المغرب اشتد تسلط المغربية عليه.
وسبيلنا ان نقول في العلة في ذلك، وقد اخبرتك بالعلة فيه، وهي آثار افعال مضادات الطبايع. الأ ان اخبرتك ان هذه المغربية الخالصة، اذا كانت بالاتفاق من أسباب لها مفرطة الرداوة من جهة الكيفية، فربما غلبت بما يضادها من الرياح عليه على طريق ان احد العدوين يغفل عن الآخر، فيجد ألمغفول عنه (فرصة ينتهزها) فيغلب عداوة ذلك (فيقهره ويقتله).
ثم جعل ماسى يذكر الأفعال للبلدان من المغرب على ترتيب إلى الخط الذي يقسم كرة الأرض بنصفين، المخطوط من الشمال إلى الجنوب، الخارج احد طرفيه من القطر الشمالي ويمتد إلى (الجنوبي. وذكر) ان سلطان هذه الريح يكون شديدا منكيا إلى هذا الحد، وما جاوز هذا وقرب من المشرق فانها تنكي ما فيه، لكن نكاية هي أقل.
وهذه العلة في النكاية والكثرة لما تجاوز هذا الخط تكون بحسب القرب إلى المغرب والبعد عنه، حتى ان اتفق في شاذ من الأزمنة ان تبلغ هذه الريح إلى بلد قريب من المشرق قربا قريبا، لم تكد تؤثر في مزارعه وغيرها كثيرا.
قال قوثامى: وهذا الذي ذكره ماسى السوراني لأبنه من حال هذه ألبلدان مع هذه الريح في قربها وبعدها من المشرق والمغرب شيء فيه نظر وفيه شبه وفيه كلام، فلنتركه، فانا لا نحب أن ننقض على رجل قديم قد درس منذ طويل دهر، فنأخذ نحن الآن فنناقضه ونعلل عليه (هذه ألآراء). وقد لوحت بأن فيما ذكر شبها ونظرا، وفي هذه كفاية. فلندل الآن على الريح المضادة كهذه المغربية الخالصة، ثم ندل بعد ذلك على التحرز منها، لا على الإحاطة بذلك والتفصيل له، بل على التقريب وذكر اطراف ما ينتفع به. فاما شرحه على التفصيل فانه (طويل يبعد) أمره، فنقول: ان الريح ألمضادة لهذه المغربية الخالصة هي الشرقية الخالصة وهي الهابة من ذلك الموضع الذي علمنا كيف يحصله المحصل بالنظر والتدرب وانه مقابل لموضع غروب الشمس، فالحكم عليه وعلى الريح الهابة من ذلك الموضع وتلك البقعة من المشرق كالحكم على المغربية الخالصة. فهذه تهب من جهة المشرق و من ألموضع المقابل لموضع هبوب تلك المغربية، فهي التي تضادها وتقابلها وتعاديها وتقاوم ضررها، وربما محت فعلها البتة. وذلك اذا اتفق لها هبوب في وقت هبوب المغربية المضرة واتفق ان يلتقيا، فان هذا ربما كان وقد يكون كثيرا، فتعادل الشرقية الغربية صلاح الشرقية بفساد الغربية (ولطبع الشرقية بطبع الغربية، وذاك ان هذه الشرقية المضادة المغربية) ريح حارة يابسة معتدلة في ذلك أو قريب من المعتدلة، فهي صالحة مصلحة موافقة الطبيعة والفعل لجميع المنابت. فهي تقوما وتغذيها وتكثر ثمارها وتسرع نشرها وتبعثها على فعالها وتحييها وتنعشها، فعل هو ضد فعل هذه. وانما تتم للمغربية الخالصة أفعالها من مثل الذي ذكرناه من الإماتة والإبادة، اذا هبت منفردة خالية من ضدها وعدوها. وقد قال كاماس النهري ومن بعده ماسى السوراني ان كثرة حدوث الجذام بأرض الشام لأهله انما هي لكثرة هبوب الريح الردية الغربية على مياههم وزرعوهم وشجرهم، فيحدث في جميع هذه حوادث تؤدي إلى هذا المرض الغليظ القذر. وان هذه الريح متى ألح هبوبها عليهم أفسدت عقولهم وعرض لهم من ذلك حميات تكثر منها خيالاتهم الردية، فتكون كثرة تلك الخيالات سببا لذهاب عقولهم وفساد تمييزهم وحدوث الدهش الدايم فيهم مع الوسواس السوداوي المذموم.
وقد بين هذا ماسي السوراني في كتابه الذي كتب به إلى طامثرى الكنعاني لما بلغه كتاب طامثرى الذي فضل فيه بلاد الشام على إقليم بابل وأهل الشام على أهله وافتخر وزاد في الفخر. فكتب ماسى كتابا طويلا، جوابا طامثرى على قوله، قال فيه بعد كلام كثير:
<< أما أنت، يا طامثرى، ففاضل جليل تفضل على أبناء جنسك من أهل بلادك. فاما ان تساوي اهل هذا الإقليم الذين هم آلهة لجميع البشر ، فلا. وكيف تساوي قوما عقولهم فوق عقلك وفطنتهم احد من فطنتك وتمييزهم أجود من تمييزك؟ وانما نقصت في هذه الأشياء كلها عنهم ، لأنك ماؤف العقل من الآفة الداخلة على جسمك. (أفتراك في علمك) وحكمتك تظن انك تساوي قوما يشربون ماء دجلة ، وهو مادة زروعهم وغذاء شجرهم ، وأنت تشرب ماء واقفا في بحيرة قذرة عفة الماء؟ فربما قد صفقته الريح المغربية الخالصة ، ففسد بفسادها وغلظته رطوبتها وافسدت مابتكم وثماركم (رداوة كيفيتها) وأفسدت أبدانكم بفسادها اخلاطكم واحراقها دماءكم وبلاغمكم ، حتى عادت اخلاطكم محترقة جاسية غليطة بعيدة النضج والنفوذ. فحدث بكم الادواء البشعة الغليظة كالجذام والسرطان والدمامل. والسلع. واصل. هذا كله هذه الريح المفسدة ثماركم وحبوبكم ومياهكم وهوياكم وأغذيتكم وأخلاط أبدانكم ودماكم. فلما فسدت أجسامكم هذا الفساد فسدت نفوسكم الساكنة أجسامكم في جميع ما يشارك (فيه الجسد) النفس ، وهي أفعال النفس كلها للأشياء واحدا ، فاما غيره فان الجسد يشارك النفس فيها. واذا فسد الجسد فسدت النفس بفساده لقيام النفس فيه ، ففسد العقل بفساد النفس لقيامه فيها. فارجع عن هذا الافتخار الباطل إلى الاعتراف بالفضل لأهله ، فانك معيب في عدولك عن الحق ، (ان كان) ، لأنه ذهب عليك ، وان كان لأنك تعمدت العدول عن الحق.
ومثل قولي لك ، يا طامثرى ، أقول لجيرانك اليونانيين الذين لولا كراهتي ان اسب أحدا لقلت أنهم كالبهايم ، وإن كان قد خرج فيهم أفاضل. فأنهم يتفخرون على أهل إقليم بابل ، الواحد بعد الواحد منهم ، فان إضرار الرياح الردية وخاصة المغربية الخالصة بهم اشد من إضرارها بأهل الشام ، وتمكن فعلها في بلادهم أكثر من ذلك بالشام>> . انقضى كلام ماسي السوراني قال قوثامى : فاما وصف التحرز من ضرر هذه الرياح الردية ، فانه نذكر منه البعض كما ضمنا وقلنا ان في تقصيه طول ، وهو كذلك. فلنبدأ بذكر العناصر والمواد التي نستر بها جميع المنابت ، صغارها وكبارها ، ثم نذكر سياقة عمل سترها مجملا ، فاما مفصلا فلا نطيقه لكثرته ، فنقول : ان هذه الأصول التي نذكرها هي تصلح للستر من هذه الريح الردية ومن شدة الرياح كلها ومن البرد والحر وما يرد الآفات من السماء في الهواء. فاؤل ذلك هو القصب البواري المصنوعة من القصب والبردي اليابس والحصر المصنوعة من البردي والحلفا والثيل والعوسج اليابس والشوك وسعف النخل وخوصه وكربه وليفه وأوراق الأشجار وغير ذلك مما ينتزع من الشجر ويجفف من المنابت ، وربما شقق الناس من الشجر العظام ألواحا رقاقا في الغاية فيستروا بها ما يريدون ستره ، الأ انها وبما لم تصلح ، بل هي لا تصلح لثقلها وحاجتها إلى الدعايم ، فربما عفنت مغارس تلك الدعايم ، كما تعفن مغارس القصب والخشب التي تنصب كاالآزاج لتغرس عليها الكروم ، فان هذه واشباهها لا بد ان تعفن فتعطب. فهذه الألواح الرقاق التي قدمنا ذكرها ، اذا كانت لا تستر الأ بدعايم وعمد وتلك الدعايم تعفن وتعطب ، فقد بطل أمر هذه الألواح لذلك ، اللهم الأ ان يستر بها ما يستر مدة قصيرة لا تعفن في مثلها دعايمها ، فينتفع المنتفع حينيذ بهذه الألواح ، وإلا فأجود الستر وأرخصها وأجودها في هذا الأقليم القصب والبواري والبردي وورق الأشجار ، فينبغي أن يكون الستر بهذه في الأكثر. وذلك يكون على حسب الوجود والتمكن من بعض هذه.
وأكثر استعمال الناس في الأقليم الستر بأخصاص القصب وبالبواري ، فهما اذا وجدا كافيان في رد الحر والبرد بالإفراط ورد الريح الردية المخوفة. فمتى عدم هذان فليستعمل غيرهما ويعدل عنهما إلى ذلك الغير مما سميناه هاهنا ، أعني مع ما سمينا مع الاخصاص. القصب ، والأ فليستعمل غير ما ذكرنا مما يشبهه ، ويكون رادا لما يرده القصب والاخصاص. وكلامنا هاهنا انما هو على الكروم ، فلنذكر سياقة عمل ستر الكروم ، ويكون ذلك قياسا لغيره عليه ، ان شاء الله ، فنقول:
إن كانت الكروم (ذوات أزاج) فينبغي أن يجعل فوق تلك الا زاج أصول الشوك ، لأن هذا لما قدمنا من هبوب الريح المخوفة التي دللنا على أنها أكثر ما تهب في فصل الخريف والشتاء وبعضها في بعض الربيع وهذه الأوقات الثلثة ، (فاما في) الشتاء فربما كان في الكروم شيئا يسيرا ، فاما في الخريف فان الكروم فيه حاملة ، وإما فصل الربيع من أوله إلى نصفه فقد يخاف من هذه الريح ، وما بعد ذلك فقد أمن شرها. فان كانت الكروم حاملة فتجعل أصول الشوك عليها ، ويجعل فوق تلك ألأصول (إما ليف) النخل أو خوصه مشددا بعضه فوق بعض أو بواري جفاف معمولة لذلك أو حصر بردى مجففة ، وإن كان ذلك في فصل الشتاء وفي الكروم بقية ، فينبغي أن يعمل مثل الخريف.
وإما الكروم التي لا أزاج لها وهي معرشة على الشجر فينبغي ان يعمل لها دعايم قصب أو روابط خشب طوال تجوز موضع الكروم وتغطى بالبواري (أو بالحصر) البردي أو القصب المعروش عليه الخوص والسعف أو الليف. وأما المنبسطة على الأرض فلتعمل بدعايم وتغطى بمثل ذلك ، وهي أسهل تغطية من المعرشة على الألواح وعلى لشجر وعلى القصب ، ان كانت تلك الألواح من الخشب. وعلى هذا النحو من سياقة العمل تكون التغطية لهذه المنبسطة على وجه الأرض ، بأن تنصب لها من العمد ما يصلح لمثلها على مقدار ارتفاعها ، فتكون العمد أعلا منها قليلا ، ثم تبسط فوق العمد ، أما البواري أو القصب ألمبتك أو الخوص المشدد الموصل بعضه ببعض مسقوفا كسقف0 السبل وما أشبهه ، أو أصول الشوك والعوسج وتحتها أو فوقها شيء من القصب المنسوج والسعف المسقف المنسوج.
وهذه الأغطيات التي نصفها للكروم وغيرها من المنابت ينبغي أن تكون معدة عند أرباب الضياع مفروضا منها قبل وقت الحاجة إليها. فيسقف من الخوص بسط كبار على مقدار ما يأخذها رجلان بجانبيها ، فيغطى بها ما يحتاج إلى تغطية. ويعمل من القصب بواري ، إن أمكن أن يكون طولها مثل عرضها أو يكون بعضها طوالا ، فتكون أيضا معدة. وتقديم بعض هذه على بعض يكون بحسب الإمكان. فإن كان القصب أوجد عمل منه البواري ، وإن كان الخوص أوجد عمل منه البسط المشقوقة المخيطة ، وان كان جميعا ممكنين عمل اهل الضياع منهما جميعا أغطية .
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب في ذكر الكروم

مُساهمة من طرف wara_qa في الإثنين سبتمبر 29, 2014 3:44 pm

باب ذكر كيف تزرع الكروم

واعلموا ان البواري أوقى من شدة الحر وادفع له ، وهو قد يدفع البرد أيضا ، لكن دفعه للحر أقوى. وهو أيضا يدفع ضرر الرياح الحارة كلها ، الرطبة منها واليابسة. وإما الخوص والكرب والليف والجريد المنسوج الموصل بالشريط والخيوط فهو ادفع لنكاية البرد وأوقى منه وأوقى من الريح الباردة الردية وأجود مقاومة لها. وهو يسخن ما يغطى به ، (ما كان ، والقصب والبواري يبرد ما يغطى به ، كذلك كل شيء يغطى به شيء) من النبات فانه يبرده مثل عمل البواري فيه.
وقد علمنا ادمى شيئا ندفع به ضرر الريح المغربية وغيرها من الرياح الباردة المهلكة ونكاية البرد الشديد ، الأ انه يدفع هذه الآفات عن أصول الكروم وغيرها وتبقى فروعها لاحق بها النكاية ، الأ انها تكون اخف موقعا واقل تأثيرا لآجل تقوية الاصول (مما يصب) فيها ، وذلك بأن تزبل بخرو الناس مخلط بمثله زبل الحمام ومثله بعر الغنم ومثله ذرق الخفاش ومثله عكر الزيت ، يعفن الجميع زمانا حتى يسود ويختلط ويجفف وتزيل به الكروم وتنبش أصولها وتطم ، ويصب على ذلك ماء حار مخلط بزيت وبدردي الزيت وعكره. قال ادمى فليس تحتاجون مع هذا إلى تغطية الكروم ، اذا عملتموه بتمامه. وتمامه هو ان ترشوا على سوق الكروم وما غلظ من أغصانها الماء العذب مخلوطا بالزيت الاسم. ولهذا عمل ما لا يتم فعله ودفع الضرر الأ بذلك العمل ، وهو ان تأخذوا الماء العذب فتصبوه في أواني زجاج وتصبوا فوقه الزيت بالسواء وتخضخضوه حتى يجود (اختلاط الزيت بالماء) ، ثم تأخذه الرجال بأفواههم فيرشوه على ما أمكنهم رشه من الكروم. ويعمل هذا رجال شباب وصبيان وأحداث وكهول ، فاما من جاوز سنه الستين سنة فلا يفعله. فهذا يوقي الكروم من ضرر الريح المغربية الردية وضرر البرد المفرط المضر بها. قال ادمى وقد كان قوم يصبون الزيت المختلط بالماء في حياض خشب مقيرة ، وهي التي يسقون فيها البقر الماء ويغمسون فيها ايديهم ويدهنون بها الكروم ما أمكنهم منها ويقولون ان هذا أبلغ فعلا في دفع الآفات من رشه عليها رشا. وقد صدقوا في هذا ، وأي الوجهين عمل فهو جيد يدفع الضرر. فليكن هذا الدهن بالأيدي الذي وصفناه والرش أيضا لها بالأفواه على كل اغصان الكروم ، بل على أصولها وعلى ما قرب من أغصانها الغلاظ. ولو عمل هذا من كل كرم على أربعة اذرع منها من غلاظها القريبة من أصولها كان جيدا ، وان عمل ذلك بها كلها لو أمكن كان أجود.
وقد يدفع أيضا ضرر الريح المغربية والبرد الشديد عن الكروم خاصة ان يعمل الفلاحون في يوم غيم مطبق كثير ، فيدخنون بين الكروم بالشمع والنفط والقار ، إما احدهما أو بها مجموعة ، ويكثر من ذلك حتى تطبق الكروم بهذا الدخان. وقد صح عندنا ، عن دواناى الملقب سيد البشر ، انه قال : تدخن الكروم في كل سنة شهرين ، احدهما تشرين الثاني والآخر آذار ، تدخينا كثيرا بخشب الكروم المكسوحة منها بكلاليب حديدا مسقية. ويعتمد منها مواضع مس الحديد ، فتلقى على النار ، وهذا ربما دخن فيما بينهما على الجمر ، وربما أحرقت الأغصان المكسوحة من الكروم بنار خفيفة لينة ليختنق الموضع بالدخان ، ثم يجمع الرماد كله ويخلط ببعض أزبال الكروم وتطم بها أصول الكروم وتسقى ، فاذا شربت الأرض الماء نثر على الأرض المبلولة في جوف أصول الكروم. قال فان هذا مما فيه خصوصية لدفع الآفات عنها ، ويقويها. قال ادمى ونحن نقول الأ انه لا يفعل في الكروم وحده الأ عمل الازبال المقوية ، فاذا أنضاف إلى ما وصفناه قبله تعاونا فدفعا جميعا الآفات عنها باجتماعهما.
وقد تعمل أشياء في أشياء أعمالا تخالف الطبايع وتوافقها وتعمل فيها بخواص أفعالا لها هي على طريق أفعال الطبايع. فمن هذه الخواص ما وصفنا ان يعمل بالكروم من رش (الزيت المخلوط بالماء) عليها ، فأي رش رش عليها بغير أفواه الرجال لم يؤثر في دفع الضرر تأثيرا البتة ، لا قليلا ولا كثيرا. وكذلك (اندهنت) الكروم بالزيت المخلوط بالماء بغير أيدي الرجال خاصة لم يعمل (من التأثير) فيها لا قليلا ولا كثيرا. فهذا من أعمال الخواص.
وما وصفناه من تدخين الكروم في يوم غيم ، وما حكيناه عن غيرنا أيضا ، لا ينبغي أن يعمل يوم غيم يكون فيه ضباب البتة. فان اتفق وقت يخاف فيه من الريح المغربية المفسدة أو تخوف فيه من علامات تظهر تدل على هبوب برد شديد ، فان هذا لا ينبغي أن تؤخر فيه هذه الأعمال الدافعة للآفات. فلتعمل هذه الاعمال وغيرها مما وصفناه ولا تؤخر على كل حال من كون الضباب وغيره. فان كان العامل لهذه الأشياء الدافعة للآفات عن الكروم يعملها على طريق الاستظهار في الشهرين الذين سماهما دواناى ، فلا يعملها الأ على ما حددنا من التحري ، كما وصفنا ، ولا يتسامح بعمل شيء فيه تعويق أو نقصان أو تقصير فيما يعمله من ذلك الشيء.
قال قوثامى: وقد ذكر ينبوشاد حاكيا عن كاماس النهري انه قال: ان الكروم يضر بها ان يتقرب (القير والنفط) منها ، كما يضرها قرب الفجل وشجر التين ونبات الكرنب ، الذي يبطل الكرم البتة إذا جاوره ، والحديد المسقى السقاية المضادة للكروم. وله سموم تقتله وتبطله كالميويزج والشيزرق وغير ذلك ، فان هذه سموم مبطلة للكروم. وهذا فانما ذكره ينبوشاد في باب تعديل المنابت المضرة بالكروم ، فادخل معها ذكر أشياء مما يضر بها من المعدنيات وغيرها. وهذا شيء ما اختبرته في الكروم ولا جربته ، على ان تجربته سهلة جذا. لكن القياس يوجب ان أشياء كثيرة تضر الكروم بسبب انها حادة كلها ، والنفط والقار وما شاكلهما شديد الحدة. ونحن نرى ان كل حاد حريف يضر بها ، فان اضراره بها بالحرافة والحدة خاصة ، فذلك كما نشاهده منه وان كان اضراره بالكروم بخاصية فعل فيه ، مثل اضرار الكرنب والقنبيط ، فان هذين تضر بالكروم ، فربما يكون بخاصية فعل فيهما لا بالحدة ، لأنه لا حدة فيهما ولا لهما. فاما شجر التين فان فيه حدة ظاهرة شديدة ، الأ ان ينبوشاد قال ان التين يضر بالكروم ان قرب نبات شجره من الكروم في البلدان الحارة ، مثل النواحي التي هي اسخن من إقليم بابل وما شاكلها وكان اشد حرارة منها ، فهو اضر ، وإما في البلدان الباردة ان قرب التين منها نافع لها ، وذلك مثل بلاد الشام وبلاد الروم واليونانيين وفي الجيل وأذربيجان وما شاكلها من البلدان التي تقع فيها الثلوج. قال قوثامى : والذي وجدنا (سبرا ومخبرة) ان شجر التين يضر قربه من الكروم بها إضرارا بينا حتى لكانه عدو بين العداوة. وهذا رأيناه عيانا في هذا الأقليم. وإما في البلدان الباردة فما لا ندري كيف حكمه فيها ، الأ إنا قد سألنا عن ذلك أهل البلدان الباردة فأجابوا بجواب مشكل علمنا منه أنهم لا يخافون من أمره وفعله في الكروم شيئا. وهذا دليل على (صحة قول) ينبوشاد ان شجرة التين لا تضر بالكروم في البلدان الباردة. والدليل على ذلك قول اهل تلك البلدان انه ليس يتبين لنا منها ضرر بالكروم ، وما لا يضر فهو إما ان ينفع واما ان لا يضر ولا ينفع. فقد حصل لنا الحكم بان شجر التين يضر بالكرم في إقليم بابل وانه ينفعها في البلدان الباردة ، وانه في بعض تلك البلدان لا ينفعها ولا يضرها ، حتى تصلح الآراء الثلثة ، وهي الضرر هاهنا بمشاهدتنا له والمنفعة في البلدان الباردة ، على قول ينبوشاد ، وإنها لا ينفعها ولا يضرها ، على قول من أخبرنا بذلك مما شاهده ، ورأيناهم لا يشكون فيه.
وقد قال ينبوشاد ان السلجم والفجل والكرنب والجرجير يضر نباتها (بالقرب من الكروم بالكروم) ، وان السلق والحمص والكزبرة ، اذا زرعت فيما بين الكروم نفعتها منفعة بينة ، وذاك ان ينبوشاد أشار بأن يزرع باقي أراضي الكروم وان لا تترك خالية ، وذلك في السنة الثانية من غرس الكروم ، وربما في بعض السنة اول. وأجود وأصلح ما زرع بين الكروم الباقلى والكرسنة واللوبيا ، فأما الحمص فان (رأي أنا) أن يزرع فيما بينها. فاما صغريث فانه ينكر زرع الحمص فيما بينها. قال لأنه مالح ، وقوله لأنه مالح غير كاف في الحجة ، فلعله قد جرب ان نبات الحمص بين الكروم (يضر بها) فاخبر بذلك عن تجربة ، فاما نحن فانه نرى ان الحمص لا يضر بالكروم. وقد رأى صغريث زرع القثا والخيار والقرع والكبر والبقلة اللينة ، وذكر ان ذلك نافع لها جدا. قال لأن من طبيعة الكرم ان تتآكل الأغصان المغروسة في الأرض التي يشوبها أدنى ملوحة غير بينة وفي الأرض التي يخالط ترابها رمل. قال فالقرع والقثا والخيار والبقلة اللينة ترد عنها التآكل فلا يعرض لها تأكل ولا فساد.
ولتأكل الكروم من الزبل دواء غير هذا ، وهو كثرة التزبيل لها بالبزل اللين ، وهو الذي لا يكون فيه خرو الناس ولا زبل الحمام ، بل يكون مركبا من باخثاء البقر وبعر الغنم والتراب المجموع من المزابل ، فان هذا اذا كثر في الأرض التي الكروم نابتة فيها منعها من التآكل والحفور ، وذلك ان ادمى سمى التآكل العارض لأصل الكروم حفورا ، فنقول تتحفر أصول الكروم.
فاما ما قدمنا ذكره عن صغريث وانه يزرع فيما بين الكروم ، مثل القرع والقثا والخيار واللوبا وما اشبهها ، فقد يجب ان تمتنعوا من زرعها بين الكروم في السنة الأول كلها وأكثر الثانية ، أو الثانية أيضا كلها ، وتزرع فيما بينها في السنة (الثالثة ، وذلك انها ان زرعت فيما بينها في السنة الأولى والثانية) فانها تضيق على الكروم الاغتذاء فتضر بها لنقصان اغتذايها ، فيعقبها ذلك نقصان ثمرتها اذا دخلت في الثمرة. وأيضا فانه يظللها ويستر عنها وقوع شعاع الشمس دايما ، وهذا اضر بها من نقصان الغذاء ، لأنها تحيا بدوام الشمس عليها.

ولم أرد على صغريث قوله في هذا ، لكني (فسرت معناه) وزدته بيانا. وأنا أرى أن يزرع في السنة الثانية بين الكروم ما لا يعرق في الأرض عروقا كبارا ولا (كثيرة ، فتضيق) على الكروم غذاها ، بل يزرع بينها من جملة ما ذكرناه وما أشبهه ، ما عروقه دقاق قليلة مع دقتها ، مثل صغار البقول ، فان تلك توافقها ولا تضيق عليها. والذي كشفت لنا التجربة وصححه لنا القياس مع التجربة ان أي نبات جاور الكرم ، مما طبيعته باردة رطبة ، لا يجتذب رطوبة كثيرة في اغتذايه ولا يجفف (وييبس يبسا) البتة ، فهو صالح للكروم. وان كلما خالفت صفته هذه الصفة فكان جافا يابسا مجففا يجذب الرطوبة واللزوجة من الأرض اليه بشدة يبسه ، فهو عدو للكروم.
وهذا حكم كلي مجمل يحتاج إلى تفصيل طويل. فهذا هو العلة في مضادة الكرنب الكرم ، وهو العلة في منفعة الباقلى للكرم فقيسوا على هذا وافهموه حسنا بتفكر فيه وتأمل له وفكر في شرحه ، فأنكم ستقفون على منافع ومضار ، اذا جربتموها وجدتموها صحيحة. فعلى هذا القياس ان زرع الحمص ونباته مضر بالكروم ، وكذلك شجر التين وشجر الزيتون وشجر الرمان. وان كان بعض القدماء قد قال ان شجر الرمان نافع للكروم اذا قرب منها ، فنحن قلنا انه يضرها على القياس والتجربة جميعا ، على ذلك الأصل الذي قدمناه وقلنا ان القياس والتجربة أوجباه جميعا. وأزيدكم على هذا زيادة نافعة بينة ترونها عيانا من طريق التجربة ومضافة إلى ما قدمنا ان كل شيء (يضر به العصير) والخمر إذا اشتد ، من جميع الأشياء ، من نبات أو غيره ، فانه يعادي الكروم ، وكل شيء ينفعه العصير قبل ان يشتد وبعد ان يشتد فهو صديق الكرم وموافق له. وهذا ركن كبير واصل عظيم ، ء فتدبروه (فتجدوه كما قلنا). وابحثوا مع ذلك معنا وقيسوا وجربوا فقد يجوز ان تدركوا أشياء فيها زيادة على ما قلنا ونقصان مما حكينا وزيادة علم فيما رسمنا. فما وجدتم من ذلك فاعملوا عليه وان خالف حكمنا ، فالحق ينبغي إن يتبع ابدا والباطل يجب اجتنابه ابدا. وذلك ان الدليل على ان بين الكرنب والكرم مضادة طبيعية وعداوة أصلية : أنكم اذا رششتم على الكرنب شيئا من الخمر وتركتموه ساعة اسود وذبل ، وان صببتم من الخمر على الكرنب وهو في القدر ينطبخ ، لم ينضج ابدا (ويغير لونه ، وذلك اذا صب عليه بعد أن يغلي) ، وبتغير لونه إلى لون سمج قبيح السماجة.
وقال صغريث ان من أكل الكرنب قبل شرب الخمر لم يسكر البتة ، اذا حصل (في معدته / منه) مقدار رطل واحد ، فانه لا يسكر ، ولو شرب خمرا كثيرا ، وان كان شربه من الخمور احدها وأسرعها اسكارا للناس ، وذلك بالمضادة التي بين (الكرنب والكرم) التي تؤدي إلى المخالفة في كل حال . وكما ان القرع بينه ودن الكرم موافقة وانه ينتعش كل واحد منهما بصاحبه ويصلح أيضا له ، فكذلك كلما خالفه في تجربة صب الخمر عليه فوجد ان الخمر يغيره ويؤذيه ، فذلك للمضادة بينهما. وكلما خالف هذا في هذه الصفة فهناك موافقة ، وهذا فقد قدمناه في كلامنا واعدناه هاهنا ، ثم إنا نرجع إلى موضع خرجنا من الكلام فيه ، فنقول اذا: إنا قد قلنا في الزرع فيما بين الكروم في كل سنتين ، فينبغي أن يتجنب زرع ما قدمنا ذكره بتجنبه ويزرع بينهما ما ذكرنا انه يوافقه. والذي يتجنب زرعه فيما بينها من الزرع الصغار والبقول والفجل والكرنب السلجم والحمص وما شاكلها ، والذي يزرع ويوافقه الباقلى والماش والسلق والبقلة الباردة والخيار والقثا والقرع ، فهذه هي الموافقة للكروم. وينبغي الا يزرع من هذه ما يظل الغروس ، فان ذلك يضر بها ، اذا سترتها من الشمس والريح. فليحذر هذا.
والعجب من اختلاف القدماء في الغبار الواقع على الكروم. فان أنوحا الذي كان صاحب الكروم (قال إن( الغبار ينفع الكروم اذا تراكب عليها منفعة بليغة. وقال طامثوى وصردايا الكنعانيان ان الغبار يضر بالكروم ضررا في الغاية اذا كثر عليها. فاما اعتلال انوحا في منفعة الغبار لها فانه قال : ان التغبير بالازبال بين النفع لها وان هذا الغبار الواقع عليها يقوم مقام التراب الغريب الذي يساق إلى الكروم وغيرها من المنابت ، فتغبر به فينفعها ويعين على غرها. وذلك ان الكروم من المنابت التي تحب الأرض والتراب محبة بليغة ، فهي كذلك من المنابت الا جدة على الأرض (لأله الآفة( ، فلذلك انعم علينا بتطويلها ، فانه ليس في المنابت كلها ما يطول كطول الكرم . فلولا ان أبناء البشر يكسحونها دايما لمضت على وجوهها ابدا طولا وعرضا وانبساطا. فنشوها اسرع نشوء وسرعة نشوها انما كان لكثرة اغتذايها . وانما كان اغتذاوها كثيرا لجذبها الرطوبة والأجزاء اللطاف من الأرض الزايدة مما يخالط من النبات ، فلما قويت على اجتذاب الغذاء جذبت منه مقدارا كثيرا ، فزاد في غرها وانبساطها. فلذلك فضك المبسطة على وجه الأرض على المعرشة ، لما علمنا انها تحب ذلك. ولا تلتفتوا ، معشر طالبي علم الفلاحة ، إلى قول من قال ان المعرشة أفضل خمرا من المبسطة ، فان ذلك ليس كذلك. ولنا في هذا حجة بالغة ليس هذا موضعها لطولها . فاكتفوا بقولي في هذا وغيره ، فان الدليل على صحة ما أقول إنني قلته. فمن رأى هذا المكان رؤية حق عرفه وعرف صدقا فيه ، ولأن برهانه لا يصح ان يقوم الأ بقيل ولسنا من قيل. وقال: وإذا كان هذا هكذا لم نقل في الدليل على صحة قولنا غير هذا الذي قلناه ، ففيه على هذا كفاية.
واعلموا ان الأعمى لا يرى شيا ابدآ ، وليس إلى ان يرى كما يرى البصير سبيل الأ أن يكون بصيرا ، فاذا كان أعمى لم يقدر احد ان يبصره شيا ابدآ. فإما البصير فانه ليس يحتاج في إدراك المبصرات إلى حجة حتى يدركها ، بل هو كما تقع عيناه على ما يبصره البصر نهو يبصره ويدركه من ا غير حاجة إلى كلام.
فلما كان الكرم كما قلنا وعلى ما وصفنا من (محبته التراب والشوق) إلى كثرة الأ رضية ، وجب بذلك أن يكون المنبسط على الأرض منها أقوى من المعرش ، واذا كان أقوى كان أطيب وألذ (وأصفى وأبقى) وانفع. ودليل آخر على محبة الكرم للأرض واستكثار منها انه ليس في المنابت كلها ما يغوص منه في الأرض ويغرق فيها مثل الكرم ، فهو ربما كان بين أصله الذي منه مبدأ عروقه في الأرض وبين خشبته أذرع كثيرة هي أكثر من مقدار طول كل شجرة وكل نخلة. على ان النخلة إنما تطول ذاهبة في الهواء والكرم يزل ذاهبا في الأرض ، فهو في هذا (مضاد للنخلة) بهذا المعنى فقط ، وان كان بينهما مشاكلات من وجوه اخر. فكل هذه ادلة على موافقة التراب والأرضية الكرم من بين ساير العاصر وانه (ينمى بهما) ويعيش. فلو اندفن في جوفها حتى لا يكون ما يطلع منه فوقها الأ اقل مما يبطن في بطنها ، لوجدنا ما قد كان اندفن ، ان قلنا أغض واطرى مما بدا وظهر كنا إما (صادقين أو قولا) قريب من الصدق. وانتم تعلمون ان هذه حال يخالف فيها الكرم جميع المنابت وانه يحب التراب والاندفان في الأرض. فوقوع الغبار عليه نافع له لأنه يحبه ويعيش به ويحييه وينميه ويقوم له مقام التغبير بالزبل والتراب الغريب السحيق الذي يخلط بالزبل فيغبربه.
فهذا احتجاج انوحا في منفعة الغبار وسقوطه على الكروم كلها. واعتلاله في ذلك بما حكينا وما وقع ألينا عنه. (واما احتجاج) صردايا المنجم طامثوى الكنعانيين في ضرر الغبار للكروم واعتلالهما في ذلك بما اعتلا ، فأنهما قالا: ان النبات كله انما قوامه الأرض ، في كاين فيها أو قايم بها مع مقارنة الماء له. فاما وقوع التراب على (شيء شيء) منها ، اعني من المنابت ، فانه يثويها ويبطلها ، كما ان التراب يطفي النار اذا كان أكثر من النار بوقوعه عليها . ومتى دفن الحيوان في الأرض أو انطم بالرمل أو كثر دخول الغبار في أنفه ، قتله ذلك وأبطل حياته ، اذا انقطع عنه التنفس واجتذاب النسيم ، فمثل هذا حال في المنابت كلها مع التراب والغبار اذا وقعا على احدها انه يقتل ما وقع عليه من المنابت ويثويه ويسد متنفساته ويطفي حرارته ليعدمه حياته. فان قال قايل ان حكم قليل الغبار غير حكم كثيرا لتراب في وقوعه ، فان قليل الغبار يحيي وينعش وكثيرة يفعل ما قلتم ، قلنا له: ليس الأمر كما تظن. ومثل ذلك مثل إنسان قال ان الخبز اذا شد على البطن اشبع الجايع ، (وذلك الجايع) لا يشبعه الخبز الأ لمضغه بأسنانه ولسانه ولهواته وابتلاعه ليسلك الحلقوم إلى المعدة ، فاذا حصل فيها اشبع ، واذا هضمته المعدة صار غذاء يتغذي به البدن. فهذه حال وقوع الغبار على المنابت ، ان قليلها يضرها على مقدار قلته وكثيرها يضر على مقدار كثرته ، وانه لا ينفع شيئا من النبات ولا ينعشه الأ بقيام النبات بأصله فيه واغتذايه بالماء وبما لطف من اجزاء الأرض ، كما لا يشبع الجايع الأ بمضغ الخبز وازدراده . فاما ان يلقى الخبز عليه وهو جايع فان ذلك غير نافع له ولا مغن عنه شيئا ، وليس كلما نفع شيئا بمعنى ما ومن جهة ما بعينها فواجب ان ينفعه في كل حال ، ولا ينفعه (بجهة غير) تلك الجهة التي قد جرت بها العادة. وانما التبس على بعض الناس هذا المعنى حتى قال ان وقوع الغبار على الكروم ينفعها كما ينفع التغيير بالتراب الغريب مع الزبل. (وما نعرف نحن ولا فعلنا قط ذلك ، وهو ان تغبر الكروم بالزبل ولا بالتراب الغريب) ، وإنما يجعل ذلك في أصولها فينفعها. والتغيير بالازبال مع التراب السحيق للبقول وما صغر من المنابت يوافقه وقوع الزبل على ورقه ، وليس ذلك الأ للبقول وما اشبهها. فاما الكروم فانه لا ينبغي أن تغبر أوراقها وأغصانها بزبل ولا بتراب سحيق .
قالا ومن الدليل على صحة قولنا ان (سيد البشر) دواناى أمر ، في إفلاح الكروم ، ان يرش على أوراقها وأغصانها الماء الحار الشديد الحرارة ، وان يخلط في بعض الأحوال لها بالماء ويرش على اصولها وفروعها. فكيف يجوز ان يقول قايل لشيء من النبات (يصلحه و) ينعشه غسله بالماء ورشه عليه ، ان الغبار والتراب يملحه بوقوعه عليه؟ هذا لا يقوله من (له تمييز) جيد وتجربة طويلة ودربة في الفلاحة. ومما يؤكد قولنا ويزيده صوابا ان الكروم من طبعها سرعة النشو وكثرة الانبساط طولا وعرضا. وهذا لم يكن لها الا لخفتها ، وانه لم يكن في المنابت شيء بسرعة نشوها الأ القرع والقثا ، وأنهما اسرع نشوا وانبساطا ، الا إنهما لا يذهبان كذهاب الكروم ولا يطولان كطولها ولا ينبسطان كانبساطها في كثرته ، فحصلت الخفة كلها للكروم. واذا لم تكن المنابت كلها اخف من الكروم كانت بمنزلة الطاير من الحيوانات الذي هو اخف وانهض وأكثر انبساطا وانطلاقا وأسرع صعودا في الجو وأقرب نزولا.
وإذ كان هذا هكذا وحصل لنا مشاهدة بلا شك ان الكروم اخف المنابت كلها وكانت الأرض أثقل العناصر وتتلو ألماء في الثقل ،(وجب بذلك إن) تكون الأرضية بثقلها مضادة الكرم لخفته ، لأن الخفيف ضد الثقيل. فهذا وجه صحيح واعتلال قايم لا شك فيه. وان هذه الأشياء كما ذكرنا فان الغبار يضر وقوعه على الكروم بها ، لأن الثقيل (يضر بالخفيف عيانا ، كما كان يضاد الخفيف الثقيل(. واذا نسب ناسب المنابت إلى العناصر ، على واحد واحد من المنابت ، (وجب ان ينسب( الكروم إلى الهوايية لخفتها وانبساطها في نشوها وسرعته ، وان الانبساط للحرارة مع الرطوبة ما صار لكلما غلبت عليه الهوايية وكانت أكثر أجزأيه ، والدلالة على ذلك عصيره ، فان الخمر هوايية حارة رطبة تشوبها حدة وعطرية ظاهرة ، وهي تسكر ، و الاسكار إنما هو بخارها المرتقى من المعدة إلى الدماغ. وهو بخار حار رطب لا شك في ذلك. فالخمر هوايية رأجمعة إلى طبع النبات الذي منه كانت وعنه خرجت. واذا كان الغالب على الكروم من العناصر الهواء ، وهو ضد الأرض ، (لأن الارض) باردة يابسة والهواء حار رطب ، فوقوع التراب على أوراقه بعد كمالها وقبله مضاد طبعه ، والمضاد مهلك متلف. فمن قال ان التراب نافع لأوراق الكروم بوقوعه عليه فانه مخطي في هذا الظن ، لأن الأشياء كلها تقوى بلقاء اشكالها وموافقتها وتضعف وتهلك بلقاء مخالفيها واضدادها.
قال قوثامى : فهذان مذهبا انوحا والكنعانيين قد حكينا وذكرنا احتجاج كل واحد منهم في تصحيح رأيه. ولست أؤثر ان أتوسط بين مثل هاولاء ، لأنهم أعلام وحكماء عظام ، لكن أقول بما نعرفه في بلدنا ثم جملة إقليمنا بما تشاجر أوليك فيه ، فان بلدانهم مخالفة لبلداننا لشدة برد أوطانهم وخلافه لإقليم بابل. وهذا في بلد الكنعانيين ، وإما بلد انوحا فانه لما كان في ناحية مهب الريح الجنوب إلى الشام وكان قريبا من برية ، فهو اسخن من بلد الكنعانيين ، فهو مساو في ( البرد والحر) لمواضع من إقليم بابل ومخالف لمواضع فيها جميعا. والناس يعلمون ان حكم الكروم في إفلاحها وعلاجها مختلف بين البلد الحار والبلد البارد ، لأنها مما تصلح في الحر والبرد جميعا وفيما قرب من الاعتدال ، فنموه ونشوه أجود.
والذي تورينا التجربة في إقليم بابل كله ، حارة وباردة ، ان الغبار اذا كثر تكاثفه على ورق الكروم اضر بها ضررا بينا ، فيعلم بذلك انه لها ضار وان قليله يضر في بمقدار قليلا بمقدار قلته والكثير منه يضر بكثرته ضررا هو أبين وأوضح. وبلد انوحا يشاكل في (حره وهواية) لبلد الابلة واسافل إقليم بابل (في أشياء ويخالفها في انه اشد يبسا وجفافا من أسافل إقليم بابل( ، وهذا الطرف من إقليم بابل أرطب منه. فاما مقدار سخونة الهواء فهما فيه متقاربان ، الا ان هاهنا خلافا بين البلدين هو غير ما أومأنا إليه ، وهو خصوصيات البلدان في نشو أصناف المنابت بها. وأنوحا فلا شك انه لم يقل الأ الحق وان الغبار ينفع الكروم في بلده لموافقته لها في ذلك البلد بخصوصية طبع ذلك البلد ويضرها في بلد الكنعانيين ، لأنه شديد البرد. والغبار تراب والتراب من الأرض وعلى طبيعتها ، فهو بارد يابس ثقيل ، فاذا اجتمع على الكروم بردان ويبسان اضر ذلك بها.
فقد حصل لنا من هذا البحث ان الثلثة صادقون فيما ذكروا وغير كاذبين في إخبارهم بما خبروا وذلك لاختلاف أهوية بلدانهم واختلاف طباع المنابت فيها . ولاقليم بابل خصوصية اخرى .موقع من مدار الشمس وغير الشمس من المليكة الذين يدورون في الفلك ، غير موقع بلد الكنعانيين. بلد انوحا ، فإحكام كل المنابت تختلف فيها.
وقد قال صردايا وماس السوواني ان هذا الاختلاف الموجود في خواص البلدان وكثرة عجايبها في ذلك انما هو لموضع موقعها في الأرض من مدار النيرين والكواكب في القرب والبعد والانحرافات لحادثة للكواكب في مداراتها في دوايرها. وليس يعنون بقولهم الكواكب انها الخمسة المتحيرة فقط ، بل والثابتة أيضا التي في سقف فلك البروج ومدارات الصور التي في الفلك. واذا كان هذا هكذا ، وهو كذلك (حق يقين) ، فقد جاز ان يصدق انوحا وصردايا وطامثرى فيما قالوا ، ويكون ما ذكروه حقا موجودا على ما ذكروا ، وتكون هذه الاختلافات الحادثة للكروم بحسب خواص البلدان من جهة مدارات الكواكب على مواقعها من المدارات وبقاع الأرض عامة ، لها ولساير المنابت لا خاص الكروم فقط .
على ان ماسى السوواني قد قال ان تأثيرات الكواكب وظهور أفعالها في النبات خاصة ، مع ظهوره في ساير الأشياء ، فقد يظهر من ذلك في الكروم خاصة اكثر وابين. واظهر الكواكب فعلا في النبات وخاصة الكروم وفي ساير الاجسام المركبة ، القمر ، فانه قد يظهر لنا وللناس جميعا من المنابت احوال بغير احوال النبات نتقلبها بحسب زيادة القمر في الضو ونقصانه وبعقب كسوفاته ما لا يمكن معاند ان يجحده ، فضلا عن الشاك عن الحقيقة فيه. وايضا فان للقمر وألكواكب تأثيرات في الكروم رما شاكلها بخاصية بينة مذكورة مشهورة. وقد تكلم قدماء الكسدانيين عليها وميزوا بعضها من بعض وسموا بعضها آفات تنال الكروم من النجوم وحكموا بذلك في غير الكروم من أصناف الشجر. النخل والمنابت اللطاف ورسموا في ايام بعينها من الشهر ، اذا كان القمر زايدا في الضوء ، من أمر غروس الكروم أشياء جربوها منها ، وذكروا اعراضا لكروم سموها إسقاما لها كالإسقام العارضة لأجسام الناس وساير الحيوانات. وقد كنا حظينا بهذا في وقت بدينا الملك السعيد الجد ، لذلك فأشبعنا الكلام فيه بمبلغ طاقتنا.
قال قوثامى : فهذا كلام ماسي السوواني كما قد حكيناه واعترافه من هذه الأشياء بما قد اعترف. وقد قدمنا في هذا الكتاب طرفا من ذكر الآفة النايلة للكروم من النجوم واسقامها العارضة لها ومداواتها. وقد ذكرنا هاهنا إعادة لذلك المتقدم وذكرنا هناك لم نُسبت هذه الآفة العارضة للكروم إلى النجوم دون أن تنسب إلى غيرها ، وضمنا ان نعيد ذكر ذلك في باب كلامنا على الكروم. فاذا جمع جامع هذا من هاهنا إلى ما هناك كان فيه كفاية وكمل له معنانا الذي قصدناه في هذا الباب. وذكرنا لهذه الأعراض النايلة للكروم هاهنا خاصة إنما هو أولا لإقامة الدلالة على نفوذ افعال النيرين والكواكب في الأجسام المركبة على وجه الأرض كلها ، وبيان ذلك في النبات خاصة وبيان ظهور بعض تلك الأفعال في الكروم.
فمن التأثيرات فيها الأدواء ، العارضة لها التي نسب بها إلى انها آفة من النجوم ، وبعض إلى انه سقم من الأسقام ، وبعض إلى انه عارض سموه هكذا عارضا ليفصلوا بين المعاني الأربعة ، فسموا واحداً آفة وسموا الآخر سقما وسموا الثالث عارضا وسموا الرابع يرقانا من تأثير الكواكب في الكروم ماصة. وفعل القمر بعينه ما يظهر لنا من الغروس التي تغرس ، وذاك إنا اذا غرسنا ما نريد غرسه من الكروم والشجر والنخل وكلما يغرس ويزرع في اؤل ليلة يهل الهلال إلى ان يصير القمر في موضع يكون بينه وبين الشمس تسعين درجة ، وهو التربيع الاول ، ينبت ما نغرسه ، فلا يكاد يبطل. منه شيء البتة ، وستمسك استمساكا جيدا. واذا دخل الثمرة أثمر جيدا كثيرا قويا زايدا. وكذلك نجد العصير الذي يعتصر في هذه الخمسة الأيام يكون أبقى وأجود وأصفى وأطيب. ومن نقل الشراب في هذه الأيام من أنايه الذي صب فيه إلى إناء آخر فان الإناء الثاني يكون الشراب فيه أصفى وأطيب وأبقى واقل اسكارا. وكذلك في التزبيل ، إنا اذا زبلنا الكروم في زيادة ضو القمر يتبين لنا فيها من القوة والمنفعة شيء بين ، واذا زبلناها والقمر ناقص في الضوء لم يظهر لنا فيها من القوة والانبساط ما يظهر لنا لما كان زايدا في ضوه . وكذلك أيضا قد يظهر لنا في كل المنابت وفي الكروم خاصة ، في يوم وليلة الامتلاء ، امتلآ القمر من الضوء وذلك حين يكون على مقابلة الشمس ، من تكامل أمور النبات في الانبساط والنمو والقوة والزيادة في الحسن في المنظر وما اشبه هذه الاشياء. وذلك انه كلما زاد في الضو كان فعله (في النبات( ، مع الترطيب ، الا سخان ، والرطوبة اذا دخلت عليها الحرارة كان ذلك سبب الانبساط للجسم وذهابه في جهات ذهابه ، فان صلحت مع هذا كان فعلها النشو ولانبساط ، وان فسدت فعلت التعفين الحادث بعقب الانضاج ، لأن العفونة هي افراط الانضاج وفساد الجسم ، وفساده هو بالإفراط أيضا ، لأن افراط الانضاج يكون بزيادة الرطوبة بالأكثر والاسخان بالأقل. وهذا هو سبب0 العفونة بعينه.
فهذا هو فعل القمر عند امتلايه وقبل امتلايه بخمسة ايام وبعد امتلايه بمثلها: انه ينضج بما له من تحريك الرطوبات في الأجسام مع حرارة يسيرة لا تشبه (لها إلى) حرارة الشمس قلة وصغرا. فاذا دام ذلك الانضاج اتصل باكثر من مقدار الحاجة احدث العفن ، وان كان جرى باعتدال انضج نضجا صالحا مطيبا لما ينضجه من الثمار أو مصلحا لأجساد المنابت كلها على اختلافها ومبلغا بكل واحد منها ما هو مندوب لبلوغ الغاية فيه. فهذا فعل القمر بتحريك الرطوبة كثيرا:تحريك الحرارة قليلا.
وهذا التحريك منه للرطوبة والحرارة هو الذي يعرض منه للنبات كله النمو و النشو وسرعة الانبساط ، فيرى الناس ذلك عيانا فيما انبسط على الأرض من النبات وعرش وفيما قام منه على ساق وفيما صغر منه حتى يبلغ إلى الحشيش والكشوث ، انه ينبسط في القمر بالقمر ويرع نموه ، فيصير القرع والبطيخ والقثا والخيار والباذنجان وغير هذه من المنابت التي هي أسرع قبولا للنشو والنمو كثيرا ، بعد ان كان صغيرا ، في زمان قصير. وذلك ظاهر في كل النبات ، الا انه في بعضها اكثر ظهورا منه في بعض واوضح واقرب إلى الحش ، فيكون في هذه التي هي اقبل لتحريك القمر اظهر بقبولها ذلك من القمر.
ثم ان للقمر انتقالا فيما يحدث له من مشاكلة الشمس بمقدار كونه في البروج التي اذا حل فيها كان إلى الدواير التي تتغير فيها احوال الشمس ، إما اقرب او ابعد او فيها بعينها. فإما ما يحدث له بمشاركة الشمس ، فانه يكون في بعضها اكثر تحريكا للرطوبة والحرارة وفي بعضها اقل. فأولى حالات القمر من بعده عن الشمس ، بعد انفصاله عن الاجتماع معها وإلى ان يبلغ إلى تربيع الشمس ، فانه يكون اقوى على تحريك الرطوبات والحرارة ، للرطوبة اكثر وللحرارة اقل ، فيكون فعله حينيذ في نمو النبات كله ونشوه وانبساطه اظهر ، وذلك فيما انبسط على الأرض ابين. وله بعد التربيع الاول منه إلى وقت كماله في النور ، وكماله في ذلك هو وقت استقباله الشمس ، فانه يكون تحريكه للحرارة والرطوبة بالسواء ، فيكون في هذا الزمان اشد بسطا ونموا للنبات كله واظهر فعلا في جميع ما يفعله من تحريك الرطوبة والحرارة في أبدان الحيوان وأجساد النبات وفي المعدنيات ، ومن الاستقبال إلى وقت انتصافه الثاني في الضو يكون محركا للرطوبة والحرارة ، للرطوبة اقل قليلا وللحرارة اكثر قليلا ، فيكون تأثيره في أبدان الحيوان والنبات و المعدنيات انه يبسطها وينميها ويحركها إلى الانفتاح والانتشار والانبساط ، (الا ان بسطه) بالحرارة أكثر منه بالرطوبة ، ومن انتصافه الثاني إلى استتاره بشعاع الشمس يكون فعله وتحريكه للحرارة قليلا يسيرا جدا ، اقل منه في كونه في الثلثة الأشكال المتقدمة ، حتى يقال انه بالقياس إلى ذلك ييبس قليلا ويبرد كثيرا ، وذلك انه يكون تحريكه للرطوبات اقل ، فلذلك قلنا انه يجوز ان يقال انه في هذا الربع يبرد تبريدا كثيرا وييبس تيبيسا قليلا ، وذلك يقال بالإضافة من فعله إلى ما تقدم. واذا اجتمع مع الشمس في دقيقة واحدة ، فهي حال له خامسة ، وهي عند الكسدانيين أفضل أحواله وأكثرها قوة لفعله ، وعند الهند انها افسد أحواله وأضعفها له في فعله وقواه وعند الفرس انه يكون في القوة والضعف والزيادة في الفعل والنقصان منها على حسب (البرج الذي) يكون فيه الاجتماع له مع الشمس. فتختلف أوصافه على قولهم لاختلاف أحواله التي توجب اختلاف أفعاله.
وإما اليونانيون والمصريون فإنهم يرون اجتماعه مع الشمس اقوى له ، كما قلنا ، ولا يقولون كما نقول انه أفضل أحواله من الشمس ، لان عندهم ان أفضل أحواله من الشمس هو امتلاوه (من الضو) ، وذلك اذا كان في مقابلة الشمس. فاما اذا اجتمع مع الشمس فانه يكون اقوى له فقط ، لأنه أفضل أحواله وأكثرها قوة له في فعله. وقد (أجمع قدماونا) كلهم ان أفضل احوال القمر في شكله ، في بعده وقربه من الشمس ، هو اذا اجتمع مع الشمس في دقيقة واحدة ، فإن هذه الحالة له من الشمس هي حالة خامسة حكمها غير حكم الأربعة ، وانها اجل أحواله (وأقوى له) في افعاله ، وان ذلك انما صار له ، اعني القوة في الأفعال ، لأنه يفرح باجتماعه مع الشمس فرحا شديدا فتكون منزلته في ذلك منزلة العليل الطويل العلة والفقير الشديد الفقر والمسافر البعيد السفر الطويل مدة الغيبة ، اذا صح من علته ، واستغنى الفقير دفعة واحدة من فقره ، ورجع المسافر البعيد السفر من سفره إلى وطنه. قالوا ويكون القمر حينيذ عند فرحه هذا الفرح فاعلا لأشياء هو وان كان فيما قد فعل أطرافا منها ، فانه في الاجتماع يتمم تلك النواقص ويزيد في تلك التي قصر فيها لا تقصيرا عن عجز ، لكن كما جرى منه على مجرى الاتفاق ، او بعض شيء لا يستوي تمامه الا بعد وقت اخر. ويقولون أيضا انه يقوى على افعال شبيهة بأفعال الشمس ، وهذا أمر عظيم وحال كبير. وقالوا انه حينيذ يفعل الخواص في كل الاجسام المركبة . وليس ينبغي ان يفهم (هذا عنا) انه يفعل الخواص او غيرها ، لان هذه افعال كلها للشمس ، وإنما للقمر إظهار تلك التي فعلها الشمس وإبرازها من مكامنها وإشعالها بعد أنطفايها ، او نقول قولا كليا انه مظهرها وقد كانت مختفية ، فكانت توصف انها في الاشياء كامنة ، ولا نقول انها بالقوة بل هي موجودة كامنة مختفية فقط ، وان القمر يظهرها حينيذ من الكمون إلى الظهور ومن الاختفاء إلى الخروج ، لأنه يخرجها من القوة إلى الفعل فتصير الشمس محتاجة إلى إخراج أفعالها في الاشياء من القوة إلى الفعل. فكيف يقال ذلك والشمس هو مخرج جميع الاشياء ومبرزها من العدم إلى الوجود ومن القوة إلى الفعل! وهذه ألأحوال الخمسة التي وصفناها للقمر من الشمس مشاكلها جميع احوال الحيوان والنبات والمعدنيات. وقولي "أحوال" هو معنى جمع ، وأريد انه ليس يشاكل تلك الأحوال في مولده ومنشأه إلى بلوغ غايته ثم موته وبلاه ، بل وفي جميع أحواله التي هي كاينة له قبل وبعد. فاما قبل فإن كان نطفة ثم انتقلت من مستقرها إلى الرحم ، ثم حال الجنين في الرحم. وأما معنى قولي بعد فمنذ يعدم حياته إلى بطلان جسده بالبلي. وذلك ان الجسد قد تختلف أحواله في أخرته ، فمنها ما يبلى بلا ومنها ما يحصل في أجواف حيوانات مختلفة. فحاله في أجواف تلك الحيوانات مشاكل لحاله في الهواء او في بطن الأرض من البلى والفنا إلى ان يصير ترابا ، ومنها ما يصير إلى الماء ، واذا لم يأكله احد دواب الماء فهو يتحلل في الماء إلى ان يصير أجزاء لطافا منحلة ، لان الماء يحيل اليه كما تحيل الأرض اليها ما يحصل فيها ، ثم يؤول ترابا بعد. فاما الجسد المحترق بالنار فيصير رمادا ، فهو الجسد المكرم المصون ، أحسن الأجساد مصيرا وأجودها آخرة. والرماد هو التراب بعينه ، (لان ارمدة) جميع الأجساد المحرقة بالنار هي أرضيتها التي تقدمت فكانت فيها ، وتلك الأرضية في الأجساد النامية من أغذيتها التي هي مادة أبدانها منضافة إلى التراب الذي كان لها في تركيب أصلها (وبزر الذي( عنه كانت.
وكذلك قد يشاكل حال القمر من الشمس احوال الحيوانات كلها في أسنانها ، من مثل الصبي والشباب والكهولة والشيخوخة والهرم. وكذلك قد تشاكله فصول السنة مثل الربيع والصيف والخريف والشتاء. وكذلك قد تشاكله الأربع جهات التي تسمى زوايا العالم ، وهي المشرق والمغرب وجهة اليمين وجهة الشمال. وقد يمت من هذه الأربع جهات أربعة رياح قد قدمنا ذكرها وذكر ساير الرياح في موضع من (هذا الكتاب). وقد يشاكل هذه كلها الأربعة الاخلاط التي في بدن الانسان ، وهي الصفرا و السودا والدم والبلغم.
فهذه المعاني كلها وهذه الوجوه باجمعها ، وان كان اصلها كان عن الكواكب والنيرين بقوى حركاتها بأذن الله ، فانها بعد كونها على صورها فتكون لها احوال توجب صورا هي غير صورها في مباديها. واذا كان هذا هكذا فان الاجسام كلها المركبة قد (تتغير تغيرات) دايما بما تقبل من قوى حركات الكواكب ومشاكلات بعضها بعضا ومعارضيها العارضة لها في دوايرها. فهذه التغيرات هي التي تسمى تغيرات جزءية دايما ، وتنك الاول التي قدمنا ذكرها ، التي هي عمد الاشياء وأصولها ، هي التي تسمى تغيرات الأشياء ، كلية ثابتة لا تزول ولا تنقلب ، ولو انقلبت لفسدت صور الاشياء كلها ، فهي الكليات الثابتة.
وكلامنا هاهنا من الأجناس الثلثة على النبات منها ، ومن جملة النبات ، على الكروم ، ومن الكلام على الكروم ، القول على العوارض الأربعة العارضة لها التي هي الآفة واليرقان والعارض والسقم ، وفصلوا بين المعاني الأربعة بأسماء أربعة . ومن عند ذكرنا لهذه الأحوال للكروم خرجنا عن عمود كلامنا. وسبب ذلك تسميتم الآفة من النجوم. ونتيجة ما قدمنا من ذكر ان جميع الاشياء في أحوالها من مبدأها وعواقبها تشاكل حال القمر من الشمس ، ان هذه العلة العارضة للكروم من النجوم ، من القمر خاصة ، ومن غير القمر ، من بعض الكواكب عامة ، اعني من الكواكب التي هي غير القمر ، وسنذكر ذلك فيما بعد. وتلك الآفة اللاحقة هي كاينة من كسوف القمر وكسوفات الكواكب. وليس يكون ذلك في الكروم وحدها فقط بل في جميع النبات ، صغيره وكبيره ، ودقيقه وجليلة . وجميع الاجسام المركبة كما (قد قدمناه) فيما تقدم ، تقبل من النيرين والكواكب ، لأنها محيطة بها إحاطة قهر وتسلط أفعالها وينفذ فيها فعلها دايما ابدا ، وجب بذلك ان تكون أسباب جميع التغيرات هو افعال هذه المحيطة ، الأرض. والنبات احد الأجناس في الاجسام المركبة ، فهي تقبل من النيرين والكواكب التغيير الدايم ، كما تقبله جميع المركبات ، فتقبل في ذاتها صلاحا من الأحوال الصالحة وتقبل فسادا من الاحوال الفاسدة ، والكسوفات هي عارض للنيرين والكواكب يشبه فساد الاجسام المركبة ، ولما أشبهه وكانت المركبات كلها انما تقبل وتأخذ ما يلايمها ، وجب ان يحدث فيها عند كسوف القمر ، وان كنا قد قلنا ان النبات يقبل الفساد العوارض المفسدة.
ولا يظن احد ان للنيرين في ذاتهما فساد البتة ، لا من جهة عوارضها ولا من جهة جواهرها ، وانما يشبه القدماء بعض عوارضها بأحوال تكون بعقبها في العالم السفلي ، فانه قد يحدث في الاجسام المركبة مع كسوف القمر أشياء تشبه الكسوف ، وهي ربما كانت فسادا في الصورة او في بعض الاحوال وربما كانت فوق ذلك ، وهو ذهاب الجوهر والصورة ، وهو الثوى والبطلان البتة. ومعنى قولنا "ثوى وبطلان البتة" ليس نريد (تلاثي الأشياء) ، بل هو ذهاب الصورة وبطلانها واستحالة جوهر الشيء إلى جوهر اخر. وإما التلاشي فشيء غير معقول ولا معلوم ، فهو محال كونه.
وهذه الأربعة معاني العارضة للكروم هي كالأجناس لأنواع تحتها. وذلك ان تحت كل جنس منها أنواعا كثيرة. فالجنس الاول لها الذي يلفظ به لفظة يحتمل ان يكون جنسا ليس فوقه جنس ، هو قولنا ان هذه الآفات هي آفات سماوية بمشاركة الأرض لها في بعظها ، ثم تنقسم بعد (هذا إلى الأربعة الأسماء ، ثم تنقسم بعد) إلى أسماء عدة (تحتها معاني كثيرة ، ثم ان تلك المعاني كلها لها علاجات) تدفع تلك الآفات العارضة للكروم. ومتى ذهبنا نتكلم على هذا باستقصاء طال جدا ، لكنا نقول فيه على سيبل الاختصار وحذف الإكثار ما أمكننا.
وتسميتنا هذه الآفات سماوية لها معنيان ، احدهما ان السبب في حدوثهما وحدوث كل آفة تكون على حيوان والنبات وغيرهما من الاجسام المركبة من العناصر الاربعة هو كسوف القمر وكسوفات الكواكب ، فينبعث من ذلك شيء لا نسميه قوة فاعلة بل نسميه ضعفا بموجب حدوث شيء ما. فمن تلك الحوادث المنبعثة عن الضعف الحادث من الكسوفات هو آفات الكروم واسقامها وقد يجوز من اجل هذا الحادث الذي يتكون من هذا الضعف الكاين عن الكسوفات ، لما كان فاعلا لشيء ما ان يسمى قوة فاعلة لشيء ما (لسببها الأول) ضعف يحدث عن الكسوف. ولسنا نضايق أحدا في الأسماء ، اذا أتى بالمعاني الصحيحة ، فنقول هاهنا ، إنا قد ضمنا ذكر هذه العوارض للكروم على جهة الاختصار والحذف وفصلنا قبل ذلك وشرحنا من أمرها ما وجب عندنا ان نسميها آفات سماوية بمشاركة الأرض لبعضها ، فنبدأ هاهنا فنقول : ان اول علاج تعالج به الكروم لدفع جميع تلك العوارض الاربعة هو كسحها. فلنقرر أمر الكسح ونصفه فنقول انه تخفيف الثقل عن الكروم. وليس يكون التخفيف الا لشيء قد أثقل ثقلا مضرا. وإزالة الثقل المضر عن كل شيء هو اول طريق قوته وصحته وزوال الأمراض عنه. فإذا جف عنه ما قد أثقله قوي واذا قوي دفع عن نفسه بتلك القوة الإسقام والعاهات التي جرت عادته ان تعرض له من تلقاء طبيعته. وهذا الثقل العارض للكروم وغيرها من المنابت انما هو من كثرة الاغتذاء ، فيزيد نموه وينبسط بذلك ، فتشبع أغصانه وتكثر كثرة خارجة عن حد الطبيعة ، فيضره ، فيحتاج إلى حذف تلك الزيادة عنه ، فإذا حذفت عنه زال عنه ضعفه بتلك الزيادة ، فقوي.
وقد سمى كاماس النهري هذه الزيادات في المنابت كلها خطأ الطبيعة في الغذاء ، ثم قال بعقب هذه اللفظة : وان قلنا انه خطا الاغتذاء كان أجود. وهذا كلام انسان قد ضاق عليه العبارة عن هذا المعنى ، فلم يتوجه له كيف ولا إلى أي شيء ينسبه على الحقيقة. على ان قوله " خطا الطبيعة" جايز ، إذ كان قدماء الكسدانيين أجمعوا على ان افعال الطبيعة ليست كأفعال المختار القاصد إلى غرض ما يأتيه على جهة التمييز ووضع الاشياء مواضعها على الحقيقة. وإذ هذا هكذا فقد جاز لنا ان نقول ان الطبيعة تصيب وتخطي ، الا ان صوابها اكثر من خطاها كثيرا كثيرا ، ونجعل خطاها موقوفا على جهات أفعالها كلها ، فيكون على هذا تخطي وتصيب على عددين متقاربين بين ألخطأ والصواب. وليس هذا موضع تقصي الكلام على الطبيعة فنقول فيه. فلنرجع فنقول: ان الكرم يخف عنه ، اذا تكسح ، ثقل ، (تخفيفة عنه ، لا بد منها به) ، أعني الكرم. وقد اختلف (القدماء في) أي وقت تكسح الكروم. ونحن نذكر هذا الاختلاف ونقرر الصواب منه.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب في ذكر الكروم

مُساهمة من طرف wara_qa في الإثنين سبتمبر 29, 2014 3:51 pm

باب ذكر كيف تزرع الكروم

ان من القدماء من يرى ان تكسح الكروم في نيسان وينزع من أغصانها أيضا ما ينبغي إن ينتزع. قالوا فان ذلك أصلح لأنه يسرع فيها نبات الفروع النابتة في الربيع المتجددة التي تكون قوية على كثرة الحمل. فإذا دخلت في الحمل حلت فضلا وكان العنب (ممتليا جيداً) . قالوا وان تقدم الفلاح في كسحها من نصف آذار كان أصلح وأجود ، ومن أؤله أيضا ، قالوا ليلا ترشح الكروم الرشح العارض لها في الربيع اذا كسحت. وذلك انه يسيل منها رطوبة كثيرة كأنها دموع سايلة متتابعة ، فتتأذى بذلك الكروم أذى يضر بها ، لان في خروج تلك الرطوبات عنها هلاك غذايها وذهاب بعض قواها. ثم ان قوما آخرين رأوا في كسح الكروم بعقب فراغها من القطاف ، واعتلوا في ذلك بان الثمرة تثقل الكروم ، فانه فرغت من ذلك (فليتبع ذلك) بكسحها ، فيكون تخفيفا بعد تخفيف وراحة للكروم بعقب راحة ء فتتضاعف قواها بذلك ويجود في المستقبل من الزمان نشوها . وهذا ينبغي ان يعمل بعد ان يفرغ كل كرم من الكروم من حمله ، فيترك خسة عشر يوما إلى ثمانية ايام اقله ثم يكسح. وذلك ان الكروم تختلف أوقات قطافها اختلافا متفاوتا ، فيجب ان تكسح في الأوقات التي يزول عنها فيها جميع حملها بحسب ما قدمنا.
وهذا الكسح لجميع الكروم على كثرة اختلاف أنواعها ربما اتفق في وقت حار ، وربما اتفق في وقت بارد. فان كان الزمان حارا او في اؤل ورود البرد ، (فان كسح) الكرم يندمل بسرعة وقرب متناول وزمان قصير ، فلا يكاد يضر بالكروم ولا تسيل منه رطوبة كثيرة ، واذا أسرعت في الاندمال انقطع سيلان الرطوبة. وان كسحت في برد ، أي وقت كان الكسح ، ومعنى قولنا أي وقت كان الكسح ، لأنه ربما كان في الخريف بود وفي الربيع أيضا برد ، اضر بها ذلك البرد ، لوصول البرد إلى غور جسم الكرم واصله كله من ذلك الموضع الذي كسح ، لأنه يصير كالطريق للبرد إلى الكرم ، والبرد اضر على المنابت كلها من الحر وان كان جميعا مضرين بالإفراط . فينبغي ان تكسح بعد فراغها من الحمل قبل ان يقوى البرد فيضر بها ، وحين يكون الزمان على حال تندمل فيه كسوح الكرم.
وإنا من رأى ان يكون كسحها في آذار فانه قال : انما تقوى بذلك في استقبال الربيع اول النشو ، فيكون حملها كثيرا حتى انه ربما اضعف حملها ، فيكون الكرم الذي يحمل رطلا يحمل مثل رطلين. ولعمري ان في مثل هذا رغبة الناس كلهم ! لكن بقي ان يصح ان كسحها في هذا الوقت أفضل من كسحها عند فراغها من الحمل. وفي أب حث عن الصواب في كسح الكروم في احد هذين الوقتين كلام كثير وبحث طويل ، لان في كلى الوقتين ضررا من وجه ومنفعة من اخر ، فيحتاج الباحث عن ذلك ان يحمي المنافع في الوقتين والمضار فيهما ، فايهما رجح ، المنافع او المضار فيه ، عمل على كسحها ، على ان يكون في الوقت الذي منافعه لها اكثر. فاما ان نبحث عن هذا هاهنا على التقصي (ففعلنا ذلك يبين) للناظر في هذا الكتاب موضع الصواب بيانا تاما وإما ان نخبر في ذلك بجملة تغني عن التفصيل والشرح ، بعد ان ننظر نحن في ذلك نظرا مستقصى ونأتي بالمحتاج اليه مجملا مفروغا منه ، فنقول : ان الرأي الحق في ذلك ما رآه ينبوشاد المصيب في رأيه ، وهو ان تكسح الكروم عند فراغها من الحمل وبعد قطاف ما فيها منه بثمانية ايام وإلى خسة عشر يوما اول اول ، ومعنى أولا أولا أي كلما فرغ حمل كرم من العنب كسح بعد ان يراح الأيام التي حددناها. فهذا رأي ينبوشاد. وقد اخبر واحتج في صوابه بوجوه كثيرة يطول- شرحها جدا ، حذفناها طلبا للتخفيف والاختصار.
وقد فرق ينبوشاد في قوله على الكسح فروقا لا بد لنا من ذكرها ، فقال : ان الكروم التي في البلدان التي هي ابرد ينبغي ان يخفف كسحها ، أي لا تكسح على التمام ، بل يبقى فيها قضبان لا يعرض الكاسح لها. فليتعمد من ترك القضبان ان يدع منها ما كان فيه أعين اكثر عددا ، حتى اذا دخل شهر آذار فليعد الكسح عليها. وذلك انما. أشرنا به لنأمن مضرة الجليد بالفرع التي تنبت أولا وهي المسماة السابقة ، فلذلك قد ينبغي ان يتعرف أي الكروم يبطي نبات فروعها ويقرها في قلبه ، من التي تسرع النبات ، ليكون كسحه لها على حسب ذلك. وليس ينبغي الابتدا في الكسح قبل طلوع الشمس (ولا إلى) ثلث ساعات تمض من النهار ، خاصة في المواضع الباردة ، لان اغصان الكروم حينيذ تكون مقشعرة من الريح الباردة التي تهب في السحر ، فانها تبرد الكروم والشجر والمنابت كلها. فيجب ان تحد المناجل مع طلوع الشمس بغاية الإمكان ، لتكون ماضية في القطع بسرعة حتى اذا مضى من النهار ثلث ساعات ودخلت الساعة الرابعة فينبغي ان يبتدي الكساح يكسحون ، فأنهم يجدون في هذا الوقت قضبان الكروم قد سخنت شيئا بالشمس. فان في هذا معنى لطيفا وهو ان المنجل الحاد اذا وقع على غصن او قضيب بارد كان قطعه له القطع الذي سماه صغريث المحدر ، قال لأنه يعرض للكرم حدر يضعفه ، واذا قطع الكرم وغيره وهو سخن ، قد تحلل الجليد ان كان سقط عليه منه شيء وجف من نداوة الجليد ايضا ، كان ذلك القطع هو المسمى السليم ، لان الكرم يسلم من الحدر وغيره من عوارض السوء. ويجب (على الكاسح) ان يبقي على كل (كرمة مستحكمة) يقال عليها انها تامة أربعة أغصان تسمى مناكب الكرمة ، ويكون في كل منكب قضيبان ليكونا كالعضدين لساير قضبان الكرمة المثمرة ، لان هذا ، اذا كان في الكرمة التامة ، ومعنى قولنا التامة هي المثمرة. ويجب ان تبقوا أيضا ، ان أمكن ، إلى جانب كل منكب من المناكب الاربعة ، قضيبا صغيرا يكون فيه عينان ، يسمونه حافظ المنكب. وانما سميناه هذا الاسم لأنه يكون بدلا وخلفا في العام المقبل الأتي من بعد ، اذا قطع القضيب المثمر من المناكب الاربعة ، وليبقى على الكرمة ثمرها وزيادتها بهذا القضيب.
(وقد سمى ادمى هذا القضيب) ، في النابتة من تركيبه ، المعتدل ، او قال المعدل ، لأنه الذي لا يدع الكرمة تفرط في الزيادة في النشو والانبساط ، فتخرج عن حدها المعتدل ، وهو ايضا الذي يثمر في السنة المقبلة ، لان هذا القضيب لا بد ان يثمر في الوقت الذي ذكرناه ، فانه أثمر وحان كسحه فينبغي ان يقطع ، فانه سينبت مع أصله قضيب غيره ، فيسمى هذا النابت ايضا الحافظ. فان لم ينبت من أصله بعد قطعه قضيب اخر فأنه لا بد ان ينبت في موضع قريب منه قضيب ، فيكون هذا النابت هو المسمى حافظا.
وجملة أمر أحكام الكسح في جميع البلدان باردة والحارة ان يحفظ على الكروم مقداراً ما من (الكبير والصغر) ، يكون ذلك المقدار معتدلا ، (لا يكسح كل كرم حتى يرجع إلى ذلك المقدار الذي يكون) في المنظر معتدلا او شبيها بالمعتدل. والمنفعة في التبليغ بالكرم إلى هذا المقدار المعتدل هي إن الكرم لو ترك لطالت قضبانه وأغصانه طولا مفرطا واتسع في الانبساط ، فضعفت بذلك قوته وانقبض عن الحمل ، فنقص حمله نقصانا فادحا وهرم الكرم (وعجز ، فلذلك) قد ينبغي ان تعلموا ان الكسح لا بد منه للكروم ، لأنه لها بمنزلة الدواء البليغ النفع. الا انه يجب ان يترك في الكرم الذي حمله أبيض قضبان خمسة أو أربعة في أربع جوانبه ، طوال خارجة في الطول عن جملة القضبان ، فان هذا شيء ذكر صغريث انه يبعث هذه الكرمة على زيادة الثمرة وتعجيلها. ولتكن هذه القضبان المبقاة في هذه الكرمة أغلظ القضبان وأغضها وأخصبها وأكثرها عيونا ، وأن يقوم كل يوم صبي فيأخذ كل قضيب فيهزه هزا رفيقا مرارا ثم يتركه ، فان صغريث ذكرها ان هذا الهز من انفع شيء لهذه الكرمة. فاما ينبوشاد فانه قال: ما اعرف (لهذا الهز) معنى ولا ادري ما هو ، الا ان يكون شيا يعمل على طريقة السحرة ، فانها طريقة مذمومة جدا.
قال قوثامى ان ينبوشاد كان رجلا باغضا (للسحر والسحرة) جدا وكان يسميهم المحتالين. فانه وقع له في شيء ما انه من نحو طريقهم او يشبه بعض إعمالهم أطرحه وأزرى عليه. وهو مع هذا يبغض صغريث ويدور حول (كلامه ، لا يغمز) عليه ولا يفصح بهذا. وإلا قال هذا الهز لأغصان بعض الكروم نافع ، كما قال صغريث ، ومعناه انه كالحركة للإنسان التي يعملها على طريق الرياضة ، فان الرياضة نافعة للحيوانات كلها ، (لا للإنسان) وحده ، حتى قد قال الأطباء ان الحم الحيوان الراعي اخف من لحم الحيوان القيام في مكان واحد ، ولحم الطاير اخف من لحم الماشي على أربع. وكل هذا فانما كان لاتصال الحركة وكثرتها ، فانه يحدث في بدن الحيوان المرتاض بالحركة خفة ولطافة بما يحلل عنه من فضول الرطوبات. وانفع من تحليله هذه الفضول انه يجعل ما بقي من الرطوبات الغليظة المختلفة في أبدان الحيوان نضجه قد أسخنتها الرياضة ، فهي لا تلصق وتلزج في مواضعها ، بل تكون متهيئة للخروج بادر علاج. فهذا هو معنى قول صغريث ان ((هزوا اغصان الكرم)) فأن هذا الهز نافع كأنه رياضة لها يخفف عنها فضول الرطومات الغليظة التي تعتور النبات ، لأنه أغلظ من الحيوان في الجملة وابرد. ولولا انه بارز للشمس والهواء والرياح أكثر من بروز الحيوانات ما صلح ولا نشأ ولا أثمر ، لكن ما يناله من السخونات المختلفة يحييه وينميه ويبسطه.
فاما الكرمة التي عنبها كبار ويضرب في لونه ، ( اذا بلغ) ، إلى الحمرة ، فينبغي إذا كسحت ان يترك لها قضبان طوال كبار أطول وأكبر من تلك التي قدمنا مثل هذا اعمل فيها. وقد يكون من نوع هذه الكرمة حب عناقيدها اصغر ، وهذه مستديرة مثل تلك ، وهذه المسماة بلغة أهل بابل ماروطيشا ، وهي التي شرابها أفضل الأشربة كلها ، وصفاه اسرع ، ولونه أحسن ، وطعمه أطيب ، ويخرج منها ماء (في العصير أكثر) كثيرا من كل الكروم ، فهذه ينبغي أن يترك لها عند الكسح ما ذكرنا من القضبان التي سميناها مناكب ، ويكون في كل منكب من القضبان الأربعة قضيب واحد طويل ليس بمفرط الطول ، لكن يكون أطول الأربعة.
فاما الكرمة التي يعلو لونها سواد ليس بشديد وعنبها مستدير فينبغي أن تكسح مرتين ، يبقى لها في المرة الأول قضبان ، سبيلها إن تكسح فلا تكسح . فاذا مضت ايام نحو العشرة وأقل رجع الكاسح فكسح التي أبقى ، فان هذا صالح لهذه الكرمة التي تكسح دفعتين لا دفعة واحدة.
فاما الكرمة التي عنبها مستدير وهو أبيض تعلوه خضرة تشوبها صفرة فينبغي ان تبقى لها قضبان قصار لا يكون فيها بمبلغ الجهد شيء أطول من شيء ، ولكن ينبغي ان يكون في كل قضيب مما يترك من قضبان هذه ثلثة أعين أو أربعة او ما أمكن مما هو أكثر من اثنين.
فاما الكرمة التي عنبها صغار ومكتنز ويشوب لونه حمرة ، فاذا زاد النضج عليها ضربت إلى السواد ، فينبغي ان يترك لها فضل قضبان لا طوال ، كما ذكرنا في غيرها ، لكن إل القصر ، ويكون عددها سبعة وثمانية وستة ، فان هذه الكرمة تحب كثرة القضبان ويوافقها ذلك.
وأما الكرمة التي لون عنبها اسود خفيف السواد ، وهو مستطيل ، فينبغي إذا كسحت أن يبقى لها في أعلاها أو في أسفلها أربه قضبان وتكون أطرى القضبان وأخصبها وأجودها ، وان تزبل هذه الكرمة باخثاء البقر مخلوط بزبل قد جمع من شطوط الأنهار مختلطا بتراب ، فان هذا يوافقها جدا. ولا تزبل هذه بخرو الناس ولا بزبل الحمام.
وإما الكرمة التي عنبها مدور ولونه اخضر إلى البياض فانه يجب أن تكسح أغصانها كلها ويبقى فيها من تلك المناكب (من أجود القضبان أربعة ولا يبقى لها الخامس) الذي سميناه حافظا ، وان بقي لها حافظ فليكن قصيرا جدا ، فان هذه الكرمة تبغض كثرة القضبان وطولها ، فلذلك قلنا فيها ما قلنا.
وأما الكرمة التي عنبها مدور صغار ، هو أكبر من تلك التي قدمنا القول فيها قبيل هذا الموضع ، الذي يشوب لونه أدنى حمرة ، فانها التي سماها صغريث الكرمة الزعرة ، لأن شرابها قابض جدا وقليل الصفا بعيده مع ذلك ، وخمرها نزر قليل ، فينبغي أن يؤخر كسحها إلى الفراغ من كل الكروم . وتكون المناجل (التي تكسح هذه) بها أمض واحد واجود ، فان هذه ان كسحت بمنجل فيه ادن تقصير في القطع وسرعته اضر بها لزعارتها وشد قبضها. وقد سماها ينبوشاد الكرمة الصلفة وأمر ان يرفق بها في الكسح وان تهز كثيرا وان تطم اصولها الكسح قليلا بقليل ولا يؤخر ذلك عنها. وخمر هذه مع قلته شديد الاسكار. وهي التي نهى ينبو شاد عن شراب خمرها ، قال: لأن شرابها يضر بالدماغ والعينين ضررا كبيرا. قال فاذا اضطر مضطر إلى شربها فليقدم قبل شربها اكل شيء من قضبان الكرنب الغضة نية ولا يكثر من هذه القضبان بل يقل ، فان قليلها كاف في دفع ضرر هذه الخمرة ، وليتنقل عليها بالسفرجل أو الرمان ممصوصة أو العناب أو اللوز الحلو المقشر.
ولتترك القضبان في الكروم اذا كسحت ، قول عام عليها كلها ، وهو من جهة السنين التي قد اتت عليها ، وذلك ان الكرم قبل أن يأتي عليه أربع سنين لا يكاد أن يكسح ، (فيجب اذا دخلت السنة الخامسة ان يكسح في السنة الخامسة) ، في وقت الكسح منها . فيجب إذا كسحت هذه التي قد اتت عليها أربع سنين من جميع أنواع الكروم ان يترك لها (قضيبان قضيبان) ، في كل قضيب أربعة أعين واقل بواحدة وأكثر بواحدة. وينبغي ان يعمى منها عين واحدة أو عينان ، وتكون المعماة مما يلي ساق الكرمة واسفل القضيب ، ثم بعد ان تعمى تحدد بالمنجل لتمتنع بذلك من النبات. ولتترك العينان المبقاة التي مما يلي اعلا القضيب ، فان هذه تنمي بها الكرمة. وهذه ينبغي ان تكسح في الربيع خاصة ، فهو اجود لها. ويكون قد تقدم صاحبها فأقام إلى جانبها خشبة اغلظ من القضيب قليلا ، ولتكن قوية ، فان دقتها مانع من (تثقيلها الغروس). وليكن طولها من خمسة اقدام إلى سبعة. ولا تتركوها تظلل الكرم ولا باقل القليل ، وذلك يكون بأن تجعلوها دقيقة قصيرة على القدر الذي ذكرنا. ويكون هذا الخشب المغروس إلى جانب الكرم قد جردتم لحاه كلها. وإنما اشرنا بذلك لأن الذراريح تتولد فيما بين قشور هذا الخشب وابدان الخشب ، اذا ناله النداوة من (الماء والأرض) وندى الليل وندى الكرم . وهذه الذراريح مضرة بالكروم ، فلذلك اشرنا بالجرد للحايها كلها ليلا يكون لها قشور تنقشر وتقوم فتختفي فيها الذراريح وغيرها من الهوام. ويجب اذا اقمتم الخشب ان تمدوا الغروس عليها وتشدوها إليها بخيوط قنب أو بشريط معمول من الخوص .
فاذا كسحتموها في السنة الثالثة ، فليترك لها ثلثة قضبان أو قضيبان ، على مقدار ما يرى الفلاح من قوة الغرس أو ضعفه. فاذا حملت العناقيد اول الحمل فينبغي ان تزيدوا في اقامة ألخشب إلى جوانبها ليقوى الخشب على حمل الكرم ويحمل ثقله ، يعي ثقل عناقيده .
وقد قال ينبوشاد إن الحذق في الحفر لأصول الكروم وتجويده يقوي الكروم تقوية هي ابلغ من وضع هذا الخشب واجود تقوية ، وينفعها لغير التقوية . فينبغي ان تحفر الكروم قبل ان تنبت الفروع اللطاف وتحمل الكروم حملها ، فانها ان حفرت وقد حملت كان الحفر سببا لذهاب كثير من الثمرة بحركة الحفر والهز للكرمة ، وانما ينفعها الهز في غير هذا الوقت ، فاما هذا الوقت فانه يضرها . فلهذا قلنا انه ينبغي ان يكون الحفر قبل ذلك.

واعلموا ان كثرة الحفر حول الكروم دايما يخلخل الأرض باثارتها ، فتقوى الكروم بذلك التخلخل وتمتد (عروق الكروم) ، ويكون هذا الحفر بعد الطم والطم بعد الحفر. وتكرير ذلك سبب (لقوة الكروم) وكثرة اجتذابها الغذاء ، (فيزيد ذلك) في ثمرتها زيادة كبيرة. ومتى نبتت فروع الكروم والفلاحون يحفرون في اصولها (ولم يتم الحفر) ، فينبغي ان يمسكوا عن الحفر حتى تقوى تلك الفروع النابتة. فاذا قويت وكبرت فحينيذ ينبغي ان تحفروا اصول الكروم حولها كما تدور ، ويجب ، وهو صواب ، ان يطول زمان الحفر لتتنفس اصول الكروم ، وان ذلك لها جيد . ويجب ان يتوقى حفارها ان يصيب ساق الكرمة أو شيئا من اغصانها المعول بحده فيخرجه ، ويتوقى ان ينخس الكرم ولو نخسة يسيرة ، فان الحديد اذا جرح الكرم اضعفه وكان عليه بمنزلة السم.
وهذه الكرمة المجروحة بالحديد هي التي ناح عليها بادروكا الشاعر حين شرب خمرة عند خمار بقرية الباكيانا بسورا ، فلما شرب منها رطلين ظهر له فيما قال انها خمرة معتصرة من ثمرة كرمة جرحت بمعول آو بغيره من آلات الحديد ، فانشأ يقول في قصيدته التي ناح فيها على هذه الكرمة المجروحة فقال فيها : "ان كرمة جرحها فلاح جاهل بعلاج الكروم وجاهل بمقدار الكرم ومقدار عصيرها ، فجرحها وانكاها نكاية اسقمها بها. فادى ذلك السقم إلى الخمر المعتصر منها سقما. فشلت يمينه وسلبته الآلهة العافية واسقمت بدنه ، كما نغص علينا مجلسنا هذا وشرابنا هذا! فنحن لا نطرب لصوت الطبل والناي ولا يدخل قلوبنا السرور الذي يدخل قلوب الناس من شرب الخمر. فسلط الله عليك من يجرحك كما جرحت هذه الكرمة المسكينة. فلو انها كانت بنت ستين سنة فلم تتلفها جراحتك ، يا ملعون لكانت قد تلفت من شؤم يدك. ولا لقيت فرحا ولا سرورا ابدا ما عشت! ويعز علي بك ، ايتها الكرمة ، لما نالك من هذا الشؤم ، فانك ستبرين قريبا ، فلا نغتم إذا عليك".

(فقد انتهى) بعض ما ينبغي ان نقوله في كسح الكروم (وما يتبع ذلك. وقد كنا قلنا انا نقدم الكلام في كسح الكروم) على ذكر ادوايها الأربعة ، وقد ذكرنا منه طرفا والحقنا به ما يجب ان نلحق به.

avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: اشجار كتاب الفلاحة النبطية لأبي بكر ابن وحشية

مُساهمة من طرف wara_qa في الإثنين سبتمبر 29, 2014 3:58 pm

باب ذكر كيف تزرع الكروم

فاما ادواء الكروم الأربعة التي اولها الآفة النازلة عليها التي نبت إلى النجوم ، وهذه الآفة تعرض للكروم منذ تورق ورقها وإلى آخر أيلول . فعلامة هذا الذي سموه آفة النجوم ان يحمر ورقها حمرة شديدة ناصعة ويحمر بعض علايقها لا المعلاق كله ، بل يتبقع بالحمرة في موضعين ثلثة منه ، وتكون تلك الحمرة التي ظهرت في الكرمة ، وتسود من أغصان الكرمة المواضع التي هي حول الأوراق التي قد احمرت ، ويقوم في ساق الكرمة وفيما غلظ من أغصانها قشور من الكرمة كأنها قد قشفت ، ويصغر عنبها ويقل ماوه وينقص مقداره.
وانما سموا هذا العارض آفة من النجوم لكثرة عناية قدماء الكسدانيين ، كانت في الزمان الخالي ، لأحوال الكواكب ومعاريضها في أفلاكها ودوايرها ، وتفقد ما يحدث في الأرض مع حوادث تكون لها ، من مثل مقارناتها واتصالاتها وانصرافاتها وهبوطها وصعودها وعلو بعضها على بعض وممر بعضها تحت بعض وكسوفاتها ، فوجدوا لكسوفي الشمس والقمر تأثيرات كبيرة عظيمة كلية وجزئية ، ووجدوا لكسوفات الكواكب بعضها ببعض تأثيرات بعضها يشبه تأثيرات كسوفي النيرين وبعضها لا يشبهه ، فاذا هم رصدوهم إلى أن وجدوا هذه الآفة تحدث بالكروم بعقب كسوف المريخ للمشتري ، وهذا قد يعرض دايما اذا اتفق ان يعرض في الأوقات الموجبة للاتفاقات. فلما وجدوا هذا التغيير يعرض للكروم بعقب كسوف المشتري من المريخ نسبوه إلى آفة من النجوم. وهذه الآفة متى تغوفل عن علاج الكرم منها مات البتة. فينبغي أن يعالج بما نصف.
فان أصحاب كتب الفلاحة اختلفوا في علاجها. فقال الكنعاني : ينبغي ان يخلط الزيت بالخمر خلطا جيدا ويطلى على الكرمة باليد. وقال انوحا : يجب ان يغلى الزيت والخمر والماء العذب طبخا جيدا وتلطخ به الكرمة تلطيخا جيدا. وهذه الثلثة حارة لم تبرد. وقال صغريث : يجب ان تثقب ساق الكرمة وأغلظ موضعا منها ، وينفذ الثقب إلى الجانب الآخر ، ويدخل فيه خشبة من خشب البلوط على هيئة الوتد ، ويحفر في الأرض في أصل الكرمة ، ويدخل في ذلك الحفر قطعة خشب من خشب البلوط ، ويلصق بأصل الكرم ، ويطم التراب فوقها ، ويصب في أصلها شيء من المرى المخلوط بالماء خلطا جيدا.
وأما ينبوشاد فقال في علاج هذه الآفة ان يصب في أصل الكرم ، ثمانية ايام يوم نعم يوم لا ، من أبوال الناس ، ويرش على ساقها من هذا البول ، فانه نافع يزيل هذه الآفة ، ثم يمسكون ، بعد صب هذه الثمانية ألأيام ، البول في أصولها ثمانية ايام تسمى ايام الراحة ، ثم يأخذون شيئا من دبس فيديفونه بالماء حتى يختلط ويكون بين الرقيق والثخين ، ويطلون به ساق الكرمة وما امتلا وغلظ من اغصانها. وان اجتمع على ذلك النمل وغيره من الدبيب فلا تبالوا ، دعوهم فإنهم يتفرقون عنها بعد ذلك.
فاما نحن فانا جربنا ان ادفنا الدبس بالخل الخمري الشديد الحموضة نصفين ، ولطخنا به الكرمة وأخذنا شيئا من خشب البلوط وأحرقناه وجمعنا (رماده فبللناه) ببول البقر وصببناه في اصول الكرم ، فنفعه ذلك بعد ان عملناه مرتين ، اعني انا صببنا هذا في أصل الكرم مرتين ، وعالجنا العقر الذي نال الكرم بالمعول بالزيت والماء والخمر المخلوط خلطا جيدا ، اما بالطبخ والغليان والتحريك ، واما بخضخضته في القناني ، والغليان اجود.
قال قوثامى : وقد اخبرني بعض الفلاحين ان اهل بارما يعالجون هذه الآفة ببول البقر مخلوط بالخمر ، يصبونه في أصولها ويرشونه على اغصانها ، لا على كل الاغصان بل على بعضها ، ولو على غصن واحد منها غليظ ، فينتفعون بذلك. واما اهل اسافل اقليم بابل ، مثل الابلة واطراف القريات فانهم يصبون في اصول هذه الكروم ماء البحر (ويرشون منه) عليها دايما إلى ان تزول الحمرة عن أوراقها ومعاليقها وتلتصق القشور التي كانت تقسمت أو تذهب عنها ، وينبت بدلها قشور غيرها.
قال قوثامى : وكل هذه الوجوه صالحة ان تعالج بها الكروم التي اصابتها الآفة. (الأ اني) ارى ان تعالج الكروم من هذه الآفة في البلد البارد بما وصفه انوحا وطامثرى الكنعاني وتعالج في البلدان التي هي اسخن بما وصف غير هذين من الصفات.
فاما السحرة فانهم يعالجون هذه الآفة بأن يأخذوا يبروحا لطيفا فينجمونه بين الكروم ثلث ليال ويدعونه بالنهار بمكانه ، ثم يبردون جسده بمبرد حديد حتى ينسحل كله ويصير براده ، ثم يطبخونه بالماء والخمر حتى يغلي أربعة عشر غلية جيدة ، ثم يرشون ذلك على الكروم ويقولون ان هذا الدواء ابلغ الادوية. وكل اعمال السحرة مكروهة عندي لا أقول بها ولا جربت هذا الذي وصفوه ولا اجربه. فمن احب ان يجوبه فليفعل. على ان الناس اغنياء عن (تجربة هذا) ، خاصة بما ذكرنا من صفات الناس فيه وبما قلنا انا جربنا.
واما الداء الذي سموه سقما ، فقالوا قد سقم (الكرم ، فهو سقيم ، فعلامة هذا الداء ان تنقطع) ثمرة الكرم ، فلا يثمر شيئا البتة. وربما طلعت منه العناقيد وفيها حب على قدر السمسم والشهدانج ، ثم يجف قليلا حتى يبطل وينتثر. فعلاج الكروم اذا سقمت ان يجمع من حطب الكرم الذي يكسح منها في كل سنة ويضاف اليه شيء من أوراقها ويخلط بهذا مثله من خشب البلوط او خشب الدلب اليابس ويضرما بالنار حتى يحترقا ، ويجمع الرماد جيدا فيجعل في أوان اجاجين أو جرار أو حباب خزف وما اشبهها ، ويصب على الرماد ماء عذب ويخلط في الاواني بالخشب حتى يختلط. فيؤخذ وهو ماء رقيق فيه الرماد فيرش على ساق الكرمة وما غلظ من اغصانها ، فان ذلك يزيل سقمها عنها.
واما ينبوشاد فانه اشار ان يكون هذا الماء خلا حامضا ويساق السياقة التي وصفناها بالماء بعينها. فاما طامثرى الكنعاني فانه وصف لعلاج الكرمة السقيمة بول لناس وحد ، فقال : يصب في أصلها ويرش على ما علا من أصلها عن الأرض ، يكرر هذا عليها مرارا ، فانها تبرا. واما صغريث فانه كان صاحب ضياع واسعة ، فانه وصف للكروم السقيمة أن يقطع الكرم كما هو حتى يبقى أصله في الأرض وما فوق الأرض من خشبه مقدار ذراع إلى ذراعين ، ويؤخذ من التراب الذي في أصل الكرمة فيخلط بالزبل الذي وصفناه في هذا الكتاب ، في باب الا زبال ، ويطم الأصل مع ذلك البارز منه فوق الأرض طما خفيفا بلا كبس ، ويرش عليه الماء ويدعه هكذا ، فانه لا بد ان ينبت (في ذلك الباقي منه فوق الأرض من اصله نباتا ويطلع منه اغصان. فاذا نبتت) هذه الفروع فلينظر الفلاح اليها ، فما كان منها ضعيفا فليقطعه ويرمي به وما كان قويا تركه لينشو. فاذا كانت السنة الثانية ، اختار من تلك القضبان الباقية اجودها فتركه وانتن ع ساير القضبان انتزاعا لا كسحا بالمنجل. قال صغريث : فليس تبرأ الكرمة السقيمة الأ بهذا العمل بعينه. فاما أن تعالج بما وصفه بعض الناس لها فانه لا ينجع فيها ولا يساوي شيئا ، لأننا جربناه فلم يصلح للكروم السقيمة ، ولا يزول السقم عنها البتة فلا يعود إليها ، الأ بهذا القطع لها والاستيصال البتة. فاما علاجها بالرماد فانه جيد يزيل السقم عنها ويخففه قليلا ، ثم يعود السقم اليها فتنقطع ثمارها ، فليس له غير ما قلنا واستيناف نبات كرم آخر ، الأ انه من ذلك الأصل.
قال قوثامي: وأنا جربت ان رش بول الناس على الكروم السقيمة وصبه في ) اصولها دايما يشفيها من السقم وتحمل حملا جيدا كما كانت في بدو صلاح صحتها . واظرف من بروها من سقمها ان صب هذا البول في اصولها يطيب رايحتها. وقد كانت امرأة من بعض نساء اكرتي بطيزناباذ ، في ضيعتي ، الكرم الذي لي بها ، جآت إلى مدينة بابل فاخبرتني انها رأت في النوم كأن امرأة ، زعمت طويلة بيضاء عجوز ، تقول لها : << امضي إلى قوثامى فقولي له : عالج الكرم اذا سقم وانقطعت ثمرته بماء الفجل المعتصر منه ، صبه في اصولها ورش عليها منه ، اعني من مايه ، فانه يشفيها>>. فتقدمت اليها ان ترجع إلى طيزناباذ وتخبر رئيس اكرتي بذلك وتقول له عني (أن إعمل) هذا بكروم كان قد نالها هذا السقم هناك ، ثم غفلت فلم اذكر هذا. وكان هذا الاكار الذي لي في تلك الضيعة رجلا محصلا جيد العقل ، فلم يلتفت إلى منام المرأة ولم يعالج ما سقم من كرومي ، وكانت ثلثة قد نالها السقم ، بل عالجها باستيصالها البتة ، كما وصف صغريث ، وكسحها ثلاثتها وطمها حتى نبتت ، فكان من أمرها ما كان. فلما صرت إلى الضيعة بعد زمان ، سألته عن الكروم السقيمة وعن منام المرأة ء فجعل يهزأ بالمرأة ومنامها (وقال : قد عالجتها) بما ذكر صغريث ، لأنه ابلغ ما تعالج به هذه السقيمة ، ولم ار علاجها بغيره ، وقد نبتت فروعا جيادأ>> . فحمدته على ذلك وجزيته خيرا.
وهذه الوجوه من العلاجات كلها صالحة ، فجربوا منها ما قرب متناوله. وقد أخبرناكم بما علمناه منها فانجع. وهذا المنام الذي رأته المرأة فيه نظر. وذلك ان الفجل عدو (من اعداء الكرم) ، فاذا زرع فيما بينها امرضها. والمرأة رأت ان ماءه اذا اعتصر كان شفا من سقم الكرم. والقياس يوجب ان هذا باطل ، لكني انما قلت لها ، لما اخبرتني بالمنام ، ان تمضي إلى اكاري فتخبره بذلك ، هو شيء كان مني على طريق المشورة للاكار وابتلاء عقله. فكان الاكار عاقلا فلم يلتفت إلى هذا المنام ولم يصدقه ، بل عمل في علاج سقم الكروم بما قد عرفه وخبره وجرت له العادة بتجربته.
واما المرض الذي سموه عارضا فانه ضربين : احد يسمى عارضا ، وهو الكبير ، فهو جفاف ثمرة الكروم ، فانها ترى غضة لا علة فيها ، حتى إذا صار الحب مثل الحمص واكبر قليلا ابتدأ في الجفاف على ترتيب قليلا قليلا حتى يجف البتة. ودواء هذه عدة ادوية ، لكل واحد من حكماء الفلاحة رأي في شيء قد جربه.
اما صغريث فقال : ينبغي اذا صار حب العنب مثل الحمص ثم ابتدأ يجف وييبس ، فان الجفاف ليس يأخذ في العنقود كله ، وانما يبتدي يأخذ في شمراخ من شماريخ العنقود مما يلي رأسه والذي هو آخرها في أسفله. قال فاذا رأيتم هذا الجفاف واليبس قد ابتدأ ، فانتقوا ذلك الشمراخ من العنقود الذي ابتدأ ييبس واجذبوه في النتف جذبة ( تسمى نترة) ء ثم لطخوا مما يلي ذلك الشمراخ من العنقود برماد (حطب الكرم قد) عجن بخل وزيت عجنا جيدا ، فان هذا قد جربناه فوجدناه منع من يبس العنب. لكن انما يزول ذلك كله بتمام عمله وتمامه ان يؤخذ رماد حطب الكرم وأغصانه مع ورقه ورماد العصفر ، يؤخذ نباته وأشجاره كما هي فتحرق. فاجمعوا بين الرمادين ثم اعجنوه بخل مخلوط بزيت ، وليكن الخل في غاية الجودة ، ثم لطخوا به ما غلظ من اغصان الكرمة وساقها كلها ، وليكن رقيقا في رقة قوام الماء ، ورشوا منه شيئا على ما دق من اغصانها ، فانكم اذا فعلتم ذلك منعتم المضرة.
واما ماسي السوواني و ينبوشاد فأنهما وصفا لهذا العارض رش بول الجمال أو بول الناس على أسفل الكرمة وما علا عن الأرض من ساقها ، يرش ذلك عليها في اليوم ثلث مرات ، سبعة ايام. وليكن البول معتقا ليحتد في الشمس. فان لم يكن لكم بولا معتقا فاخلطوا بالبول شيئا من خردل وانقعوه فيه ثلثا في الشمس ودقوا الخردل قبل القايه في البول ورشوه على ساق الكرمة بعد تركه ثلثة ايام.
فاما انوحا فانه وصف لذلك ان يؤخذ لب الجوز فيدق مع عكر الزيت وزنا سواء ، فاذا اختلطا جيدا فليرققا بالخل الجيد حتى اذا صار كالماء الرايق فليرش على الكرمة واغصانها ، ويفعل ذلك عشرين يوما ، (يوما يوما) ، قال فان الكروم يزول عنها هذا العارض ، ومع زواله عنها فانها تقوى وتخصب ويقوى حملها ويصلح ويكثر الماء في حملها. ثم قال : وان شئتم فانبشوا اصل الكرم الذي قد عرض له هذا العارض وصبوا فيه عكر الزيت مخلوطا بالخل ، وليكن الزيت اكثر جزأ من الخل ، ثم اتبعوه بعد ساعة بالماء ، فان هذا اذا لصق بعروق الكرم ووصل اليه مع الماء ازال عنه ذلك اليبس الذي قد عرض له.
قال قوثامي : هذه الوجوه والعلاجات كلها صالحة جياد ، قد جربنا ها فوجدناها صدقا. واما الضرب الآخر الذي سموه عرضا ، وهو الصغير من هذين العارضين ، فهو الذي اذا كسح الكرم (او انتزع) منه غصن بالنتر سال منه رطوبة مفرطة. فالعلة والسبب في هذا انه مثل اجتماع البلاغم في جسد الانسان نية غير نضجة ، فاذا لم تنضج فتصير دما ، احتقنت في المواضع التي لها ان تحتقن فيها. فاذا طال عليها الزمان احتدت (وبردت وبرزت) ، فاي الحالين عرض لها صارت داء قاتلا أو عرضا ممرضا مرضا يؤدي إلى الزمانة والانقطاع عن الحركات. فكذلك هذه الرطوبة السايلة من الكرمة انما هي غذاء لم تقو الطبيعة على احالته (من الكرمة) إلى بدن الكرمة فتغتذي به ، فبقي فجا ، وهو مع فجاجته مائي رقيق جدا. الا ان الحرارة في جميع النبات اقل منها في أبدان الحيوان ، لأن ابدان الحيوان الطف وهي أكثر حرارة ، و(ان) ابدان النبات الغالب عليها غلظ الأرض والماء ، فهي لذلك اغلظ وابرد. فالفضول فيها ليس لها حرارة تنضجها كما تنضج الفضول في ابدان الناس خاصة ، ثم في ابدان ساير الحيوان. فالفضول في المنابت رقيقة مايية ، فاذا كسح من الكروم غصن أو نتف انبعث منه رطوبة سايلة مفرطة ، ان بقيت في الكرمة اضرت بها ، وان خرجت منها اضعفتها فاضرت فليس علاجها ان تسيل هذه الرطوبة عنها على هذا الوجه من السيلان ، بل كما (نصف بعد) هذا الموضع ، وهو الذي قال فيه أولا كاماس النهري القديم: ان هذه الرطوبة السايلة من الكرم عند كسحها أو نزع الاغصان عنها انما هي غذاء غير نضيج ولا منبث في جميع جسم الكرمة ، ولهذا تدفعها الكرمة عنها . فان هذا متى تزايد على الكرمة فكثر فيها خنقها فجفت. فاذا أردتم زوال ذلك الداء عن الكرمة فسهلوا الطريق لهذا (الفضل المحتقن في الكرمة ليخف) ، ثم عالجوه. وتسهيل الطريق هو ان يشرط ساق الكرمة شرطا في مواضع هي غير اصول القضبان وغير اصول احد منابت فروع الكروم ، حتى يسيل من تلك الفضول ما رق منها ، على انه ليس فيها غليظ يحتبس فيها لأجل غلظه ، فهي تنحلب منها على الأيام قليلا قليلا حتى تنفذ.
فاما صغريث فانه اخذ هذا وتعلمه من كاماس النهري. والدليل على ذلك انه وصف لعلاج هذا المرض صفة فهي قياس على صفة كاماس ، فقال : يجب ان يعالج هذا المرض بعقر الكروم في مواضع من سوقها وفيما غلظ من خشبها وفي أوساط قضبانها الغلاظ الكبار منها. ولا يكون ذلك في احد العيون بل فيما بين عين وعين ، يعقر عقورا ويحز حزوزا لتسيل الرطوبة منها ، ولا يكسح منها شيء بمنجل ولا ينتزع منها غصن انتزاعا ، فان الرطوبات ستسيل من مواضع العقور والحزوز حتى تفنى برفق رفيق ولا تضعف الكرمة. وهذا يشاكل إستفراغ الناس الفضول من ابدأنهم بالقي والعرق على مهل وفي رفق. وينبغي ان تزبل في هذه الأيام التي تسيل منها الرطوبة بزبل لين غير حاد. و الزبل اللين هو الذي لا يقع فيه خرو الناس ولا زبل الحمام ولا شيء حاد ، بل يكون مركبا من إخثاء البقر وورق الكرم والقرع والبطيخ والقثا ، تعفن هذه مع اخثاء البقر حتى اذا صارت هباء خلطت بمثلها تراب سحيق مجموع من المزابل ، ونبشت اصول الكروم وطمت بها. ولا تغبر الكروم البتة بزبل ولا بغيره ، بل تصان من الغبار بمبلغ الجهد. قال وقد جربنا ان هذه الرطوبة اذا سالت من الأغصان بالكسح أو بالانتزاع ضعفت الكرمة ، واذا سالت بهذه العقور وهذه الحزوز لم تضعف البتة. فهذا علاج هذه العلة.
قال فإذا مضى على هذه العقور وهذه الحزوز ثمانية وعشرون يوما ، فخذوا دردي الزيت والقوا عليه إما لب جوز مسحوق أو لب لوز أو فستق مقشر أو شيء من دقيق شعير سحيق. وان لم تجدوا من هذه شيئا فاطبخوا دردي الزيت وحده حتى يذهب بعضه ويبقى بعض ، ثم اتركوه يبرد (جيدا ولطخوا به مواضع) العقور والحزوز ، وافعلوا في (ذلك هكذا وانظروا) ، فان كان بعد هذه الأيام نزول سيلان الرطوبة من الحزوز و العقور كثيرا جدا ، فلطخوا بهذا الدردي أسفل موضع السيلان وفوقه وحوله كما يدور ، وان كان سيلان الرطوبة قد خف ، وانما بقي منه كدموع ، فلطخوا به موضح العقور والحزوز نفسها. وهذا ففيه شيء آخر وهو انه اذا غليتم هذا الدردي ، إما وفيه بعض اللبوب التي وصفناها أو وحده ، فاعمدوا إلى اغلظ موضع في الكرمة فاجرحوه في مواضع والطخوا بهذا الدردي تلك الجروح ، فان الأمر في هذا وذاك واحد. (فهذه صفتا) كاماس النهري و صغريث.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب في ذكر الكروم

مُساهمة من طرف wara_qa في الإثنين سبتمبر 29, 2014 4:01 pm

باب ذكر كيف تزرع الكروم

فإما انوحا وطامثرى الكنعاني و ينبوشاد الفاضل فانهم اجمعوا على علاج واحد ، وهو غير المتقدمة البتة ، فقالوا: ينبغي ان يستعمل للكروم التي قد اجتمع فيها فضول كثيرة خارجة عن الطبيعة ، فامرضتها واضعفتها ، سكينا من خشب التوت حادا ، احد ما يمكن ان يحد ، ثم يتبعون مواضع العيون في اغصان الكرمة ، غلاظها العظيمة الغليظ والمتوسطة والدقاق ، فيعقرونها بتلك السكين الخشب عقورا بالغة ويقشرونها تقشيرا يتقلع به القشر وشيء من الخشب. وكلما كانت هذه العقور بالقرب من أعين فهو اجود ، بل النافع منها ما كان موقعه بين عينين من عيون الكرمة. وكلما كانت هذه السلوخ والعقور في اغلظ موضح من الكرمة كان انفع. ثم يأخذون من رماد خشب الكرم جزأ ومن الدبق جزأ ومن الاشق جزأ ، فيدق الدبق كما هو ، فانه لا يندق بل يتفسخ ، فاذا تفسخ ودخل بعضه في بعض ، فرشوا عليه شيئا من خل يسير وزيدوا في دقه حتى يتداخل ، ثم القوا عليه الرماد و الاشق قليلا قليلا حتى تختلط الثلثة بالدق اختلاطا لا يتبين شيء منها من شيء ، وانتم ترشون الخل دايما ، حتى اذا صار كالجوارشن فصبوا عليه شيئا بعد شيء من الخل حتى يرق فيصير في رقة احد الأشربة ، كشراب البنفسج والسكنجبين ، ولطخوا به تلك العقور والسلوخ التي عقرتم وسلختم ، وخذوا من هذا الدواء شيئا فاخلطوه بالماء وصيروا الماء في اصول الكرمة ، فانها تنتعش بذلك إذا وصل هذا الدواء إلى عروقها . فان من طبع هذا الدواء ان يجتذب الرطوبات من غور بدن الكرمة إلى ظاهرها ويخرجها عنها ، فتنتفع بذلك منفعة بليغة.
قال ينبوشاد : وهذا الدواء ينبغي ان يستعمل في هذه الكروم في وسط الربيع ، وذلك في نصف نيسان وإلى نصف آيار الاول وفي التشارين ، فان ألأمر في هذين الوقتين واحد ، وأدمنوا استعماله . ولو لطخت كل كرمة بهذا الدواء في موضع واحد من ساقها الأعظم بعقر واسع اغنى عن الإكثار منه في مواضع كثيرة من الكرمة ء لكن الإكثار وزوال الداء يكون عنها في زمان هو أقصر وفي مدة هي اقل. فان هذا مما دلتنا عليه الكواكب فجربناه فوجدناه صحيحا.
قال طامثوى : وهذا الدواء اذا أضيف إلى الزيت والماء العذب واختلطت كلها كان فيه حياة الكروم الجافة اليابسة الميتة التي لا يشك احد انها حطب. وان فيه لفايدة جليلة عظيمة ، لأنه يحي الميت منها ويبعثه حيا حتى يورق وينبت ويحمل. قال أبو بكر (احمد بن وحشية) : وقد وجدت في بعض كتب السحرة من أهل بابل ان الماء اذا خلط بالزيت ورش عل الشجرة اليابسة الميتة رشا من الفم ، كأنه يؤخذ الزيت والماء من الفم ، ثم يرش على الشجرة منه ، قال فانها تعيش وتورق وترجع إلى الحياة. يفعل هذا بالشجرة في كل يوم مع طلوع الشمس ، وان كان القمر زايدا في الضوء فهو الأصل لهذا ، إلى ان تبتدي الشجرة تنبع الورق ، الا ان هذا انما وصفه ذلك الساحر للشجرة التي جفت وهي قايمة بمكانها في منبتها من الأرض ، لم تقلع ولم تقطع ولم تمس ، فانه اذا عمل بها هذا ، وهي على ما وصفنا ، قبلت الحياة وعاشت. وطامثرى قال ان هذا يحيي الكروم الجافة اليابسة الميتة التي لا يشك احد في انها حطب. فعندي ان معنى قوله ، يحيي الكروم النابتة في منابتها ومواضع نشوها من الأرض ، اذا أضفنا هذا من كلام طامثرى إلى كلام ذلك الساحر كانت الفايدة من اجتماعهما ما ذكرنا. ثم يرجع الكلام إلى صاحب الكتاب.
قال قوثامى : فهذه وجوه علاج هذا الداء على ما ذكره من أضفنا اليه الكلام (حكاية منا عنه). على ان في هذا المعنى باب كلام واسع هو أكثر مما قلنا لشرح الحال في هذه الرطوبة وشرح زيادة في علاجها. وذاك انها تعرض كثيرا للكروم وغيرها من الشجر وحتى ان قلت انها أكثر أمراض وعوارض المنابت كنت صادقا. وأيضا فانها ليس للكروم تعرض والشجر فقط ، بل وللمنابت  الصغار ، الأ انها لصغر اجسامها لا يكاد يجتمع فيها من الطول ما يضر بها اضرارا تحتاج من أجله إلى علاج ، وان حدث عليها ضرر أو مرض ، فليس يتبين لقلة اجتذابها الغذاء ، اذا اغتذت ، لصغر عروقها ودقتها ودقة اغصانها ، (وهذا كما قلنا) الأ في النخل خاصة ، (فان هذا داء) لا يكاد يعرض (للنخل ، فلا) يجتمع فيها وطوبات ، وذلك لعظم اجسامها وذهابها في الهواء طولا ، ولأن طبعها اسخن. وقد وجدنا ان النبات اذا عظم جدا صار حكمه في احواله حكم الصغير من النبات جدا ، فيسلم كل واحد منهما من ادواء تعرض للمتوسط بين العظيم واللطيف . وحصل لنا من هذا القياس ان الادواء ، تعرض للمنابت على حسب مقادير (جثثها ، فينبغي أن يكون لما كان في المتوسط اشياء مختلفة في المقادير) اجسامها من الطول والقصر ، انما يميز بينها فيحكم عليها بذلك الحكم الذي قدمناه في اختلاف المضار والمنافع بحسب اختلاف الكبر والصغر في الأجسام . فاما مقادير قواها في ( الكثرة والقلة) فانها بحسب عظمها ، فان الكبير منها اقوى من الصغير. فهذا في باب القوة ، واما في البقاء وطول العمر فان العظيم الجسيم منها أيضا ابقا واطول عمرا.
فهذه عوارض النبات من جهة مقادير الجثث ، هو غير اختلاف الطبايع وتراكيبها من العناصر وغير اختلاف اغذيتها واختلاف طباع ارضها التي هي قايمة فيها ، وغير اختلافها بما تقبل من اختلاف (الازمنة في الحر والبرد ، وما تقبل من اختلاف) أهوية البلدان من الحر والبرد أيضا وطباع المياه والترب أيضا ، التي هي مواد قوامها وأسباب حياتها ، وغير اختلافها بحسب اختلاف القيام عليها وافلاحها وعلاجاتها التي يعملها الفلاحون بها ، وغير اختلافاتها بايجاب اشياء غير هذه من احوالها مما يطول تعديده وشرحه.
فاما كلامنا في طول الاعمار وقصرها فهو في النبات كله ، كما قلنا ، وليس تنقاس عليه احوال الناس خاصة في طول اعمارهم وقصرها ، لأن للناس آفات تطرأ عليهم تتلفهم وتميتهم ، ليس على النبات مثلها ولا اقل القليل منها ، فصارت اعمار الناس موقوفة في الطول والقصر على جميع ما اضفناه إلى النبات وإلى تلك الآفات العارضة للناس ، فصارت قواطع اعمار الناس اكثر عددا وانكى موقعا واشر وقوعا من قواطع اعمار النبات وغيرها من الاجسام المركبة التي سبيلها ان تنحل إلى ما تركبت منه .
فهذا معنى متى ذهبنا نمعن فيه خرجنا بالبحث عنه عن الكلام على المنابت ، وهو شيء نحن بسبيله في هذا الكتاب ، فلنعدل عن ذلك ونعود إلى الكلام على النبات ، ثم على الكروم ، (ثم على ادواء الكروم) وعلاجاتها وساير احوالها .
فاما الداء المسمى اليرقان فانه لم يبق من الاقسام الاربعة التي قسمناها غيره ، فلنقل فيه ثم نتبع ذلك بما ينبغي ان نلحقه بهذه الادواء ، الاربعة من ادوأيها العارضة لها ، فانها قد تبقى انواعأ تحت تلك الاربعة كثير عددها. فلنقل في بعضها على سبيل ايجاز واختصار ، فنقول اولا : ان هذا الداء المسمى اليرقان قد يعرض لأكثر المنابت من صغارها وكبارها ، وذلك انه يعرض للنخل والكروم وبعض الشجر والمنابت الصغار. وهو ردي قاتل جدا. والسبب في حدوثه فساد يحدث في الهواء من زيادة حرارة ورطوبة محترقة تحرق الهواء احتراقأ لينا فتعفنه . فالسبب الاول فيها انها تعرض للهواء من قبل القمر لا من فعله عن قصد بل على سبيل العرض عند امتلايه من الضوء فانه يسخن بما يقبل من ضوء الشمس ، فيعكس ذلك الضوء وهو شعاعه المنفصل منه إلى الهواء. فاذا عكس ذلك على الهواء سخن الهواء سخونة يشوبها رطوبة ، فعفن الهواء فادى تلك العفونة إلى اشياء مما على وجه الارض ، فنالها الضرر.
فمن تلك الاشياء النبات ، الأ ان بعض النبات اسرع قبولا لهذا اليرقان من بعض. والذي هو اقبل هو النخل والكرم وشجر التين كلها وشجر الاترج وشجر النبق وغير هذه من الاشجار ، الأ انها الاشجار ، الحارة المزاج خاصة. ومن المنابت الصغار الحنطة ، فان اليرقان يضر الحنطة ضررا هو اشد واكثر من ضرره بالكروم وغيرها. وانما صار به اضر وعليه اشد لشيئين ، احدهما صغر نبات الحنطة ، والصغير اضعف من الكبير ، ليس في النبات بل (وفي الحيوانات) وغيرها ، فيصير ، من اجل صغره ، اليرقان له انكى وهو له اقبل لذلك. والسبب الآخر ان الحنطة حب ينعقد في سنبله ماء رايق ، ثم تجففه الشمس قليلأ قليلا على ترتيب حتى يكمل جفافه ، فهو بهذا الطبع من الرطوبة مع الحرارة يسرع إليه اليرقان ، لأنه حادث من عفونة الهواء ، واصله حرارة ورطوبة ، فلما شاكل حب الحنطة من ثلثة وجوه كان اليها اسرع ، واذا كان اليها اسرع كان لها انكى واهلك.
وكلاما هاهنا ليس على شيء من غير الكروم ، فلنقل في اليرقان اللاحق للكروم ولنقل فيه بعد تقديمنا قبل هذا الموضع سبب حدوثه .
ان هذه الآفة لها علاقة مشاهدة تظهر في الهواء ، وهي الحمرة التي ربما وأيتموها في بعض نواحي الافق ، وربما لم تر هذه الحمرة ، فظهر للناظر (في الهوا) بالليل (شبيه اليرقان) المفرق في الهواء ، ويشبه بشعاع متفرق ايضأ في اهوا. وهذا شيء متى حدث في الجو نهارأ لم يره احد ، وانما يظهر للاناظر في ظلمة الليل ، وايضأ فيرى مثل حباب الماء في الهوا ، الا انه احمر لا (يثبت ثباتا يتمكن) منه الانسان من رويته ، بل كأنه خيال يظهر ثم يذهب و(يضمحل) في طرف العين ولمح البصر. وقد يمكن دفع وقوع هذه الآفة قبل كونها في وقت يشاهد بعض ما ذكرنا ، إما الحمرة الكثيرة البأينة في الجو ، وإما هذه الشعاعات المتفرتة. واكثر ما يظهر هذا في ايام يكون الضو في القمر والنور كثير ، وهي من الليلة التاسعة إلى التاسعة عشر. فاذا رأيتم بعض ما وصفنا في هذه الليالي التي حددنا فاعلموا انه اليرقان الواقع على الكروم وغيرها مما له قبول هذا المرض.
وانما قلنا (هذا ، الا انه) قد يظهر حمرة في السماء في بعض الاوقات ولا يكون دالا على كون اليرقان ، لكن اذ حدثت هذه الحمرة والقمر قريب من الممتلي من الضوء فهو اليرقان بلا شك. وان حدثت في السبع الأول من الشهر والعشر الاواخر منه فليس بيرقان. وكذلك الشعاعات الظاهرة في الهواء كحباب الماء فان فيها ايضا إشكالا نحن نبيه ، وذلك انها تجري مجرى الحمرة في الايام التي ذكرناها. وأيضا فانها اذا دامت واتصلت لياليا فربما دلت على وباء سيحدث بالناس. وهذا يفصله ويميزه المنجمون ، لأنه إن كان تحويل تلك السنة يدل على الوبأ ، والح هذا الظاهر وكثر فتعارضت الدلالتان قوي الاستدلال على ذلك. وأيضا فانه اذا لم تقود لالة الوباء فيه ، انه قد حدث في الهواء حر شديد ويبس شديد ، فهو يلتهب ديما ، فالذي يظهر فيه من الشعاعات والحمرة انما تلهبه وتوقده من كثرة النارية المستحيلة منه إلى النار صاعدة بطبعها إلى فوق ابدا ، لا تنعكس إلى اسفل الأ بقاهر يقهرها. فنحن نتعوذ من مجيء هذا القاهر على هذه الاجزاء فيعكسها ، فانه متى كان ذلك كان احتراق اكثر النخل والشجر والمنابت الصغار ، لا احتراق كاحتراق النار يظهر للحس بل احتراق طبيعي على مهل ، فيجففها ويسخنها. وهذا أيضا متى حدث يسمى يرقان. فقد صار اليرقان ضربين ، ضرب حار رطب عفن معفن وضرب حار يأبس (مسخن يحرق) ، وهذا الضرب المحرق الحادث من حر ويبس الهواء لم يسمه القدماء يرقان (بل سموه آ فة هوايية ، لكني انا سميته يرقانا) وجعلته احد ضربي اليرقان. فصعود هذه الاجزاء النارية لحادثة في الهواء إلى فوق هو اكبر كاين ابدا ، وانعكاس بعضها ورجوعه إلى اسفل نادر لا يكاد يكون. الأ انها وان ارتفعت إلى عالمها ، وهو عالم النار التالي لفلك القمر الينا ، اعني إلى الارض ، فان الهواء الذي لم يستحيل نارا يصير شديد الحرارة واليبس ويستنشقه الحيوان كله كما قد جعلت الطبيعة ذلك سبب حياتهم . فاذا كثر استنشاقهم هواء حارا حميت قلوبهم واحمت قلوبهم ادمغتهم واسخنت ادمغتهم بالاعصاب المنبعثة منما جميع ابدانهم ، فحميت اجسامهم وباطن ابدانهم وظاهرها. وهذه حال النبات كله سواء ، فحدث بهم من ذلك امراض ، إما قاتلة سريعا واما منكية شديدا واما مضعفة للقوى.
وانما تختلف مواقع افعالها هذا الاختلاف بحسب امزجة الحيوانات واسبابهم والمصادفات من عاداتهم ومهنهم وصناعاتهم. فان من صناعته بالنار دهره يكون هذا الوباء له اقتل ، ومن مزاجه حار يابس فكذلك ، ومن قد ادمن مآكل حارة يابسة فكذلك ، ومن كان في سن الحداثة والشباب (فكذلك ، ومن) كان باضداد هذه الاشياء فيضاد هذا الكاين ، فلا يقع الأ خفيفا .
وهذه حال الاشجار والمنابت كلها سواء ، فان امزجتها ايضا تختلف ومددها من جهة القدم والحدث تختلف ، فيكون اختلاف نكاية هذه الآفة وغيرها لها مختلفا. وليس يحتاج الفيلسوف العارف إلى أكثر من هذا الشرح ، فان فيه كفاية يقيس عليها ، فيعلم منها ما بقي فيها. فاذا رأيتم تلك العلامات التي ذكرناها قد ظهرت في الهواء واجتمعت لها جميع الدلايل التي حددناها فيها انها دالة على اليرقان ، فقد يمكنكم دفعها عنكم وعن المنابت ، بأن تأخذوا ، إما في وقت تشاهدون تلك الاشياء في الهواء ، وإما في تلك الليلة بعد ظهور الظاهر أو معه ، فهو اجود ، قرون البقر ، (وهو القرن) الايمن من الثيران والايسر من البقر ، فتدقونه بالهواوين وتخلطون به مثله من اخثاء البقر اليابس وتدخنون بهما على مهب الرياح إلى القراح أو إلى الضيعة التي فيها النخل والكروم ، وتكثرون الدخان جدا ، فانه كلما كثر كان انفع ، وان امكن ان تديموا ذلك إلى طلوع الشمس فافعلوا.
وهذه الصفة حكاها كاماس. وانا أرى ان يدخن مع هذه الدخنة ، مفردا عنها ، على نار جمر ، اجزاء الخشب المجلوب من بلاد الهند المسمى القنا ، يقطع قطعا ويدخن به ، فان له (خاصية في اصلاح) يبس الهواء وتلهبه ودفع مضرة ذلك عن النبات كله . وقد وصف انوحا وطامثرى الكنعاني لذلك صفة اخرى فقالا:  تؤخذ سراطين ، إما من ماء عذب وإما من البحر ، فكلاهما سواء ، فتترك حتى تموت أو تقتل بخنقها بالرماد وتحرق بعد ذلك في قدر حديد ، ويضاف إليها (مثل وزنها) مرتين من القطن ، كما هو ، بالجوز الذي هو فيه ، مع بضع اغصان نبات القطن ، ويخلط بهما مثل وزن القطن تبن الحنطة ومثل ذلك بعر المعزى ، ويخلط الجميع خلطا جيدا ويبخر به كما وصفنا في ذلك البخور الاول بدخان كثير.
أما صغريث (فوصف للكر.م) خاصة ان تدخن باخثاء البقر مع قضبان الكرم وورقه ، قال: وأما النخل فاخثاء البقر مع. قشور (طلع النخل) ، وأما الحنطة فاخثاء البقر مع السنبل وقصب الحنطة وجملة نباتها مع عروقها ، واما الاترج فاخثاء البقر مع قضبان شجرة الاترج وورقها وشيء من حملها مجففا ، وفي الجملة فلكل نبات من نباته يابسا مع اخثاء البقر. (قال وان) خلط فيها للاشجار والكروم وجمع النبات شيئا من تبن الحنطة كان صالحأ جيدا.
ووصف ينبوشاد لليرقان ومدح هذه الصفة فقال : يؤخذ اي نوع كان من أنرع السمك ، وانفعها كلها لهذا الحريت ، فتقطع وتحرق قبالة الريح دايما في الليالي التي (يظهر فيها اليرقان) في الهواء ، قال فان في السمك طبيعة مضادة عجيبة لفساد الهواء من الحرارة والرطوبة ومن اليبس مع الحرارة أيضأ وتلهب الهواء كله. وفيه دفع عن الكروم ، خاصة هذه الآفة. قال وينبغي ، ان كان اليرقان في الهواء كثيرا ، فليحرق الحريت ويجمع رماده مع تراب سحيق فيه شيء من اخثاء البقر ، وتنبش اصول الكروم وتطم بهذا. وهكذا يعمل بالنخل وغيره مما يخاف عليه وقوع اليرقان ، فانه بهذا ، مع التدخين بما وصفنا ، يسلم من هذه الآفة.
قال قوثامى : فان اتفق حدوث هذا في الهواء بغتة ولم يحترس منها ، إما لأنه لم يُرَ الهواء شيء مما ذكرنا ، وإما لتوان جرى ، واما ان استعمل بعض هذه التدخينات فلم ينجع لأسباب أوجبت ذلك ، حتى وقع تأثير هذا اليرقان بالكروم فبدأ يظهر فيها الجفاف واليبس والسواد والاسترخاء والتهافت وسقوط بعض الثمرة أو سقوط بعض الورق ، أو لم تشرب الكروم الماء الواقف في اصولها أو ظهر عليها بالليل ندى أو رطوبة زايدة ليست من ندى الليل ، حتى كأن اليرقان على ورق الكروم مآء مرشوش ، (فاذا اجتمعت هذه العلامات او اكثرها فاعلموا ان قد) وقع بالكروم. فاذا كان ذلك ، فخذوا النبات المسمى قثا الحمار ، إما ورقه أو نباته كما هو ، واصول االحنظل وورقه ونبات اي اليتوعات كان ، اغصانه مع ورقه واصله ، فتدق هذه وتخلط بالماء جيدا حتى تخرج قوتها في الماء. ويرش هذا الماء على الكروم وغيرها من المنابت قبل طلوع الشمس ، فاذا انبسطت الشمس فليمسك عن رش هذا ، فانه بليغ المنفعة في شفاء هذه الآفة.
وقد وصف صغريث لهذا ان يؤخذ خشب التين وخشب البلوط وخشب الآس فتحرق رمادا وبطبخ الرماد بالماء العذب ساعة ، ثم يرش على الكرم والنخل والشجر وكلما نالته هذه الآفة ، فانه يشفي منها. قال وينبغي ان تطم اصول الكروم باخثاء البقر خاصة مخلوط بتراب سحيق طما دايما ثلثة ايام ، ثم يقطع عنها.
فاما ينبوشاد فوصف (لدفع هذه) الآفة ان يؤخذ الفار ، إما الذي يكون في البيوت واما الذي يوجد في الصحارى والبساتين ، فيحرق بخشب التين وحطب النخل وبجميع الرماد كله ، وتغبر به الكروم والمنابت التي نالتها هذه الآفة المسماة اليرقان ، فأنه يدفع شرها ونكايتها وضررها. قال وان شيتم فاطبخوا هذا الرماد حتى يغلي غليات واتركوه يبرد بردا جيدا ، ثم رشوه على المنابت وغرقوها به ، فانه ينفعها ويصرف عنها شر هذه الآفة. قال وان اخذ انسان سبعة عصافير وثلة غرابيب بقع فجعل الجميع في دن خزف كبير وسد رأسه محكما وتركه حتى يموت (ما فيه من) العصافير والغربيب ، ثم اخرجها منه وجمع من خشب الآس مع الورق الاصفر منه ، وخشب الحنظل وحمله واحرق العصافير والغربان بهذا الخشب ، فاذا صار الجميع رماد ، فليجمع الرماد ويجعله في قدر نحاس كبيرة ، ويصب عليه خمسين رطلا من ماء ، ويطبخه حتى ينقص منه الخمس أو أكثر قليلا ، ثم يتركه يبرد ويرشه على هذه الكروم التي قد اصابها اليرقان. ويخلط شيء منه بالماء الذي تسقى به هذه الكروم ، فانه كاف في شفاء الكروم وغيرها من اليرقان ، وان اخذتم هذا الرماد فالقيتم عليه مقدار ربعه ملحا عذبا مسحوقا وخلطتموه به جيدا وعجنتم الجميع بدهن البزركتان وتركتموه في الاناء يصيبه الهواء ثمانية وعشرين يوما ، ثم اخرجتموه وحللتموه في خل خمر ورششتموه على اغصان الكروم وخشبه وأوراقه ، ازال عنه اليرقان. وهذا فقد يعالج به النخل والحنطة والاترج اذا اصابها اليرقان على هذه الصفة التي وصفنا.
وقد ذكر صغريث وحده للكروم دايين اثنين ما ذكرها غيره ، سمى احدها استرخاء ، قال: ينبغي اذا عرضت هذه الآفة ان يقال << قد استرخا الكرم>> . قال وربما سمينا الكروم السيالة ، من اجل انها لا تمسك ثمرتها بل تسيل منها وتضعف عن امساكها دأيما . وهذا داء من ادواء الكروم قبيح. قال وعلامة حدوث هذه الآفة بالكروم ، لأنه قد يتقدمها مقدمة منذرة بها ، هي ان ورق هذه الكرمة يبيض وتزول عنه الخضرة ويبتدي في البياض من ظهر الورقة وينتشر البياض فيها كلها بعد ذلك ، ويلين قضيب هذه الكرمة لينا غير معهود حتى يصير مثل السيور سواء من كثرة الاسترخاء والخروج عن الخشبية.
وعلاج هذه من هذا الداء فنحن نذكره بعد ذكر الداء الآخر العارض للكروم ، وهو المشبه بالداء العارض للناس المسمى الورم الساعي . وذلك انه يعفن ثمرتها ، وتلك الآفة التي قيل (انها ترمي) ثمرتها فلا تستمسك عليها بل تسيل عنها سيلانا ، (فهاتان العلتان) لكل واحدة منها علاج يخصه. اما الاول الذي سميناه استرخاء وسيلانا فانه برماد حطب الكرم قد عجن بخل حامض شديد الحموضة حتى يصير كشراب البنفسج ، ثم يخلط به ساق الكرمة وما غلظ من خشبها واغصانها ، ثم يؤخذ منه شيء فيزاد عليه ماء حتى يرق ثم يصب في اصل الكرم ويتبع بالماء حتى يقوم في اصلها ، ويرش منه على جملة الكرمة رشا خفيفا. قال صغريث : وقد جربنا ان صب ماء البحر في أصل هذه الكرمة المسترخية ينفعها ، ويرش على جملتها من ماء البحر. وينبغي ان يبادر الفلاح فيقطع العناقيد منها وينزعها عنها ، فان ذلك جيد ، وينتف ما حول العناقيد من الأغصان اللطاف والورق انتزاعا برفق ولطف. فاذا انتزع عناقيدها فليبصق على موضع العنقود بعينه ، من الكرمة. قال وابلغ دواء لها هذا الرماد والخل الذي ذكرناه اولا ، فادمنوا عمله واستعماله ، فانه يزيل عن الكرم هذا الاسترخاء والسيلان. فاما التي تعفن ثمرتها فانها تحمل حملها كما تحمل ساير الكروم . فاذا قاربت النضج (عفن العنب) وتغير لونه إلى لون اسود أو إلى لون غير اسود ، الا انه حأيل عن لون عنبه المعهود .
قال وعلامة حدوث هذا الداء بالكرم ان يشاهد الناظر إلى هذه الكرمة وعليها عرق أو شبيه بالعرق يظهر على ما رطب وصغر من أوراقها ولب اغصانها. وينبغي ان يتفقا هذا الرشح الشبيه بالعرق في الكرم آخر النهار ، (فاذا ظهر آخر النهار فهو هو ، وذاك ان الكروم في اول النهار) ربما ظهر عليها من بقية ندى الليل لغيبوبة الشمس عنها طول الليل ، فاذا مضى من النهار من اوله إلى تسع ساعات منه طيرت الشمس بحرارتها ذلك الندى كله ، فنشفت الكروم وغيرها من المنابت ذلك الندى كله. فاذا ظهر بعد مضي تسع ساعات من النهار على المواضع ندى وشبيه بالعرق فهي علامة صحيحة لحدوث هذا الداء ، وهو عفونة الثمر وفسادها. فاذا ظهرت لكم هذه العلامة ، ثم رأيتم العناقيد قد ابتدأت تفسد فخذوا من البقلة اللينة الباردة شيئا كثيرا ، فاعتصروا ماءها واخلطوا عليها شيئا من سويق الشعير ولطخوا بهما ساق الكرمة وخشبها وما غلظ من اغصانها ، ولطخوا العناقيد التي قد ابتدأ فيها الفساد بعصارة البقلة وحدها بلا سويق الشعير ، ولطخوا الاغصان وساق الكرم بالعصارة مخلوطة بالسريق خلطأ جيدا ، وكرروا ذلك وأدمنوه حتى تزول هذه الآفة. وان جمعتم مع هذا الدواء ان تأخذوا من رماد حطب الكرم شيئا صالحا فتلطخوا بهما اصول الكروم وترشوا عليها الماء حتى تطم. وان طمت اصول الكروم بالرماد وحده أو بالرمل وحده (اجزاء ، الأ ان خلطهما جميعا اجود) ، وان استعمل مكان رماد حطب الكرم في هذا الداء رماد أغصان القرع وحمل القرع مع خشب الآس كان جيدا صاحا أيضا ، بأن يبل بالماء العذب ويرش على الكرم أو تطم بهما اصول الكرم ، او يجمع الجميع على الكروم ، اعني البل والرش والطم ، فان ذلك اوفر للمنفعة واشفى.
قال صغريث : ومن ادواء الكروم الحادثة عليها ، التي هي نوع من أنرع أمراضها تحت تلك الاجناس ، كثرةة نبات الفروع وسرعة طولها. وهذا اللداء حادث من مثل ما حدث عنه عفن الثمرة ، وهو فرط الحرارة مع الرطوبة الزايدة الخارجة عن الطبيعة (الفاسدة الردية و) مع رداءتها وخروجها عن الطبيعة فلذلك لم نجعلها مفردة عن ساير الادواء ، كالجنس لما ان كان نوعا تحت جنس . ودواء هذا اذا افرط ان يكسح كسحا متقاربا ويتعهد الكاسح اطول قضبان فيها فيكسحها ، ثم يكسح بما يتلو تلك القضبان في الطول ، ثم على هذا الترتيب ، ويكسح (القضيب الغليظ) بالمنجل وينتزع القضيب الدقيق بيده ، فلا يزال يكسح وينتزع حتى يأخذ أكثر فروع الكرم ، فلا يبقى منها الأ اليسير الذي لا بد منه ، فان هذا كاف في قلع هذه البلية عن الكروم. فان لم ينفع هذا العمل ودام نبات هذه الفروع ، فينبغي أن يأخذ رملا قد أخذ من (بعض الانهار) ويخلط بهذا الرمل رماد وينثر حول اصول الكروم ويطم ، والطم اجود وابلغ. وان اخذتم من الحجارة البيض والحصا الأبيض الموجود في الماء عدة فوضعتموها في اول هذه الكروم ، فانها اذا سقيت الماء فوقع الماء على هذه الحجارة بردت الكروم بردأ يزول به عنها هذا الداء.
قال قوثامى : واحد ما يعرض للكروم ، مما يحتاج الناس ان يعألجوها منه ، العقور التي تعتقر والجروح التي تجرحها من المعاول التي تستعمل أو بغيرها من الآلات. فانظروا فان كان الجرح فوق الأرض فاجعلو عليه ترابا سحيقا كالغبار قد خلط به سحيق بعر المعز أو بعر الضان ، وبعر المعز اجود في هذا ، فيعجن هذا بعكر الزيت والماء العذب ويرقق شيئا ويطلى به العقر ، ويحفر حول الكرمة المجروحة ويطم بالتراب والبعر الذي وصفنا. وان كان الجرح في اصل الكرمة مع الأرض فطموا الجرح بالتراب والزبل ، ويكون هذا الحفر الذي يطم به اصل ألكرمة اقل عمقا واخف من ساير حفور الطم. ومتى اردت تحويل شيء من فروع هذه الكرمة أو تعوجه وتنحيه ، فيجب ان تعمل ذلك برفق ومهل ، ولا تعنف عليه في الحركة والتعريج ، (فان الكرمة المجروحة قد ضعفت بالجرح مثل الانسان المجروح) ، فهي لذلك لا تحتمل العنف والجذب الشديد.
واما دفع ضرر البرد عن الكرم فقد استنبط قدماء الكسدانيين فيه معنيين ، احدهما دفع وقوعه وصرفه ، اذا تخيلت مخايله ، والآخر علاج ما احدث من الضرر والنكاية. فاما عمل دفعه وصرفه اذا انذرت به النذر ، فانهم قد ذكروا فيه وله اشياء كثيرة مختلفة ، بعضها يجرري مجرى الخواص ، وبعضها (اصله مأخوذ من آدعية الآلهة ، فأرتهم في المنام اشياء كثيرة يعملونها ، وبعضها) من اعمال السحرة. وأنا اعدد ما وقع إلى منها واذكر ما جربت من ذلك فصح. واما غير ذلك فينبغي ان تجربوه لتعلموا صحته من سقمه ، فان هذا وما اشبهه مما يكشف حقيقة التجربة ، لأنه لا خطأ يقع في (عمله ، فيظن) الذي يعمله انه قد اخطأ فلم يصح ، بل ما عمل منه وكان اصله صحيحأ فهو مؤأ إلى صحة ، وما كان بخلاف ذلك لم يجي(!) منه شيء. فالتجربة تصحح ما منه محيح وتبطل الباطل .
فاول ذلك ان الناس رووا عن (سيد البثر) دواناى انه صور في جملة الالف صورة التي صورها في الهياكل ، كل صورة لمعنى ما ، وكتب عليها لأي شيء تصلح ، وصور في جملتها ، لدفع ضرر البرد وصرفه ، صورة افعى ، قالوا وكتب على صورة الأفعى ان هذا يعالج به لصرف البرد ان يقع على المزارع والمواضع التي يقع عليها. فلبعد زمان دواناى من زماننا وطول العهد بيننا وبينه ، ما تأول الناس هذا الذي صوره تأويلات مختلفة قديمة وحديثة ، فقال بعضهم: اذا اردت صرف البرد عن الموضع الذي قد ارتفع عليه سحاب ، فخذ افعى فقطعها قطعا والقها على الجمر ، قطعة قطعة ، وليكن ذلك على مهب الريح ، قالوا فان دخان الافعى يقطع الغبم ، غيم البرد ، أو يصرفه البتة عن ذلك الموضع . وقال آخرون : بل تؤخذ الافعى فتنصب مصلوبة على قصبتين ، (يجعل على احدا رأسها وعلى الأخرى ذنبها ، ويربطا على القصبتين) ربطا جيدا محكما ، وتنصب القصبتين في وسط القراح ، فان البرد لا يقع على الموضع الذي الافعى مصلوب فيه ، بل ينصرف ويتجاوزه. وقال آخرون: اذا ارتفح سحاب البرد فخذ (خشبة تخينة) مربعة أو ذات شكل واثقب وسطها بمثقب ، وخذ الأفعى فاجعل رأسها على ذلك الثقب وسمر رأسها بسمار حديد وثيق ينفذ في رأس الافعى إلى الثقب والى الجانب الآخر الذي يلي الأرض من الخشبة ، وأحكموا تسمير المسمار جيدا فان الأفعى تضطرب وتدور ، فتنقل الخشبة باضطرابها من موضع إلى موضع فبذلك الاضطراب ينصرف البرد عن ذلك الموضع الذي تكون تلك الخشبة فيه موضوعة. وقال آخرون : بل يجعل القصب تحت السماء في صحر ليلة ، فاذا كان من الغد ، فليجعل في موضع لا تصيبه الشمس. فاذا اردت صرف البرد فخذ من ذلك القصب المنجم فاحرق به افاعي على مهب الريح ، فان المواضع التي يقع عليها ذلك الرماد لا يقع عليها البرد ، بل ينصرف عنها.
وكل هذه الوجوه من الأعمال متقاربة تكشف حقيقتها التجربة. وما جربنا منها شيئا ، (بل استغنينا) بغيرها مما سنأتي به بعد. الأ اني اشير على الناس بتجربتها ، فان صرف البرد ودفع سحاب البرد شيء نافع نفيس في المنافع ظريف. ولست ادري هل كان دواناى قد شرح مع الصورة كيفية العمل في صرف البرد بالأفاعي أم لا. فلبعد عهده لم يصل الينا ، أو قصد السكوت عن شرحه أو تغطيته ، كما قد كانت جرت عادة الحكماء القدماء.
وقد حكي عن كاماس النهري انه كان يأمر (ثلثة نسوة) قد حضن ان يخرجن إلى الضيعة التي قد اظلتها سحابة محيلة لوقوع البرد ، (فيتجردن من ثيابهن) ويستقبلن السحاب بفروجهن ، مستلقيات على اقفيتهن قد فرجن بين ارجلهن وفروجهن تلقاء السحاب. قال فان سحاب البرد ينصرف عن ذلك الموضع ولا ينزل فيه من ذلك السحاب بردة واحدة.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب في ذكر الكروم

مُساهمة من طرف wara_qa في الإثنين سبتمبر 29, 2014 4:10 pm

باب ذكر كيف تزرع الكروم

فاما ما ذكره ماسي السوراني انه مجرب لطرد سحاب البرد ، ان يقوم تسعة رجال بأيديهم كف كف قطن فيومون بذلك القطن تلقاء السحاب ، ثم يأتي معهم أربعة رجال فيصفقون ، وقد رفعوا ايديهم تلقاء السحاب ، يصفقون ويصيحون كما يصيح الا كرة لطرد الطيور والعصافير عن الزرع. قال وكلما كثر الناس الفاعلون لهذا التصفيق والصياح والزجر للسحاب كان أبلغ في طرد السحاب واسرع لانجلايه. قال فانه يمضي ويتجاوز ذلك الموضع. قال وان زاد عدد هؤلاء الزاجرين للسحاب إلى ان يبلغوا أربعين رجلا كان ذلك أجود ، بعد ان لا يكون عددهم عدد مفرد بل زوج ، اما عشرة أو عشرين أو اربعين أو ستين أو ستة عشر أو ثمانية وعشرين رجلا أو ما كان بعد أن يكونوا عددا زوجا من أربعة رجال إلى ستين رجلا ، فان هذا بليغ في طرد سحاب البرد ومنع وقوعه في تلك الحارة كلها وفيما قرب منها.
وقال أيضأ : ان اخذ انسان شاب جلد ضبع أو جلد تمساح فطاف بهما أو باحدهما حول القرية أو الضيعة أو اي موضع يريد ان لا يقع عليه البرد ، ثلث مرار يطرف بهما ثم يصير بعد ذلك إلى دهليز القرية أو الضيعة أو القراح فيعلق الجلد قدام الباب ، فان هذا الفعل يمنع البرد أن يقع في تلك القرية كما هي ، أو كلما طاف بالجلد حوله.
قال مامى : واما ما جربناه وشهد بصحته جماعة من القدماء انه اذا عمل منع وقوع البرد فهو ان (تؤخذ سلحفاة قد اصطيدت) من الآجام خاصة ، لا من ماء جار ، فيضعها انسان على يده اليمنى مقلوبة على ظهرها ، ويطوف بها حول الكرم وحول الزرع كله ثلث مرار إلى سبع مرار حتى اذا فرغ من الطواف صار بالسلحفاة إلى وسط الكرم أو وسط الزرع ، فحفر في الأرض حفيرة ووضح السلحفاة على ظهرها في تلك الحفيرة حتى لا تقدر على الانقلاب على رجليها ولا على الدبيب ، فانها ستحرك يديها ورجليها تلقاء السماء دايما. فلتترك هكذا إلى انقشاع الغيم ونقاء السماء منه ، فان البرد لا يقع على ذلك الموضع. فاذا انقشعت السماء فبادروا (إلى قلب السلحفاة لتدب على ارجلها).
فاما صغريث فانه قال : ينبغي ان تكون هذه السلحفاة عظيمة الكبر وان يعمل بها في الساعة السادسة من النهار أو من الليل ، إن كان سحاب مرتفع أو لم يكن ، وتترك السلحفاة بموضعها إلى غيم السماء ثم انجلايه.
قال قوثامى : وقد جربنا هذا العمل بالسلحفاة فوجدناه صحيحا يدفع وقوع البرد ، (ولا يثبت سحاب البرد) على الموضع (ولا لحظة) (ولا نراه) الأ طايرا يمضي ، ولا يسقط منه في ذلك الموضع ولا بردة واحدة. وقد جربنا أيضا شيئا وصفه ينبوشاد فوجدناه صحيحا ، وهو ان يأخذ انسان صحيح البدن ، لا يكون فيه عيب في بعض اعضايه ، مرآة كبيرة من حديد مجلوة ، ويجعل وجهها المجلو تلقاء السحاب ويلوح بها ، لم يسقط من السحاب (شيء / من البرد) البتة. فاما ما يخص الكروم دون غيرها فجلد الضبع أو جلد التمساح أو جلد القنفذ ، ايها حضر ، اذا اطيف به حول الكروم وعمل به بعد الطواف ما وصفنا ، لم يسقط عليه البرد. وغير هذا مما قلنا انا جربناه ، وهو العمل بالسلحفاة والعمل بالمرآة ، فهما صحيحان قويان ، فليعمل على ذلك.
قال قوثامى : وقد ذكر ينبوشاد في دفع البرد وجميع المضار النازلة من السحاب والكاينة من الرياح الشتوية ، ويدخل في هذه الريح الغربية المضرة بالكروم وغيرها ، ان يؤخذ لوح اما رخام أو خشب ، اي خشب كان ، ويصور عليه (كرم فيه عنب كثير ، وان صور عليه صورة) عناقيد العنب فقط اجزا. ويفعل ذلك من اثنين وعشرين يوما تخلو من كانون الأخير إلى أربع ليال تخلو من شباط ، اي يوم اتفق من هذه الايام ، يصور عليه ويقام مركوزا في وسط الكرم ، فان هذا طلسم لحفظ الكرم ، يحفظها من الآفات السماوية والأرضية ويدفع عنها سقوط البرد ويشغلها في النشو وكثرة النمو ، اذا عمل على حقه في عمل الطلسمات.
وقد رسم القدماء أيضأ في دفع مضرة الجليد متن الكروم وغيرها رسوما ، وذاك ان الجليد وقوعه على الكروم قد يضر ببعضها لا بكلها. واللأتي يضرها منها الكروم الحديثة التي لها من سنة إلى خمس سنين ، فاذا دخلت في السنة السادسة ابتدأت تقوى قوة تمتنع بها عن اضرار ألجليد. وأيضآ فان ذلك الاضرار من الجليد بالكروم اكثر ما يعرض لها في البلدان الباردة ، مثل (بلاد بارما) والحديثة ونينوى بابل ، وفيما بينها وبين حلوان ، وبحلوان وفيما بينها وبين بادرايا. فهذه المواضع هي النواحي الباردة من هذا الاقليم ، فالجليد يكون على الكروم فيها أعظم نكاية واشد موقعا. وليس نرى الجليد و يضر بالكروم التي في ناحية الرحايا وطيزناباذ وإلى جنبلا كاضراره بها في تلك النواحي الباردة. فاما ناحية الابلة فما اقل اتخاذ اهلها للكروم والشجر ، بل هم اصحاب نخل وقطن وحنا ، ولهم كروم ، لكنها يسيرة.
فمن التدبير الذي جربناه في دفع ضرر الجليد عن الكروم هو انه ينبغي ان يوخر كسحها إلى الوقت الذي تبتدي فيه بانبات الفروع ، فانك اذا فعلت ذلك لم تسرع (إلى الازهار). فاما انوحا ، واتبعه في ذلك صغريث ووافقه فيه ، فانهما قالا ان الباقلى اذا زرع فيما بين الكروم لم يضر (بها الجليد). قالا وان احسستم بوقوع الجليد على الكروم التي يضر بها الجليد فدخنوا بتبن الحنطة في وجه الريح التي تهب على الكروم ، فان هذا الدخان يسخن الكروم فيتحلل الجليد بسرعة ولا يطول مكثه عليها فينكيها . قال صغريث : فجربنا هذا فلم نجده بليغا فيما وصفه انوحا ، الأ انه عمل بعض المنفعة ، فحدسنا على انه ينبغي ان تدخن الكروم بشي ء هو اسخن من تبن الحنطة ، فدخناها بالشمع مع يسير من دهن بزركتان ، فكان ابلغ من تبن الحنطة واجود عملا ، ثم دخنا بالزيتون ، تلقي الزيتونة كما هي مع نواتها على النار وتزيد عليها ثلثة اخر أو أربعة وتدعها تدخن. وكان هذا ابلغ من الاثنين الذين قبلهما. وذلك ان الجليد كلما كان المحلل له شىء دهنى كان انفع للكروم خاصة. ولما قلنا هاهنا خاصة ، لأن الجليد قد يضر باشياء غير الكروم من المنابت ، فتلك لأ ينبغي ان تدخن بهذا لطرد مضرة الجليد عنها ، بل باشياء اخر نذكرها عند ذكرنا لتلك ، فاما هاهنا فانا نقول في الكروم خاصة.
قال صغريث : وقد علمنا الحكيم طامثرى الكنعاني لدفع مضرة الجليد عن الكروم شيئا نعمله ، فجربناه. وهو ان يؤخذ شحم دب ويدق مع (يسير / من حرمل) ، ويصب عليهما زيت ويخلط بهما. فاذا كان وقت الكسح للكروم ، فلطخوا بهذا المناجل التي تكسح الكروم بها ، ولا يعلم الذين يكسحون بهذا اللطوخ ، قال فان معرفتهم بذلك تمنع من تمام (عمله ، فجربناه فوجاناه) صحيحأ قوي العمل ، حتى ان الكروم التي يستعمل فيها هذا لا يكاد يضرها برد شديد ولا جليد ولا يرقان. قال طامثرى : وهذا من الخواص وليس من الطلسمات ولا من الطبيعيات.
فان اتفق توان في التقدم في دفع الجليد حتى يقع على الكروم فينكيها ويضرها ويضعفها وينقص ثمرتها أو تهلك البتة ، وهذا هو الأكثر ، فينبغي ان تؤخذ ثمرتها عنها ، إن كان فيها شيء من ثمرتها ، ثم تكسح ثانيا وتترك قضبانها قصارا لتقوى بذلك ، فانها في السنة المقبلة تخرج الثمرة كاحسن ما كانت تثمر ، لأن ثمرتها في هذه السنة الثانية تكون كثيرة جدأ. فهذا باب.
فاما ينبوشاد فانه قال : اذا ظننتم ان الجليد سيقع فخذوا من رماد الطرفا ورماد الآس فاخلطوا الحطبين واحرقوهما في موضع حرقا بلغيا حتى لا يكون في رمادهم فحم أسود بل أبيض كله ، ثم ذروه على لكرم اي وقت شيتم من النهار ، فان هذا اذا وقع على أعين الكروم سددها وتلوثت به الأغصان ، دفع عنها وقوع الجليد ، فان وصل إلى الكرم منه شيء دفع عنه مضرته.
قال وان شيتم فهاهنا شيء مجرب ، وان كان الماضي ليس بدونه ، وهوان تحرقوا (شيئا من الكروم) بلا ورق وتخلطون به مثله من تراب سحيق كا لغبار قد دام عليه طلوع الشمس مدة ، مأخوذ من برية أو موضع قفر ، فاخلطوهما جيدا وغبروا بهما الكروم واجعلوا في اصولها بالنبش والحفر شيئا بعد شيء وطموه ، ولا يكون هذا في اصولها كثيرأ بل شيء يسير ، (في اصل) كل كرم مقدار نصف رطل من الرماد والتراب ، فانهما مع التغبيرعليها يدفعان مضرة الجليد عنها.
قال وينبغي ان تميزوا بين الكروم تمييزا من جهة اصول غروسها. وذلك ان الجليد يضر ببعضها أكثرمن بعض ، فيميت بعضها في الفرط ويبطل ثمرة بعض ولا يميتها وينقص من ثمرة بعض ، ويفعل في بعضهأ افعالا تخالف ما ذكرنا وتوافقه ، فينبغي ان يفصل بينها. وهذا التفصيل يكون ان تعلموا ان بين الكروم فررقا في اشياء كثيرة ، منها الفرق بينها والاختلاف في اصول غرسها ووضعها في الأرض ، بان منها ما يقلع من منبته اصولا بعروقها واصلها ، فيغرس في الموضع المعد للغرس ، ومنها ما يقطع قضبانا لا أصول فيها ، فيغرس كما جرت العادة به. ومن القضبان المقطوعة ما يغرس من وقته ، ومنها ما يغرس بعد زمان بعينه. وفي هذا أيضا اختلاف. فاعلموا ان الجليد يضر بالتي غرست قضبانا اكثر وبالتالي غرست اصولها وعروقها اقل ، فاعرفوا هذا. والسبب فيه ان التي تقلع باصولها وعروقها تنبت اسرع . وفي الأكثر لا تخلف ، والتي تكون من القضبان فانها انما يرجى لها ان يكون لها اصول وعروق ، فهذا خلف ما ، فتلك ذوات الأصول ، لما وصفنا ، تكون أقوى فلقوتها لا يضرها الجليد كما يضر بغيرها ، وهي التي اصلها من القضبان ، لأن هذه ضعيفة . وإنما قلنا هذا يسبب العلاجأت التي وصفناها ، ليعلم المعالج ان ما كان اضعف يريد زيادة في التغبير والطم وغيره ، والأقوى ينبغي ان ينقص من ذلك. والدليل على ما قدمناه من هذا الاختلاف بين الغروس ان الاصول يكون لزومها (اذا دخلت) في الحمل اجود واكثر. وفرق أخر أيضا اذ القضباك اذا نبتت واستوت اثمرت في السنة الخامسة ، أو ربما قبل في الرابعة ، فاما المغروسة باصولها فانها تثمر في السنة الثالثة ، وربما قبل في الثانية. وفي هذا اذا دليل على قوة ذوات الاصول والعروق وضعف القضبان. الأ انه اذا جازا جميعا ، اعني الكرم الذي اصله (من غرس باصل وعروق والكرم الذي اصله) قضبان فقط ، عشر سنين ، واثنتي عشر سنة اصح في هذا ، استويا في الحمل والقوة وزالت تلك الفروق .
قال ينبوشاد : وتد قال ماسي السوراني في الكرم ذي الأصل والكرم من القضيب انهما يختلفان في ألقوة والضعف إلى السنة الخامسة عشر ، ثم يستويان بعده في القوة فيكونان متلاحقين فيها. وذلك ان ادوار الكروم هى كل سبع سنين يسمى لها دور. فقال طامثرى الكنعاني في باب كلامه على الكروم ان الكرم لا يزال يتزايد في القوة إلى ان تكمل له سبعة ادوار ، (وذلك في تسع) واربعين سنة ، فيكون حينيذ كاملا. اول كماله ، ثم يقف على تلك القوة سبعة ادوار ، وهي (تسع واربعون) سنة ، ثم يبتدى في الانحطاط والنقصان سبعة ادوار، وهي (تسع واربعون) سنة ، فاذا مضى له هذه الاحد وعشرون دورا ، التي تبلغ سنيها ماية وسبعة واربعين سنة ، فقد بلغ غايته من الكمال ثم من النقصان و الهرم ، فهو يسمى حينيذ هرم ويقال عليه انه قد بطلت قوته فيقل حمله وينقص على ترتيب . ومعنى على ترتيب ان الكرم اذا سلم من الآفات كان في التزايد والقوة منذ يستوفي الدور الاول ، وهو سبع سنين الى ان يستوفي السبعة الادوار الأول ، فاذا مضى له تسع واربعون سنة فان زيادة قوته وحمله تكون متزايدة على ترتيب معلوم في كل سنة ، وقد رصدنا ذلك فوجدناه صحيحا ، فلا تزال زيادته على ترتيب إلى ان يستوفي عشرة ادوار ، وهي سبعون سنة ، ثم يهيج بعد السبعين ، ومعنى يهيج انه يحمل حملا كبيرأ وينبسط وينشو وينتشر انتشارا ، فلا يزال على ذلك دورا واحدا بعد السبعين ، وهو عند استيفاء سبع وسبعين سنة ، ثم يبتدي ينقص في القؤة وفي الحمل من الثمرة نقصانا على ترتيب زيادته التي كانت له ، فلا يزال ينقص في كل سنة جزءأ من قوته وجزءا من حمله وجزءا من كبر حمله ، إلى أن ينتهي عند كمال ماية وسبعة وأربعين سنة إلى نهاية غايته في الشيخوخة والهرم ، (وهو بلوغ) غايته ، فيصغر عنبه ويصغر قدر ورقه وتقل قضبانه في الخروج والنشو والانبساط ، فيقف بعد هرمه سبع سنين إلى أن يكمل له ماية وأربعة وخمسون سنة ، ثم يبتدي يجف على ترتيب ، فيعرض له مثل اليبس والجفاف العارضين للحيوان إذا هرم ، فانه تجف رطوباته الاصلية التي تمسك الحرارة الاصلية ، فلا يزال في النقصان على ترتيب إلى إن ينتهي إلى المقدار في القلة التي لا تفي بامساك الحرارة ، فيتلف الحيوان ويموت. فكذلك مثله سواء في الكوم ، انه يهرم ثم يجف وييبس على ترتيب إلى أن يجف ويبطل ويثوي ويضمحل ، فيوول حطبا ثم يتفتت فيكون هشيما.
وقد ذكر طامثري هاهنا في الكروم اذا بلغت إلى هذه الغاية علامة الرجوع إلى التجديد والحياة وعلامة الثوى والبطلان ، فقال في جواب رسالة انوحا اليه ، حين كتب انوحا اليه يستدعيه إلى ترك عبادة السبعة وان يعبد اله الآلهة الواحد ، فاجابه طامثرى يحتج عليه في ذلك وفي امتناعه من اجابته ، فكان فيما احتج عليه ان قال: << الشمس اختص بالبقاء من كل جنس من الأرض أو على وجه الأرض من الأجناس الثلثة التي هي الحيوان والنبات والمعدنيات ، شخصا شخصا ، بقاه الدهر كله وجعله يتجدد بعد الا خلوقة ويعيش بعد الموت ويولد جديدا بعد الهرم>> . قال طامثرى فان الذي استخصه بالبقاء من الحيوان الحية المسماة ثعبانا ، فانها تعيش الدهر كله ، كلما خلقت تجددت وكلما هرمت عادت شابة ، وانه ينبت لها بعد سبعة الآف سنة جناحان فتطير بهما في الجو كالطيور في الجو. وذكر العلة في هذا الكون ، ثم وصف كيف يتجدد بعد الهرم بشيء يعمله ، له شرح قد ذكرناه في صدر هذا الكتاب.
وذكرناه في كتاب اختلاف طبايع الحيوان ومصيراتها واما المعدني المنقى فحديثه يطول ولا حاجة بنا إلى ذكره هاهنا ، لكن كلامنا على الكروم ، فلنذكرها في تجدد الكروم:  (ان الكرم) اذا اتى عليه ماية وأربعة وخمسون سنة وابتداء في الموت والبطلان ، فليترك بمكانه ، بعد الماية وأربعة وخسين ، أربع سنين ، ثم ينظر اليه الا كار البصير الفاره ، لأنه لا بد ان يصير إلى ان تتفتت اغصانه وغلاظ خشبه. فليتفقده الاكار في وقت نزول الشمس الدرجة الثانية عشر من الحمل وذلك في اول نيسان ، (فان رأى) في بعض اغصانه الغلاظ منها والمتوسطة في الغلظ ، لا التي في نهاية الغلظ ولا الدقاق بل المتوسطة ، فليجس بيده المتوسطة منها ، فاذا وجد منها غصنا إلى الغلظ ، ما هو من المتوسطة ، رطبأ نثيثا وعيونه منتفخة قد نبع منها شيء ، فذلك هو الغصن الذي اجتمعت فيه حياة ذلك الكرم كله. فليأخذه قطعا بمنجل حاد ماض ، والحذق والعمل كله في قطع هذا الغصن ، وذاك انه يحتاج إلى قطع الغصن الحي وحده منفصلا من الميت ، فان اتفق له بالأ تفاق أوعلم ذلك بجودة البصر فقطع ذلك الغصن من جانبيه ، من حد الحي المنتهي إلى حد الميت ، فيرمي بالميت ويأخذ الغصن الحي وحده ، فاث ذلك الغصن اذا غرس في الأرض عاش وعرق وانتشر وكان منه كرم مثل الكرم الذي كان في حمله وطبعه. فهذا يعيش بعد الموت ويتجدد بعد الا خلوقة ويكون بعد البطلان .
قال فاما ادمى فانه قد ذكر أشياء من الحيوانات والنبات تجدد بعد الا خلوقة وتعيش بعد الموت وتطرا بعد الثوى والذهاب ، متى اخذنا في حكايتها بل في حكاية شيء واحد منها طال الكلام فيه. ثم علمنا ووصف لنا ما هو فوق ذلك واجل منه وأعجب واعظم فايدة ، وهي التكوينات والحيلة في وقوع الاستحالات ، حتى متى عدم الناس شيثا من الشجر أوغيرها من جميع المنابت زرع اشياء مركبة أومفردة في الأرض فخرج منها مثل ذلك المعدوم . وهذا معنى هو ارفع وانبل من تجديد شيء قد بطل وجف وباد ، ان يأخذ منه شيئا فيحييه وينميه ويمده بالحياة فيرجع حيا فيكون فيه خلف من الماضي .
فهذان بابان ومعنيان مختلفان ، احدهما اقرب إلى العقل والآخر ابعد منه. فاما القريب من العقل فهو كما وصفنا من ان نأخذ قضيبا (من الكرم) بعد هرمه وثواه وبطلانه ، فيغرس في الأرض فينبت وينمى ويكون منه خلف من الهرم الثاوي الباطل. وهذا فاكثرما يكون في النبات ولا يكون في الحيوان مثله ، لأن النبات اذا بقيت فيه أدنى حياة جاز ان تزيد تلك الحياة المخبوة المختفية وتنتشر وتظهر بعد اختفايها ، فيرجع ذلك الثاوي الذاهب . فهذا يجوزه العقل وتطمين اليه القلوب. فاما ان يستأنف انسان ، اذا بطل من الأرض أو من اقليم من الاقاليم ، مثلا الاترج ، فوضع انسان في الأرض شيثا هو غير بزر الاترج وشيثا من غير شجرة الاترج ، فخرج له منه اترج ، فهو شيء يبعد من العقول ولا تبطله العقول بواحده حتى يجوبه المجرب فيجده كما قيل فيه ، فيصح عنده.
واعلموا ان الامرين جميعا حتى وكلاهما مؤد إلى الصواب ، البعيد من العقول والقريب منها ، الأ ان البعيد من العقول بعيد من الصحة في العمل ايضا ، متعذر الكون لعوايق وعويص وسرعة تغيير تعرض فيه. وقد يعرض من هذا التعويص والتعويق شيء فيما يوجد من المنابت ، فيجعل خلفا من الماضي ألميت ، إلا ان عويص ذلك اعظم وتعويقه اكثر وأمر صحته اطول.
واعلموا ان المعنى الذي ذكره طامثرى الكنعاني في أمر الكروم وادوارها وغيرذلك مما رسمه هو حق محيح قد جربه الناس بعده فوجدوه حقا. وهذه الفصول انما خرجنا اليها من موضع ذكرنا اختلاف مضرة الجليد للكروم في الكثرة والقلة بحسب اختلاف اصول غروسها ، لما كان بعضا يغرس قضبانا وبعضا يقلع باصل وعروق فيغرس ، فقلنا ان اضراو الجليد بما قلع فغرس اصولا لقوته اقل وللقضبان الضعف اكثر. فاذا كانت الكروم تختلف احوالها في حملها وغير الحمل من أمورها بحسب اختلاف اصول غروسها ووضعها في الأرض وطرق العمل بها ، فينبغي أن نبتدي هاهنا بذكر طرف من ذلك ثم نعود إلى تمام الكلام على دفع الآفات النازلة بالكروم عنها ، فانا قد كنا بلغنا إلى دفع ضرر الجليد ، ثم خرجنا عنه إلى كلام ادانا إلى اختلاف الغروس ، فلا بد ان نقول فيه شيثا ثم نرجع إلى تمام الكلام في علاج الكروم من الادواء ، اللأحقة لها، فنقول: انه يجب علينا العناية بوضع الكروم في مغارسها ومواضع نريد لها ان تنشوا فيها ، عناية تؤأي إلى صلاحها ، وان كنا قد قدمنا من أمر الغرس والكسح ما فيه كفاية. وهذا تمام على ذلك:  ينبغي ان نعمد إلى مواضع نريد فيها غرس (الاشجار والكروم كلها ، وساير الغروس من الاشجار كلها) ، فننقيها من دغل ، ان كان فيها ، على ان الأرض لا تخلو من الدغل ، ونحرثها بالمحراث ، كما قدمنا القول (في ذلك) فيما مضى ونقلبها بالسكك مرة بعد مرة ، لتتخلخل بذلك ، ونتفقد الحجارة (والفدر الصلبة التي تقوم فيها مقام الحجارة) في الصلابة ، وندق منها ما كان عظيما ، حتى يصيررميا سحيقا بعناية جيدة وبآلة دامغة لأمثالها ، وذلك ان مثل هذه يحمى من الشمس شديدا ، فتحرق اصول الغروس وسوقها وقت شدة الحر ، اذا احمتها الشمس ، وكذلك الأرض إذا كانت صلبة فانها تحمى شايدا فتحمي ما يكون قايما فيها. فلذلك قال صغريث : ينبغي ان يكون غرس الكروم في الأرض المتخلخلة والتي قد قلبت بالكك مرارأ كثيرة ورضض فدرها. وانما قال ذلك شفقة منه على الغروس الدقاق الصغار ، فان الحر يسخنها فيقتلها ويجففها ، لأن هذه الفدر ، ان بقي منها شيء يلاصق اصوك الغروس ، احرقها ، وكذلك صفحة وجه الأرض إذا كانت صلبة لم يدق ترابها دقآ جيدا حتى يصير رميما ، حميت شديدا فاحمت الغروس . وهذا إنما يتخوف منه ، على الأشياء الضعاف الدقاق الصغار ، الاحتراق مما قلنا.
وهذه الفدر أو الحصا أو الحجارة ، متى كانت في عمق الأرض وبحيث تماس عروق الكروم واصولها ، فانها تقبل من الأرض بردا ، فتبرد اصول الكروم ، وذاك ان عمق الارض يبرد في الحر ويسخن في البرد ، فهي على هذا الظاهر تنفع الكروم ، وليس كذلك في الباطن والحقيقة ، لأنها تضرها. وما حاجتنا إلى تبريد اصول المنابت في الصيف واسخانها في الشتاء بالفدر والحجارة ، وانما النافع لها اسخان الا زبال لها وتبريد تربة باطن الأرض في الصيف. فاما زيادة برد الثوى فانا غير محتاجين إليه، لان في زيادة البرد على اصول الكروم ضرر بها كثير.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب في ذكر الكروم

مُساهمة من طرف wara_qa في الإثنين سبتمبر 29, 2014 4:14 pm

باب ذكر كيف تزرع الكروم

وقد أشار ماسي السوراني ان تحفر اصول الكروم التي (قد أتى عليها) سبع سنين، في الصيف، حفرا عميقا ليظهر ما في باطن الأرض على ظاهرها، فيكون البرد مما يحفر من باطنها (على ظاهرها). وانما كان مراده في ذلك ان تصل النداوة التي في عمق الأرض إلى التراب اليابس الذي على ظاهرها، فينفعه بان ينديه ويرم يبسه وتلصق اجزاوه السحيقة بعضها ببعض وينتفع التراب الندي الذي في باطن الأرض بتفرق اجزايه اللطاف التي قد التصقت بالنداوة في باطن الأرض.
وذلك ان التراب في غور الأرض يتلزز ويكتنز ويجتمع بالنداوة ، فاذا صار إلى ظاهرها رجع بالحرارة المصيبة له والهواء الذي يصفقه . فاذا صفقه الهواء واسخنته الشمس ذهب عنه التلبد الذي قد كان أصابه، فاعتدل وصار صالحا يحي الكروم بملاصقته لها.
وقد يعرض لبعض الكروم في بعض الأوقات، وهذه هي الغروس الحديثة، وهي التي قد أتى عليها منذ غرست خمس سنين ودخلت في السادسة، ان ترسل عروقا تمر إما على وجه الأرض مكشوفة او قريبا من وجه الأرض. فينبغي، ان رأيتم هذا العارض قد عرض (لكرم ما)، ان تقطعوا ما ظهر من هذه العروق، لا من اصله بل من مقدار عظم الذراع من امتداده وخروجه عن الكروم، وتحفرون في الأرض حفرة قليلة السعة يجمعها ذراعان، ثم يعوج رأس العرق الذي قطع منه ما قطع (وبقي ما بقي) في جوف الحفرة، ويعمل ذلك بسبع عروق، ان كان الكرم قد عرق هكذا على ما وصفنا، فانها تمتد (إلى أسفل و) في غور الأرض كالعروق كلها . وليس يحتاج إلى اكثر من ان يعوج إلى الحفرة، فان التعويج لها بالايدي هو تقويمها على التعريق إلى أسفل بخاصية تفعلها أيدي الناس في هذه العروق.
واعلموا ان هذه العروق اذا قومتموها إلى الحفيرة فان طولها ونشوها يبطي، لأنها تقف فلا تزيد إلى أربعين يوما والى ستين يوما، ثم تطول بعد ذلك وتمتد في الأرض. والجيد في هذا ان يبقى من هذه العروق، ما هو متصل بأصل الكرمة، مقدار ذراعين، ليكون فيه (فضل، حق) اذا عوج وادخل إلى الحفرة كان فيه فضل يدخل بذلك الفضل (دخولا كثيرا)، ويبلغ منه مبلغا. الا ان مع هذا شيء ليس بجيد، وذلك انه كلما بقي من العرق اكثر كان ذهابه بخروجه من الأرض اسرع، وكل ما بقي منه اقل كان ذهابه إلى أسفل في عمق الأرض اسرع واجود . لكن المقدار القصد هو ان يبقى منه ذرع او ذرع وأربع أصابع ، فان هذا صالح معتدل في مقدار البقية .
فهذا الامتداد على وجه الأرض من العوارض العارضة للكروم التي لا يعمق لها في الحفر وقت ابتداء غرسها . ويتفق عليها مع ذلك ان تتتابع عليه سقيات من الماء هي أكثر من مقدار ما تحتاج إليه ، فتكثر الرطوبة والمايية في عروقها وتنشوا، ء فيهيجها من أطباق الأرض (بخار حار يعلو) إلى وجه الأرض، فيصل إلى اصل الكرمة. فباجتماع هذه الثلثة بعضها مع بعض تمتد العروق عرضا ولا تمتد طولا إلى أسفل. ومن خواص امتداد عروق الكروم في الأرض ان الزلزلة متى ألحت بأرض، وهذا الإلحاح والدوام هو ان تدوم في الاسبوع ثلث مرار، ثم يتصل ذلك حتى يكون اثنتي عشر دفعة في الشهر، ان عروق جميع الأشجار والمنابت الكبار تشوش وتضطرب، (فربما مات شيء منها)، وربما سقم ، وكثيرا يسلم، فالسالم هو الأكثر. والذي يسقم انما يسقم لان عروقه تنصرف من وجه حركتها التي اعتادتها، فتغير عادتها عليها هو الذي يبلبل الشجرة والكرمة. والنخل قد يسلم من كثير من هذه المضار، فلا يناله منها شيء لقوته في ذاته، وقد يناله بعض الضرر، فاما مثل ما ينال غيره فلا. فمتى حدث على الكروم ان تنصرف عروقها عن الذهاب في العمق فاسلكوا في علاج ذلك بنحو مما وصفنا لكم ورشوا مع ذلك فروع الكروم ماء عذبا. وربما انتفعت الكروم خاصة من بين المنابت كلها بالزلزلة، لكن منفعة يسيرة غير بينة، وهو مثل انتفاعها بالهز والتحريك. وذلك النحو من المنفعة ان تطول سريعا وتنتشر في الاغصان والورق. وهذا اذا أفرط على الكرم ضره ولم ينتفع به. وقد ينال الكروم من قبل عروقها ايضا ضرر، وذلك للكروم التي يقرب منها شجر، اما المعرشة عليها واما ان تلتقي مع عروقها عروق شجر قوية العروق تكون اقوى من عروق الكرمة، لان عروق جميع الكروم لينة ضعيفة، فاذا التف عليها ما هو اقوى منها ازدادت ضعفا، فيضرها ذلك . وليس دواء هذا الضرر الا ان يباعد بين الكروم والشجر ما أمكن، فان ذلك أصلح وأحرى ان لا تلتبس عروق الشجر بعروق الكروم . وهذه المضار للكروم من قبل عروقها، ما ذكرنا منها وما لم نذكر، انما تعرض للكروم الحديثة القريبة العهد، والكروم تكون حديثة من أربع سنين تمضي عليها إلى سنتين، فقد اختلف في مقدارها وقد مضى لنا في هذا الباب من ذكر ذلك وتقريره شيء، لكن نقول هاهنا انها إلى عشرين سنة يقال لها حديثة ، وهذه العشرين بعد الاربع (ين ، فيكون إلى إن يمض لها من وقت غرسها أربعة وعشرون سنة يقال لها كروم حديثة ، وبعد هذه السنين تسمى كروما شابة .
فمما يعين على زوال تلك المضار وغيرها عن الكروم من قبل عروقها (ان تتعاهد) بما نصف: ان يقطع من اغصانها ما طال جدا قطعا موربا ويكون موقعه فيما بين عينين، فان سال من موضع القطع رطوبة على احد، فخذ دردي الزيت فاطبخه بورق النعنع ولا يقربه ملح ولطخ به موضع القطع لتسيل (الرطوبة بهذا) الدواء إلى العين وتنبسط على القضيب. وكذلك ايضا يعملون في سيلان الرطوبة بلا قطع، اذا انبعثت من الكروم، فانها تسيل من العيون.
ثم عدنا إلى دفع الضرر عن الكروم من أصناف الاشياء المضرة بها . فاول ما نذكر من ذلك، مضافا إلى ما تقدم، الحيلة في صرف ضرر الهوام التي تعرض للكروم، في ان لها من ذلك ما يلحقها منه أذى، وهي كثيرة. وقد وصف صغريث لها دواء عاما ذكر انه اذا استعمل دفع عنها ضرر الهوام كلها، قال: تتفقد الذراريح التي تجتمع كثيرا على الورد ، فتجمع منها ما قدرت عليه وتجعلها في قارورة وتصب عليها زيتا وتجعلها في الشمس حتى تتهرا ثم تخضخضها جيدا حتى تختلط، فاذا أردت كسح الكروم فلطخ المناجل بهذا الزيت، فانك اذا فعلت ذلك لم يضر بالكروم شيء من الهوام، صغيرها ولا كبيرها، فان هذا طارد للهوام كلها. قال وان خلطت هذا الزيت بماء، يكون الماء اضعاف الزيت، وخلطتهما خلطا جيدا ورششت ذلك على الكروم، شيئا يسيرا منه، لم يقربها شيء من الهوام.
وقد يضر بالكروم دود كبار يتولد فيها منها. فاذا رأيت ذلك فدخن وسط الكروم باخثاء البقر ودخن مع مهب الريح (ليذهب الريح ) إلى جميع النواحي (ويمر إلى) جميع الكروم. قال ينبوشاد: واما الدود الذي يأكل (ثمر الكروم)، فينبغي ان يؤخذ اخثاء البقر وقنة وقرن آيل (فيبرد القرن) بالمبرد ويخلط الجميع ويدخن به الكرم، فان الدود يهرب ويخلي الكرم. وهذه الدخنة تطرد جميع الهوام، ليس الدود وحده بل الخشاف ايضا والفار وكبار الهوام. قال أيضا وقد جربنا فوجدنا دواء يعم جميع الدبيب المضر بالكروم والدود الذي يأكل ورق الكرم ويقرض ما كان رطباً من أغصانه، وهو ان يؤخذ ظلف عنز ونحاتة العاج ونحاتة الصنوبر واصل السوسن فتدخن به الكروم تدخيناً جيدا في يوم لا يكون فيه ريح، فيبدد الريح الدخان، لكن يوم هادي ليعبق الدخان بالكروم وبموضعها ، فان هذا قوي في طرد جميع الدبيب عن الكروم.
فاما وصف انوحا فانه قال : اذا أولع بالكروم شيء من الدبيب، ان الدود او غيرها، فدخن الكرم بشعر امرأة. تأخذ في مجمرة جمرا وتجعل الشعر كباباً صفارا وتلقي كبة كبة وتدخن بها (كرمة كرمة، كل كرمة) على حدة ، حتى يعبق الدخان بالكروم جيدا، فانه يطرد عنها جميع الهوام من الدود وغيرهم. ودخان هذا الشعر علاج بليغ لادواء النساء من وجع أرحامهن. وقال رواهطا الطبيب ان دخان شعر النساء مع القسط يشفي ارتفاع أرحام النساء إلى فوق.
قال قوثامي : وقد ذكر صغريث ان تدخن الكروم، اذا خيف عليها الذراريح والذباب الأزرق الكبار، لهذين خاصة، بالكندس او بالعرطنيثا، او يؤخذ الكندس الرطب والحنظل الرطب، فيعتصر العرطنيثا الذي يشعل به الصوف، ويستخرج ماوها، ويخلط الماء بمثل ثلثه زيت ويرش على الكروم، على كل كرم، في ثلثة مواضع منه، رشا خفيفا، فان هذا يطرد جميع الهوام من الكروم، ما ذكرنا وما لم نذكر. وان لطخت ساق الكرمة بها لم يقربها دبيب. وينبغي ان يطلى هذا على ما علا من الأرض.
قال قوثامي: وقد وصف صغريث لطرد الدود عن الكروم دخان اخثاء البقر، ولعمري انه جيد، الا انه غير بليغ في قتلهن، لان هذا الدود المتكون في الكروم قد يكون أصنافا ثلثة، منها دود يشبه دود البقل سواء، يأكل الكروم وما غض من اطراف اغصانها، وصنف يأكل العنب ولا يأكل غيره، الا خشب عناقيد العنب، فانه يأكله أيضا ، وربما اكل معاليق الكروم، وصنف ثالث يأكل اصول الكروم وبعض فروعها، وهذا اقلها تكونا من دود الكرم الثلثة. ولكل واحدة من الثلثة صورة تخالف بها صورة الأخرى، فأقبحها صورة وابلغها قوة التي تأكل الأصل والعروق وبعض الفروع، والتي تأكل الورق، كصورة دود البقل سواء، الا انها اكبر من دود البقل وأوسع فما وأقبح منظرا. واما التي تأكل العنب فأصغرها جسما ولها ذنب فيه رطوبة دايمة ترشح منه. واما الأولى التي تأكل العروق فلونها لون التراب يشوبه حمرة يسيرة، واما التي تأكل البقل فلونها اخضر او يشوب لونها صفرة مع الخضرة، واما التي تأكل العنب فهي ألوان، وربما كانت بيضا كلها، وربما كانت مجزعة بسواد غير حالك، وربما (كان على جنبيها) نقط حمر صغار، وربما كانت على غير هذا، فتكون غبراء إلى البياض كلها.
فالدواء البليغ في قتل جميع هذه الأصناف الثلثة من الدود هو ان يؤخذ الحنظل والنوع من الشبرم المعروف بشجرة السمراء، ومن قثا الحمار، فيجفف ويسحق ويطبخ بخل وملح حتى ينفد الماء كله، ويصب عليها أيضا ماء وخل وملح جديدان، ثم تطبخ ويعاد الماء والخل والملح ثالثة، وليكن الماء غمر المسحوق بشبر، ولتكن الادوية ناعمة السحق ، فان الخل والملح والماء تخالط الحشايش في الرابعة مخالطة تصير الجميع مثلى العسل، اذا نشف من الماء بالطبيخ، فيؤخذ ذلك الصاير مثل العسل فيطلى على ساق الكرمة الغليظ، فان قوته ترتفع إلى الكرمة فتطرد عنها كل أصناف اللدود الثلثة، فيهربن منها.
قال وان غرس إلى جانب كل كرم من هذه الحشيشة المسماة الصفرا ثلثة اصول او أربعة طرد عنها الهوام كلها من الطيارة والدود وغيرها. وان اخذ ذلك المطبوخ الذي قد صار مثل العسل فخلط. ربعه مثل ربعه قطران وضربتهما حتى يجود اختلاطهما، ثم طلي على ساق الكرمة، دفع عنها ما ذكرنا وطرد عنها النمل والعظاية والجعلان وغير هذه من الدبيب التي تقصد الكرم.
وللكرم ذراريح خضر تقف عليها كثيرا. وأكثر ما ترى هذه في آخر الربيع وأول الصيف، تقف على الحصرم فتمتص منه، وهي ردية جدا . فان أردت ان تطردها عن الكرمة وغيرها مما يقف على الكروم من صغار الدبيب وكباره، فخذ من اصول قثا الحمار ومن الحنظل الذكر ومن اخثاء البقر أجزاء سواء ودقها وصب عليها بعد سحقها ماء، ثم اسحقها بالماء سحقا طويلا وارقها حتى تصير كالماء، ثم رش هذا الماء حول الكروم على اصولها وفروعها ثلثة ايام متوالية، ثم امسك، فان جميع الدبيب يملك مع الذراريح وبعد هلاكه فلا يعود هو ولا غيره إلى تلك الكروم.
وان أردتم طرد السباع كلها مع الثعالب عن الكروم وعن الا قرحة كلها جملة فخذوا خرو الكلاب، الأسود منه، وخرو الذباب، فاجمعوا بينهما ثم انقعوهما في بول الناس معتقا سبعة ايام، ثم رشوه على إي موضع أردتم، فلا يقربه احد السباع ولا ثعلب ولا غير هذه من وحوش البر أري ولا الخنزير ايضا، رشا متتابعا ثلثة ايام. فاذا فعلتم ذلك فامنوا على الا قرحة والضياع التي ترشون على ارضها وفي طرفها ان يقربها سبع او شيء من الوحوش. وان رششتم هذا حول الكروم لم يدن اليها احد الوحوش ولا ما عظم من الحيات، فان الحيات والافاعي مولعات بالتكون في الكروم والاختفاء بين اغصانها، وذلك لثخن ظلها، وانها في الحر ابرد الأشجار والمنابت، وانما تلجا الحيات والافاعي اليها لبردها و ثخن ظلها. والاكرة والفلاحون يتأذون كثيرا بالأفاعي والحيات التي تأوي بين الكروم. فان أردتم طرد الأفاعي والحيات من الكروم ومن بيوت الا كرة ومن الضيعة كما هي، فدخنوا هذه المواضع (بقرن آيل) مسحوقا، دخانا دايما، فان الحيات والافاعي خاصة تهرب من ريحه. وان دخنة بالقنة واصل السوسن هربن من هذا أيضا. (وظلف العنز) يقرب من قرن الآيل . واذا خلط ظلف العنز بسدسه كبريت وبخر به مواضع الحيات هربن كلهن.
وقال ماس السوراني ان دخان خشب الرمان ودخان قشوره مما تهرب الحيات منه، اذا وجدت ريحه، هرباً شديداً، ولذلك كان الملك الخايف من الحيات دايما يتخذ له في مجلسه اغصان الرمان ا وفيما بينها حمل الرمان. قال قوثامي: وهذا خبر ضعيف ما ادري كيف أقول فيه، الا اني اعلم ان هرب الحيات من الرمان ربما كان، وفي الأكثر لا يكون. واعلم مع ذلك ان بين الرمان و(بين) الحيات والافاعي مضادة في الطبع مانعة للحيات من المقام في اصول شجر الرمان وخاصة الأفاعي. فاما الاساود والشجاع والأرقم فانا نراها عيانا لا تكره شجر الرمان، ونرى الأفاعي وغيرها من أصناف الحيات يعربن من التقرب إلى الرمان.
قال ماسي السوراني أيضا : وان أخذتم (شونيزآ وخردلا) وقنة وقرن الآيل وظلف عنز فخلطتموها بالدق حتى تختلط جيدا، ثم اسحقوها بعد ذلك ناعماً وصبوا عليها من خل الخمر الجيد البارد حتى يصير مثل قوام السكنجبين ، ثم تزيدوا عليها من نحاتة الرمان سحيقا، واعجنوه عجينا جيدا واعملوا منه بنادق كقدر الحمص واتخذوها في ظرف زجاج او غضار. فاذا أردتم جلاء الحيات وغيرها من الهوام المؤذي المضر فدخنوا ذلك الموضع بهذه البنادق حتى يختنق الموضع بالدخان، فان الحيات والوزغ و العظايات يهربن من ذلك الموضع هربا في الغاية . وان زاد الدخان كثيراً هربت الفار وبنات وردان واخنافس. وهذا اكثر ما يكون في المنازل وحيث يأوي الناس، لا في الصحارى والضياع والبساتين. على انه قد يكون في البساتين والضياع ومواضع البيادر الدابة التي يقال لها الخلد، وهو الفار الأعمى . ولهذه الفارة العميا نكايات في اشياء من المنابت بعينها، احد ها الكروم، فانها اذا وصلت إلى اصول الكروم وعروقها نبشت التراب وقطعت العروق. وزبلها يضر بالكرم جدا ويؤذيه ورايحتها في نفسها غير موافقة للكروم، واذا لم توافقها أضرت بها. فلذلك قد ينبغي ان نصف ما يهرب الخلد خاصة عن الضياع والبساتين، قد وجدنا ما يهربه وما يقتله، وقتله ابلغ، فلنصف ذلك: ينبغي اذا أردت قتل الخلد بواحدة ان تأخذ أنبوبا من عظم ساق بعض الحيوان او من الصفر معمولة او من غيره، مما يجي منه منفاخ كهيئة الأنبوب، احد رأسيه أوسع من الآخرة فتجعل فيه تبن الحنطة ملوثا بقطران وكبريت مسحوق بقدر ما يسع الأنبوب، وتجعل في أوله فحمة فيها نار وتدخل الرأس الضيق في حجر الخلد، داخلا من بابه بنحو أربع أصابع ، وتنفخ فيه حتى يدخل الدخان إلى الخلد، وتسد ما فضل من باب حجر الخلد عن الأنبوب حتى يختنق الدخان في حجره فلا يخرج منه شيء ، فان هذا الدخان اذا وصل إلى الخلد خنقه وقتله. وان كان بالقرب من البيادر من الخلد شيء فأشعل هناك في مواضع كثيرة نيرانا قليلة، ثم القي عليها كبريتا ملوثا بقطران وكف تبن حتى يختنق الموضع بالدخان، فان هذا يطرد الخلد والفار والوزغ والنمل وأكثر هذا الدبيب. وان وصل الدخان إلى النمل قتله، ان أقام هناك، وإلا فهو يهرب اذا وجد هذه الرايحة.
وقد تختص الفار بدواء يهربن منه، وربما عملنا لهن شيئا يقتلهن اذ0 أكلته، ودخانا اذا وجدنه يهربن. وقد استدرك القدماء للفار الكاين في البساتين والقرى والضياع والصحارى، فان ما يتولد من الفار في هذه المواضع مخالف في الطبع لما يتولد في البيوت وحيث مأوى الناس، ومخالف أيضا في القوة والفعل . وأيضا فقد تحفظ البزور من الفار بأشياء نعملها، وهو شيء ذكره صراديا الكنعاني وماس السوواني فقالا قولا واحدا: ينبغي لمن أراد ان يحفظ شيئاً من البزور والحبوب والمنابت او الاثاث من الفار فلا يقربه، فليأخذ من مرار البقر شيئاً فيخلطه بشيء من الخل ، ثم يرش منه على البزور والحبوب ويلوثها به جيدا بمقدار يسير منه جدا، فان الفار لا يقربه . قال ماس خاصة : وينبغي ان (يعمد من) يريد عمل هذا ان (ينتزع مرارة البقرة) في يوم طلوع الشعرى اليمانية او قبل ذلك بيوم او بعده بيوم . ففي احد هذه الثلثة الأيام ينبغي ان ينتزع مرار البقر ويخلط بالخل ويدخره الانسان معدا عنده، وليكن الخل مثل وزن المرار، يسقاه قليلا قليلا حتى يشربه ، ثم يعمل بنادق، ان انعمل ، وإلا فليترك في إناء ، فانه يجف . فاذا أراد استعماله مريد فليرش منه او يلطخ به إي شيء شاء من الحبوب او الثمار او الأمتعة التي يخاف عليها من الفار، (فان الفار) لا يقربها.
واما صردايا فانه وصف مرار البقر مع الخل، ثم قال : فان أردتم ان يكون (طرد الفار) ابلغ، فخذوا اصول الشوكران او بزره، وأصوله ابلغ، وأضيفوا اليه خربقا ابيض ودقوا هذين ناعما واخلطوهما مع مرار البقر وبلوا الجميع بالخل واعملوا بها كما وصفنا لكم. وان أردتم غير ذلك فخذوا الخربق و الشوكران فاخلطوهما مع السويق او الدقيق ولتوا الجميع بشيء من زيت جيدا والقوا ذلك، بعد إذ تحببوه (مثل الحمص)، للفار، فانهم اذا أكلوه تماوتوا، وان كرهوا رايحته ولم يا كلوه هربوا. وهذا ينبغي ان يدس في ثقوب الفار، اما في البساتين والصحارى واما في المنازل وحيث يسكن، فان رايحة الزيت تدل الفار عليه، فيأكلونه فيموتون بعد أكلهم له بساعة من الزمان او ساعتين لا اكثر من ذلك.
قال صراديا : واعلموا ان ورق الدفلى اذا دس في أحجرة الفار فانهم سيقرضونه ليخرجوا، فاذا قرضوه وحصل في أجوافهن قتلهن. وأيضا فمتى أخذتم الاسرب المحرق، وهو المرداسنج والاسرنج، فسحقتموه مع سدس وزنه زرنيخ اصفر وعجنتم (ذلك مع مثل) وزنه دقيق وخلطتم به شيئا من الزيت وصنعتم منه بنادق كالحمص ولوثتم البنادق بجبن حريف شديد الرايحة وجعلتم ذلك بحيث يمر الفار عليه ويجي حتى يأكلن منه شيئا، قتلهن اذا أكلن منه. واما طرح بصل الفار لهن فانه مجرب : يدق البصل (مع الدقيق/ والشحم) والجبن والزيت ويبندق بنادق صغارا وتجعل على باب (أحجرة الفار) او بحيث يشمون رايحته ، فأنهن اذا أكلن منه شيئا تماوتن كلهن ، فيوجدن قد جفوا حتى صاروا كالقد من شدة يبس ابدأنهن.
وان أخذتم أيضا إناء من نحاس وصببتم فيه دردي الزيت قد خلطتم به خربقا اسود مسحوقا، اجتمع (فار البيت كله الذي ذلك النحاس فيه يطلبن) الزيت، فاذا شربنه سكرن ووقعن كلهن حول الزيت. او خذوا خربقا اسود (او حلتيتا) واصل قثا الحمار فاسحقوهما واخلطوا بهما عسلا وزيتا مع دقيق، وأجيدوا عجن الجميع مع الجبن والشحم وحببوه حبا والقوه للفار آو رققوه بالعسل والزيت والطخوا به الجبن والقوا الجبن لهن حتى يأكلنه، او اعجنوا الخبز بالشحم وآلطخوه به، واجود من ذلك الخبز ان يعجن بهذا او يلطخ به، بعد ان يعجن معه ويلقى للفار. فان شيتم فخذوا الحنظل وقثا الحمار والاسرب المحرق فانقعرها في الماء ثلثة، ايام، ولتكن مدقوقة، ثم اعجنوا بالماء، مع ما فيه، (دقيقا او سويقا) عجنا جيدا، ثم غرقوه بالدسم او الزيت او بهما جميعا والقوه للفار، فأنهن اذا أكلنه تماوتن.
وانما نصف هذه الوجوه كلها ليعمل الانسان منها ما حضره وما قرب منه وما هو اوجد. واذا كثرت وجوه الاعمال كان فيها متسع، فعمل (المحتاج اليها) منها ما أمكنه وقرب منه وقدر عليه.
وقد وصف صغريث لطرد الفار من البيوت والاقرحة ومواضعهم ان يدخن الموضع بقلقديس وقنة او يدخن بكبد الكلب مع اصول السوسن، (فان هذين أيهما) شممن رايحته هربن. قال (وقد يهرب من) التدخين بالدهن هربا سريعا اذا اكثر منه، واذا خلط بالثوم على النار كان اجود لهربهن، الا ان في هذا ما تضر رايحته بالناس وتصدع روسهم، فلا يفي بهذا الضرر تلك المنفعة من هرب الفار، وان كان الفار حيوانا مؤذيا مضرا بالناس، يفسد عليهم أطعمتهم وزروعهم، فانه لذلك اهل ان يجتهد في الراحة منه بقتله وهربه من المواضع التي يؤذينا فيها.
وقد ذكرنا هذه الوجوه من الاشياء التي تقتل الفار، (والعمل لها) سهل عليكم. واعلموا انا قد تركنا اشياء مما تهرب الفار من رايحتها، لأنها تضر بالناس اذا شموها، فلم ندل عليها لذلك. والكبريت مع التبن يهرب كل شيء على العموم. وللسحرة في طرد الفار وقتله اشياء يعملونها هي غير ما وصفنا، لانا انما وصفنا الاشياء الطبيعية التي تقتل الفار، مما كشفته التجربة. فاما اعمال السحرة فعلى طريق آخر ليس بكم حاجه إلى ذكر شيء منها (مع ما) قد وصفناه، فان في بعضه كفاية، فضلا عن كله .
وقد وصف ينبوشاد شيئا ذكر انه بخاصية فعل له يطرد الفار والافاعي وغير ذلك من الهوام الداب والطاير وكلما شاكلها على العموم عن الكروم وغيرها من المنابت، قال : يؤخذ سراطين نهرية او بحرية، والنهرية اجود، ويكون عددها احد عشر لا اقل ولا اكثر، على انه قد قال في موضع آخر يكون عددها عشرة لا اقل ولا اكثر، فتجعل في إناء خزف ويصب عليها ماء ويسد فم الإناء ويصير في صحراء لتقرعه الشمس قرعا جيدا، ويتنجم بالليل تحت النجوم عشرة ايام بلياليها ، يحرك الإناء كل يوم مرتين، مرة اول النهار ومرة آخره، فاذا دخل اليوم الحادي عشر فافتح رأس الإناء ورش ذلك الماء على الكروم وغيرها من المنابت وعلى كل موضع تريد طرد الفار منه والهوام الكبار والصغار، فانه لا يقرب شيئا يرش عليه هذا الماء كبير من الدبيب ولا صغير، من الأفعى والحية إلى النملة وما بينهما، مثل الفار والخلد والخفاش وما اشبهها، وخاصة الغروس الصغار والبزور المزروعة، مثل الباقلى واللوبيا والعدس والحنطة والماش وما اشبهها ، فان لهذا فعلا عجيبا في طرد هذه. وقد جربنا ذلك مرارا فوجدناه حقا صحيحا. ويجب ان يرش هذا الماء على موضع يراد طرد الهوام عنه في كل ثمانية ايام مرة ويجدد له الماء والتنجيم إلى ان يتم نشو الغروس او يعلو الزرع.
واما العقارب فانه يتكون في البساتين عقارب كبار خضر وسود صغار صفر وغبر دقاق. فالكبار منها تقطع عناقيد الكروم تقطيعا من اصولها، فيجف العنقود، فيتوهم من رأى ذلك ان ذلك الجفاف فى العناقيد من سقم الكرم، وليس كذلك، بل هو من اكل تلك العقارب. و الصنفين من العقارب شديدي الحضر والعدو جدا، لا تكاد الواحدة منهن تلحق لشدة عدوها. فان أردتم طرد هذه العقارب فأجود ما لها ان يصاد منها شيء، اما ثلث او (أربع او) واحدة، ان لم تتدروا على غيرها ، ثم تحر قوها على نار جر، فان هذا الدخان اذا شمته العقارب الباقيات هربن هربا عظيا او ربما بقين في مواضعهن مسترخيات يؤخذن باليد . فما هرب منهن وبه. عن ذلك الموضع نجا وما أقام بموضعه مرض واعتل حتى يؤخذ باليد .
وهذا علمناه ادم تعليما عاما في جميع الهوام، وهو ان يحرق بعضه، اذا اردنا ان يهرب الباقي منه، في وسط الموضع الذي يعلم ان ذلك الهوام ياويه، اما بستان او ضيعة او جوف منازل الناس، فان بعضها اذا احرق فى مكان فلحق الباقين الدخان، اما ان يهرب واما ان يمرضن فيسترخين عن الحركة ويظهرن فيؤخذن فيقتلن.
وقد علمنا صغريث ان البندق الذي يسمى الجلوز، اذا اخذ منه ثلث او أربع فجعلهن في جيبه او شد بعضهن في تكته او اخذ عددا منه في كفه، فان العقارب يهرب منه، وذلك بخاصية فعل في البندق. وان رش الماء والزيت المخلوطين المنقوع فيهما لباب البندق مدقوقا فى مواضع العقارب هربن منه. وان اخذ انسان دم الاعنز فخلطه بمثل وزنه ملح وطبخ الجميع بالماء العذب حتى ينقص ثلث الماء ، ثم طلا الباقي بعد الطبخ على أحجرة العقارب ورشه على المواضع التي تآويها هربت العقارب إلى موضع بعيد من ذلك الموضع، وان أقاموا كلهن (هلكن بان يمرضن فيؤخذن). على ان هذا الدواء ضعيف بالإضافة إلى ما تقدم.
ومما تهرب منه العقارب الرايحة الطيبة كلها، مثل الكافور والعود الهندي والمسك والعنبر والزعفران واجوز بوا والفلفجة خاصة، فانها تضاد العقارب مضادة طبيعية بليغة، حتى انه متى اخذ انسان قد لدغته عقرب من الفلنجة شيئا فسحقه ثم طلاه بزيت على موضع اللدغة شفاه. وقال صغريث: ومن عجايب الخواص ان من لدغته عقرب فركب حماراً عرنا لم توجعه اللدغة، وينتقل الوجع من الانسان الراكب إلى الحمار.
قال قوثامي: وقد بلغني ان هذا ذكره انسان بين يدي ابرهيم الكنعاني فصححه وقال : ينبغي ان يتحول بوجهه إلى ناحية مؤخر الحمار، ثم إلى ناحية رأسه ، ثم إلى ناحية ذنبه مرارا، فان الوجع ينتقل منه إلى الحمار ويسكن عن الانسان الوجع.
وقال صغريث : من قشر الفجلة واخذ قشورها فوضعها على العقرب استرخت حتى كأنها قد ماتت، وربما ماتت. (قال فان) جعل قشور الفجل على موضع أحجرة العقارب حتى تدب العقرب على القشور خدرت فلم تقدر تنبعث. وقال ان دخن وسط الموضع الذي فيه العقارب والحيات جميعا بقضبان البقلة الباردة وورقها واصلها، (فأخذه وجففه وسحقه) بسمن الغنم وشحم المعزى وحب الرمان، ويخلطهما جيدا، ثم يدخن بها الموضع، فان الحيات والعقارب يهربن. قال والحسك اذا جفف وسحق وبل بالماء ورقق ثم رش الماء في موضع هرب منه العقارب والحيات. قال وعصارة الباذروج اذا شربه من لدغته عقرب وطلى منه على موضع اللدغة شفاه.
واما الجراد فانه العدو الأعظم للكروم وساير المنابت. وقد سماه طامثرى جند زحل، لأنه في الأكثر ينذر بالقحط والشدة. وقال هو مقدمة المجاعة وهو مشؤم، فاحرصوا على قتله ومحوه من الأرض البتة . واذا رأيتم كثفا من الجراد قد اقبل، فليختف الناس كلهم. ان كانت مدينة او قرية فليدخل الناس كلهم إلى البيوت ولا يظهر منهم احد في طريق ولا تحت السماء، بل يختفي الناس كلهم. وكذلك في الضياع لا يظهر اكار ولا فلاح، فان الجراد اذا لم يحس بأحد من الناس يفزع ويجفل كله عن ذلك الموضع إلى موضع يحس فيه بالناس ولو بواحد بعد واحد. فلهذا قال ادم ان أبناء البشر قد يستجلبون مضار كثيرة على أنفسهم وهم لا يشعرون بها. فمن ذلك ان ينفرون من الجراد اذا رأوه ويصرخون ويتكلمون وياخذون له القصب والخشب. وهذا كله يجلب عليهم الجراد ويكثره ويبعثه على الوقوع على زروعهم وأشجارهم فيأكلها. ولو اختفوا فلم يظهر منهم احد تحت السماء لفزع الجراد من ذلك الموضع وطار عنه إلى مكان بعيد كالهارب.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب في ذكر الكروم

مُساهمة من طرف wara_qa في الإثنين سبتمبر 29, 2014 4:19 pm

باب ذكر كيف تزرع الكروم

قال قوثامي: قال طامثرى فان اتفق ان يهجم جراد على قرية بغتة والناس منصرفون في مطالبهم فان الاختفاء حينيذ لا يطرد الجراد، بل يبعثه على الإلحاح. وان أردتم حينيذ طرده فبادروا قبل تمكنه من الزروع فخذوا ترمسا مرا ومن الحنظل وقثا الحمار، وليكن الترمس سبعة أجزاء ومن الاثنين ثلثة أجزاء، فدقوه وانقعوه في ماء مع كف ملح، ثم رشوه على اغصان الشجر والكروم وعلى المنابت الصغار كلها، فان الجراد لا يقع عليها، وان وقع عليها واكل منها شيئا مات للوقت.
واما ما أشار به صغريث فانه قال : ما رأينا شيئا اطرد للجراد بسرعة من إشعال النار. فاذا رأيتم الجراد قد اقبل، فان كان في تلك الناحية او فيما يقرب منها مكان غيضة او دجلة او مرج فيه حشيش كثير، فاضرموا فيه النار، فان الجراد ينصرف ويتواقع فلا يطيق الطيران، وان لم يكن دجلة ولا غيضة ولا موضع فيه حشيش كثير فاجمعوا (شوكا وعوسجا وحطبا وقصبا كثيرا) في مواضع واسعة وعبوه بعضا فوق بعض حتى يعلو واضرموا فيه النار، فان الجراد يهرب. فان فاجأكم الجراد (ولم تطيقوا) جمع حطب وغيره (فافعلوا ما نصف): فأشعلوا نيرانا كثيرة متفرقة واصيدوا من الجراد والقوه على تلك النيران المتفرقة، فان الجراد ينصرع اذا أحس بدخان الجراد المحترق، لان ذلك الدخان يسدره ويخربقه، فيسقط كالميت ولا يقدر على الطيران ولا على ان يقرض شيئا من المنابت، كبارها وصغارها.
قال وان بخر الجراد بقصب القنب مع شيء من كبريت كان ذلك بليغا في قلع اصوله، لأنه يهرب من ريح هذا شديدا. وعظام الهدهد اذا بخر به طردت الجراد، وعظام السلحفاة مع التبن اذا دخن بهما في موضع (هرب الجراد)، وكثيرا يتساقط من هذه الرايحة ميتا. واذا خلط البصل الرطب بفتات الجبن العتيق ودخن به لجميع هذه الحشرات هربن من ريحه. وهذه البخورات كلها التي وصفناها انما صارت عاملة لهذه الاعمال، لان الدخان حار يابس، فهو ينقذ بحرارته ويلتصق بيبسه ويعمل في أرواح هذه الحشرات عملا يضاد حياتها، وكل ضد يهرب من ضده. فلما كان دخان هذه الاشياء الشديدة الحدة وكراهة الرايحة يؤدي إلى أنفاس هذه الدبيب كراهة شديدة، اجتمع الدخان مع انضادة من طريق الحر والبرد الفاعلين الكراهة الشديدة، فصار قاتلا موحيا بسرعة لأجل المضادة ومهربا لكراهته.
ومعنى الكراهة راجع إلى ان اصله المضادة، إي انه صار كريها بالمضادة، لكن لحدوث الكراهة حتى يصير الشيء كريهاً صفة ما ومعنى يتركب، فيحدث من ذلك التركيب معنى يسمى كراهة، فاصله مضاد ما، وانضم إلى ذلك اشياء موصوفة، فحدثت تلك الكراهة. وهذا الشيء الذي نسميه كراهة، وهو يزيل حياة الدبيب، الصغير منه والكبير، فتكون هذه الكراهة ضد حياتها، وكل ضد لا يقيم معه ضده. فاذا تنفس الدبيب فوصلت هذه الرايحة إلى قلبه بالاستنشاق نفر للوقت نفورا يهرب معه، فان أقام حتى يتصل استنشاقه الهواء ويتكرر وصول الهواء مع تلك الرايحة إلى قلبه مات وطفيت روحه وانقضت حياته.
ولما كانت هذه الحشرات مختلفة الامزجة والطباع وجب ان يكون بعض الاشياء من هذه العقاقير الكريهة الريح لقتل بعض الدبيب من بعض، بحسب موافقة الطبع للطبع او مخالفة ذلك. فهذا هو العلة في ان (اشياء بعينها) تقتل الجراد خاصة، وأخر تقتل الفار، وأخر تقتل العقارب، وأخر تقتل الحيات. انما كان ذلك لما قدمنا، فيجب ان يستعمل في طرد هذه وقتلها ما قد ذكره القدماء انه يختص بالعمل في ذلك بعينه، فانه يكون ابلغ. وفي العقاقير والأدوية والمنابت ما يعم بضرره جميع ما له حياة ويقتل كل الحشرات، فهذا ابلغ من غيره لاشتماله على العمل في كل الاشياء، وهذه قليلة.
على ان قوما ذكروا ان الاشياء التي تختص بقتل شيء بعينه ابلغ لذلك الشيء من الاشياء التي تعم بضررها. وهذا متى أردتم تمييزه وتحصيله فليس يكشفه لكم الا تجربته، فجربوا، فما وجدتموه ابلغ فاستعملوه، فان تكرير التجربة لهذه الاشياء سهلة قريبة المتناول جدا.
ومن الدبيب الذي يضر بثمرة الكروم وغيرها من المثمرات ثمرة حلوة النمل، وهو مضر بالناس في كثير من مآكلهم وحبوبهم المقتاتة، لأنه كثيرا يجتمع على ما يعده الناس ليأكلوه، فينغصه عليهم. فوجب لذلك ان يجتهدوا في نفيه وطرده ليكفوا أذاه. فاعلموا ان القطران من أعظم شيء يكرهه النمل. فمتى أردتم ان لا يقرب النمل شيئا فخطوا حول ذلك الشيء خطا من قطران مدورا، فان النمل لا يقربه. وان طلية حول أحجرة النمل بالقطران هربن من ذلك الموضع. وهذا ما جربناه فوجدناه حقا.
وهكذا ينبغي ان يعمل بالكروم. اذا أحسست باجتماع النمل على اصل منها فاطل على ذلك الموضع القطران، فانك لا ترى منهن واحدة لهربهن عن ذلك الموضع. وقد وصف آدم لطرد النمل ونفيه، قال : خذوا صعترا جبليا وسذابا بريا وكبريتا فاخلطوا الجميع بالسحق جيدا وذروها بعد سحقها حول أحجرة النمل، فأنهن ينصرفن عن ذلك الموضع البتة، وذلك ان رايحة الكبريت اذا خالطها رايحه الصعتر والسذاب كان من اجتماع هذه رايحة قاتلة لجميع الهوام، ليس للنمل بل ولكل الدبيب جملة. وقد صدق آدم في هذا وجربناه فوجدناه بليغا. وهو أفضل من القطران، لان القطران يطرد النمل والدود، والذي وصفه آدم عليه السلم يطرد كل الدبيب على العموم، فصار لذلك أفضل.
واما صغريث فانه ذكر الدواء الذي وصفه آدم ، وأسنده إلى آدم، وذكر القطران وشيئاً ثالثا، فقال: خذوا صدف الحلزون فاحرقوه حتى يصير كلسا ابيض وذروه حول ثقوب النمل ومساكنهن، فان هذا يهربن منه، فان أقمن تماوتن جميعا. فاما ينبوشاد فانه قال : ان حجر المغناطيس الجاذب الحديد، اذا وضع على باب أحجرة النمل لم يخرجن ويهربن إلى غور الأرض. وهذا ينبغي ان يجرب، فان صح فانه حسن فلذلك اهل بلادنا يجعلون في وسط الكدس من الحنطة وغيرها من الحبوب حجر المغناطيس ليلا يدنو منه النمل. قال وقد جربنا انا وجدنا خفاشا ميتا فوضعناه على حجر النمل، فماجوا وخرجوا عن ذلك، المكان، كأنهم قوم قد تحولوا من منازلهم. قال وان غطيت إناء فيه عسل او غيره مما يطلبه النمل، بصوف ابيض من كبش، وليكن منفوشا، لم يقربه النمل، وكذلك ان أدرت الصوف حول الإناء لم يقربه النمل.
ومن عجب الخواص ما وصفه ينبوشاد ايضا في قتل النمل، قال : خذ حافر الحمار من رجليه فاحرقها بحطب ألآس واطبخ الرماد مع رماد حطب ألآس الذي تحرقه به، فاطبخه بالماء وجمده بالطبخ حتى يصير ملحا، ثم خذ هذا الملح فبله بدهن بزركتان او بخل، والخل اجود، ورشه على موضع فيه النمل، فانه يقتلهن كلهن. وهذا من شريف الخواص وليس من الطبيعيات ولا العلاجات. قال ومما هو غريب الخواص ان تأخذ بول الحمار فتصبه على الشونيز والحلتيت قليلا قليلا سبعة ايام حتى يتشرب هذان بول الحمار جيدا، واتركه في موضع تصفقه الريح، دايما في تلك السبعة ايام، وكلما نشف فصب عليه بولا ثم يجففه حتى يجف جيدا ويمكن ان يسحق ، فاسحقه وانثره على النمل، فانه يقتلهن البتة. وان دخنت به دارا او غيرها هرب منها الزنابير والبق والذراريح والذباب وصغار الخفاش. واذا دخنت بهذا فأضف اليه شيئاً من روث الحمار، فان عمله يقوى جدا وترى منه عجبا. وهذا من الخواص والعلاجات، فانه يكن ورم اللهاة ويقلع البثور من البدن التي روسها حادة جدا، واذا طلي على التواليل ثلثة مرات في كل يوم قلعها واستأصلها.
ومما هو من الخواص والعلاجات أيضا ان يؤخذ بصلة من بصل الفار يكون وزنها نحو الخمسين درهما، فتدق في هاون غضار او حجر قليلا قليلاً حتى يصير كالملح، ثم يطرح عليه مثل نصف وزنه من روث الحمار يابسا مجففا أياما كثيرة حتى لم يبق فيه ذرة نداوة، فيطرح على البصلة منه قليلا ويدق حتى يصير مع البصلة مثل نصف وزنها من روث الحمار، ثم يلقى على الجميع مثل (وزن نصف) البصلة أيضا اخثاء البقر ويندى بخل خمر جيد ويدق ويسحق ويخلط حتى يصير كالمرهم لا ينفصل منه شيء من شيء، ثم يترك ثلثة ايام مبسوطا في جام حتى يقب ويبتدي يجف، ثم يؤخذ. فاذا أردتم طرد الذباب والبق والنمل والزنابير والخنافس التي لها أجنحة وبنات وردان ذرات الأجنحة (والذراريح وما اشبه هذه) من التي تؤذي الناس في الكرم وغيره، فدخنوا من ذلك المخلوط في وسط القرية والضيعة والقراح او الدار او حيث شيتم، مقدار ست ساعات، بخورا دايما، فأنكم ترون عجبا من هرب هذه كلها عند اختناق الموضع بدخانها.
والنمل مع أذاهن للناس قد ينتفع بها في العلاجات لأشياء نذكرها هاهنا. فمن احتال ان يأخذ من النمل شيئا كثيرا فيجمعه، وان كان مع النمل بيضهن الأبيض الصغار كان ابلغ واجود، فيلقى ذلك في هاون ويربا بالخل قليلا قليلا حتى يصير كالمرهم، فان هذا اذا طلي على موضع فيه شعر من البد ن، بعد ان يحلق من ذلك الموضع حلقا نظيفا، ثم طلي بهذا طلية واحدة وصبر الانسان عليه يوما، والموضع مكشوف للهواء، لم ينبت الشعر في ذلك الموضع ابدا . وان طلي منه على رأس الذي يشتكي الصداع من ريح غليظة اوبلغم، او غلبه البرد الشديد. او من زكام، سكنه وأزاله بسرعة، وربما لم يعد ذلك الصداع إلى ذلك الانسان. وان اخذ منه وزن نصف درهم فقط فحل في دهن ورد خالص واطلي به الانسان الذي قد تأذى بالجرب اليابس والرطب جميعا قلعه واستأصله، لكن ينبغي ان يدهن الجرب بهذا الدهن جيدا ثم يدخل الحمام فيقعد في موضع منه بنائه حمى يسير ولا يعرق، فانه ان عرق نزل الدواء عن بدنه، واذا لم يعرق لزم الدواء البدن معما عمله. وكلما صبر عليه هكذا كان انفع.
وفيه منافع في العلاجات غير هذا الذي وصفنا، اعني هذا الدواء الموصوف على هذه الصفة خاصة، وإلا في النمل منافع على صفات غير تلك كثيرة، منها ما هو داخل في باب الخواص مشترك بينه وبين العلاجات: انه من اخذ ماية نملة وعشر نملات، (فصبر على عددهن حتى يكمل ماية وعشر نملات)، ثم سحقهن في الهاون ونداهن بشراب عتيق حتى يصير كالدرياق، وخلط به شيء من دردي الخمر حتى يختلطا جيدا، ثم شرب منه وزن نصف مثقال بخمر جيد ازال عنه الم لدغة الرتيلا البتة، وليس لسم الرتيلا دواء ولا درياق ابلغ من هذا ولا اصح . واذا جمع من النمل شيء كثير واحرقن بخشب الطرفا وجمع الرماد واحتفظ به، فان أردتم دواء للخوانيق، ليس ابلغ منه، فاخلطوا هذا الرماد بعرق الورد ولطخوا به الحلق من خارج ودعوه ساعة، فأنكم سترون عجبا من فعله وتفتيحه الحلق وتسكين الورم. وهذا من الخواص والعلاجات. فان خلط الرماد بيسير من الانزروت المسحوق وبل بماء الورد وطلي على خوانيق كان ابلغ من الاول. فان طبخ الرماد حتى يصير ملحا وخلط بماء قد نقع فيه شعير مكسر بالدق وخلط بذلك مثل ربعه انزروت مسحوق كالذرور وطلي به الحلق في الخوانيق كان ابلغ من الاول وأنفذ في التفتيح.
وقد يتكون في الفرط في الكروم حيوان هو بين الجراد والصراصير اللاتي تكون في البيوت، الا ان صورتها يتكون الصراصير اقرب منها يتكون الجراد، وكذلك لونها. وهذا الحيوان يقرض حب العنب أحلو منه، ولا يكون الا في الكروم التي ثمارها إي لون كانت من بياض او سواد او غير ذلك. فاذا كثر هذا الدبيب في الكروم اضر به في الثمرة. فينبغي ان يدخن لهذا باخثاء البقر مع الكبريت ثلثين، وثلث، الكبريت اقل ، فانه يهرب من هذه الرايحة. او يصاد من هذه عدة فتلقى في الجمر مع شيء من انزروت، فان هذا الدخان ايضا يهربن اجود من الاول ويقتلهن ان أقاموا. وهذا يهرب ايضا من رايحته الجراد إذا بخر له به. وابلغ مما وصفنا ان يؤخذ من هذا الحيوان شيء او من الجراد، او منهما جميعا ، فيطبخ بماء عذب لا ملح فيه، ويجاد طبخه، ثم يترك حتى يبرد، ويرش الماء بين الكروم ايضا، فان هذا يهرب منه هذا الدبيب هربا جيدا .
وقد يتوالد في الكروم عناكب طوال الأرجل وقصار، الا ان ذلك قليل في اقليم بابل، ليس يكاد يظهر ولا يكثر في شيء من نواحي هذا الإقليم . وانما يكون هذا في بلاد مصر اكثر ذلك وفي بعض بلدان المغرب وفي بعض اطراف الشام، مما يلي برية فاران ، وكذلك ايضا في موضع يجاور الغوطة. فالطويل الأرجل سليم والقصير الأرجل ربما عض بعض الاكرة . وذاك ان في طبع هذا ان يطلب الانسان ليعضه ، ويعدوا اذا عدا جدا. ولما كان هذا معدوما في هذا الإقليم او شبيها بالمعدوم لقلته لم يذكر له دواء يهربه، الا انه على كل حال نقول فيه انه يهرب من بعض هذه الاشياء التي وصفنا انها يدخن بها لتهرب الحيوانات المضرة. ويعمل لها نحو مما يعمل لغيرها، ان ظهرت في هذا الإقليم او حيث ظهرت من الأقاليم، فان ذلك يطردها، وهو ان يدخن بها لتهرب الباقية منها، كما وصفنا في غيرها من مثل الكبريت وغيره مما يهرب بنتن الرايحة.
فاما الذراريح التي تختص بتولدها في الكروم فانها اكثر ما تكون بلقا ببياض وخضرة ، او ا خضرا كلها، فتقف على العناقيد وعلى ورق الكروم كثيرا. فان (أردت قلعها من الكروم فبخر ببعضها، فان) الباقيات يهربن من هذه الرايحة. وليكن التدخين بها اخثاء البقر، فانه ابلغ، وان دخن بها وحدها وطيف بالمداخن في الكروم مرة ومرارا كان اجود، فانه ابلغ، وان دخن مع الريح لتبلغ بها الريح إلى (جميع نواحي) الكروم كان اجود. وان دخنت الكروم مع الريح بأصول قثا الحمار (هربت منه الذراريح) وغيرها من ذوات الأجنحة.
وقد قال ينبوشاد ان كل ذي رايحة طيبة من النبات يهرب الذراريح (وغيرها من ذوات الأجنحة) من البقول والكروم والورد وجميع الأزهار التي تقف عليها الذراريح، وذلك بان يدخن لها بورق الورد مع الاشنة والقسط والسنبل والعود الهندي والزعفران. وبالجملة فان الروايح (الطيبة اللذيذة) تهربها لأنها تكرهها، وتحث الروايح الكريهة لأنها توافقها.
وقد يتكون على الخشب الذي تعرشى عليه الكروم ويدب على القصب ايضا الحيوان الصغير المسمى الفسافس، وهي تجري مجرى الحشرات التي يجب قلعها عن تلك المواضع، لأنها تدب على حمل الكروم واغصانها. والذي يقلع هذه ويهلكها ان تدخن ببعضها مع عكر الزيت، فانه يهربها، او يؤخذ اخثاء البقر يابسا فيعجن بالزفت ويدخن بهما، فانه يهرب الفسافس ويقتلها، فتتساقط ميتة، او يخلط اخثاء البقر بالزفت ودردي الزيت ويدخن بهذه الثلاثة تدخينا دايما ثلاث مرارا في اليوم والليلة، ويطوف الذي يدخن بهذا على كرم وكرم، وان كانت الريح هابة على الكروم كان اجود. واذا خلطت هذه فلتطبخ بالماء سويعة ثم يرش ذلك الماء في نواحي الكروم وتحت الازاج المعمولة للكروم وتحت اصول الخشب وعلى الخشب الذي تدب الفسافس عليه، فان هذا اذا دبت عليه (هذه الدبيب) تماوتت. او ياخذ ورق اللبلاب والماذريون فيسحقهما ويصب عليهما الزيت ويلطخ بذلك الخشب الذي يرى عليه الفسافس. وان عملت هذا العمل بكل شيء يدب هذا الحيوان عليه من الابواب والاسرة الكاينة في منازل الناس ومساكنهم، هربن وتماوتن، اذا لطخت الخشب الذي يدب عليه هذا الدبيب بهذا اللطوخ. وان أحببت فخذ قلقديسا وشبا صافيا فادفهما في خل ولطخ به الخشب الذي يدب عليه هذا الدبيب، فأنهن يهربن من هذا. وقثا الحمار، نباته وورقه واصله، اذا دق ورش عليه الماء، ثم طبخ بالماء قليلا ورش ذلك الماء على الخشب والشجر والكروم التي تدب عليها الفسافس هربت منه او تساقطت كلها ميتة. وان لطخت هذه المواضع بماء القلي والنورة وعكر الزيت تماوتت هذه الدويبة وما اشبهها من هذا الدبيب الصغير، او هربت فلم تر.
قال صغريث وان أحببت ان لا يتولد الفسافس في شيء من جميع الاشياء، مثل الأسرة والأبواب وخشب الشجر والكروم وغير ذلك مما جرت العادة بتولدها فيه فخذ العلق الذي قد مص دم الانسان فلطخ به هذه المواضع، فان الفسافس وأكثر الدبيب لا يتولد هناك ولا يدب عليه حيث تولد وحيث يكون . ومتى لم يمكنك شيء من هذه الادوية التي قدمنا ذكرها او كسلت عن طلبها او جمعها فخذ ماء قد استقي من بير فالق عليه كف ملح واطبخه ساعة ثم رشه بحرارته على الفسافس، فانه يقتلهن ويهربن منه. وذاك ان هذا الدبيب اكثر ما يكون دبيبه على الخشب، جميع انواع الخشب، الا خشب الطرفا والسرو، فانه لا يدب عليه. واما غير ذلك من جميع انواع الخشب فانه يتكون عليه ويدب. وفي بعض ما وصفنا له كفاية. على انا قد تركنا ما حكاه ينبوشاد فيه، فانه قد وصف أوصافا طوالا في كيفية كونه وقلعه واستيصاله، تركنا ذكرها لطولها واكتفاء بما قدمنا من امرها.
وقد يجتمع على الكروم اذا اثمرت في النواحي الحارة من اقليم بابل البق الكثير. وهذا الحيوان هو من الحشرات الطيارة ، وهو مؤذ للناس جدا في منازلهم وبساتينهم ومانعا لهم كثيرا من النوم. ونحن نصف ما يريح منه، مما ذكره القدماء ومما جربناه فوجدناه محيحا .
(فاذا أردت) طرد البق من إي موضع أردت طرده، فان آدم علمنا ان دخان القنة والكبريت اذا دخن بهما طرد البق وقتله حتى يتساقط ميتا. قال وهذا يتأذى بريحه الناس تأذيا شديدا، فقد يجب ان يدخن بعده بالميعة والاشنة والقسط والكندر، اما مجموعة او متفرقة، فان كل واحد من هذه يمحو الرايحة الكريهة ويمنع ضررها وإذاها، وهي مع ذلك تعين على هلاك البق ومحوه والمنع من تكونه. ومتى دخنتم بأي شيء كان مما هو كريه الريح، يضر بريحه أدمغة الناس وأعينهم لشدة حرارته، فاتبعوه ببعض ما ذكرنا واتبعوه ايضا بدخان البقلة اللينة، اما بورقه او بعيدانه مجففة أو مع بزره او بورق البزرقطونا او بورق حي العالم او بورق الهندبا او ببعض بزور هذه مع أوراقها، فانها تذهب بضرر هذه العقاقير الحادة المصدعة كلها، فاعرفوا ذلك.
قال آدم وان أخذتم قصب القنب وقت يورد خاصة وفرشتموها بالقرب من مواضع منامكم ومجالسكم، ولتكن القضبان رطبة كما تقطف، منعت من دخول البق إليكم ولم يقربكم منهن شيء. وقال صغريث ان أخذتم سوطا مضفورا من شعر أذناب الخيل او البغال وعلقتموه على باب بيت لم يدخل هذا البيت بقة واحده ، وليكن طول هذا المضفور شبرين تامين. وان دخنتم الدار والبستان باخثاء البقر مع التبن هرب البق من ذلك الموضع. وان بخر إي موضع كثر فيه البق بدردي الخمر اليابس او يخلط معه دردي الخل الخمري فان هذا يهرب البق جيدا. وان بخر انسان بنشارة خشب الصنوبر مع تبن الحنطة هرب البق من ذلك الموضع.
وقال ينبوشاد ان جميع ما وصفه القدماء من التدخين بأشياء يهرب منها البق، فانه حق كما وصفوا، لكنه لا فايدة فيها، وذلك انه يهرب منها الموجود من البق في ذلك الوقت، فاذا انقطع التدخين رجع البق الذي يتكون دايما من العناصر التي تولده، فيخلف ما مضى منه أكثر مما كان، فيحصل على الناس إنهم يتأذون بالروايح الكريهة. وما انقتل من البق من تلك الروايح فانه يتولد مكانه اضعافه ويصير هذا المتولد احد طنينا واشد قرصا.
ولهذا علة ظريفة، وذاك ان البق الثاني المتكون بعد ذلك الذي اهلك بالرايحة نشأ من العفونة المتكونة من الرطوبة التي تطبخها الحرارة، فاذا خالط تلك العفونة وذلك الأصل الذي هو رطوبة، تطبخها حرارة هذا الدخان الحاد المختلف، اجتذب الرطوبة وحدث في تلك الحرارة مع لينها حدة، فاذا زادت حدة الحرارة واجتذبت الرطوبة التي هي عنصر البق كان المتولد منها من البق حاد كحدتها وحار كحرارتها وصار قرصه اشد وانكى وطنينه ادوم وأطول واشد وأنبه للنايم من نومه. وربما زاد فساد تلك الرطوبة بزيادة طبخ الحرارة لها، لا زيادة بالكمية في الكثرة بل زيادة في رداوة الكيفية، فتحتد تلك الرطوبة. فاذا طبختها مع حدتها حرارة لينة فيها ايضا حدة تولد منها، إذا كانت المادة منبعثة ممكنة لتوليد البق خاصة، بقا فيه سمية وشدة نكاية بالقرص، فسيلت الدم من ابدان الناس بقرصتها، حتى لو ان لها أجسام كبار تقدر من العض على أوسع من تلك المواضع الصغار لقد كانت نكايتها تعظم ويسيل قرصها من الدم اكثر مما يسيل ، لكن لأجسام البق حدا على المقدار الذي قويت تلك الطبيعة على تكوينه من تلك المادة . ولو اتسع للطبيعة الحرارة والإمعان منها في المادة وفسدت الرطوبة زيادة فساد على ذلك الفساد والعفن المتكون منه البق، لحدث وتكون حيوانات هي اكبر من البق وانكى منها. وذلك ان البق اول كاين من فساد الماء وعفنه بالحرارة اللينة، حتى اذا زاد على ذلك زيادة ما، حدث وتكون منه حيوان اكبر منه جسما وانكى فعلا من البق. وانما يكون من المواد التي تكون من مثلها تلك الحشرات بعينها، بما يكون الانتقال في الكون منها، بحسب أجزاء المادة واستيلاء القوة عليها. وهذه القوة هي التي تسمى طبيعية، فاذا كثرت الأجزاء من الماة وكانت القوة ضعيفة حدثت الحيوانات الصغار ايضا مثل بنات وردان والصراصر والجراد والذاراريح والزنابير والذباب وأمثال هذه من (الحيوان الطيار) ، اذا كان جزء الحرارة اغلب، لان الطيار كله انما طار بالخفة، وان نقصت الحرارة وزاد البرد حدث الدبيب الذي لا يطير، مثل الدود والخراطين والعناكب والرتيلا وكلما يدب على أرجل او على بطنه ولا يطير بجناحين.
ولما كان أبناء البشر قد وقف بعضهم على أسباب كون هذه الحشرات، علموا بذلك كيف يتولد مثلها بأشياء يعملونها فتتولد، وعلموا ايضا كيف يعكسون تلك الاعمال فيهلكون منها ما يريدون إهلاكه اذا كثر تأذيهم به ، لان كل واحد من هذه الحشرات له شيء بعينه من العقاقير يهلكه، اما بريحه بالتدخين واما بطبخه بالماء، ويرش ذلك الماء على المواضع التي ترى فيها تلك الحشرات فيهلكها ذلك بالمضادة. وانما علموا كذلك تضاها لما وقفوا عليه من اصل تكوينها. وهذا انما خرجنا إليه من ابتدينا بالكلام في البق، ونحن نصف له ما يدخن به فيقتله او بما يرش له او مما يلقى له فيقتله. وقد ذكر القدماء من الدخن اشياء كثيرة ومن غيرها ايضا مما يقتل البق بشم ريحه اما برش مايه او بنثره في المواضع التي يريد المريد طرد البق عنها. وكلام القدماء على هذا المعنى وما أشبهه على ضربين، لان المتكلمين عليها ضربين، فلاسفة وأنبياء، فمن كان منهم (من الفلاسفة) فان كلامهم على ظاهره كله كلاما بينا لا باطن له ولا تأويل له على غير ما يسمع منه، واما كلام الأنبياء فانه كلام مخلوط معانيه وبرهانه بأشياء ومعاني سياسية، فاذا اختلطت السياسة بالبرهان (كان بينهما) كلام له باطن خلاف الظاهرة وصار ذلك الظاهر يأخذ كل سامع منه على مقدار عقله وتمييزه، فاختلف الآخذون عن الأنبياء لذلك واحتاج الناقلون عنهم كلامهم إلى إن يكون أوفر الناس عقلا وأجودهم تمييزا، حتى يعقل ما اخذ ويدري كيف يؤديه . ولهذا ما وجب على كل عاقل ان يؤدي كلام النبي كما لفظ به النبي سواء، لا زيادة فيه ولا نقصان، ليلا ينقلب المعنى ويتغير بتلك الزيادة والنقصان. وكلام الفيلسوف غير محتاج إلى شيء من هذا التحري في حكايته، لأنه لا لبس فيه البتة . على ان كلام النبي لا يسمى ما اختلط فيه من حال السياسة (لبسا، لأنهم) مأمونون من التلبيس، وصار من اجل هذا ان كلام آدم أبو البشر ودواناى من قبله المسمى سيد البش وانوحا النبي واخنوخا وايشيثا بن آدم ومن أشبههم من الأنبياء يحتاج سامعه إلى اطالة الفكر فيه وإجادة التمييز له، حتى يحصل له فايدة. وليس يكون ذلك صحيحا الا بجودة المتصور لمعناه وانه حكمة مخلوطة بسياسة للكافة من الناس، وفيهم العقلاء، وهم قليلو العدد جدا، والحمقاء والأصحاء والمجانين والمتأني والأهوج، وفيهم من هو فيما بين كل اثنين من هاؤلاء. فمن احتاج إلى سياسة مثل هاؤلاء احتاج ان يخلط كلامه بسياستهم ومداراتهم وتقويم من يحتاج منهم إلى التقويم وارهاب من يحتاج منهم إلى ذلك . ولا بد لسايس جملة الناس من مطالعة هذه المعاني وتصورها واستعمالها. وصار كلام صردايا وطامثرى (الكنعانيين وماسى السوواني وكاماش النهري القديم الذي لا ندري) كم عهده من زمانه إلى زماننا هذا كثرة ، لأنه عند الكسدانيين أقدم من سيد البشر دواناى وأقدم من جميع ما ذكرنا، وليس له عندنا اثر ولا خبر اكثر من كتابه المسمى شياشق، الذي تكلم فيه على ثلثة أبواب من الكلام، احدها على الفلاحة وإصلاح المنابت، فصار كلام هاولاء خاليا من مراعاة السياسة. فهذا على ظاهره ومعناه منكشف لسامعه بلا باطن ولا تأويل ولا يحتاج (إلى ما يحتاج) إليه كلام الأنبياء. والدليل على ذلك قول آدم عليه السلام ان البق انما يحدث من كثرة او شدة بطر أبناء البشر، والعقارب والوزغ انما يكثر تكونه من إكثار البشر من التظالم فيما بينهم، وان الحيات والافاعي انما يتكونون من إكثار أبناء البشر القتل، اذا كثر فيهم القتل من بعضهم لبعض، كثر تكون الحيات والافاعي فيما بينهم، وان تولد البراغيث والقردان والفسافس والأرضة والقمل انما يكثر تكونها من كثرة خطايا الناس فيما بينهم وبين آلهتهم. وان البلدان والأقاليم المختلفة انما صار يتكون في بعضها شيء خلاف شيء في بعضها في اعمال يختص بها اهل ذلك الإقليم دون غيرهم، فاذا أحدثوا خطايا حدثت لهم وفيهم حشرات تؤذيهم (وتضر بهم)، فيكون ذلك على سبيل العقوبة لهم . وهذه الذنوب كلها اصولها أتباع الشهوات والميل إلى دواعيها دون دواعي العقل والدخول في موجباتها دون الدخول في موجبات العقل.
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب في ذكر الكروم

مُساهمة من طرف wara_qa في الإثنين سبتمبر 29, 2014 4:21 pm

باب ذكر كيف تزرع الكروم

ولو ذهبت احكي من مواعظ الأنبياء وزجرهم عن افعال زجروا الناس عنها لطال ذلك من كلام واحد منهم. وهذا فصل من كلام آدم وحده. ولابنه ايشيثا من هذه المعاني وهذا الباب كلام هو اكثر من كلام أبيه ادم. ولغير ايشيثا ايضا كلام هو اكثر وأوسع. وليس هذا قصدنا هاهنا لنبلغ إلى آخره.
والانياء، كما قد حكينا، مجمعون على ان كلما ضر أبناء البشر من الحشرات والدبيب ذوات السموم وغيرهم انما حدثوا وتكونوا من افعال الكواكب، لا عن قصد من الكواكب للأضرار بالناس، لكن عقوبات منهم لهم على ذنوب كانت منهم واسآات إلى أنفسهم وعدول في ذلك عن عقولهم إلى شهواتهم، فيتولد من كل فعل فعله فاعل ورآه راء عليه (فلم يدفعه) عن ذلك الظلم ولم يجاهده ويجتهد في رده عن ذلك الظلم، حدث وتولد وتكون من ذلك حشرات ودبيب ذوات سموم قاتلة او ممرضة، وان دافعه دافع عن ذلك الأضرار بأبناء جنسه ورده عن ذلك الفعل، امتحت تلك الحشرات من ذوات السموم وغيرها. وكذلك لو تناصف الناس فيما بينهم كلهم فلم يظلم احد أحدا صفت معايشهم، فلم تكدر، وصحت أبدانهم، فلم تسقم، وخصبوا، فلم يقحطوا، وزكت زروعهم. لكنهم لما تظالموا ولم يتناحفوا في معاملاتهم تولد من ظلمهم عليهم هذه البلايا من القحط والضيق والسقم. وكذلك يتولد ايضا من ظلم بعضهم بعضا، وخاصة (ظلم القوي للضعيف اذا تقوى عليه، ضروب من الدبيب المضر، منها) ذوات السموم وغير ذلك مما يؤذي بغير سم. فعلى هذا ان دابة من ذوات السموم لا تلدغ أحدا الا على ذنب قد أتاه استحق عليه تلك العقوبة. وعلى مقادير الظلامات تتولد هذه الحيوانات. فان تكون الأفعى والثعبان ليس من مثل ما تكون منه الذباب والبق والفسافس.
فهذا مذهب هاؤلاء الذين سماهم الكسدانيون أنبياء، وهو الحق عندنا، لأنهم يرون انه لم يحدث في العالم شيء مؤذ الا باستحقاق البتة، (وإلا انه) جوهر واحد يفعل فعلا واحدا، وذلك الفعل هو الخير المحض، وان النحوس كذلك في فعل الخير، وانما أضيف هذا الاسم، فقيل نحوس، لتحريكها الاشياء الطبيعية التي تلحقنا بتحريكها المكاره والأضرار، فسميت نحوساً باضافة أفعالها ألينا ومواقعها منا، فهذا لهذا .
واما حكماء الكنعانيين والكسدانيين فانهم يرون ان هذه كلها مضافة إلى الاتفاقات الدايمة ، ومعنى الدايمة التي لا تتغير عن مجاريها، فان زالت عن سنتها قليلاً رجعت إلى سنن عادتها. وان أصر هذه الاتفاقات شيء ظريف عجيب وليس اقدر أبوح بما عندي (في ذلك)، إذ كان في شرحه فساد نظام سياسة الأنبياء الناس. فلذلك لا أقول في هذا المعنى شيئاً لما فيه فساد أمور الكافة . على ان في جمهور الناس بل اكثر الناس على العموم لا يجوزون ولا يدرون الاتفاقات الدايمة الغير زايلة عن مجاريها، ولو سمعوا شرحها وتكرر عليهم. وهذا وان كان هكذا فالإمساك عنه اول، فإظهار طريق سياسة الأنبياء عليهم السلام الناس الحق بان يتكلم فيه ويشرح، إذ كان هو النافع للكافة وكانت الحكمة فيما عم نفعه دون ما اختص به بعض الناس، خاصة الأقلون عددا. فلنسكت عن هذين البابين هاهنا، كلام الأنبياء وكلام أصحاب الفلسفة القايلين بالاتفاقات، ونعود إلى تمام الكلام في الكروم، فان كلامنا عليها قد طال، فبقي ان نتمه، فنقول : انا قد ذكرنا الحيوانات المتولدة في الكروم المضرة بثمارها وأصولها وفروعها، وحكينا ما وصفته القدماء في طردها ونفيها واستيصالها، وقلنا فيما أدركنا نحن بالتجربة لكل احد من الهوام المضرة بالكروم قولا غير مستقص، لانا قد أدركنا ووقف اهل زماننا على ذلك اكثر مما وقف عليه القدماء، فاقتصرنا على ما وصفوا ولمعنا الكلام بتيسير مما ادركناه نحن، فلنرجع إلى عمود الكلام، فنقول : ان من الحيوانات والدبيب (الصغير المضر) بالناس الدويبة التي تسمى برغوثا، فانه مما يؤذي الناس كثيرا، حتى انا سمعا ان في بلاد اقسوس ربما قتل البراغيث بكثرتهم أنسانا بعد انسان، وهذا عظيم، لكنهم في اقليم بابل ليسوا بهذه الكثرة . فان أردت قتلهم فخذ خربقا اسود فاسحقه واخلطه بدردي الزيت ورشه في مراضع من البيت، فأنهن يهربن. فاما صغريث فانه قال : خذوا الكمون البري والصعتر الجبلي واسحقوهما وصبوا عليهما الماء ورشوا ذلك الماء فى مواضع البراغيث فان ذلك يقتلهن. قال وقد جربنا انا أخذنا ورق الدفلى مع بزره فسحقناهما وبللناهما بدهن، إي دهن كان، وجعلا ذلك في سكرجة وسط البيت، فاجتمع براغيث البيت إلى تلك السكرجة كلهن، لا يؤذون أحدا.
قال صغريث : وفي البحر دابة تتولد، وأكثر ما توجد في بحر الشام ومصر، فانها هناك مشهورة، وهي على صورة البرغوث سواء . فمتى أخذت تلك الدابة فغليت في ماء عذب حتى تموت وتتهرا وتتفسخ ويرش البيت بهذا لم يتولد فيه برغوث الا مات. وقال ينبوشاد : اغلي الماء العذب وفيه بابونج وكمون بري مدقوق وأصول الحنظل، فاذا خرجت قوى هذه في الماء فخذ الماء فرشه في الموضع وفيه بقية من حرارته ، فانه يقتل البراغيث. والدم، إي دم كان، تجتمع إليه البراغيث من البيت كلهن. قال وإذ أخذتم الشوك الرطب فقطعتموه وأضفتم اليه خربقا اسود ونقعتموهما في الماء سبعة ايام، ثم رششتم هذا الماء في المواضع التي تتأذون فيها بالبراغيث قتلها كلها. قال وإذ أخذتم ميويزج، وهو الزبيب الجبلي، (والحرمل او الحنظل) مع بزره، من كل واحد من هذه الثلاثة جزءا، فسحقتموها وعجنتموها بماء ولطختم بها إناء، إي إناء شيتم، وتركتم الإناء مكبوبا على الأرض مرتفع الشقة عن الأرض قليلا حتى يبقى للبراغيث موضعا يدخلون منه إلى تحت الإناء، فان البراغيث يسارعون إلى هذا الإناء حتى يدخلون تحته كلهن ولا يقى (منهن واحدة) في موضع غير ذلك . وان رش من هذا الدواء، حول الإناء ايضا فان البراغيث يجتمعن اليه، وان نقع اصل الحسك واصل العوسج واصل السوسن في موضع ثلاثة ايام، ثم اخذ الماء فرش به البيت، هربت البراغيث منه . والملح المر إذا نقع في الخل الخمري يوما ثم جعل عليه كف نوره لم يصبها ماء وترك ثلاثة ايام، ثم اخذ الماء مع ما فيه فرش في البيت، كان بليغا في قتل البراغيث والمنع من تولدهن. وان أخذتم الزاج والشب فسحقتموهما وعجنتموها بقطران (ونقعتم ذلك) في خل ثلاثة ايام، او حتى تنحل هذه في الخل، ورششتم في البيت، هلكت البراغيث كلها. واذا نقع بصل الفار وحلتيت في خل خمر شديد الحموضة ثلاثة ايام، ثم رش ذلك الخل في بيت او دار او بستان اهلك الدبيب والهوام كلها حتى لا يرى في ذلك الموضع.
قال قوثامى : وقد كنا أخذنا زجاجة واسعة فطليناها بدردي الزيت وجعلنا في وسطها فرخ قنديل تشتعل فيه النار، فاجتمع البراغيث إلى تلك الزجاجة حتى اسودت بالبراغيث. قال وقد ذكر ينبوشاد ان رعي الزرازير اذا سحق وخلط بخل مثل وزنه، يسقى منه شيئا بعد شيء، ويجفف، فاذا جف سقي ايضا حتى يدخل فيه مثل وزنه، والقي في موضع، اما محلولا بالماء، ويرش منه، واما ان يدخن به وهو يابس حتى يختنق الموضع بالدخان. وان سحق وذر في مواضع متفرقة، قال فانه يموت جميع الهوام والدبيب البتة ، حتى لا يرى منهن واحدة. قال قوثامى : وهذا الذي ترعاه الزرازير ليس أحق (إي شيء)، الا اني (أظن انه بزر السوكران)، لان رعي الزرازير سم يقتل بالبرد، (لا شيء ابلغ منه، هكذا قال ينبوشاد، وليس ما يقتل بالبرد) من ذلك أعظم من بزر السوكران، فلذلك حدست على انه هو.
قال قوثامي: والذي جربته انا اني أخذت اسفيداجا ونورة لم يصبها ماء واصل قثا الحمار فسحقتهم وأضفت إلى ذلك شيئا من حملتيت منتن ونقعت الجميع في ماء قد حمللت فيه ملحا مرا كثيرا، ثم رششت ذلك الماء حول الأسرة وفي البيت والدار، فلم تر هناك برغوثا واحدا.
وقد قلنا في نفي الهوام التي جرت العادة بتولدها في الكروم، ومتى رأيتموها في غيرها من المنابت فعالجوها بما وصفنا من علاجها اذا تكونت في الكروم، الأمر في ذلك واحد. وقد بقي علينا من إتمام وصف إصلاح الكروم شيء نحن نتمه ، ونبدأ من هاهنا، فنقول : انا قد ذكرنا فيما مضى من هذا الكتاب كرمة الدرياق ووعدنا انا نتقصى ذكر إفلاحها وما هي وكيف تتخذ.
اعلموا ان القدماء من الكسدانيين قد اختلفوا في اتخاذ كرمة الدرياق، وانما قلنا اتخاذ كرمة الدرياق، لان هذه الكرمة المنسوبة إلى الدرياق ليس تكون كما جاء واتفق، بل انما تكون بأعمال يعملها الناس فيها . وانما قلنا قدماء الكسدانيين دون غبرهم من أجيال النبط ، لأنهم هم المستنبطون لهذه الكرمة ، وغيرهم انما يصنعها اقتداء بهم وتعليما منهم. الا ان أمر هذه الكرمة لما شاع واشتهر في غير الكسدانيين استخرجوا فيها ايضا اشياء خالفوا فيها المستخرجين لها وادعوا إنهم جوبوا تلك الاشياء التي خالفوا فيها الكسدانيين فوجدوا تجربتهم تلك صحيحة. وهذا جايز. فانا نرى متعلما لعلم ما يخرج امهر في ذلك العلم من معلمه، لأشياء تقع له بطبعه وباستخراجه، فان الناس كلهم مهيؤن مشكلون لقبول العلوم والصناعات. وقد يخرج متعلم احذق من معلمه وامهر في العلم والصناعات جميعا.
وعمل هذه الكرمة له سياقة في خصوصيات تعمل فيها، من ذلك التزبيل، وفي الغرس وفي النقل من مكان إلى مكان، وفي السقي وفي التعاهد وجميع ضروب الإفلاح والقيام على الكروم. وللقدماء، كما أخبرت، في هذا كلام ووصايا مختلفة، وشرحها على التقصي يطول، لكن نقول في ذلك قولا مختصرا في تمام ان هذه الكرمة المنسوبة إلى الدرياق تشفي من لدغة الحيات والافاعي والعقارب كلها على كثرة أنواعها واختلاف صفاتها، وقال قوم، ومن لدغه الزنبور والرتيلا واكل وشرب الادوية القتالة. وقال قوم ان عصيرها يعتصر، فان تغير فصار خلا حامضا، عمل هذا الخل الذي اشتد فصار شرابا، من التخليص من لدغ جميع ما قدمنا ذكره والشفاء من سمومها . وهو كما قالوا حق لانا جربنا ذلك فوجدناه صحيحا، لكن ينبغي ان يمزج الخل بمثل ثلثه ماء عذبا وينقط عليه نقيطات زيت ويسقاه اللديغ والمسموم ، فانه يتخلص من الموت، . الا ان عمل الشراب في شفاء السم ابلغ من عمل هذا الخل، حتى اللديغ ان اكل من عنب هذه الكرمة اكلأ كما نصف له ضعف عنه الضرر من السموم واللدغ، وربما شفا منها شفاء تاما كما يفعل الشراب والخل. ونحن نشفي من هذا بعد هذا الموضع عند وصفنا كيف تستعمل هذه الكرمة، لكنا نقول: ان هذه الكرمة المنسوبة إلى انها كرمة الدرياق هي النوع من الكروم التي تحمل حبا لطافا من العنب في عناقيد إلى القصر ما هي، وحبها مدور في بعضه استطالة قليلا، والمدور في العنقود اكتر من المستطيل، والجميع لطاف. ولونه احمر خفيف الحمرة وفي حبه على العنقود اكتناز (قليلا، وأكثره يكون الاكتناز) في موضع من العنقود دون آخر، وموضع آخر يكون حبه متفرقا. وطعمه حلو يضرب إلى عفوصة بينة، ويشوب حلاوته مرارة قليلا، هي غير بينة كثيرة، وربما ذهبت المرارة عنه اذا بلغ، فاما قبل بلوغه فان المرارة ابين وأكثر.
وهذه الكرمة قد بحسن نشرها في اقليم بابل وتنبت في نواحي منه، بل في كل نواحيه، وتسميها الكسدانيون الكرمة الجعدة، لان اغصانها لا تطول كما تطول اغصان الكروم، بل هي قصار. وهي في جملتها قصيرة المقدار قصيرة الورق والعلايق. وذكر صغريث ان هذه الكرمة في القديم كان النبط يسمونها الكرمة الجعدة لجعودتها، إلى ان اظهر الزمان (سيد البشر) دواناى فأعلم الناس بمنافع هذه الكرمة وما فيها من القوة والخواص الظريفة، وسماها كرمة الدرياق، واخبرهم انها تشفي من السموم القاتلة ابدان الناس من ذوات السموم واللدغ ومن غير ذلك من أنواع السموم، وعلمهم كيف يفلحونها ويقومون عليها حتى تتكامل فيها القوة التي شفي بها من السموم . ثم زعموا ان اًدم لما ظهر صوب رأي دواناى وزاد الناس علماً في إفلاحها وإتمام أفعالها، واخبرهم مع تعليم دواناى من قبل ان سبيل هذه الكرمة إذ تزرع زرعا، بان يؤخذ من عناقيدها عنقود يكون حبه اكر الحبوب تفرقا واقله اكتنازا، فيحفرون له في الأرض مقدار قدمين إلى زيادة نصف قدم ويضعون العنقود في قعر الحفيرة ويطمون التراب ويسقونه للوقت شربة خفيفة ثم يدعونه يومين ويسقونه شربة، وليكن وقت زرعهم له اما في نصف أيلول واما في نصف تشرين الاول، فاما المزروع في نصف أيلول فانه في الأكثر لا يفلح جيدا، واما المزروع في نصف تشرين الاول فانه الوقت الذي ينبت فيه وينمى وينبسط . وتعاهدوها بعد سقي الماء في كل ثلثة ايام لا غير ذلك حتى تنبت. فان كنتم زرعتم جماعة عناقيد فليكن بين موضع عنقود إلى آخر ثلثة اذرع إلى ضعفها، فاذا طلع منها أسفل وجه الأرض طالع فانبشوا حول ذلك النابت نبشا خفيفا وطموه باخثاء البقر مخلوطا ببعر الماعز وشيء من أوراق الكرم، إي كرم كان ، وطموا فوق هذا الزبل التراب وغطوه بالبواري في البرد وزبلوه بهذا الزبل في كل شهر مرتين، فاذا انتصف آذار وإلى نصف نيسان على مقدار شدة البرد وخفته، فاكشفوا عن نباته هذه البواري التي كنتم غطيتم بها نبات هذه الكرمة، وزيدوا في تزييلها بما وصفناه لكم . فاذا دخل أيار وقبله بأيام يسيرة فاجعلوا في أصول هذه الكروم ، بعد ان تنبشوا اصولها، (رمانتين تقشرونها) وتفتون حبها وتجعلون القشور مع الحب في النبش الذي نبشتموه، وتطمون التراب فوقه . وإنما أشاروا بهذا ليقوا هذه الكرمة في اول نشوها لضعفها ودقة قضبانها، ولذلك أشاروا بتغطيتها الشتاء كله بالبواري والاخصاص، لأن البرد يضر بها شديدا، لضعفها ونقصان قوتها.
وقد شهد دواناي ان شراب هذه الكرمة الذ الأشربة واصحه . وان انتشرت هذه الكرمة ومضى لها ثلث سنين ودخلت في الرابعة، فينبغي ان يعمل لها أعمدة من خشب وقصب لتعرش عليها، أو يعمل بها كما وصفنا في عمل التعريش، فانها اذا عرشت كان شرابها وخلها انفع ومع ذلك فأطيب والذ كثيرأ.
فهذه صفة زرع هذه الكرمة لمن أراد ان يستأنف زرعها وتربيتها من اؤل امره إلى آخره . فاما من أراد ان ينشيها على سبيل الغروس ونقل القضبان من كرمتها ليتخذ كرما أخرى، أو كروم من القضبان على طريق التحويل، فينبغي ان يبتدي بذلك من نصف شباط إلى نصف آذار. وقد رأى صغريث ان يكون ذلك من اول آذار إلى آخره، لأن هذه الكرمة لضعفها قليلة البخار الأصلي الحافظ على الكروم حياتها وبقاها، فلذلك ينبغي أن يكون تحويل قضبانها وقد امن الناس في هذا الإقليم شدة البرد. فان كان الربيع باردا فيجب ان يؤخر ذلك إلى ان يسكن البرد، وان كأن دفيا قدم ذلك ليكون أجود في نشوها .
وقد قدمت في ذكر الكروم الكلام عليها، اي وقت ينبغي ان تكون الغروس بما فيه كفاية، وفصلنا بين ذلك في المواضع والبقاع و الازمنة وهبوب الرياح وضروب التصاريف، فليعمل على ذلك في غرس قضبان هذه الكرمة، فانها في هذا المعنى تجري مجرى غيرها الأ في مواضع قد تختص فيها بأشياء ينبغي ان تستعمل بحسب ما نقول، لأنها تشارك ساير الكروم في اشياء وتنفرد عنها بغير تلك الاشياء ، فاما الاشتراك فليؤخذ من هاهنا مما يشارك هذه الكرمة فيه غيرها. انها تحتاج إلى ان تنفس لها الأرض فضل تنفيس، كما وصفنا في غيرها، وذلك يكون بنبش اصولها، اما في وقت التزبيل، فليكن فضل نبش، وفي غير وقت التزبيل، فتخلخل الأرض في اصولها وحولها وما يحيط بعروقها، فان هذا نافع لها فضل منفعة ولغيرها أيضا.
فهذا ما اختصت به هذه ألكرمة في باب النبش والتزبيل والتخلخل0 ما تختص به دون غيرها من التزبيل، فقد مضت صفته فليعمل عليها. وما يخصها فانه ينبغي ان لا تكسح القضبان التي تراد للغرس فيها كسحا كما يعمل (في ساير) الكروم، بل ينتزع انتزاعا باليد ويستعان على انتزاعها قليلا بالآلة المسماة المنجل، فيكون انتزاع اغصانها مشتركا بين الكسح المتري وبين التفريض، الأ انه إلى التفريض والانتزاع اقرب . وما يختص به الحفر فينبغي ان يحفر لها فى الأرض عمق ثلثة اقدام وتطم بالتراب وقت غرسها طما غير شديد، بل خفيف، وكذلك في وقت تزييلها. ويكون التعريج لها بين غروسها بمقدار ما وصفنا في زرعها، وهو أربعة اذرع.
فاما في باب الإفلاح والقيام عليها والتعاهد فيجب ان تعالج من ادوايما العارضة لها التي تشبه ما يعرض لغيرها من الكروم بما وصفنا لغيرها . وتختص هذه بأن يرش عليها (من شرابها شيئا بعد شيء، فان ذلك يحييها وينعشها ويقويها). وليفعل بها هذا ثلث مرات في شهور، اولها أيار وآخرها تشرين الاول ، فان في هذه كفاية. وباقي افلاحها فليكن كما يعمل في ساير الكروم، الأ انا كنا قد كنا وصفنا لتقوية الغروس ان يؤخذ البلوط فيكثر صغارا ويقطع في قدر الباقلي ويجعل في اصول الغروس، فلتزد هذه الكرمة من هذا زيادة على تلك، ليكن يعمل فيه كما وصفنا. ويكون مع هذه القطع (من. البلوط) خب الكرسنة مكسرا، كل حبة بأجزاء كثيرة ، ولكن يكون جريشا لا دقيقا، وتطم به اصول الغروس، ويخلطونها قبل بالبلوط وتبن الحنطة والباقلى، اذا عفنا بالبول وجففا جيدا واضيف اليها قشور الرمان وزبل بها هذه الكرمة كان بليغ المنفعة لها . وقد ينتفع به غيرها من الكروم، فهو نافع جدا لكل الكروم، وإخثاء البقر اذا خلط بقشور الرمان، وليكونا مدقوقين، ولتطم بهما اصول غروس هذه الكرمة، (مخلوطين بالتراب السحيق)، (وكذلك يعمل بغيرها أيضا/، فاذا جمعت هذه) فليؤخذ من عجم الزبيب أو العنب فيطم في اصولها، فان هذا يسرع إدراك ثمرتها، وإن جعل مع العجم شيء من معاليق الكرم اي كرم كان، و كذلك عجم الزبيب، اي زبيب كان، فان هذا تنفع به الثمار خاصة، لأنه يسرع إدراكها.
فإذا أردتم استعمال شرب خمر هذه الكرمة للعلاج ودفع ضرر السموم فان الشربة من خمرها نصف رطل. تأخذ قدحا يسع رطلا فتصب فيه نصف رطل من خمر هذه الكرمة ويؤخذ وزن مثقال طين أحمر ووزن قيراط زعفران، ان كان مزاج اللديغ حارا، فليكن الزعفران حبتين فقط، وان كان باردا فقيراط، ويداف الطين مع الزعفران (بجزء من ماء) النصف رطل خمر ويشربه اللديغ، ويصب في القدح ماء ورد ويداف به جيدا، ثم يشربه، كان هذا يكون غسلا للقدح من بقية ما تلطخ به من الخمر.
وإما ينبوشاد فانه قال: ينبغي أن يمزج أربع أواقي من خمر هذه الكرمة بأوقيتين من خلها ونصف رطل (من ماء) دجلة، ويلقى عليه وزن درهمين من الطين الارمني، يداف به دوفا جيدا، ثم يشربه اللديغ ويأكل بعده اصل فجلة مقطعا قطعا مدورة لا طوال، فان قذف فبخ بخ، فهو اجود، فان في قذفه خلاصه سرعة، وهو في الأكثر اذا استعملوا هذا على هذه الصفة قذفوا لا محالة، والقذف النافع هو الذي يقذفونه بعد قذف الخمر والماء الذي يشربونه، فما جاء بعد هذا فهو النافع.
واما ماسي السوراني فانه نهى عن سقي خمر هذه الكرمة للديغ . قال بل ينبغي أن يأكل اللديغ والمسموم في الطعام والشراب من عنب هذه الكرمة أو زبيبها مقدار رطل واحد مع لب الجوز وورق السذاب (أكلا بعجلة)، فإذا فرغ من أكله فليتجرع عليه سبع مرار جرعة بعد جرعة من خل خمر هذه مخلوط بيسير من زيت بابلي خاصة او فارسي، فاذا استقر ذلك في جوفه فيأكل اصل فجلة واحدة كبيرة مقطعا قطعا صغارا، ثم يشرب فوقه ماء ممزوجا بخل، فانه سيقذف لا محالة. فاذا قذف مرارا ثلثا فقد بري، وما فاجأه من القي فوق الثلث مرار فهو اجود وابلغ في الشفاء .
وقد ناقض ينبوشاد ماسي في هذه الصفة وعلل عليه عللا في كلام طويل لم احكه ليلا يطول الكلام في هذا الباب فيمله قاريه. وكانت عمدة ينبوشاد في الحجة ان الذي وصفه هو يغثي اللديغ اشد ويقلع من معدته اكثر. واحتج في ذلك احتجاجات كثيرة تركتها كلها وحكيت ما وصفه واحد واحد. وهذه الصفات الثلث التي حكيناها، احدها عن صغريث، والثانية عن ينبوشاد والثالثة عن ماسي السوواني، هي مخالفة للصفة التي حكيت عن دواناي، (والتي حكيت عن أدمى. اما ما حكي عن دواناى) فانه شيء لم يدونه دواناي في كتاب فنقف على حقيقته، وإنما هو خبر في افواه الناس في زماننا هذا يسندونه إلى دواناي لا اعلم صحته. واما الحكاية عن ادمى فان ابنه ايشيثا نهى عن استعمالها (وكذب الحاكين) عنه فيما حكوا منها ء فلذلك رأيت انه لا معنى لحكايتي صفة دواناي المحكية عنه ولا صفة ادمى التي نهى عنها ابنه ايشيثا النبي، وحكيت عن هاؤلاء الحكماء الثلثة ما قالوا. وفي استعمال هذه الصفات سر لهم كتموه، لكي اكشفه هاهنا، وهو تقديم شرب اللبن قبل شرب الخمر والخل، وما وسموه، أو تأخيره. اما صغريث فرأى تقديم شربه أولا ثم يتبع بالخمر وما وصف. قال وليكن مقدار اللبن نصف رطل لبن حليب كما يحلب. واما ماسي السوواني و ينبوشاد فأمرا ان يشب نصف رطل من اللبن الحليب بعد شرب ما أمروا بشربه وان يطلى موضع اللدغة بالطين الارمني المحلول المداف بالخمر والخل واللبن، قالا فان جاشت معدته، و الا فليزد من شرب اللبن نصف رطل آخر، لكن ينبغي ان يتجرع اللبن جرعة جرعة، سبع جرع، ثم يكرع الباقي كرعا بعجلة. وان كان مع اللبن شيء يسير من سكر مسحوق فانه جيد نافع. وانه ليعجبني الواصف من هؤلاء لأكل لب الجوز مع وردة السذاب، فان هذا عندي بليغ المنفعة مع الخل وما وصف .
وعد ماسي السوراني ان كل شيء من هذه الكرمة يشفي من السم حتى ورقها لو أكله اللديغ لبرئ، وكذلك اذا تسوك شي، من خشبها وابتلع ما ينحلب من أجزاء ذلك الخشب أولا أولا . وان (اعتصر ماء) ورقها وشربه نفعه وقام مقام غيره من خلها وخمرها ونحو هذا وما أشبهه. وقد يدعي قوم من شيعة ماسي انه هو (أستنبط أمر) هذه الكرمة بوحي اوحاه اليه المشتري، (وقالوا إن) الدليل على ذلك ان صنم المشتري الموجود الآن ببلاد سورا مكتوب على صدر الهيكل الذي فيه الصنم اسم ماسي وفي أربع جوانبه0 وأولاد غلام ماسي سدنة هذا الهيكل إلى زمانا هذا. وقد يدعون لماسي دعاوى كبار، اكبر وأنبل من استنباط الدرياق، ويجحدون ما يحكى عن دواناي من ذكر هذه الكرمة، وإنهما ما قالا فيها قولا واحدا ولا عرفاها، ويجعلونه مفتعلا. ولهم خرافات يحكونها وعجايب معجزات لا أدري ما هي ولا أقول فيها شيئا، لأن شيعة ايشيثا في زمانا هذا قد التقوا مع شيعة ماسي فصاروا قطعة واحدة متضافرين، يشهد بعضهم لبعض بالتصديق فيما يحكونه، بارك الله لهم فيه ! وأرجو ان يكون ذلك كله حقا، فاني ما أرده ولا اكذب فيه، ومع هذا فما قام عند ي بينة ولا برهان بحقيقته ، فقد لزمني الآن ان يقال لي : فأنت واقف لا تقبله ولا ترده فأقول كذلك هو، الأ ان دفعه اقرب قليلا. وهذا ما لا حاجة بنا إلى الا معان فيه . فلنرجع فقول: ان ماس احد الحكماء الكبار الاجلأ، القدماء من ( حكماء الكسدانيين الموثوق بارايه ووفور عقله، ولي في مثله فخر واجب ان يحوز الفضايل كلها ، وإنما انكر على شيعته الآن ما يأتون به من الخرافات الطوال التي ماسي فوقها واجل منها وغير محتاج أن يكذبوا له هذا الكذب . وقد اجتمع كل من حكينا عنه في صفة استعمال رطوبات هذه الكرمة لدفع ضرر هذه السموم، ان يدمن بعقب خلاصه اكل الخبز مثرودا في الخمر من هذه الكرمة، ممزوجا باللبن. ويستعمل على هذه الصفة : يثرد الخبز الحواري أو الخشكار المغسول حنطته غسله ، ويذر عليه يسير ملح اندراني مسحوق وحده ثم يصب عليه من الخمر ممزوجا باللبن والخل، من كل واحد جزو بمقدار كفاية الثريد في بلله، ويقطع عليه النعنع والسذاب الكثير ويترك ساعة، ويصب عليه الزيت الكثير الجيد ، ويؤكل. فليدمن اللديغ الاغتذاء بهذا أياما ويأكل بعده من عنب هذه الكرمة أو زبيبها. وما هو اجود قليلا ان يفت الخبز ويصب عليه الزيت وهو يابس ويذر عليه الملح وتدق الكراويا ويسير من الكمون ويذر عليه (بعد ان يجعل عليه) الخمر الممزوج بالخل واللبن، ويترك ساعة تامة حق يبتل، ويؤكل بالملعقة، فهذا يكون أجود وانفع. وليغب اللديغ والمسموم من الطعام دخول الحمام (من يوم الحادثة إلى اليوم الثامن ويقلل النوم ما أمكنه. فاذا مضت ثمانية ايام فليدخل الحمام) دخلة خفيفة ثم يغبه ثلثة ايام ثم يدخله مثل تلك، ثم يتابع دخوله يومأ ويومأ ، فانه الآن ينفعه.
وقد رأى ماسي السوواني ان يختار في زرع هذه الكرمة وغرسها اوقاتا من احوال الكواكب وهيئة الفلك وشكله واختيارات أوقات استعمال ما يستعمل منها، من شرب عصيرها أو خلها أو خمرها . وجملة هذه الاختيارات ان يكون القمر في البروج التي على صور الناس. وليحذر ان يكون القمر وما يتصل به من الكواكب في احد بيتي المريخ أو برج شرفه، وقد قال ماسي أو برج أوجه، وهو برج الأسد، فان هذه الأوقات يستعان بسعادتها على منافع عمل ما يستعمل من هذه الكرمة وعلى تمام نفي السموم وطردها عن البدن، فان ضرر السموم ليس مثل ضرر الإسقام والخروج عن الاشياء الطبيعية وميل الأعضاء إلى احد الكيفيات ميلا خارجا عن الطبيعة، فيحدث من ذلك السقم، بل ضرر السموم ضرر نفساني جسداني ينكي النفس بمشاركة النفس في تلك النكاية للجسد. وهذا معنى قد فرغ منه الأطباء في كتبهم وليس من الفلاحة، فلندعه ونعود إلى تمام عمل هذه الكرمة والتدبير الذي ذكره القدماء فيها واسروه وكتموه وضنوا به. فبعض فعل في ذلك فعلا زاد فيه وبعض كشفه بعض الكشف ولم يسمح ببيان أمره جيدا وبعضه كشفه مرموزا غير بين، ففطن له الحكماء الذي أخرجهم الزمان من بعد فاستعملوه. وذلك أنهم حكوا عن دواناي انه قال ان هذه الكرمة إنما يحدث لها هذا الفعل بالخاصية المجهولة فيها، وتلك الخاصية انما تكون بأن يطلى على بزورها من دهن الشجرة الذهبية القديمة الباقية، وتسقى من الماء الذي تسقاه لنشوها من دهن هذه الشجرة الجبلية البرية، فان هذه الكرمة اذا اجتذبت بطبعها الماء لتغتذي به اجتذبت معه من هذا الدهن وقد (خالط الاجزاء) الأرضية اللطيفة، فيتحول ذلك المجتذب غذاء للشجر ثم ينقلب الماء في الكرمة خرا، وليس يتم نزعه الأ بعد استخراجه من العنب بالعصر، ثم يشتد بعمل الزمان فيه، فانا اشتد صار خمرا على الحقيقة. فاما وهو في العنب وفي الكرم (قبل العنب) فانه رطوبة بين المايية والدهنية نسميها رطوبة الكرم .
قال قوثامى : ومعنى هذا الرمز وتفسيره ان دواناي أمر ان تدهن العناقيد التي تزرع لخروج هذه الكرمة بالزيت: يؤخذ العنقود فيغمس في الزيت ثم يترك في الحفيرة التي وصفناها، هذا في زرعها، واما في غرسها فيغمس من القضيب مقدار شبر في الزيت، وليكن ذلك من الناحية التي يريد الفلاح غرسها في الأرض، (فيكون هذا) القضيب مثل العنقود . فهذا تفسير قول دواناي بان يطلى على بزورها من دهن الشجرة الذهبية القديمة الباقية. والشجرة الذهبية هي الزيتونة، لأن لون دهنها الذي هو الزيت لون الذهب، والقديمة الباقية هي الزيتونة، لأنها ابقى الشجر وأقواه على ما يتلف المنابت كلها، فكأنه أمر ان يعمل بما يغرس ويزرع من هذه الكرمة بالزيت ما وصفنا وغلط في الماء الذي تسقاه من الزيت ليخالط الماء الذي تغتذي به ويمتزج بغذايها. فانا كان ذلك، حدث لها هذا الفعل الذي هو التخليص من السموم، فسماها دواناي لذلك كرمة الدرياق، (إذ كان خمرها يعمل عمل الادوية المخلصة من السموم)، وكل دواء فعل ذلك فاسمه درياق.
وقد قال غير دواناى نحو الكلام الذي حكيناه عن دواناي. فاما ادمى فانه كشف هذا وأوضحه وبينه0 الأ ان كلامه فيه بعض الظلمة، فلما جمعنا بين كلاميهما ظهرت لنا الفايدة والسر المخبوء . وقد قال في ذلك ماسي السوواني نحو هذا الكلام الذي قدمناه. واما صغريث فانه زاد على ما ذكره القدماء زيادة ذكر انه استنبطها ثم جربها فوجدها (صحيحة، وقد صدق صغريث فيها، لأني جربتها فوجدتها صحيحة) كما قال، الأ انه ضن بها فرمزها، وإنا فقد كشفت رمزه هاهنا وأوضحته.
قال صغريث : يؤخذ من شجرة الفستق ، أغصانا وورقا، ومن حملها فيحرق بالنار، بعد ان يقشر الحمل ويحرق قشره مع الاغصان والورق ويعزل لب الحمل، ويؤخذ هذا الرماد فتطم به اصول غروس هذه الكرمة وزرعها، واما اللب فيسحق مع شيء من قطران ويخلط بهما اشنان نقي ابيض مطحون، يكون الفستق جزئين، والقطران نصف جزء، والاشنان نصف جزء، فيخلط جيدا ويترك في الهواء ثلثة ايام ثم يحلل بالزيت الذي يغمس فيه العنقود المزدرع واطراف الاغصان المغروسة، ثم يخلط هذا الذي فيه الفستق (في الماء) الذي تسقاه هذه الكرمة. (قال فان هذا اذا أدمن استعماله دايما في سقي هذه الكرمة) من وقت زرعها أو غرسها إلى تمام ثلث سنين انقلب طبعها إلى ان تشفي من جميع السموم، ولذ طعم شرابها، وكذلك طعم خلها.
ومما تحتاج إليه هذه الكرمة ان يستعمل فيها ان تكن بالبواري أو الاخصاص من البرد ومن الحر وقت الحر أيضا، فان هذا لا بد منه، لأنه ان حمل عليها البرد أو الحر افسد طبعها فتغير فعلها ونقصت منفعتها.
فاما ينبوشاد الحكيم العالم فانه لم يزد على ما قال من تقدمه في إفلاح هذه الكرمة شيئا، بل صوب أراهم فيها. وقد قال شيئا على سبيل المشورة والاستحباب ذكر ان القياس يوجبه، وقال: ما جربته، وأمرنا بتجربته لننظر، فان صح لزمناه وان اخلف تركناه. فقال انا ارى ان يخلط في الزيت الذي يغمس فيه بزرها وأصول أوضاعها والذي تسقاه مع الماء شيء من الزعفران المطحون، فان ذلك يقوي فعلها في صرف ودفع ضرر السموم ويعين خمرها وخلها على الوصول إلى أغوار الأبدان واقعار الاجسام ، فيغوص ذلك على السم فيدركه بسرعة مريعة فيطرده وينفيه .
قال قوثامي : فلعمري ان هذا بايجاب القياس صحيح لا علة فيه، وقد جربته الآن في كرمة عملها بعض أكرتنا (ببلاد بارما)، الأ انها ما حملت بعد. وتجربة هذا والعلم بها هو صحيح أم سقيم، إنما يكون باستعمال عصيرها وخلها على لديغ أو مسموم في طعام أو شراب. وهذا فربما اتفق قريبا وربما في بعض الأوقات. وقد أخبرتكم ان القياس عندي وبحسب رأي يوجبه ويصححه، وانما بقيت التجربة علينا فيه. وقد كنت في الوقت الذي جربت فيه ما علمنا صغريث، وهو الذي ثبت انه صح، فجربت شيئا آخر انا اشرحه : عمدت إلى كرم من كروم الدرياق فقطعت منها غليظا، على ان الغلاظ فيها قليلة، كسحت الغصن كسحا مستويا بمنجل حاد ماض، عملت (أنا ذلك) بيدي، ثم شققت في سطح ذلك المكسوح شقا كما يعمل لتراكيب الأشجار بعضها على بعض، وقطعت غصنا مما يصلح للتركيب للكرمة المسماة أوقرخيثا وغمسته في الزيت الذي وصفه صغريث المخلوط فيه الفستق وسقيت تلك الكرمة الماء الذي يصلح ان يسقى، فنبت ذلك القضيب فانتشر وحمل في وقت حمل مثله، فرأيت اكل عنبه وزبيبه ابلغ من اكل عنب وزبيب كرمة الدرياق، فكان خمره وعصيره وخله يعمل كعمل ما خرج من غيره .
وإما السحرة فان لهم في كرمة الدرياق وصايا ظريفة وكلام كثير، وقد علمتم، معشر من ينظر في كتابي هذا، اني شديد الانحراف عنهم، ماقت لطريقتهم، وان كان حقا صحيحا، (فلن أكاد) احكي عنهم شيئا مما يأمرون به لذلك، فانهم زعموا ان هذه الكرمة انما يحدث لها وفيها هذه الخاصية التي يعمل بها مثل الشيلثا في التخليص من السموم بما يصنعه الناس بها، ويدخلون الزيت مع الماء عليها، فان الزيت اذا مازج الرطوبة التي تغتذي بها هذه الكرمة حدث من ذلك المزاج في الكرمة هذا الفعل.
قالوا وقد استنبطنا وادركنا فعالا ينبغي ان تكون مضافة إلى ذلك العمل الذي وصفه دواناي وادمي وماسي السوواني، (فانا نقول) انه ان عمل بهذه الكرمة عملنا هذا صار فيها من هذه الخاصية شيء أعجب واظرف من الفعل الذي ادعاه أصحاب دواناي عنه فيه ما ادعوا على ان لدواناى على جميع الناس فضل السبق إلى عمل هذه الكرمة وان ذلك مسلم له، الأ انا قد أدركنا نحن في هذه الكرمة اشياء لم تحك عن دواناي ولا ماسي السوواني ولا غيرهم، ونحن نعلم مع ذلك ان العمل في الذي نصفه لها، ان عمل بغيرها من الكروم، لم يعمل عملها في شفاء السموم ولا انه يحدث له من خاصية الفعل ما يحدث لها، فقد دل على ان هذه الخاصية انما تكون لهذه الكرمة بعينها مع ذلك الفعل الذي نفعله نحن بها والتدبير الذي ندبرها به. فباجتماع هذه الكرمة مع ذلك العمل، مثال ذلك المنشار الذي يعمل من حديد فيقطع به الخشب وغيره مما يقطعه المنشار، فيعمل على هذا الشكل الذي نشاهده عليه من طوله وأسنانه ومقبضه وتحريكه الحركة الموافقة للقطع فيقطع. ولو عملنا منشارا من خشب على ذلك الشكل وتلك الصورة لم يعمل عمل الذي هو من حديد، فقد صار القطع للمنشار الحديد باجتماع ذلك الشكل وتلك الصورة مع ذلك الجوهر الذي هو الحديد. فهكذا ايضا إنما يكون شفاء هذه الكرمة من السم بما نعمله نحن فيها، اذا أنضاف إلى جوهرها، فيكون العمل لذلك الجوهر مع ذلك التدبير، بأن يضاف احدهما إلى الآخر، فنقول بعد ذلك ان الذي ادركناه من عمل هذه الكرمة وإفلاحها حتى يحدث فيها ذلك العمل الذي هو الشفاء من السموم، هو ان يعمل إلى هذه الكرمة بعد نباتها، ان زرعت، أو بعد نباتها وانتشارها قليلا، ان غرست، فيشعل على بعد عظم الذراع منها، اما من خشب الكرم، أي كرم كان، واما من خشب الرمان أو خشب ألآس، وخشب الكرم اجود وأصلح، وقودا لينا خفيفا لا تحمى منه الكرمة ولا أصلها، كما يبين عليها، ويجمح الرماد اذا برد كله جيدا معما يخالطه من يسير تراب تلك الأرض، يعمل هكذا في كل وقدة على نسبته بمقدار نقصان السدس أو نحوه اقل منه، يحزر ذلك حزرا، إلى ان يكمل له هذا العمل سبع مرار إلى ثمانية مرار، ثم يخلط حينيذ الزيت مع الماء في سقيها حتى تشربه دايما. فانا مضى من قطع الوقود ستة وثمانون، والأصل هو أربعة وثمانون، فليخلط ذلك الرماد الذي جمع من الوقود مع ما تعلق به من التراب، فيصب عليه دردي الزيت ويضاف إليه من ورق الهندبا وأصوله ويخلط خلطا جيدا ويعفن أياما ويقلب كل يوم حتى يعفن ويختلط، وليكن فيه جزء من اخثاء البقر معفن معه، فانا كمل عفنه وصار هباء اسود فليصب عليه من خل أو خمر أو عصير ويبسط حتى يجف جيدا ويضرب حتى يصير هباء، ثم يجعل في اصول هذه الكرمة ويغبر به النبات الذي قد نبث من هذه الكرمة، ويرش عليه قبل التغبير ماء عذبا رشا خفيفا، ثم يغبر به بعد ذلك، يعمل به هكذا عشرة ايام وهو يسقى الماء المخلوط بالزيت دايما، فان ذلك النبات ينمى وينتشر ويسرع نشوه وتتسع أوراقه وتزول عنه الجعودة سريعا ويبين فيه طول. فانا مضى لهذه الكرمة، من وقت غرسها، منة واحدة، فليعمد فلاحها إلى ديك ابيض له عرف كبير، فليقطع رأسه ويثقب العرف الكبير ويدخل في الثقب خيطا، وليكن أبريسم فيه من كل لون الأ الأسود، ويشد شدا محكما ويعلق على هذه الكرمة، ان كانت عدة اصول فعلى كل اصل منها رأس ديك معلق مشدود بمثل ذلك الخيط، وان كان ذلك أصلا واحدا، فواحد، فهذا من الخواص، فاذا مضى لها سنتان ودخلت السنة الثالثة ومضى منها شهر أو شهران، فليرش في كل سبعة ايام على هذه الكرمة من نحرها، فان لم يكن منه فمن خمر غيرها، رشا خفيفا على ورقها ولب اغصانها، فان هذا ينميها ويحدث فيها من عملها في الشفاء من السقم شيئا صالحا . وهو من أكبر أدويتها، لأن مع ما يحدث فيها قد يحفظها.
وقد رأى بعض شيوخنا ان يخنق الديك الأبيض الافرق ويعلق على الكرمة كما هو، قال ولا يعمل ذلك الأ في اول السنة الرابعة، وان كان اول الخامسة فجايز، لكن إنما أمر هذا بتعليق الديك (على الكرمة / كما هو) من أجل رأس الديك، فقلنا نحن: فقطع رأسه وحده ونعلقه على الكرمة. وليس في هذا (لغز منا)، فيظن من يسمعه ان القصد تعليق الديك كما هو دون رأسه وحده، (بل هو على ظاهره، اما ان يعلق الديك كما هو وإما رأسه وحده)، فكلاهم جايز في العمل وكلاهما يعمل في الكرمة عملا واحدا. وتعليق هذا، اما الديك أو رأسه، في اول السنة، الرابعة، هو الأصل الجيد النافح في ذلك، فليعمل عليه بالنار وإيقادها والرماد والتزبيل به والزيت وخلطه بالماء. وتعليق الديك هو المؤثر في هذه الكرمة والعامل فيها ما يراد منها.
وهذه الوجوه كلها يكون تماما برش الخمر على هذه الكرمة مع (التزبيل بالزبل) الذي رسمه الفلاحون لها. فان علاج الفلاحين لهذه الكرمة شيء مشترك بين إحداث الخاصية، (وتدبير ما) وصفنا نحن، (فانما هو) من الاعمال الروحانية الإلهية، فقد يحتاج مع إعمالنا إلى اعمال الفلاحين.
وقد أشار بعض اصحابنا أن نغرس حول هذه الكرمة أصولا من سراج القطرب، فان في هذا النبات موافقة عجيبة (لهذه الكرمة). غيرها من الكروم. والعلة في ذلك ان سراج القطرب نبات للزهرة، والكرم فهو للزهرة. وكل شكل يقوي شكله ويوهن ضده، كما ان القمر اذا اجتمع مع الشمس قوته الشمس ففرح (باجتماعه معها) وفرحت الشمس أيضا بالقمر. اما فرح القمر فلاقتباسه من الشمس واما الشمس فلأعطيها تلك القوة، (فتفرح بكرمها). وكل هذا فانما كان للمشاكلة. وليس كل المشاكلات أيضا يقوى بعضها ببعض، بل فيها اختصاص من بعضها إلى بعض. فمزاج القطرب (يوافق الكروم) من وجهين من الموافقة، فاذا غرس أو زرع بزره فيما بين هذه الكروم المتخذة للدرياق قوتها وزادت في عملها زيادة بينة نافعة، ولاختلاط النوع من الاشنان الذي يقال له الزاتا بعد إنعام طحنه، وهو النقي الأببيض، الزيت .اخثاء البقر وبالتراب المخالط، فعل ظريف في هذه الكرمة. وليس بأن يستعمل الاشنان وحده بل باختلاطه مع غيره يكون منه الفعل الذي يؤثره في هذه الكروم .
avatar
wara_qa
نباتي
نباتي

عدد المساهمات : 342
تاريخ التسجيل : 09/01/2011
الموقع : الحديقة و منتديات جمعية النباتيين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اشجار الفلاحة النبطية : باب في ذكر الكروم

مُساهمة من طرف wara_qa في الإثنين سبتمبر 29, 2014 4:32 pm

باب ذكر كيف تزرع الكروم

قال قوثامى : فهذا ما وقفت عليه من رسوم السحرة في هذا المعنى. وقد كنا قدمنا فيما مضى من كلامنا على الكروم، خاصة التي هي غير كرمة الدرياق، ان شجر الزيتون ان غرس بحيث غروس الكروم كان ذلك موافقا لها، لكن ينبغي ان تكون شجره متباعدة قليلا عن الكروم، فان في ذلك منفعة للكروم المجاورة شجر الزيتون . وهذا رأي رآه اكثر القدماء، وإنما أردت بهذا هاهنا التثنية على فضل علم دواناي في مشورته على الناس ان يخلطوا الزيت بالماء الذي تسقى به هذه الكرمة، فصار قوله هذا أصلا يقيس عليه الناس بعده، فكل أقاويلهم انما هي قياس على هذا (حتى إن) من رأى إدخال الزعفران في أدوية علاج هذه الكرمة حتى يكمل لها وفيها هذا الفعل، إنما أخذه قياسا على قول دواناي، فكأنه هو الذي فتح للناس هذا الباب كله، فأخذوه عنه.
وقد مر في هذه الكرمة ما فيه كفاية، فليعمل عليه. على ان فيه ما هوا كثر من هذا، وما ذكرناه هو اصله وعمده. وليس يمكن ان يدون في كتاب أكثر من هذا. والقياس من العلماء، اذا استعملوه، زادت هذه العلوم في ايديهم واتضح لهم منها ما ليس بمدون في كتاب، فاعملوا على ذلك.
واعلموا ان انفع ما في هذه الكرمة انها إذا نبتت في بستان أو قراح لم يقرب ذلك الموضع أفعى ولا حية من جميع أنوع الحيات حتى الأسود، فانه ربما قام بحيث تكون هذه الكرمة فيمرض ويقم، فان اكثر الدنو منها مات . وهذه حال العقارب منها والزنابير والذراريح وجميع ذوات السموم، فانهم يهربون منها مثل هربهم من النار. وان جعل في بيت من ثمرتها أو من ورقها أو اغصانها أو عروقها أو شرابها أو خلها هرب عن ذلك البيت جميع الحشرات والدبيب المضر بسمه للناس.
ومتى مرضت هذه الكرمة أو حدث عليها من بعض الادواء، التي تحدث على الكروم فينبغي ان يعالج (ذلك الداء ويزال) عنها بمثل ما وصفنا من إزالته في غيرها من ساير الكروم، فان كرمة الدرياق وغيرها تشترك في ذلك.
وقد بقي (علينا فصل) واحد في معنى واحد مما رسمناه في عمل كرمة الدرياق، وهو قولنا انه ينبغي ان يؤخذ لها قضبان الغروس ويستعان في الانتزاع. بالكلاليب الحديد، ويعمل في ذلك على سبيل المداراة والعمل المشترك بين الانتزاع والكسح . وقلنا ويكون الانتزاع اقرب منه إلى ( الكسح. واعلموا ان هذا الانتزاع مما تحتاجون إليه في كرمة الدرياق وغيرها من ساير الكروم. وهذا الانتزاع تختص به كرمة الدرياق اختصاصا ما ويعمها وغيرها منه اشياء هي أكثر مما يدخل في هذه الكرمة . وقد علم كل عاقل ان (أمرنا للفلاحين) بانتزاع اغصان هذه الكرمة وغيرها، انه لا ينبغي ان يكون ذلك الأ والأغصان المنتزعة طرية غضة سهلة الإجابة إلى ذلك، وانه متى كان فيها خشونة أو يبس وخشبية لم يسهل انتزاعها بالأيدي (ولم يتأت/البتة)، (وذلك انها اذا انشقت وعرقت اضر) ذلك بالكرم المنتزع (ذلك منه) اضرارا شديدا .
وقد يستعمل الناس هذا الانتزاع في أوقات مختلفة، وليس يتجاوز ذلك وقتين، احدهما وقت تصور العنب في العناقيد والعناقيد في الكروم، والثاني وقت فراغها من الحمل. فاما الانتزاع في وقت حمل الكروم فيحتاج (إلى بصير) عالم بعلل الكروم وكيف عملها، وفي وقت فراغها أيضا من الحمل فقد تحتاج إلى بصير، وكذلك في الكسح، فان الكاسح ينبغي أن يكون عالما عارفا بعللها وأسباب عمل الكسح ليلا يقتل الكرمة أو يمرضها، فان الكسح أصعب من الانتزاع من وجه ما والانتزاع أصعب منه من وجه آخر، ففيهما جميعا عسف بالكروم ينبغي ان يحذر، وضرر عسف الكسح أعظم ، فليتوق فضل توق. وقد يتعمد قوم عن يبصر هذه الاشياء بصرا ثاقبا، اذا أراد كسح شيء من قضبان الكروم، أي كرم كان، اذا رأى قضيبين في كرم في احدهما عناقيد وحمل وليس في الأخر شيء، فانه يكسح القضيب الذي لا ثمرة (فيه ويترك الذي فيه الثمرة) حتى يعود فيكسحه بعد ذلك، اذا فرغ من الثمرة التي فيه. فافهموا هذه النكتة وتأملوا ما اردنا بها.
وقد ينبغي ان يكون أكثر الانتزاع والكسح جميعا من الكروم الحديثة التي لها ثلث سنين فصاعدا إلى سبع سنين، فانها ان (تركت أثقلها) ما قد طال من فروعها وأغصانها، لأن هذه الكروم الحديثة ليس لأصولها قوة تحمل تلك الاغصان اذا كثرت عليها، خاصة اذا طالت طولا مفرطا. وينبغي ان تداوى الكروم التي يتأخر قطافها، فان الأوراق في شدة حرارة الشمس تستر الاغصان من فرط حرارتها، (فاذا نقصت حرارتها فلتكشف) الثمرة بنزع الورق لتصل حرارة الشمس (إلى الثمرة)، فتزيد حلاوتها وجودتها ويكون شرابها الذ واجود وابعد من ألفساد، لأن الثمرة اذا انتزعت من الكرمة فجة لم يتم نضجها، كان الشراب المعتصر منها سريع الفساد، واذا كانت نضجه جيدة النضج كان شرا